الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد
التشريع الإسلامى والاجتهاد
…
التشريع الإسلامي والاجتهاد:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته مرجع المسلمين في تدبير شئونهم العامة: من تشريع، وقضاء، وتنفيذ. وكان قانونه في هذا التدبير ما ينزل عليه من ربه، وما يهديه إليه اجتهاده ونظره في المصالح، وما يشير به أولو الرأي من صحابته فيما ليس فيه تنزيل. وكان التدبير بهذه المصادر يتسع لحاجات الأمة ويكفل تحقيق مصالحها.
وقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته هاديين لا يضل من اهتدى بما في تدبير شئونهما وهما: كتاب الله، وسنته. وأقام منارًا ثالثًا يستضاء به -فيما ليس فيه نص من كتاب أو سنة- وهو: الاجتهاد الذي مهد طريقه، ودعا إليه بقوله، وعمله، وإقراره. ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما كان يبلغ الأحكام مقرونة بعللها والمصالح التي تقتضيها، وفي هذا إيذان بارتباط الأحكام بالمصالح، ولفت إلى أن الغاية إنما هي: جلب المنافع، ودرء المفاسد. فمن أمثلة هذا قوله في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها:"إنكم إن فعلتك ذلك قطعتم أرحامكم". وقوله في النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم إباحتها: "إنما نهيتكم من أجل الدافة". وقوله في الهرة وطهارة سؤرها: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات". فهذا ونظائره في الكتاب والسنة مما فيه نص على علة الحكم أو إشارة إليها كان تمهيدًا للسبيل إلى الاجتهاد لأنه بهذه العلل يتوصل إلى إلحاق الأشباه بالأشباه، وتعرف الحكم في كل موضع لا نص فيه. وقد أقر
الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهاد من اجتهد في حضرته من صحابته. ويقال للمجتهد: إن أصبت أجران، وإن اخطأت فلك أجر. وكان ينهى عن الشيء لمصلحة تقضي بتحريمه ثم يبيحه إذا تبدلت الحال وصارت المصلحة في إباحته، كما في حديث "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها". ولما خرج صحابيان في سفر وحضرتهما الصلاة وليس معهما ماء وصليا ثم وجدا الماء في الوقت وأعاد أحدهما ولم يعد الآخر صوبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال للذي لم يعد: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك"، وقال للآخر "لك الأجر مرتين".
هذا كله وكثير من مثله بث في نفوس المسلمين أن غاية الشرع إنما هي المصلحة، وحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله. وأنار لهم أن السبيل إلى تحقيق المصالح حيث لا نص إنما هو اجتهاد الرأي.
وقد ظهرت هذه الروح فيما سلكه الراشدون بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في تدبير العامة للدولة فكانوا يهتدون في نظمهم وسائر تصرفاتهم بما شرع الله في كتابه، وعلى لسان رسوله. وإن حدث لهم ما ليس له حكم في كتاب ولا سنة اجتهدوا رأيهم واتبعوا ما أدى إليه اجتهادهم مما رأوا فيه مصلحة الأمة ولا يخالف روح الدين. وكثيرًا ما كان اجتهاد أحدهم يخالف اجتهاد صاحبه بل قد يخالف ما يفهم من ظاهر النص.
وما أتهم مجتهد منهم أنه على غير الحق أو تنكب طريقه، ما دامت الغاية: المصلحة وعدل الله، والوسيلة: اجتهاد الرأي وإنعام النظر.
اجتهد أبو بكر فاستخلف على المسلمين عمر. واجتهد عمر فلم يستخلف واحدًا، وترك الأمر شورى بين ستة. فاجتهاد أحدهما غير اجتهاد صاحبه، واجتهادهما معًا غير ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لم يستخلف واحدًا كما فعل أبو بكر ولم يترك الشورى لستة كما فعل عمر وما رمي واحدًا منهما بأنه خالف شرع الله لأنه توخى المصلحة، واجتهد ما استطاع.
اجتهد عمر وأمضى الطلاق الثالث على من طلق زوجه ثلاثًا بكلمة واحدة، ولم يكن ليخفى عليه قول الله في كتابه:{الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] وإن الثلاث في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وصدر من خلافته نفسه كانت تعتبر واحدة، وإن رجلًا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم طلق امرأته ثلاثًا فبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فقال:"أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم" لم يكن ليخفى عليه من ذلك شيء ولكنه رأى الناس أكثروا من هذا اللعب فألزمهم بنتائجه، ردعًا لهم أو تقليلًا لألاعيبهم. وهذا هو الذي عناه بقوله رضي الله عنه:"إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة فلو أنا أمضيناه عليهم" فأمضاه عليهم. ولهذا قال ابن تيمية: "إن سياسة عمر قضت بأن ألزم المطلق ثلاثًا بكلمة واحدة بالثلاث، وسد عليهم باب التحليل ليزدجروا ويرتدعوا، ولو علم أن الناس يتتابعون في التحليل لرأي أن إقرارهم على ما كان عليه الأمر زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من خلافته أولى".
اجتهد عثمان وجدد أذانًا ثانيًا لفريضة الجمعة لم يكن على عهد الرسول لأنه قضت به المصلحة في إعلام الناس بالصلاة بعدما تزايد عددهم وتباعدت دورهم: وجمع الناس على قراءة القرآن بحرف واحد هو ما دون في المصحف الإمام ولم يكن ليخفى عليه أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. وأن الرسول قال لقارئين بحرفين متغايرين: "هكذا أنزل، وهكذا أنزل". ولكنه خشي فتنة الخلف بعد تباعد أطراف الدولة وتفرق الحفاظ في الأمصار واستشهادهم في الجهاد فمنع ما كان مباحًا.
اجتهد علي وحرق الرافضة وما كان خفيًّا عليه حكم الله في قتل الكافر ولكنه رأى المصلحة في الزجر عن الجرم الشنيع بالعقاب الشنيع وهو التحريق.
وكذلك كان الشأن في القضاء وطرق الحكم، فكانوا يعتمدون على كل دليل يطمئن إليه القلب ويهدي إلى العدل والحق لا يقفون عند أدلة خاصة ظاهرة من بينة أو إقرار أن نكول. فقد قضى عمر برجم الجارية التي ظهرت حاملًا ولا زوج لها ولا سيدًا اكتفاء بهذه الأمارة. وحكموا بحد السرقة على من وجد المسروق في يده اعتمادًا على هذه القرينة. وقد وفى ابن القيم هذا المقام بما لا مزيد عليه في كتابه "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية".
وكانوا كذلك بنظرون في التنفيذ إلى ما تقتضي به المصلحة وحال الناس، فقد عطل عمر تنفيذ حد السارق في عام المجاعة وأسقط سهم المؤلفة قلوبهم لما أعز الله الإسلام. وهذه السبيل التي سلكها المسلمون
أول أمرهم في التشريع والقضاء والتنفيذ كانت السبيل القويم في تدبير شئون الدولة. وكانت لا تضيق بحادث أو حاجة. ولا تقصر عن تحقيق أية مصلحة. ولا عن مسايرة الزمن في تطوراته، ومراعاة ما تقتضيه تغيرات الأزمان والأحوال. ويسلكونها ما شعر واحد بقصور الشريعة الإسلامية عن مصالح الناس ولا رميت بحاجتها إلى غيرها، وما عرف إذ ذاك حكم شرعي وآخر سياسي وإنما كانت الأحكام كلها شرعية مصدرها ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله وما اهتدى إليه أولو الرأي باجتهادهم الذي تحروا به المصلحة، وبذلوا أقصى الجهد لتحقيقها، والله ما شرع الشرائع إلا لمصلحة عباده.
جاء بعد هذا عصر التزم فيه مجتهدو الفقهاء طرقًا خاصة في الاجتهاد ووضعوا شروطًا ورسومًا للمصالح الواجب اعتبارها. وسواء أكان الباعث لهم على هذا زيادة حرصهم على أن لا يتعدوا شرع الله أم اتهامهم عقولهم بالقصور على السابقين أم غير ذلك فإن هذا الالتزام قيد من حرية المجتهد وضيق دائرة الاجتهاد، وقضى بإغفال مراعاة كثير من المصالح المرسلة: وهي التي لم يرد في الشرع دليل بشأنها ولم يشهد الشارع باعتبارها ولا بإلغائها وبعد أن كان مجتهدو الصحابة يعملون لمطلق المصلحة لا لقيام شاهد بالاعتبار، وهاديهم في هذا فطرة سليمة ونظر صحح، صار الاعتبار لمصالح خاصة والمرجع إلى قواعد موضوعة. وبهذا بدأت تضيق دائرة التشريع وتلتزم في القضاء طرق خاصة للوصول إلى الحق وتغل اليد عن تنفيذ ما قد يكون فيه بعض الإصلاح.
وكان هؤلاء المجتهدون في بعض الأحوال بحرج هذه القيود وضيق قواعدهم بمصالح العباد فكانوا يخرجون من هذا الضيق بما يدعونه الاستحسان. ومن أمثلة هذا عقد المزارعة فهو على قواعد اجتهادهم باطل لكنهم لما رأوه ضروريًا لمصالح الناس أجازوه بطريق الاستحسان، وما هذا الاستحسان إلا بقية من روح الاجتهاد الفطري الذي كان سبيل السلف الأول.
وبإغفال المصالح المرسلة في التشريع وإلغاء اعتبار القرائن والأمارات في القضاء والتزام طرائق خاصة للوصول إلى الحق وتنفيذه ظهر الفقه الإسلامي بمظهر القاصر عن تدبير شئون الدولة الذي لا يتسع لمصالح الناس ولا يساير الزمن وتطوراته وأخذ الولاة السياسيون ورجال السلطة التنفيذية في الدولة ينظرون إلى مصالح الناس المطلقة ويدبرونها بما يكفلها من النظم والقوانين غير ملتزمين ما التزمه أولئك المجتهدون. وأكثر ما عنوا بسعته الطرق الحكمية وقوانين العقوبات لأن أكبر همهم توطيد الأمن والضرب على أيدي المجرمين. ولا بد لهذا من الأخذ بالقرائن والاكتفاء بالأمارات والخروج عن قيود الفقهاء. ومن ذلك الحين بدأ المسلمون يرون بينهم نوعين من النظم والأحكام:
أحدهما:
ما استنبطه الفقهاء المجتهدون على وفق أصولهم وقيودهم.
ثانيهما:
ما لجأ إليه الولاة السياسيون لتحقيق المصالح المطلقة ومسايرة الزمن، وكان هذا النوع الثاني يتبع حال واضعيه؛ فتارة يكون
في حدود الاعتدال مراعى فيه تحقيق المصالح غير متجاوز به حدود الدين وأصوله الكلية، وتارة يكون مراعى فيه الأغراض والمصالح الجزئية.
ثم زاد قصور الفقه الإسلامي عن مصالح الناس بإغلاق باب الاجتهاد واقتصار الفقهاء على حمل الناس أن يتبعوا ما استنبطه أئمتهم في عصورهم السالفة دون نظر إلى ما بين الأزمان والأحوال من تفاوت.
فاتسعت مسافة الخلف بين الفقه ومصالح الناس في كثير من الشئون، واتجه ولاة الأمر في الدولة الإسلامية إلى مسايرة الزمن ومراعاة المصالح بتشريع ما يحققها مما يتفق وأصول الدين وإن لم يوافق أقوال الفقهاء المتبوعين.
وعلى هذا النهج سارت وزارة الحقانية في مصر فيما عدلته من بعض أحكام الأحوال الشخصية: في الطلاق ودعوى النسب ونفقة المعتدة وسن الحضانة وموت المفقود. وأبانت في المذكرة الإيضاحية لهذا التعديل أن الوجهة هي جلب المصلحة أو رفع الضرر العام. وجاء في تلك المذكرة ما نصه:
"من الواجب حماية الشريعة المطهرة وحماية الناس من الخروج عليها وقد تكلفت بسعادة الناس دينًا وأخرى وأنها بأصولها تسع الأمم في جميع الأزمنة والأمكنة متى فهمت على حقيقتها وطبقت على بصيرة وهدى.
ومن السياسة أن الشرعية أن يفتح للجمهور باب الرحمة من الشريعة نفسها وأن يرجع إلى آراء لتعالج الأمراض الاجتماعية كلما استعصى مرض منها حتى يشعر الناس بأن في الشريعة مخرجًا من الضيق وفرجًا من الشدة".
وعلى هذا الأساس ومراعة للمصلحة العامة منع من مباشرة عقد الزواج أو المصادقة عليه ما لم تكن سن الزوجة ست عشرة سنة وسن الزوج ثماني عشرة سنة وقت العقد ومنع من سماع الشهود على بعض الوقائع والتزام لإثباتها أوراق تدل على صحتها.
وهذا التعديل في الأحكام والطرق الحكمية مما قصد به درء المفاسد وجلب المصالح وروعي فيه موافقة أصول الدين وإن لم يتفق وأقوال الأئمة الأربعة المجتهدين. وهذه الخطة في تدبير الشئون هي السياسة الشرعية.
فالسياسة الشرعية:
هي تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار مما لا يتعدى حدود الشريعة أو أصولها الكلية وإن لم يتفق وأقوال الأئمة المجتهدين. وبعبارة أخرى هي متابعة السلف الأول في مراعاة المصالح ومسايرة الحوادث. والمراد بالشئون العامة للدولة كل ما تتطلبه حياتها من نظم، سواء أكانت دستورية أم مالية أم تشريعية أم قضائية أم تنفيذية، وسواء أكانت من شئونها الداخلية أم علاقاتها الخارجية. فتدبير هذه الشئون والنظر في أسسها ووضع قواعدها بما يتفق وأصول الشرع هو السياسة الشرعية.
وليس يوجد مانع شرعي من الأخذ بكل ما يدرأ المفاسد ويحقق المصالح في أي شأن من شئون الدولة ما دام لا يتعدى حدود الشريعة ولا يخرج عن قوانينها العامة. وهذه أقوال بعض العلماء التي توضح هذه الوجهة: فقد نقل علاء الدين في كتابه معين الحكام عن الإمام القرافي قال:
"واعلم أن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفًا للشرع، بل تشهد له القواعد الشرعية من وجوه:
أحدها:
أن الفساد قد كثر وانتشر بخلاف العصر الأول ومقتضى ذلك اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع بالكلية لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" وترك هذه القوانين يؤدي إلى الضرر.. ويؤكد ذلك جميع النصوص الواردة بنفي الحرج.
وثانيها:
أن المصلحة المرسلة قال بها جمع من العلماء وهي المصلحة التي لم يشهد الشارع باعتبارها ولا بإلغائها. ويؤكد العمل بالمصالح المرسلة أن الصحابة -رضوان الله عليهم- عملوا أمورًا لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو كتابة المصحف، وولاية العهد من أبي بكر لعمر، وتدوين الدواوين، وعمل السكة، واتخاذ السجن، وغير ذلك من كثير لم يتقدم فيه أمر أو نظير وإنما فعل لمطلق المصلحة.
وثالثها:
أن الشرع شدد في الشهادة أكثر من الرواية واشترط في الشهادة العدد والحرية لتوهم العداوة، ووسع في كثير من العقود كالعارية والمساقاة للضرورة، ولم يقبل في الشهادة بالزنا إلا أربعة وقبل في القتل
اثنين لأن القصد الستر وإن كان الدم أعظم. وهذه المباينات والاختلافات كثيرة في الشرع لاختلاف الأحوال، فلذلك ينبغي أن يراعى اختلاف الأحوال في الأزمان فتكون المناسبة الواقعة في هذه القوانين السياسية مما شهدت لها القواعد بالاعتبار".
ونقل ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية عن ابن عقيل قال:
"السياسة ما كان فعلًَا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي. ومن قال: لا سياسة إلا بما نطق به الشرع فقد غلط وغلط الصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين ما لا يجحده عالم بالسنن وكفى تحريق علي الزنادقة وتحريق عثمان المصاحف ونفي عمر نصر بن الحجاج".
قال ابن القيم في الطرق الحكمية: "وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرءوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنه حق مطابق للواقع ظنًا منهم منافاتها لقواعد الشرع. ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم. والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمور ذلك وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًا طويلًا وفسادًا
عريضًا فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنفاذها من تلك المهالك. وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله وكلا الطائفتين أتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتبه، فإن الله -سبحانه- أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه والله -سبحانه- أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها بل قد بين سبحانه وتعالى بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له، فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع بل موافقة لما جاء به بل هي جزء من أجزائه ونحن نسميها سياسة تبعًا لمصطلحكم، وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الأمارات والعلامات".