المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأولالإيمان بأشراط الساعة - الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في تو ضيح العقيدة

[عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر]

الفصل: ‌المبحث الأولالإيمان بأشراط الساعة

‌المبحث الأول

الإيمان بأشراط الساعة

ص: 238

المبحث الأول: الإيمان بأشراط الساعة

ورد في الكتاب والسنة ما يدل على أن للساعة علامات تدل على قرب وقتها ودنوه فالواجب على كل مسلم أن يصدق بكل ما ورد في ذلك وأن يؤمن بأنه كله حق وأنه سيقع طبقا لما أخبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

قال السفاريني في درته المضيئة:

وما أتى في النص من أشطراط

فكله حق بلا شطاط1

فمن أدلة الكتاب على أمارات الساعة:

قوله تعالى:

{فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} 2.

وقد ورد في القرآن الكريم ذكر جملة من أشراط الساعة، سيأتي ذكر بعضها قريباً.

أما أدلة السنة على أشراط الساعة فكثيرة متواترة:

منها: حديث جبريل المشهور حيث سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمارات الساعة: "قال أخبرني عن أماراتها، فقال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان" 3

ومنها: حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: "طلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال ما تذاكرون؟ قالوا نذكر الساعة قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم عليه السلام، ويأجوج ومأجوج ـ ثلاثة خسوف خسف بالمشرق،

1 الدرة المضيئة في عقد الفرقة المرضية للسفاريني 1/70، من شرحها لوامع الأنوار البهية..

2 سورة محمد/ 18.

3 أخرجه مسلم 1/38.

ص: 239

وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"1.

ومنها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال ستاً طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال، أو خاصة أحدكم أو أمر العامة"2.

وغيرها من الأحاديث، والمقصود أن الأحاديث الدالة على أمارات الساعة كثيرة جداً.

وهذه الأشراط منها ما هو قريب من قيام الساعة مثل نزول عيسى عليه السلام وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وغيرها.

ومنها ما يكون قبل ذلك كالأمارات التي جاءت في حديث جبريل وغيرها.

وقد تناول ابن سعدي جملة من أشراط الساعة في ثنايا مؤلفاته وسأقتصر فيما يلي على ذكر كلامه في جملة من أشراط الساعة العظام:

وهي:

ـ فتنة الدجال.

ـ نزول عيسى عليه السلام.

ـ خروج يأجوج ومأجوج.

ـ طلوع الشمس من مغربها.

ـ خروج الدابة.

فتنة الدجال:

لقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروج المسيح الدجال في آخر الزمان، ونعت لهم صفاته وما يحصل عند خروجه من مصائب وفتن.

وقد كان صلى الله عليه وسلم يكثر من تحذير الصحابة من فتنته، كما بين أن سلفه من الأنبياء كانوا يحذرون أقوامهم منه.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: "ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعورر وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر"3.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله

1 أخرجه مسلم 4/2225، والترمذي 4/477، وأبو داود 4/115، وأحمد في المسند 4/6.

2 أخرجه مسلم 4/2267.

3 أخرجه البخاري 8/103، ومسلم 4/2248.

ص: 240

بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني لأنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه إنه أعور، وإن الله ليس بأعور"1.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم عن الدجال حديثاً ما حدثه نبي قومه إنه أعورر، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار وإني أنذركم به كما أنذر به نوح قومه"2.

والأحاديث في ذلك كثيرة؛ ولهذا فقد اهتم علماء المسلمين بالتحذير من فتنة الدجال حتى قال بعض السلف إن الحديث الذي فيه ذكر الدجال ينبغي أن يدفع إلى معلم الصبيان ليحذرهم في صغرهم من فتنته، قال ابن ماجه في سننه بعد إيراده حديث أبي أمامة الباهلي الطويل في ذكر الدجال ـ سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول "ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب"3.

وقد وقفت على كلام الشيخ ابن سعدي في التحذير من هذه الفتنة حيث إن أحد طلبة العلم سأله أن يذكر له وصية نافعة في التحذير من الفتن، ولا سيما فتنة الدجال.

فتحدث رحمه الله عن الفتن وكثرتها في هذه الأزمان، ثم تعرض لفتنة المسيح الدجال وأنها من أعظم الفتن وأشدها، لما يحصل عند خروجه من بلاء وأذية للمسلمين، ونبه على أهمية الاستعاذة من فتنته، وأنه ينبغي للإنسان أن لا يغتر بمعرفته لبعض أوصاف الدجال بأن ذلك يمنعه من اتباعه والافتتان به، بل ينبغي للمسلم أن يكثر من الاستعاذة من الفتن عموماً ومن فتنة المسيح الدجال على وجه الخصوص.

قال رحمه الله: "....إن كفره وكفر أتباعه أظهر كل شيء، ومع ذلك معه من أسباب الفتن ما أوجب أن يحذر النبي صلى الله عليه وسلم منه أمته وينذرهم إياه، ويأمرهم بالاستعاذة من فتنته في كل صلاة وخصها بعد التعميم فعمم بقوله من فتنة المحيا والممات الشاملة لكل الفتن وخصص فتنة الدجال لعظمها وشدة ضررها.

فهو مع عظم فتنته وقوة شبهته قد كشف الله حاله للمؤمنين فبين عينيه مكتوب "ك ف ر" يعرف ذلك منه"4.

1 أخرجه البخاري 8/102.

2 أخرجه مسلم 4/2250.

3 ابن ماجه 2/1363.

4 رسالة بعثها الشيخ ابن سعدي للشيخ عبد الله البصيري أجابه فيها عن بعض الأسئلة مؤرخة بسنة 1371هـ.

ص: 241

ثم بين أن فتنة الدجال على نوعين فتنة جنس وفتنة شخص، فقال: " وفتنة الدجال نوعان:

فتنة جنس وفتنة شخص، فتنة الجنس كل فتنة يقارنها تمويهات ويقترن بها شبهات فإنها من جنس فتنة الدجال.

وفتنة الشخص خروج الدجال الذي صحت فيه الأحاديث التي لا ريب فيها وبهذا التقسيم الذي ذكره شيخ الإسلام في التسعينية يفهم فائدة الاستعاذة بالله من فتنته؛ لأن الذي يدرك شخصه من الأمة قليل جداً بالنسبة إلى من لم يدرك شخصه.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "من سمع بالدجال فلينأ عنه "1 أي يبعد ليسلم من فتنته.

ثم ساق عبارة شيخ الإسلام في السبعينية وهي قوله: "وفتنة الدجال لا تختص بالموجودين في زمانه بل حقيقة فتنته الباطل المخالف للشريعة المقرون بالخوارق فمن أقر بما يخالف الشريعة لخارق فقد أصابه نوع من هذه الفتنة، وهذا كثير في كل زمان ومكان.

لكن هذا المعين فتنته أعظم الفتن فإذا عصم الله عبده منها سواء أدركه أو لم يدركه كان معصوماً مما هو دون هذه الفتنة.

إلى أن قال: "ومعلوم أن ما ذكر معه من التعوذ من عذاب جهنم والقبر وفتنة المحيا والممات أمر به كل مصل إذ هذه الفتن جارية على كل أحد ولا نجاة إلا بالنجاة منها فدل على أن فتنة الدجال كذلك.

ولو لم تصب فتنته إلا مجرد الذين يدركونه لم يؤمن بذلك كل الخلق مع العلم بأن جماهير الخلق لا يدركونه، ولا يدركه إلا أقل القليل من الناس المأمورين بهذا الدعاء.

وهكذا إنذار الرسل إياه أممهم يقتضي تخويف عموم فتنته، وأن تأخر وجود شخصه حتى يقتله المسيح.

وكثيرا ما وقع بقلبي أن هؤلاء الاتحادية أحق الناس باتباع الدجال ومع هذا فقد جرى للمؤمنين مع أتباعهم من المحنة الواقعة في الإسلام. ومعلوم أن هذه الفتنة هي نتيجة محنة الدجال، بل هذه النتيجة أقرب إلى محنة الدجال من غيرها"2 انتهى كلام الشيخ.

1 أخرجه أحمد في مسنده 4/431، وأبو داود 4/116، والحاكم 4/531، كلهم من طريق حميد بن هلال عن أبي الدهماء عن عمران بن حصين رضي الله عنهم وإسناد أبي داود رجاله ثقات وهم من رجال مسلم، وكذا إسناد أحمد في إحدى روايته، وعن الرواية الثانية قال ابن كثير في النهاية 1/146، "هذا إسناد جيد" أ. هـ.

2 السبعينية لابن تيمية 5/133 ضمن مجموعة الفتاوى المصرية.

ص: 242

قلت1: هؤلاء الملحدون العصريون الذين ذكر الشيخ أشباههم هم أعظم الناس قياماً بفتنته دعوة واستجابة"2.

نزول عيسى عليه السلام:

ومن أمارات الساعة التي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة نزول عيسى عليه السلام قبل قيام الساعة فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويضع الجزية حكماً عدلاً مقسطاً.

وقد أخبر الله عن نزوله في آيتين من القرآن الكريم.

الأولى: قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه} 3 أي قبل موت عيسى عليه السلام، كما ذهب إلى ذلك ابن كثير في تفسيره وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم4.

والآية الثانية: قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} 5.

قال البغوي في تفسيره: "يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها"6. وقد روى ذلك ابن جرير الطبري: عن ابن عباس من طرق متعددة وعن الحسن ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم7.

وقد أشار ابن سعدي إلى هذين القولين عند تفسيره للآيتين المتقدمتين فقال عند الآية الأولى: "ويحتمل أن الضمير في قوله "قبل موته" راجع إلى عيسى عليه السلام، فيكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح عليه السلام قبل موته، وذلك عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبار"8.

وقال عند تفسير الآية الثانية:

"أي وإن عيسى عليه السلام لدليل على الساعة، وأن القادر على إيجاده من أم

1 القائل ابن سعدي.

2 ضمن الرسالة السابقة.

3 سورة النساء/ 159.

4 تفسير ابن كثير 1/576.

5 سورة الزخرف/ 61.

6 معالم التنزيل 4/143.

7 جامع البيان للطبري 10/90، 91.

8 التفسير 2/214.

ص: 243

بلا أب قادر على بعث الموتى من قبورهم.

أو وأن عيسى عليه السلام سينزل في آخر الزمان ويكون نزوله علامة من علامات الساعة"1.

أما نصوص السنة الدالة على نزول عيسى عليه السلام فكثيرة جداً تبلغ حد التواتر.

منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ".

ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} 2 أخرجاه3.

ومنها حديث أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأمكم" أخرجه مسلم4.

ومنها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال، فينزل عيسى ابن مريم عليه السلام فيقول أميرهم تعال صل لنا، فيقول لا: إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة" أخرجه مسلم5.

وغيرها من الأحاديث، وقد أشار ابن سعدي إلى كثرة الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام فقال:"فإنها تكاثرت الأحاديث في نزوله عليه السلام في آخر هذه الأمة فيقتل الدجال ويضع الجزية ويؤمن به أهل الكتاب مع المؤمنين"6.

1 التفسير 6/657.

2 سورة النساء/159.

3 البخاري 3/40، ومسلم 1/135.

4 مسلم 1/136.

5 مسلم 1/137.

6 التفسير 2/214.

ص: 244

خروج يأجوج ومأجوج:

قال الله تعالى:

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً. وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} 1.

وقال تعالى:

{حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} 2.

فهذان الموضوعان من كتاب الله فيهما الدلالة الواضحة على خروج يأجوج ومأجوج قبل يوم القيامة، وأن خروجهم أحد علامات الساعة التي تكون قبل قيامها وقد ورد في السنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة تدل على ذلك وتوضحه وتبينه.

منها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: "طلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاركرون قالوا: نذكر الساعة، قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاث خسوف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"3.

ومنها حديث النواس بن سمعان الكلابي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: أن قد أخرجت عباداً لي، لا يَدَان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد

1 سورة الكهف 93-99.

2 سورة الأنبياء 96، 97.

3 تقدم تخريجه. ص 240.

ص: 245

كان بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكون منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك، وردي بركتك...."1.

ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله عز وجل أن يبعثهم إلى الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم...."2.

ومنها: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله عز وجل: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} فيعثون في الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسا حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول لقد كان ههنا ماء مره

"3.

وعقيدة السلف في يأجوج ومأجوج كما دل على ذلك الكتاب والسنة:

الإيمان بخروج هاتين القبيلتين من بني آدم قبل قيام الساعة، وبعد نزول عيسى عليه السلام وقتل الدجال، وذلك بعد اندكاك السد الذي هم منحازون وراءه منذ بناه ذو القرنين.

فإذا خرجوا يحصل على أيديهم أذى وفتنة وشر عظيم، وهم جموع كثيرة حتى إنهم لكثرتهم إذا مر أولهم على بحيرة طبرية عند خروجهم شربوا الماء الذي فيها جميعه، فإذا

1 أخرجه مسلم 4/2251.

2 أخرجه أحمد 2/510، والترمذي 5/313، وابن ماجه 2/1364، والحاكم في مستدركه 4/488، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

3 أخرجه أحمد 3/77، وابن ماجه 2/1362، والحاكم في المستدرك 4/489، وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

ص: 246

مر آخرهم قالوا قد كان في هذه البحيرة ماء ثم يستمر أذاهم ويزداد إفسادهم فيرغب نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله، فتكون نهايتهم بأن يرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيموتون جميعاً. وإليك أقوال العلماء في ذلك:

قال البغوي عند تفسيره لقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} 1 الآية "أي يريد فتح السد عن يأجوج ومأجوج {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} يعني القيامة.

قال الفراء وجماعة: الواو في قوله واقترب مقحمة فمعناه حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج افترب الوعد الحق......"2.

وقال ابن العربي: "وأما خروج يأجوج ومأجوج فإنه يكون بعد نزول عيسى عليه السلام وهما أمتان مضرتان مفسدتان كافرتان"3.

وقال ابن كثير: "....قد كانوا يعيثون في الأرض ويؤذون فحصرهم ذو القرنين في مكانهم داخل السد حتى يأذن الله بخروجهم على الناس"4.

وقال ابن قدامة المقدسي: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء والمعراج..... إلى أن قال ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج...."5.

وقال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية: "وأحاديث الدجال وعيسى بن مريم عليه السلام ينزل من السماء ويقتله ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم يضيق هذا المختصر عن بسطها"6.

وقال السفاريني في لوامع الأنوار البهية: "..... خروجهم من وراء السد على الناس حق ثابت لوروده في الذكر وثبوته عن سيد البشر ولم يحله عقل فوجب اعتقاده"7.

وقد جاء عن ابن سعدي القول بأن يأجوج ومأجوج هم دول الكفر الموجودة الآن

1 سورة الأنبياء/ الآية 96.

2 معالم التنزيل 3/268 بتصرف.

3 عارضة الأحوذي لابن العربي 9/34.

4 نهاية البداية والنهاية لابن كثير 1/184.

5 لمعة الاعتقاد لابن قدامة /30.

6 شرح العقيدة الطحاوية /505.

7 لوامع الأنوار البهية 2/116.

ص: 247

من الروس والصين والأمريكان واليابان وغيرهم.

وألف في ذلك رسالتين نصر فيهما قوله المذكور، واستدل على ذلك ببعض الأدلة والصواب خلاف ذلك.

إذ أن قوله هذا مخالف لنصوص الكتاب والسنة وما عليه العلماء المحققون كما تقدم النقل عن بعضهم، وكما سيأتي مزيد إيضاح ذلك.

ولكننا نجده في آخر حياته طبع كتابه التفسير وذلك بعد تأليف الرسالتين المتقدمتين بسبع عشرة سنة، وسلك في تفسيره للآيات المتعلقة بيأجوج ومأجوج مسلك أهل التحقيق من العلماء، حيث ذكر فيه أن يأجوج ومأجوج يخرجون في آخر الزمان قبل قيام الساعة، وبعد اندكاك السد. وفي هذا احتمال كبير لتراجعه عن هذا القول، إذ لو كان باقيا عليه لأشار إليه في تفسير الآيات المتعلقة به ومما يقوي هذا الاحتمال أنه لم يطبع رسالتيه المتقدمتين ولم يشتهرا عنه، إلا عند القليل من طلبة العلم، حتى جاء الشيخ عبد الله ابن محمود فألف رسالته "لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر"!! 1.

وغلط فيها أغلاطا فاحشة، وخالف ما عليه المحققون من العلماء، وأنكر فيها الأحاديث الواردة في المهدي.

وكان مما أثاره في رسالته تلك القضية التي ذكرها ابن سعدي عن يأجوج ومأجوج وأنهم دول الكفر، فأظهر هذا القول بعد اندثاره وأشهره.

وقد قام فضيلة الشيخ محمود التويجري حفظه الله بالرد على ابن محمود، وبين خطأه وألف في ذلك كتابه:"الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر".

فأفاد فيه وأجاد، وقد استفدت منه كثيراً في هذا الموضوع.

وأما القول بأن يأجوج ومأجوج هم دول الكفر فبطلانه ظاهر من وجوه متعددة:

أحدها: أنه مخالف لما ثبت في النصوص من أن خروج يأجوج ومأجوج لا يكون إلا بعد نزول عيسى عليه السلام وقتل الدجال.

والثاني: أنه ثبت في النصوص أنهم لا يمكثون بعد خروجهم إلا فترة يسيرة من الزمان، وأمم الكفر موجودون على هذه الحالة من أزمان طويلة.

والثالث: أنه ثبت في القرآن والسنة أن السد الذي هم منحازون وراءه لا يندك إلا إذا دنا قيام الساعة.

الرابع: أن هذا القول يخالف ما أخبر الله به عن ذي القرنين أنه جعل بين الناس

1 وللوالد الكريم الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله، رد على هذه الرسالة، عنوانه:"الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي" وهو مطبوع متداول.

ص: 248

وبين يأجوج ومأجوج سداً كبيراً من حديد وأنهم لا يتسطيعون نقبه إلا عند اقتراب الساعة.

الخامس: أنه ثبت في النصوص أنه إذا خرجت إحدى الآيات العظام، تتابعت على إثرها باقي الآيات كما يتتابع الخرز في النظام، وأمم الكفر لهم أمد طويلة على هذه الحال، ومع ذلك لم يخرج شيء من الآيات العظام.

السادس: أن أمم الكفر على اختلاف أجناسهم وأوطانهم كانوا موجودين في جميع الجهات في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل زمانه وبعد زمانه ولم يؤثر عنه أنه قال إنهم هم يأجوج ومأجوج، ولم يؤثر ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين ولا من جاء بعدهم من العلماء المتقدمين.

السابع: أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يأجوج ومأجوج إذا خرجوا يمر أولهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، وأمم الكفر المياه عندهم متوفرة فضلاً عن أن يشربوا بحيرة طبرية1.

هذه بعض الأوجه التي يتبين بطلان قول من قال إن يأجوج ومأجوج هم دول الكفر الموجودة الآن.

وفيما يلي أعرض جملة من أدلة القائلين بهذا القول مع بيان عدم دلالتها على ما ذهبوا إليه.

فمن أدلتهم قولهم:

إن يأجوج ومأجوج من بني آدم وليسوا من الجن ولا من عالم غيبي آخر، وهم على سطح الأرض، ومع ذلك لم يرهم أحد من السائحين في الأرض؟

والجواب عن ذلك أن يقال: لا شك أن يأجوج ومأجوج من بني آدم، وأنهم على سطح الأرض كما دل على ذلك الكتاب والسنة، ولكن لا يلزم من كونهم كذلك أن يراهم أحد؛ لأن الله سبحانه قادر على كل شيء، ومن ذلك أن يمنع الناس من رؤيتهم ويحجب أبصارهم عن مشاهدتهم.

وقد أجاب عن هذه الشبهة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتابه أضواء البيان بعد أن ذكر أن هذه الشبهة هي عمدة القائلين بهذا القول:

فقال: "فقولكم لو كانوا موجودين وراء السد إلى الآن لاطلع عليهم الناس، غير

1 انظر الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر من 308 إلى 358.

ص: 249

صحيح، لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس.

ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة المائدة من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة وذلك في قوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} 1 الآية.

وهم في فراسخ قليلة من الأرض يمشون ليلهم ونهارهم ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه؛ لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق، وعلى كل حال فربك فعال لما يريد"2.

وقال الشيخ محمود التويجري في كتابه الاحتجاج بالأثر: "وأما كون السائحين في الأرض لم يروا يأجوج ومأجوج ولا سد ذي القرنين فلا يلزم منه عدم السد ويأجوج ومأجوج. فقد يصرف الله السائحين عن رؤيتهم ورؤية السد وقد يجعل الله فوق السد ثلوثاً متراكمة بحيث لا تمكن رؤية السد معها أو يجعل الله غير ذلك من الموانع التي تمنع من رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد. والواجب على المسلم الإيمان بما أخبر الله به في كتابه عن السد ويأجوج ومأجوج وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولا يجوز للمسلم أن يتكلف ما لا علم له به ولا يقول بشيء من أقوال المتكلفين المتخرصين بل ينبذها وراء ظهره ولا يعبأ بشيء منه"3.

ويقال أيضا جاء في حديث الجساسة أن بعض الصحابة رأوا الدجال مقيداً في إحدى الجزر وأخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكر عليهم ذلك، فهو بلا شك موجود في الجزيرة التي رؤي فيها إلى أن يأذن الله له بالخروج، فهل ينكر وجوده لعدم رؤيته من قبل السائحين؟

الواجب على المسلم أن يصدق بجميع الأخبار الواردة عن الصادق المصدوق فيؤمن بوجود الدجال ويأجوج ومأجوج وسواء رآهم الناس أم لم يروهم.

ومن أدلتهم:

تأويلهم لقول الله تعالى: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} 4 أن هذا قد حصل

1 سورة المائدة/ الآية 26.

2 أضواء البيان 4/186.

3 الاحتجاج بالأثر /315.

4 سورة الأنبياء/ الآية 96.

ص: 250

حيث إن أمم الكفر حققوا ذلك بصعودهم إلى الفضاء بالطائرات والمراكب الفضائية وشقهم للبحار والأنهار بالسفن والبواخر، وغير ذلك من وسائل التنقل الحديثة.

والجواب عنه: أن هذا فهم للنص على خلاف مراده، واستدلال في غير محله؛ وذلك لأن هذا الأمر لا يحصل إلا في آخر الزمان عند اقتراب الساعة كما دل على ذلك الآية نفسها والتي تليها حيث يقول الله سبحانه:{حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} .

فأخبر الله سبحانه في هذه الآية أن خروجهم من كل حدب ينسلون لا يحصل إلا عند اقتراب الوعد الحق وهو يوم القيامة.

وقد دل على ذلك نصوص كثيرة في الكتاب والسنة منها حديث النواس بن سمعان وحديث أبي سعيد الخدري وحديث أبي هريرة، وقد تقدم ذكرها قريباً، وفيها ذكر نزول عيسى وقتله الدجال وأن يأجوج ومأجوج لا يخرجون إلا بعد ذلك، وذلك كله لا يحصل إلا في آخر الزمان. ثم إن تفسير الآية بهذا المعنى تفسير محدث لم يسبق إليه أحد من أئمة التفسير، وكل خير في اتباع من سلف.

بل إن تفسيرهم هذا للآية يتعارض مع ما فسر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن ذلك يحصل في آخر الزمان فيعيثون في الأرض فساداً بعد خروجهم وينحاز الناس عنهم إتقاء شرهم.

وذلك كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يفتح يأجوج ومأجوج على الناس كما قال الله عز وجل: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} فيعيثون في الأرض، وينحاز المسلمون عنهم....." الحديث.

ويقال أيضاً إن هذا التفسير يتعارض مع ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأرد الله عز وجل أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم.

وهذا لم يحصل من أمم الكفر بل هم يتنقلون متى شاءوا إلى أي مكان شاءوا، وليس هناك سد يمنعهم أو حاجز يعوقهم حتى ولو كان تنقلهم بواسطة الأقدام أو الحمير أو غيرها من الوسائل القديمة.

ص: 251

ومن أدلتهم:

قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن بدأ انفتاح السد في زمانه حيث قال "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها"1. الحديث. ومعنى هذا أن السد كل يوم يزداد في الانفتاح حتى تلاشى في زماننا هذا.

والجواب عن هذا أن يقال: قد أخبر الله ورسوله عن خروج يأجوج ومأجوج وعن اندكاك السد، وأنه لا يتم إلا عند اقتراب الساعة، وبعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام.

دل على ذلك قول الله سبحانه: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ.) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} 2.

ودل عليه جملة من نصوص السنة منه حديث النواس بن سمعان وحديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري وقد تقدم ذكرها.

والمقصود أنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ ببعض النصوص ويترك بعضاًَ، ففي حديث زينب المتقدم أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن انفتاح السد قدر تحليقه إصبعيه، وفي حديث أبي هريرة أخبر أنهم كل يوم يفتحون من السد قليلاً ثم يبيتون فيعود السد كما كان، إلى أن يأذن الله لهم بالخروج في آخر الزمان، وهذا ظاهر الدلالة في أن اندكاك السد لا يكون إلا في آخر الزمان قبل قيام الساعة عندما يأذن الله لهم بالخروج.

ويضاف إلى ذلك أن حديث النواس بن سمعان دل على أن ذلك لا يكون إلا بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام، فيلزم من قولهم هذا أن يكون الدجال قد خرج وعيسى عليه السلام قد نزل وهذا ظاهر البطلان.

ومن أدلتهم:

قولهم إن كثيراً من المعاصرين صرحوا بذلك في كتبهم كشكيب أرسلان ومحمد رشيد رضا وغيرهما.

والجواب عن هذا أن يقال: تصريح المتأخرين أو من هو أفضل منهم من المتقدمين بما يخالف النص، لا يلتفت إليه مهما كانت مكانة قائله العلمية.

وقد تقدم بيان بطلان هذا القول بما يكفي، فلا عبرة بهذه التصريحات، ولا يلتفت إليها

1 أخرجه البخار 8/104، ومسلم 4/2207، وغيرهما عن زينب بنت جحش.

2 سورة الأنبياء/ الآيتان 96، 97.

ص: 252

وقد استدلوا بغير هذه الأدلة، وأدلتهم كلها واهية لا تقوم بها حجة، ولا يصلح بها برهان، وفي النصوص الصحيحة الصريحة ما يدل على أمر يأجوج ومأجوج وأن خروجهم لا يحصل إلا في آخر الزمان بعد اندكاك السد، وبعد خروج المسيح الدجال ونزول عيسى عليه السلام.

فالواجب على المسلم أن يؤمن بما صح به الخبر من أشراط الساعة، ولا يتأول النصوص بخلاف ما تدل عليه.

فالتمسك بالنصوص وعدم تأويلها هو المنهج الذي سار عليه الصحابة وتابعوهم بإحسان، وهو المنهج الحق الذي لا يجوز العدول عنه.

أما الشيخ ابن سعدي فقد أخطأ في ما ذهب إليه في رسالتيه المشار إليهما آنفا، وجانبه الصواب في ذلك وليس هو بالمعصوم. ثم إنه قد ظهر في بعض مؤلفاته كما تقدم الإشارة إلى ذلك ما يفيد احتمال تراجعه عن هذا القول حيث إنه طبع كتابه التفسير في آخر عمره وقرر فيه عند تفسيره لسورة الكهف وسورة الأنبياء خلاف هذا القول الباطل.

فبين في كتابه التفسير أن الخروج واندكاك السد لا يتم إلا في آخر الزمان وهذا القول هو الصواب الموافق لأقوال السلف المطابق لمفهوم نصوص الكتاب والسنة.

فقال عند تفسيره لقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} 1.

"هذا تحذير من الله للناس أن يقيموا على الكفر والمعاصي، وأنه قد قرب انفتاح يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان من بني آدم، وقد سد عليهم ذو القرنين، لما شكى إليه إفسادهم في الأرض.

وفي آخر الزمان ينفتح السد عنهم، فيخرجون إلى الناس وفي هذه الحالة والوصف الذي ذكره الله من كل مكان مرتفع، وهو الحدب ينسلون أي يسرعون.

وفي هذه الآية دلالة على كثرتهم الباهرة، وإسراعهم في الأرض، إما بذواتهم وإما بما خلق الله لهم من الأسباب التي تقرب لهم البعيد وتسهل عليهم الصعب. وأنهم يقهرون الناس، ويعلون عليهم في الدنيا، وأنه لا يد لأحد بقتالهم {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقّ} أي يوم القيامة الذي وعد الله بإتيانه، ووعده حق وصدق"2.

وقال عند تفسيره لقوله تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ

1 سورة الأنبياء/ الآيتان 96، 97.

2 التفسير 5/263.

ص: 253

مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) إلى قوله تعالى: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً} 1.

قال: "قال المفسرون ذهب متوجهاً من المشرق قاصداً للشمال، فوصل إلى ما بين السدين وهما سدان كانا معروفين في ذلك الزمان.

سدان من سلاسل الجبال المتصلة يمنة ويسرة حتى تتصل بالبحار بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وجد من دون السدين قوماً لا يكادون يفقهون قولاً لعجمة ألسنتهم واستعجام أذهانهم وقلوبهم.

وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم وراجعهم وراجعوه. فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج وهما: أمتان عظيمتان من بني آدم فقالوا: {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} أي جعلاً {عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} .

ودل ذلك على عدم افتدارهم بأنفسهم على بنيان السد، وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه فبذلوا له أجره ليفعل ذلك، وذكروا له السبب الداعي وهو إفسادهم في الأرض.

فلم يكن ذو القرنين ذا طمع ولا رغبة في الدنيا ولا تاركاً لإصلاح أحوال الرعية بل قصده الإصلاح فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة ولم يأخذ منهم أجرة وشكر ربه على تمكينه واقتداره فقال لهم: {مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} أي مما تبذلون لي وتعطوني وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم {أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} أي: مانعا من عبورهم عليكم، {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} أي قطع الحديد فأعطوه ذلك {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} أي الجبلين اللذين بنى بينهما السد {قَالَ انْفُخُوا} أي أوقدوها إيقاداً عظيماً واستعملوا لها المنافيخ لتشتد فتذيب النحاس.

فلما ذاب النحاس الذي يريد أن يلصقه بين زبر الحديد {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} أي نحاساً مذاباً.

فأفرغ عليه القطر فاستحكم السد استحكاماً هائلاً، وامتنع به من وراءه من الناس من ضرر يأجوج ومأجوج.

{فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً} أي فما لهم استطاعة ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه ولا على نقبه لإحكامه وقوته، فلما فعل هذا الفعل الجميل

1 سورة الكهف/ الآيات 89، 98.

ص: 254

والأثر الجليل أضاف النعمة إلى موليها وقال: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} أي من فضله وإحسانه عليّ وهذه حال الخلفاء الصالحين، إذا منَّ الله عليهم بالنعم الجليلة، ازداد شكرهم وإقرارهم واعترافهم بنعمة الله كما قال سليمان عليه السلام لما حضر عنده عرش ملكة سبأ مع البعد العظيم قال:{قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} 1.

بخلاف أهل التجبر والتكبر والعلو في الأرض فإن النعم الكبار تزيدهم أشراً وبطراً، كما قال قارون لما آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة قال:{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} 2.

وقوله: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي} أي لخروج يأجوج ومأجوج {جَعَلَهُ} أي السد المحكم المتقن {دَكَّاءَ} أي دكه فانهدم واستوى هو والأرض وكان وعد ربي حقا"3. أ. هـ كلامه.

وكلامه في هذين الموضعين هو الصواب الموافق لما عليه السلف الصالح في أمر يأجوج ومأجوج، وفي كلامه هذا أبلغ رد على ما قاله في رسالتيه المتقدمتين، وفيه أيضاً احتمال كبير لرجوعه عما قاله فيهما؛ لأنه طبعه في آخر حياته.

لذا يقول الشيخ حمود التويجري بعد أن ذكر كلام ابن سعدي عند تفسيره لسورة الأنبياء: "وهذا صريح في رجوعه عما كان يقوله في يأجوج ومأجوج أنهم أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم"4.

ثم أشار التويجري إلى أن الشيخ ابن سعدي طبع تفسيره في سنة 1375هـ في المطبعة السلفية أي قبل وفاته بسنة5، وأرسل منه نسخة للشيخ حمود التويجري.

وكان هذا بعد إخراجه للرسالة التي غلط فيها في أمر يأجوج ومأجوج بنحو سبع عشرة سنة، وهذا فيه احتمال كبير لتراجع الشيخ عن قوله المذكور في يأجوج ومأجوج، وإن لم يكن قد رجع فكلامه فيهم متناقض. لذا يقول الشيخ التويجري حفظه الله: "ولم يخرج تفسير الآيات من سورة الكهف ومن سورة الأنبياء عما ذكره المفسرون في أمر يأجوج ومأجوج، فيحتمل أنه قد رجع عما قرره في رسالته وإن لم يكن رجع عن ذلك

1 سورة النمل/ الآية/ 40.

2 سورة القصص/ الآية/ 78.

3 التفسير 5/76، 77، 79.

4 الاحتجاج بالأثر /326.

5 أما فراغه من تأليفه، فقد مر معنا عند ذكره في مؤلفاته أنه فرغ منه في 7 شعبان سنة 1354هـ.

ص: 255

فكلامه في يأجوج ومأجوج متناقض فيؤخذ بما كان منه موافقا لأقوال المفسرين من الصحابة والتابعين ويرد ما خالفهم فيه"1.

وقد أثنى الشيخ التويجري على الشيخ ابن سعدي ثناءً طيباً بعد أن نبه على خطئه المتقدم وأشار إلى علمه وفضله.

فقال: "ليعلم المطلع على كتابي هذا أن إنكاري لما توهمه ابن سعدي في أمر السد ويأجوج ومأجوج وما كتبته في التنبيه على أخطائه لا يمنعني من الثناء عليه والدعاء له بالمغفرة والرحمة فقد خلف رحمه الله تعالى علماً كثيراً في مؤلفاته وعند تلاميذه، فأما ما كتبه في رسالته في السد ويأجوج ومأجوج فهو من الزلات المغمورة في جنب فضائله ومحاسنه وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال:

ومن ذا ترضى سجاياه كلها

كفى المرء نبلا أن تعد معائبه2

وثمة موضع آخر خطأ الشيخ ابن سعدي في تأويله يتعلق بأشراط الساعة حيث أول حديث أبي سعيد الخدري في قصة الراعي الذي كلمه الذئب فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

ولفظ حديث أبي سعيد: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بينما أعرابي في بعض نواحي المدينة في غنم له عدا عليه الذئب فأخذ شاة من غنمه فأدركه الأعرابي فاستنقذها منه وهجهجه فعانده الذئب ثم أقعى مستذفراً بذنبه يخاطبه فقال أخذت رزقاً رزقنيه الله قال واعجباً من ذئب مقع مستذفر بذنبه يخاطبني فقال الله إنك لتترك أعجب من ذلك قال وما أعجب من ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في النخلتين بين الحرتين يحدث الناس عن نبأ ما قد سبق، وما يكون بعد ذلك قال فنعق الأعرابي بغنمه حتى ألجأها إلى بعض المدينة ثم مشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى ضرب عليه فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم قال أين الأعرابي صاحب الغنم فقام الأعرابي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم حدث الناس بما سمعت وما أريت فحدث الأعرابي الناس بما رأى من الذئب وسمع منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك صَدَقَ، آياتٌ تكون قبل الساعة. والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده"3.

1 الاحتجاج بالأثر /327، 328.

2 الاحتجاج بالأثر /358.

3 أخرجه الإمام أحمد 3/88، والحاكم مفرقاً (4/467، 468) وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأخرج آخره الترمذي من قوله " والذي نفس بيده...... " وقال:"حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل وهو ثقة مأمون" الترمذي 4/476، وصححه الألباني. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/190.

ص: 256

فهذ الحديث ظاهر في أن التكليم حصل حقيقة من الذئب للراعي، وأنه كذلك يحصل حقيقة من السوط والنعل والعصا قبل قيام الساعة، إلا أن الشيخ ابن سعدي تأول هذا الحديث بما قد حصل في هذه الأزمان من الاتصالات التليفونية والهوائية والإذاعات وغيرها.

فقال: ".....وإخباره أنه لا بد أن يكلم الرجل عذبه وسوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما فعله أهله بعده، ومصداقه ما ظهر من الأعمال الكهربائية والمخاطبات التليفونية والهوائية والراديات المتنوعة التي لا تزال في نمو وازدياد"1.

ولا ريب أن تأويل ابن سعدي هذا ظاهر البطلان، ويتنافى مع ما سبق أن قرره من وجوب فهم النصوص على ظاهرها من غير تكليف لتأويلها.

ويكفي في بيان بطلان هذا التأويل صدر الحديث حيث أن الراعي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذئب كلمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده"2.

فهنا حصل تكليم حقيقي من الذئب للراعي وكذلك يحصل في آخر الزمان تكلم السباع الآدميين ويكلم السوط والنعل والعصا صاحبه بما أحدث أهله.

كل ذلك حق على حقيقته ويجري على ظاهره ولا يتكلف تأويله بما حصل من المخترعات الحديثة.

ومثله ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم من أن حجراً في مكة كان يسلم عليه3، وهذا حق على حقيقته، وكما يقال في هذا الحديث يقال في الحديث الذي قبله.

ومثله أيضاً ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن المسلمين يقاتلون اليهود في آخر الزمان فيقول الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله4، وهذا أيضاً حق على

1 وجوب التعاون بني المسلمين /48.

2 تقدم تخريجه.

3 ولفظ الحديث عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن".

أخرجه مسلم 4/1782، وأحمد 5/89.

4 ولفظ الحديث قال صلى الله عليه وسلم: "تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله".

أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما. البخاري 3/232، ومسلم 4/2238.

ص: 257

حقيقته وسيكلم الحجر والشجر وسيقع طبقاً لما أخبر به الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.

والمقصود أن هذه النصوص وأمثالها لا يجوز تأويلها وصرفها عن ظاهرها بل الواجب أن تمر كما جاءت مع تيقن حصول ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير تكلف لتأويلها، أو صرف لها عن ظاهرها.

وبهذا يتبين لنا أن تأويل ابن سعدي للحديث المتقدم بما حصل من المخترعات العصرية خطأ واضح يتنافى مع منهجه السليم من الأخذ بالظاهر وترك التأويل، والكمال لله والعمصة لرسوله صلى الله عليه وسلم.

خروج الدابة:

ومن أمارات الساعة الدالة على قرب وقتها خروج دابة الأرض على الناس ضحى تكلمهم وتسميهم مؤمناً وكافراً، كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة.

قال تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ} 1.

وقال صلى الله عليه وسلم: "لن تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات وذكر منها الدابة"2.

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريباً"3.

وقد أشار ابن سعدي إلى هذه الأمارة وكثرة الأحاديث فيها، وذلك عند تفسيره للآية المتقدمة فقال:"وهذه الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان، تكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث، لم يذكر الله ورسوله كيفية هذه الدابة وإنما ذكر أثرها والمقصود منها، وأنها من آيات الله تكلم الناس كلاماً خارقاً للعادة حين يقع القول على الناس، وحين يمترون بآيات الله فتكون حجة وبرهانا للمؤمنين وحجة على المعاندين"4.

طلوع الشمس من مغربها:

ومن أمارات الساعة طلوع الشمس من مغربها كما تواترت بذلك نصوص الكتاب والسنة.

1 سورة النمل/ الآية 82.

2 تقدم تخريجه ص 240.

3 أخرجه مسلم 4/2360ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

4 التفسير 5/603.

ص: 258

قال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} 1.

قال البخاري في تفسير هذه الآية حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا عمارة حدثنا أبو زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس أمن من عليها"2 فذلك حين {لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} 3.

وقد ورد في السنة أحاديث كثيرة عن طلوع الشمس من مغربها. منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بادروا بالأعمال ستاً طلوع السمش من مغربها والدجال والدخان والدابة وخاصة أحدكم وأمر العامة"4.

ومنها ما رواه مسلم أيضاً عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها والدجال، ودابة الأرض"5.

ورواه الإمام أحمد وذكر "الدخان" بدل "الدجال"6.

وقد أشار ابن سعدي عند تفسير الآية المتقدمة إلى كثرة النصوص وتضافرها في طلوع الشمس من مغربها وأن الإيمان لا ينفع عند طلوعها فقال: "وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد ببعض آيات الله طلوع الشمس من مغربها، وأن الناس إذا رأوها آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم ويغلق حينئذ باب التوبة"7.

وقال في المواهب الربانية: "فسر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بطلوع الشمس من مغربها فالأحاديث الصحيحة دلت على أن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها. والآية دلت على أن أي آية من آيات الله التي هي مقدمات الساعة وبها يكون الإيمان اضطرارياً أتت

1 سورة الأنعام/ الآية 158.

2 البخاري 5/195.

3 سورة الأنعام/ الآية 158.

4 مسلم 4/2267.

5 مسلم 1/138.

6 المسند 2/445.

7 التفسير 2/509.

ص: 259

فإنه لا ينفع الإيمان؛ لأنه إنما ينفع إيمان الاخيتار وإيمان الغيب وإذا أتى بعض الآيات صار الإيمان بشهادة واضطرار فلا ينفع فالآية دلت على التعليل والأحاديث دلت على الأولية"1.

وهذا آخر ما يتعلق بمبحث أشراط الساعة ويليه المبحث الثاني وهو الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه وبالله التوفيق.

1 المواهب الربانية /7.

ص: 260