المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابعجهوده في توضيح تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل - الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في تو ضيح العقيدة

[عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر]

الفصل: ‌الفصل الرابعجهوده في توضيح تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل

‌الفصل الرابع

جهوده في توضيح تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل

ص: 295

الفصل الرابع: تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل

يشتمل هذا الفصل على أمور كثيرة تتعلق بالإيمان: تعريفه والعلاقة بينه وبين الإسلام، وزيادة الإيمان ونقصانه، وحكم الاستثناء في الإيمان، وحكم مرتكب الكبيرة.

وقبل الشروع في تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل، أرى من المناسب أن أتكلم باختصار عن أهميته فأقول:

لا يخفى أن للإيمان أهمية بالغة إذ هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة وأهل النار، وهو الذي إذا كان مع العبد قبلت أعمال الخير منه، وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل ولا فرض ولا نفل فالإيمان الصحيح المقرون بالعمل الصالح عنوان على سعادة صاحبه وأنه من أهل الرحمن ومن الصالحين من عباد الله.

قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} 1.

وقال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} 2.

وأهمية الشيء تظهر بمعرفة فوائده وثماره، وقد عقد ابن سعدي في خلاصة التفسير فصلاً خاصاً بثمرات الإيمان ـ ذكر تحته جملة كبيرة من ثمرات الإيمان وفوائده.

قال فيه "اعلم أن خير الدنيا والآخرة من ثمرات الإيمان الصحيح، وبه يحي العبد حياة طيبة في الدارين، وبه ينجو من المكاره والشرور، وبه تخف الشدائد وتدرك جميع المطالب، ولنشر إلى هذه الثمرات على وجه التفصيل فإن معرفة فوائد الإيمان وثمراته من أكبر الدواعي إلى التزود منه.

1 سورة طه/ الآيات 123: 126.

2 سورة يونس/ الآية 62.

ص: 296

ثم شرع رحمه الله في ذكر تفاصيل ثمرات الإيمان وفوائده وإليك ملخصها:

فمن ثمرات الإيمان وفوائده:

(1)

أنه سبب رضا الله الذي هو أكبر شيء.

(2)

أن ثواب الآخرة ودخول الجنة والتنعم بنعيمها، والنجاة من النار وعقابها إنما يكون بالإيمان.

(3)

أن الله يدفع ويدافع عن الذين آمنوا شرور الدنيا والآخرة.

(4)

أن الله وعد المؤمنين القائمين بالإيمان حقيقة بالنصر والتأييد.

(5)

أن الهداية من الله للعلم والعمل ولمعرفة الحق وسلوكه هي بحسب الإيمان والقيام بحقوقه.

(6)

أن الإيمان يدعو إلى الزيادة من علومه وأعماله الظاهرة والباطنة.

(7)

أن المؤمنين بالله وبكماله وعظمته وكبريائه ومجده أعظم الناس يقيناً وطمأنينة وتوكلاً على الله وثقة به.

(8)

أنه لا يمكن العبد أن يقوم بالإخلاص لله ولعباد الله ونصيحتهم على وجه الكمال إلا بالإيمان.

(9)

أن المعاملات بين الخلق لا تتم وتقوم إلا على الصدق والنصح وعدم الغش ولا يقوم بذلك حقيقة إلا المؤمنون.

(10)

أن الإيمان أكبر عون على تحمل المشقات، والقيام بأعباء الطاعات وترك الفواحش التي في النفوس داع قوي إلى فعلها، فلا تتم هذه الأمور إلا بقوة الإيمان.

(11)

أن العبد لا بد أن يصاب بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات والإيمان أكبر عون على تحمل هذه المصائب.

(12)

أن الإيمان يوجب للعبد قوة التوكل على الله لعلمه وإيمانه أن الأمور كلها راجعة إلى الله ومندرجة في قضائه وقدره.

(13)

أن الإيمان يشجع العبد ويزيد الشجاع شجاعة فإن لاعتماده على الله العزيز الحكيم ولقوة رجائه وطمعه فيما عنده تهون عليه المشقات ويقدم على المخاوف واثقاً بربه راجياً له راهباً من نزوله من عينه لخوفه من المخلوقين.

(14)

أن الإيمان هو السبب الأعظم لتعلق القلب بالله في جميع مطالب الدينية والدنيوية.

(15)

أن الإيمان يدعو إلى حسن الخلق مع جميع طبقات الناس، وإذا ضعف الإيمان أو نقص أو انحرف، أثر ذلك في أخلاق العبد انحرافا بحسب بعده عن الإيمان.

ص: 297

(1)

أن الإيمان الكامل يمنع من دخول النار بالكلية كما يمنع صاحبه في الدنيا من فعل المعاصي والإيمان الناقص يمنع الخلود في النار.

(2)

أن الإيمان يوجب لصاحبه أن يكون معتبراً عند الخلق أميناً. ويوجب للعبد العفة عن دماء الناس وأموالهم وأعراضهم.

(3)

أن قويّ الإيمان يجد في قلبه من ذوق حلاوته ولذة طعمه واستحلاء آثاره. والتللذ بخدمة ربه وأداء حقوقه وحقوق عباده التي هي موجب الإيمان وأثره. فالمؤمن يتقلب في لذات الإيمان وحلاوته المتنوعة.

(4)

أن الإيمان هو السبب الوحيد للقيام بذروة سنام الدين، وهو الجهاد البدني والمالي والقولي في سبيل الله.

ثم قال رحمه الله بعد ذكره لهذه الجملة الكبيرة النافعة من ثمرات الإيمان: "وهذا كله من ثمرات الإيمان ومن تمامه وكماله. وبالجملة فخير الدنيا والآخرة كله فرع عن الإيمان ومترتب عليه، والهلاك والنقص إنما يكون بفقد الإيمان أو نقصه"1.

وبعد هذا البيان الموجز لأهمية الإيمان وما يترتب عليه من فوائد وثمار نشرع في تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل.

تعريف الإيمان:

أن من أصول أهل السنة والجماعة: أن الإيمانَ قول وعملٌ؛ قولُ القلبِ واللسانِ وعملُ القلبِ واللسانِ والجوارح2.

وقد دل على ذلك نصوص كثيرة في الكتاب والسنة:

أما أدلة قول القلب وهو تصديقه وإيقانه:

فمنها: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} 3، وقوله تعالى:{وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} 4.

وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} 5. وغيرها من الآيات.

1 الخلاصة /130-134.

2 العقيدة الواسطية لابن تيمية /152.

3 سورة الحجرات/ الآية 15.

4 سورة الزمر/ الآيتان 33، 34.

5 سورة الأنعام/ الآية 75.

ص: 298

وأما أدلة اللسان وهو النطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والإقرار بلوازمها.

فمنها:

قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} 1.

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} 2.

وقوله تعالى: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا} 3.

وقوله عليه الصلاة والسلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله...."4 الحديث.

وغيرها من النصوص.

وأما أدلة عمل القلب وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد والإقبال على الله عز وجل والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه.

فمنها: قوله تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} 5.

وقوله: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى. إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} (الليل: 19-20)

وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} 6.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"7.

1 سورة البقرة/ الآية 136.

2 سورة الأحقاف/ الآية 13.

3 سورة القصص/ الآية 53.

4 أخرجه البخاري 1/10، ومسلم 1/53، وغيرهما من حديث ابن عمر.

5 سورة الأنعام/ الآية 52.

6 سورة الأنفال/ 2.

7 أخرجه البخاري 1/2، ومسلم 3/1515.

ص: 299

وقوله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه"1.

وغيرها من النصوص.

وأما أدلة عمل اللسان والجوارح فكثيرة جداً: وعمل اللسان هو ما لا يؤدى إلا به كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك، وعمل الجوارح هو ما لا يؤدى إلا بها مثل القيام والركوع والسجود والمشي في مرضاة الله والخطا إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، ومن أدلة عمل اللسان والجوارح:

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} 2.

وقوله تعالى: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} 3.

وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} 4.

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"5.

وغيرها من نصوص الكتاب والسنة6.

وقد بين ابن سعدي هذا الأصل العظيم وأوضحه في كثير من مؤلفاته وأشار إلى كثرة أدلته واستدل له بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة7.

قال رحمه الله: "الإيمان اسم جامع لعقائد القلب وأعماله وأعمال الجوارح وأقوال اللسان فجميع الدين أصوله وفروعه داخل في الإيمان"8

1 أخرجه مسلم 4/2289.

2 سورة فاطر/ الآية 29.

3 سورة الكهف/ الآية 27.

4 سورة الأحزاب/ الآية 41.

5 أخرجه البخاري 1/8، ومسلم 1/63، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا لفظ مسلم.

6 وقد توسع الشيخ حافظ حكمي في ذكر الأدلة على ذلك في كتابه معارج القبول. انظر 2/17 وما بعدها.

7 انظر ذلك: في توضيح الكافية الشافية /13، والتفسير 1/420، 1/424، 3/96، 3/102، 7/294، وبهجة قلوب الأبرار /17، والخلاصة /11 وغيرها.

8 سؤال وجواب /8.

ص: 300

وقال: "الإيمان الشرعي عند السلف شامل للعقائد الدينية وأعمال القلوب وأعمال الجوارح وفي هذا من النصوص ما لا يعد ولا يحصى"1.

وقال: " أهل السنة والجماعة يعتقدون ما جاء به الكتاب والسنة من أن الإيمان: تصديق القلب المتضمن لأعمال الجوارح.

فيقولون: الإيمان اعتقادات القلوب وأعمالها، وأعمال الجوارح وأقوال اللسان وأنها كلها من الإيمان، وأن من أكملها ظاهراً وباطنا فقد أكمل الإيمان ومن انتقص شيئاً منها فقد نقص إيمانه"2.

العلامة بين مسمى الإيمان والإسلام:

إن اسم الإيمان تارة يذكر مفرداً غير مقرون باسم الإسلام. وتارة يذكر مقروناً به. فمن أمثلة ذكره مقرونا بالإسلام:

قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} 3.

وقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} 4.

وقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} 5.

وقول جبريل عليه السلام في حديث عمر بن الخطاب: "ما الإسلام وما الإيمان"6.

ومن أمثلة ذكر الإيمان مفرداً:

قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} 7.

وقوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ. وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 8.

1 توضيح الكافية الشافية /8.

2 الفتاوى السعدية /17.

3 سورة الأحزاب/ الآية 35.

4 سورة الحجرات/ الآية 14.

5 سورة الذاريات/ الآيتان 35، 36.

6 تقدم تخريجه ص ـ 239.

7 سورة الأنفال/ الآية 2.

8 سورة الحديد/ الآيتان 7، 8.

ص: 301

وقوله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق"1.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"2.

ومن أمثلة ذكر الإسلام مفرداً:

قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} 3.

وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} 4.

وقوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 5.

وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} 6.

وعلى هذا فإن الإسلام والإيمان إذا أطلق أحدهما شمل الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله.

وأما إذا قرن بينهما وذكرا معا فعند ذلك يفترقان فيراد بالإسلام حينئذ الأعمال والأقوال الظاهرة، ويراد بالإيمان الاعتقادات الباطنة.

ومن تأمل حديث جبريل والنصوص المتقدمة وغيرها من النصوص عرف ذلك.

وقد أوضح ابن سعدي هذه العلامة بين هذين المسميين فقال: "اعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام بهذه الأصول وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه الإسلام، وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها، فهي من الإيمان وأثر من آثاره.

فحيث أطلق الإيمان دخل فيه ما ذكر، وكذلك الإسلام إذا أطلق دخل فيه

1 تقدم تخريجه ص 300.

2 أخرجه البخاري 1/9 عن أنس بن مالك.

3 سورة آل عمران/ الآية 19.

4 سورة المائدة/ الآية 3.

5 سورة آل عمران/ الآية 85.

6 سورة البقرة/ الآية 208.

ص: 302

الإيمان، فإذا قرن بينهما كان الإيمان اسماً لما في القلب من الإقرار والتصديق والإسلام اسما للأعمال الظاهرة"1.

وقال في موضع آخر: "أما الإسلام فهو استسلام القلب لله وإنابته، والقيام بالشرائع الظاهرة والباطنة، وأما الإيمان فهو التصديق التام والاعتراف بأصوله التي أمر الله بالإيمان بها، ولا يتم ذلك إلا بالقيام بأعمال القلوب وأعمال الجوارح. ولهذا سمى الله كثيراً من الشرائع الظاهرة والباطنة إيماناً، وبعض الآيات يذكر أنها من لوازم الإيمان فعلى هذا الإيمان عند الإطلاق يدخل فيه الإسلام، وكذلك بالعكس، وإذا جمع بين الإيمان والإسلام فسر الإيمان بما في القلب من التصديق والاعتراف وما يتبع ذلك، وفسر الإسلام بالقيام بعبودية الله كلها الظاهرة والباطنة"2.

زيادة الإيمان ونقصانه:

ورد في الكتاب والسنة نصوص كثيرة تدل على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بفعل الطاعات وينقص بارتكاب المحرمات.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} 3.

وقال تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً} 4.

وقال تعالى: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} 5.

وقال تعالى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدىً} 6.

وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر النساء تصدقن

وفي الحديث: ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن"7.

وفي صحيح مسلم من حديث حنظلة الأسيدي قال: لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال قلت: نافق حنظلة، قال سبحان الله ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا

1 التفسير 1/144.

2 الخلاصة /199، وانظر أيضاً سؤال وجواب /5.

3 سورة محمد/ الآية 76.

4 سورة مريم/ الآية 76.

5 سورة الأحزاب/ الآية 22.

6 سورة الكهف/ الآية 13.

7 البخاري 2/126، ومسلم 1/87.

ص: 303

من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد الصغار فنسينا كثيراً قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة "ثلاث مرات"1.

فهذه النصوص ظاهرة الدلالة في أن الإيمان يزيد وينقص إذ هي صريحة بذلك.

وقد تناول ابن سعدي هذه المسألة وبين أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بقوة الاعتقاد وكثرته وحسن الأعمال والأقوال وكثرتها وينقص بضد ذلك2.

واستدل على ذلك بأدلة كثيرة أذكر بعضها:

قال عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ. أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} 3.

"....وفي هذه الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده فيجدده وينميه، ليكون دائما في صعود"4.

وقال عند قوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً} 5. ".....وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه كما قاله السلف الصالح ويدل عليه قوله تعالى: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً} {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} 7.

ويدل عليه أيضاً الواقع فإن الإيمان قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان

1 مسلم 4/2106.

2 انظر سؤال وجواب /8، والفتاوى السعدية /17، والتفسير 6/35، والخلاصة /131، وتوضيح الكافية الشافية /8، 9، 13. وغيرها.

3 سورة التوبة/ الآيات 124، 125، 126.

4 التفسير 3/317.

5 سورة مريم/ الآية 76.

6 سورة المدثر/ الآية 31.

7 سورة الأنفال/ 2.

ص: 304

والجوارح والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور أعظم تفاوت"1.

وقال في شرحه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير...."2.

".....وهذا من أدلة السلف على أن الإيمان يزيد وينقص، وذلك بحسب علوم الإيمان ومعارفه وبحسب أعماله.

وهذا الأصل قد دل عليه الكتاب والسنة في مواضيع كثيرة"3.

مسألة الاستثناء في الإيمان:

وهذه المسألة مترتبة على ما سبق بيانه من أن الإيمان قول وعمل واعتقاد وأنه يزيد وينقص فإذا ثبت ذلك. فإنه ينبغي للإنسان إذا قال أنا مؤمن أن يستثني؛ لأنه لا يستطيع أن يجزم بأنه كمّل الأعمال، وإن جزم بذلك فقد زكى نفسه.

قال ابن سعدي بعد أن عرف الإيمان وبين أنه أصل عظيم وأن أهل السنة والجماعة يعتقدون أنه قول وعمل واعتقاد "........ويرتبون على هذا الأصل صحة الاستثناء في الإيمان.

فيصح أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأنه يرجو من الله تكميل إيمانه فيستثني من غير شك منه بحصول الإيمان"4.

وقال في تفسيره لقوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا....} 5 "....وفيه دلالة على جواز إضافة الإنسان إلى نفسه الإيمان على وجه التقييد بأن يقول أنا مؤمن بالله، كما يقول آمنت بالله بل هذا الأخير من أوجب الواجبات، كما أمر الله به أمراً حتماً بخلاف قول العبد: أنا مؤمن ونحوه فإنه لا يقال إلا مقروناً بالمشيئة لما فيه من تزكية النفس؛ لأن الإيمان المطلق يشمل القيام بالواجبات وترك المحرمات، فهو كقوله أنا متقي أو ولي أو من أهل الجنة، وهذا التفريق هو مذهب محققي أهل السنة والجماعة"6.

1 التفسير 5/33.

2 أخرجه مسلم 4/2052.

3 بهجة قلوب الأبرار/ 33، وانظر أيضا التنبيهات اللطيفة /50، 51، فقد ذكر فيها جملة من الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه، وذكر فيها أيضاً أوجه زيادته ونقصانه، وأن الإيمان يزيد وينقص من أوجه متعددة، فليراجع.

4 الفتاوى السعدية /18، 19.

5 سورة البقرة / الآية 136.

6 الخلاصة /11، وانظر التفسير 1/145.

ص: 305

حكم مرتكب الكبيرة:

قبل معرفة حكم الكبيرة أذكر تعريف الكبيرة، فأقول:

اختلف السلف في تعريف الكبيرة إلى أقوال متعددة:

فقيل: هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب.

وقيل: هي ما أوعد الله عليه حداً في الدنيا أو عذاباً في الآخرة.

وقيل: هي ما كانت المظالم فيه بين العباد أنفسهم.

وقل: هي ما سماه الله في القرآن كبيراً أو عظيماً.

وقيل: غير ذلك1.

ومن أجمع التعاريف للكبيرة: أنها كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو ورد فيها وعيد بنفي إيمان أو لعن ونحوهما2.

أما حكم مرتكب الكبيرة:

فإن نصوص الكتاب والسنة تدل دلالة واضحة على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر ولا يخرج من الدين بسبب ارتكابه للكبيرة، وإنما ينقص إيمانه فلا يذهب عنه الإيمان بالكلية بل يبقى معه مطلق الإيمان.

وارتكاب الكبيرة ليس سبباً للخلود في النار فلا يخلد أحد في النار بسبب ارتكاب الكبيرة؛ لأنه لا يوجب الخلود في النار إلا الإشراك بالله.

وهذا هو قول أهل السنة والجماعة، وأدلة الكتاب والسنة جمعيها متضافرة على تقريره وتأصيله والرد على من خالفه.

أما الخوارج: فقد كفروا مرتكب الكبيرة وأخرجوه من الدين بالكلية وأوجبوا له الخلود في النار.

وأما المعتزلة فقد وافقوا الخوارج في خلود مرتكب الكبيرة في النار، وأما في الدنيا فهو عندهم ليس مؤمناً ولا كافراً، وإنما في منزلة بين المنزلتين.

وأما المرجئة الخالصة: فقالوا: "إنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة". فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان ولا يستحق دخول النار.

وهذه الفرق كلها جانبت الصواب، وخالفت نصوص الكتاب والسنة والمذهب الحق في ذلك هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ لدلالة نصوص الكتاب والسنة عليه وهو

1 انظر في هذه التعاريف وغيرها مدارج السالكين لابن القيم 1/320، وما بعدها.

2 لوامع الأنوار للسفاريني 1/365، وانظر الفتاوى لابن تيمية 11/650، وما بعدها.

ص: 306

وسط بين هذه المذاهب الضالة، فمن مات على كبيرة فأمره مفوض إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه، وإذا عاقبه بها فإنه لا يخلد خلود الكفار بل يخرج من النار ويدخل الجنة1.

وقد اهتم ابن سعدي ببيان هذا الحكم والرد على من خالفه، وذكر له أدلة كثيرة من الكتاب والسنة.

قال رحمه الله: "كبائر الذنوب وصغائرها لا تصل بصاحبها إلى الكفر ولكنها تنقص الإيمان من غير أن تخرجه من دائرة الإسلام، ولا يخلد صاحبها في النار.

ولا يطلقون عليه اسم الكفر كما تقوله الخوارج، أو ينفون عنه الإيمان كما تقول المعتزلة، بل يقولون هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فمعه مطلق الإيمان، أما الإيمان المطلق فينفى عنه"2.

وقد استدل ابن سعدي على أن الكبائر لا يكفر صاحبها، ولا توجب الخلود في النار بأدلة كثيرة.

منها: قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} 3.

قال ابن سعدي: "في قوله {أَخِيهِ} دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا الأخوة الإيمانية فلم يخرج بالقتل منها.

ومن باب أولى سائر المعاصي التي هي دون القتل، ولا يكفر بها فاعلها وإنما ينقص بذلك إيمانه"4.

ومنها: قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا....} 5.

قال ابن سعدي: "....الإيمان والأخوة الإيمانية لا يزولان مع وجود الاقتتال كغيره من الذنوب والكبائر التي دون الشرك، وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة"6.

وقد استدل الخوارج والمعتزلة على مذهبهم الباطل بنصوص من القرآن، من تأملها وجد أنها حجة عليهم لا لهم.

1 انظر القعيدة الواسطية شرح الهراس /121، 122، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني 1/366، وما بعدها. ومعارج القبول للحكمي 2/417 وما بعدها.

2 الفتاوى السعدية /18.

3 سورة البقرة/ الآية 178.

4 التفسير /1/216.

5 سورة الحجرات/ الآية 9.

6 التفسير 7/134، 135.

ص: 307

يقول ابن سعدي: "وكل مبطل يحتج بآية أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه"1، ولذلك كان في تفسيره للقرآن إذا مر بآية استدل بها الخوارج والمعتزلة على مذهبم الباطل، بين أن في الآية المستدل بها حجة عليهم لا لهم2.

ومن أمثلة ذلك استدلالهم بقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} 3.

قال ابن سعدي: "ويدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب، ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه دخل النار وخلد فيها.

ومن اجتمع فيه معصية وطاعة كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية.

وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد غير مخلدين في النار"4.

ومن أمثلة ذلك أيضاً استدلالهم بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 5.

قال ابن سعدي: "في هذا أن الربا موجب لدخول النار والخلود فيها، وذلك لشناعته، ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان.

وهذا من جملة الأحكام التي تتوقف على وجود شروطها وانتفاء موانعها وليس فيها

1 التفسير 1/103.

2 انظر التفسير 7/495، 2/36، 7، 23/129، 5/496، 1/338، 1/103، والتنبيهات اللطيفة /51 وغيرها.

3 سورة النساء/ الآية 14.

4 التفسير 2/36، 37.

5 سورة البقرة/ الآية 275.

ص: 308

حجة للخوارج كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص، من خروج من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من الإيمان من النار"1.

وانظر بقية الأمثلة على ذلك في الصفحات المشار إليها آنفا بالهامش، تجد أن كل مبطل إذا استدل بنص صحيح على باطله يكون فيما استدل به حجة عليه.

وإنما هدى الله أهل السنة والجماعة للحق في ذلك لجمعهم بين النصوص وتوفيقهم بينها، لا كما يفعله المبطلة من الأخذ بطرف من النصوص وتركهم طرفاً آخر لاشتماله على رد عليهم.

الجمع بين النصوص الواردة في خلود مرتكب الكبيرة في النار، وبين النصوص التي تدل على أنه لا يخلد في النار إلا المشرك:

قد يشكل على بعض ورود كثير من الآيات فيها ذكر خلود مرتكب الكبيرة في النار، وآيات أخرى فيها أنه لا يخلد في النار إلا المشرك.

وقد أورد ابن سعدي هذا الإشكال وأجاب عنه جواباً شافياً فقال: "ورد في القرآن عدة آيات فيها ذكر الخلود في النار على ذنوب كبائر ليست بكفر مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} 2.

وقوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} 3.

وقوله: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 4.

فما الجمع بينها وبين النصوص المتواترة من الكتاب والسنة أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، وأن جميع المؤمنين مهما عملوا من المعاصي التي دون الكفر فإنهم لا بد أن يخرجوا منها؟

1 التفسير 1/339.

2 سورة النساء/ الآية 93.

3 سورة النساء/ الآية 14.

4 سورة البقرة/ الآية 81.

ص: 309

فهذه الآيات قد اتفق السلف على تأويلها وردها إلى هذا الأصل المجمع عليه بين سلف الأمة.

وأحسن ما يقال فيها أن ذكر الخلود على بعض الذنوب التي دون الشرك والكفر أنها من باب ذكر السبب، وأنها سبب للخلود في النار لشناعتها، وأنها بذاتها توجب الخلود إذا لم يمنع من الخلود مانع.

ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الإيمان مانع من الخلود، فتنزل هذه النصوص على الأصل المشهور وهو أنه لا تتم الأحكام إلا بوجود شروطها وأسبابها وانتفاع موانعها، وهذا واضح ولله الحمد مع أن بعض الآيات المذكورة فيها ما يدل على أن الخطيئة المراد بها الكفر، لأن قوله:{وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} دليل على ذلك، لأن المعاصي التي دون الكفر لا تحيط بصاحبها، بل لا بد أن يكون معه إيمان يمنع من إحاطتها، وكذلك قوله:{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا} 1 فالمعصية تطلق على الكفر وعلى الكبائر وعلى الصغائر ومن المعلوم أنه إذا دخل فيها الكفر زال الإشكال"2.

وبهذا التوفيق الذي ذكره ابن سعدي يزول هذا الإشكال ثم إن القاعدة في الذنوب عند السلف:

أنها إن كانت دون الشرك فهي تحت مشيئة الله إن شاء عذب فاعلها وإن شاء عفا عنه وإن عذبه فإنه لا يخلد في النار.

وأما إن كان في الذنوب إشراك بالله فصاحبها خالد مخلد في نار جهنم، دل على هذه القاعدة العظيمة قوله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 3.

وهذا آخر الحديث عن الإيمان وما يتعلق به، وبه نهاية الفصل الرابع من الباب الثاني والأخير

والحمد لله رب العالمين..

1 سورة النساء/ الآية 14.

2 الخلاصة /188، وانظر أيضاً التفسير 2/129.

3 سورة النساء/ الآيتان 48، 116.

ص: 310

الخاتمة

ص: 311

الخاتمة

الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، أحمده على توفيقه، وأثني عليه الخير كله، لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.

وبعد: فقد تمت هذه الرسالة بحمد الله تعالى، وقد عنيت فيها ببيان جهود العلامة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي العقدية، والتي تنمي عن حرصه الشديد وجهوده المكثفة لنصرة هذه العقيدة.

وعرضنا هذا لجهوده يبين لنا شدة عنايته بالعقيدة بجميع جوانبها، فكما تقدم في الرسالة كان حديثه عن العقيدة شاملاً لجوانب كثيرة وجزئيات متنوعة ونقاط متعددة من جوانب العقيدة، شاملاً أيضاً للردود على كل من خالف هذه العقيدة الصافية المأخوذة من الكتاب والسنة، والتي لا فلاح ولا نجاح ولا سعادة إلا بتحقيقها.

وكلامه في هذا كله مدعم بالأدلة النقلية، أدلة الكتاب والسنة، فهو في كل مسألة يبينها وينصرها، وفي كل شبهة يدحضها ويبين بطلانها وزيفها، يستدل على ذلك بأدلة صحيحة صريحة واضحة في الدلالة على المقصود، لا لبس فيها ولا غموض، بعيدة عن تكلفات الفلاسفة والمؤولة والمعطلة وغيرهم، فهو ينهج في تقريراته وردوده منهج السلف الصالح، يرتسم خطاهم ويسير على نهجهم ويقتفي آثارهم، وقد استفاد كثيراً من كتب المتقدمين من علماء السلف وذلك لعنايته الشديدة بها.

كما تأثر رحمه الله بالعالمين الجليلين الذين خدما العقيدة خدمة جليلة، وهما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم الجوزية، فقد استفاد رحمه الله كثيراً من كتبهما واعتنى بها عناية شديدة فشرح بعضها واختصر بعضها واستخرج قواعد وضوابط من أكثرها، وكان يثني عليها ويحث طلابه على قراءتها وقد ظهر تأثره بهما في تقريراته وردوده في مؤلفاته.

كما عنيت في هذه الرسالة بدارسة شاملة لحياة ابن سعدي تناولت فيها جانبي حياته الشخصي والعلمي، وقد ظهر لنا فيها حرص الشيخ منذ نشأته على طلب العلم وتحصيله فقد أمضى حياته وأفنى جميع أوقاته في العلم حفظاً ودارسة وتحصيلاً وعملاً وتطبيقاً وتدريساً ولا يصرفه عنه أي أمر من الأمور.

ص: 312

وفي الحقيقة إن الشيخ ابن سعدي يعد شخصية علمية بارزة، جديرة بالاهتمام من الباحثين، فقد أدى رحمه الله دوراً كبيراً في خدمة هذا الدين ونصرته، عن طريق المواعظ والخطب والدروس العلمية والمؤلفات النافعة وغير ذلك، فقد جلس للتدريس والتعليم أكثر من المؤلفات العلمية القيمة النافعة ما يربو على أربعين مؤلفاً تناول فيها العقيدة والتفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك، ومؤلفاته جميعها تمتاز بسهولة العبارة، وقرب المأخذ، والبعد عن التكليف وهي جديرة بالعناية من طلبة العلم.

وقد كان رحمه الله في حياته متصفاً بجملة من الصفات الكريمة، فكان متواضعاً كريماً بشوشاً، عطوفاً على الفقراء مساعداً لهم، محباً للخير مقدماً عليه، وكان محل إعجاب الناس وثنائهم، فلا يذكر إلا بكل خير ولا يوصف إلا بكل حميد، وكان محل ثناء العلماء، فحمدوا فيه سعة علمه وحسن خلقه، فرحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.

هذا والله الكريم أسأل أن أكون قد وفقت فيما أردت بيانه في هذه الرسالة، وأن يقيل عثراتي ويجنبني الزلل، فهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

ص: 313