الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول: حياة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي
الفصل الأول: حياته الشخصية
…
الباب الأول
حياة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي
وفيه فصلان:
الفصل الأول: حياته الشخصية.
الفصل الثاني: حياته العلمية.
الفصل الأول
حياته الشخصية
وفيه ثمانية مباحث:-
أولا: نسبه.
ثانيا: مولده ووفاة والديه.
ثالثا: نشأته.
رابعا: صفاته الخَلقية.
خامسا: صفاته الخُلقية (أخلاقه) .
سادسا: أعماله.
سابعا: مرضه ووفاته.
ثامنا: رثاؤه.
حياته الشخصية1
أولا: نسبه:
هو العلامة الورع الزاهد، الفقيه الأصولي المحقق المدقق الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي. من نواصر بني تميم، من بني عمرو أحد
1 مصادر ترجمة الشيخ ابن سعدي:-
(1)
روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين للشيخ محمد بن عثمان القاضي 1/219.
(2)
علماء نجد خلال ستة قرون للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام 2/422.
(3)
مشاهير علماء نجد وغيرهم للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ 392.
(4)
علماء آل سليم وتلاميذتهم للشيخ صالح بن سليمان بن محمد العمري 2/295.
(5)
ترجمة في آخر كتاب المختارات الجلية لابن سعدي، طبعة المدني بقلم الشيخ سليمان بن عبد الكريم السناني
(6)
ترجمة في آخر المختارات الجلية لابن سعدي، طبعة السعدية بقلم أحد تلاميذ الشيخ، هي حرفية أو شبه حرفية من مشاهير علماء نجد لآل الشيخ.
(7)
مقدمة كتاب الرياض الناضرة لابن سعدي بقلم أحد تلاميذ الشيخ.
(8)
سيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي جمع وتقديم محمد حامد الفقي. وهي جملة من المقالات لابن الشيخ المترجم له ولأحد تلاميذه ولغيرهما قام بجمعها الشيخ محمد حامد الفقي.
(9)
الأعلام لخير الدين الزركلي 3/340.
(10)
معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة 3/396.
(11)
مجلة الجامعة الإسلامية س: 11، ع: 4، ص205. مقال للدكتور عبد الرحمن العدوي.
(12)
مجلة العرب س: 7 عدد ربيع الأول سنة 1393هـ، ص 690 بعنوان: معجم المطبوعات العربية تحدث فيه عن مؤلفات ابن سعدي.
(13)
مجلة الحج الحجازية س: 11، ع1، سنة 1376هـ، ص:125.
(14)
مقدمة كتاب شرح القصيدة التائية بقلم عبد الغني عبد الخالق.
البطون الكبار من قبيلة بني تميم الشهيرة1.
المكنى بأبي عبد الله، الشهير بعلامة القصيم. نزح جدهم من قفار قرب حائل2، وقيل من المستجدة وهي قريبة من حائل أيضا3 إلى عنيزة حوالي عام 1120هـ4.أما نسبه من قبل أمه، فأمه من آل عثيمين ابنة سليمان العثيمين، وآل عثيمين من آل مقبل من آل زاخر من الوهبة من بني تميم، وهم شقراء، نزح جدهم منها إلى عنيزة وطاب له السكنى فيها5.
ثانيا: مولده، ووفاة والديه:
ولد في عنيزة في القصيم، وذلك بتاريخ 12 المحرم سنة ألف وثلاثمائة وسبع من الهجرة النبوية.
وتوفيت أمه سنة 1310هـ وله أربع سنوات، وتوفي والده سنة 1313هـ وله سبع سنوات، فعاش يتيم الأبوين6.
ثالثا: نشأته:
كان والد الشيخ عبد الرحمن، من طلبة العلم الحريصين على الطلب، الملازمين
1 روضة الناظرين للقاضي 2/219، وعلماء نجد للبسام 2/422، وغيرهما.
2 روضة الناظرين للقاضي 1/319.
3 علماء نجد للبسام 2/433.
4 المصدران المتقدمان وغيرهما.
5 المصدران المتقدمان.
6 آخر كتاب المختارات الجلية طبعة المدني بقلم السناني ص: أ، مقدمة كتاب الرياض الناضرة بقلم أحد تلاميذ الشيخ، وغيرهما.
وفي آخر كتاب المختارات الجلية طبعة السعدية ترجمة للشيخ بقلم أحد تلاميذه /410، ذكر فيها أن والده توفي وله ثمان سنوات، وفي مشاهير علماء نجد لآل الشيخ /392 ذكر أن والده توفي وله اثنتا عشرة سنة وهو خطأ؛ لأن جميع من ترجم له يذكر أن والده توفي وله سبع سنوات، وكذا ابنه عبد الله ذكر ذلك في ترجمته لوالده. انظر سيرة عبد الرحمن السعدي، جمع محمد الفقي/18.
على العبادة المحافظين على الديانة بأنواعها، وكان إماماً في مسجد المسوكف بعنيزة1 فعني بابنه عبد الرحمن وسعى في تربيته تربية صالحة.
فلمّا توفاه الله عطفت عليه زوجة والده وكفلته وأحبته أكثر من حبها لأولادها وصار عندها موضع العناية والرعاية، فلما شب صار في بيت أخيه الأكبر حمد بن ناصر، فنشأ نشأة صالحة كريمة2.
وكان والده قد أوصى به إلى ابنه الأكبر حمد فقام برعايته وتربيته خير قيام، وكان حمد رجلاً صالحاً ومن حملة القرآن ومن المعمرين3.
هذا وإن الشيخ عبد الرحمن كان منذ نشأته صالحاً مثاراً للإعجاب محافظاً على الصلوات الخمس مع الجماعة، واشتهر منذ حداثته بفطنته وذكائه ورغبته الشديدة في طلب العلم وتحصيله4.
فتوفرت له البيئة الصالحة، والرغبة الشديدة في طلب العلم، فاجتهد في طلب العلم وجد فيه وسهر الليالي وواصل الأيام ومضى في طريقه قُدُماً لا يلوي على شيء غير العلم ولا يريد شيئاً غير تحصيل العلم. فلا يكاد الواصفون يصفون شدة حرصه وإقباله على العلم والتعلم، وهكذا حتى نال حظاً وافراً في العلوم الشرعية5.
رابعاً: صفاته الخَلقية:
كان ذا قامة متوسطة، شعره كثيف، ووجهه مستدير ممتلئ طلق، ولحيته كثيفة، ولونه أبيض مشرب بالحُمرة، وكان شعره في شبيبته في غاية السواد. وفي شيخوخته في غاية البياض يتلألأ كأنه فضة، ووجهه حسن عليه نور في غاية الحسن وصفاوة اللون6
1 آخر المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم سليمان السناني ص أ، وروضة الناظرين للقاضي 1/319.
2 علماء نجذ للبسام 2/433، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ /392.
3 روضة الناظرين للقاضي 1/319.
4 روضة الناظرين للقاضي 1/319، سيرة السعدي جمع الفقي بقلم أحد تلاميذ الشيخ/9.
5 سيرة السعدي جمع الفقي بقلم أحد تلاميذه الشيخ/10، وآخر الكتبا المختارات الجلية بقلم السناني/أ.
6 روضة الناظرين للقاضي 1/225، وآخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني، بقلم السناني، ص هـ.
خامسا: صفاته الخُلقية (أخلاقه) :
أـ (له أخلاق أرق من النسيم وأعذب من السلسبيل لا يعاتِب على الهفوة ولا يؤاخذ بالجفوة، يتودد ويتحبب إلى البعيد والقريب، يقابل بالبشاشة، ويُحَّيِ بالطلاقة، ويعاشر بالحسنى ويجالس بالمنادمة، ويجاذب أطراف أحاديث الأنس والود، ويعطف على الفقير والصغير ويبذل طاقته ووسعه، ويساعد بماله وجاهه وعلمه ورأيه ومشورته ونصحه بلسان صادق، وقلب خالص، وسر مكتوم، ومهما أردت أن أُعدد فضائله ومحاسنه في مجال الأخلاق الكريمة والشيم الحميدة التي يتحلى بها فإني مقصر وقلمي عاجز، ولا يدرك هذا إلا من عاشره وجالسه؛ لذا فإن الله سبحانه أعطاه محبة في القلوب وثقة في النفوس، فأجمعت البلاد على وده، واتفقت على تقديمه، فصار له زعامة شعبية، فإشارته نافذة وكلمته مسموعة وأمره مطاع) . هكذا وصفه تلميذه عبد الله البسام1.
ب ـ وكان رحمه الله ذا دعابة يتحبب إلى الخلق بحسن خلقه مرحاً للجليس لا يرى الغضب في وجهه طلق الوجه، كريم المحيا، وكان يكثر الحج ويصوم البيض وغيرها ويتكلم مع كل فرد بما يناسب حاله2 ويعاشر الخلق معاشرة تامة كل بحسب حاله من يعرف ومن لا يعرف، الصغير والكبير، والخاص والعام، والرجال والنساء، محباً للخير مُقْدماً عليه3.
جـ ـ ولم يُرَ قط إلا مبتسماً بادية أسارير وجهه، ولم يقابله أي شخص إلا بادره بالسلام واللطافة الصغير والكبير، ومن يعرف ومن لا يعرف، وقل من يراه إلا ويعرفه، ويباسط كل أحد بحسب حاله مباسطة تؤلف القلوب وتمكن المودة4.
د ـ وكان على جانب كبير من التواضع ولين الجانب يندر مثله، تحس إذا جالسته كأنك من أقرب الناس إليه. متواضعاً للصغير والكبير والغني والفقير5، وكان لا ينقطع عن زيارتهم ومشاركتهم في مجتمعاتهم6 يجيب دعوتهم ويزور مريضهم ويشيع جنائزهم7.
1 علماء نجد 2/429.
2 روضة الناظرين للقاضي 1/334.
3 آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني: د.
4 آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني ص: د.
5 مقدمة الرياض الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ /6 وعلماء آل سليم للعميري 2/2/295.
6 علماء نجد للبسام 2/424.
7 روضة الناظرين للقاضي 1/223.
هـ ـ وكان على جانب كبير من الأدب والعفة والنزاهة والحزم في كل أعماله، زاهداً متعففاً عزيز النفس على قلة ذات يده1ـ ذا شفقة على الفقراء والمساكين والغرباء، ماداً يد المساعدة لهم بحسب قدرته. ويستعطف لهم المحسنين ممن يعرف عنهم حب الخير في المناسبات2، ويدفع للفقراء من الطلبة الأموال ليتجردوا عن الانشغال بوسائل المعيشة3.
وـ وكان محباً لإصلاح ذات البين. فما من مشكلة تعرض عليه إلا ويحلها برضا الطرفين، لما ألقى الله في قلوب الخلق من مودته والانقياد لمشورته والإصغاء لقوله مهما كانت الحال، ولا يكاد يوجد من يرى مخالفته في أي حال من الأحوال4.
ز ـ وكان ملبسه متوسط الحسن مجانباً للشهرة، لا يرغب ملابس الشهرة، فملابسه حسنة طيبة بعيدة عن الشهرة5.
سادسا: أعماله:
وأعني بأعماله، ما قام به الشيخ من مشاريع خيرية، أو ما تولاه من أعمال دينية.
وقد كان رحمه الله محباً للمشاريع الخيرية العامة والخاصة آمراً بها، مساعداً عليها، وله أفعال كثيرة حسنة جهرية وسرية، لم يظهر بعضها إلا بعد وفاته وهي كثيرة جداً6.
وفيما يلي أعرض بعض المشاريع التي قام بها، والأعمال التي تولاها:
أـ كان مرجع بلاده وعمدتهم في جميع أحوالهم وشئونهم، فهو مدرس الطلاب وواعظ العامة وإمام الجامع وخطيبه، ومفتي البلاد وكاتب الوثائق ومحرر الأوقاف والوصايا وعاقد الأنكحة ومستشارهم في كل ما يهمهم7. كل ذلك خدمة لوجه الله.
1 مقدمة الرياضة الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ/ 6، وروضة الناظرين للقاضي 1/223.
2 مقدمة الرياض الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ/6.
3 روضة الناظرين للقاضي 1/224.
4 آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني ص: د وسيرة السعدي، جمع الفقي/ 13.
5 آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني ص: هـ.
6 المصدر المتقدم ص: د.
7 علماء نجد للبسام 2/424.
قام في سنة 1360هـ بتأسيس المكتبة الشهيرة بالوطنية في عنيزة على نفقة الوزير ابن حمدان، وجلب لها آلاف الكتب في شتى الفنون، وصارت هذه المكتبة مجمعاً لطلاب العلم يقرؤون عليه فيها، وكانت المراجع متوفرة فيها1.
جـ ـ رشح لقضاء عنيزة عام 1360هـ وامتنع منه تورعاً2، ولم يدخل في أي وظيفة لا قضاء ولا غيره. وعرض عليه القضاء أكثر من مرة ولكن سهل الله له الفكاك منه3.
د ـ عين إماماً وخطيباً للجامع الكبير بعنيزة في رمضان عام 1361هـ بأمر من الشيخ عبد الرحمن بن عودان، وهي حسنة من حسناته أحبه الناس عليها وحفظوها له4.
هـ ـ قام في سنة 1363هـ، بجمعية خيرية لعمارة مقدم الجامع الكبير، بعنيزة وانتهت على ما يرام بمساعيه المشكورة5.
زـ عين مشرفاً على المعهد العلمي بعنيزة سنة 1373هـ، يقول الشيخ عبد الرحمن العدوي ـ أحد المدرسين في المعهد إذ ذاك بعد أن ذكر خبر تعيينه مدرساً هناك ـ (وفي نفس الوقت بلغنا أن الشيخ عبد الرحمن السعدي قد عين مشرفاً على المعهد من الناحية العلمية، وكان تعيينه براتب شهري قدره ألف ريال. ولكن الشيخ رحمه الله تعالى أرسل إلى رئاسة المعاهد العلمية أنه على استعداد للإشراف على المعهد حسبة لوجه الله تعالى، وأنه لا يريد أن يكون له على ذلك أجر مادي وقبلت الرئاسة شاكرة له هذا الصنيع الذي لا يصدر إلا من عالم زاهد يبتغي وجه الله)6.
ثم قال: (كان رحمه الله يأتي إلى المعهد بانتظام يوم الثلاثاء من كل أسبوع، ثم
1 روضة الناظرين للقاضي 1/223.
2 روضة الناظرين للقاضي 1/221.
3 آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني ص: ج.
4 روضة الناظرين للقاضي 1/223، وعبد الرحمن بن عدوان هو قاضي عنيزة إذ ذاك.
5 روضة الناظرين، للقاضي 1/223.
6 مجلة الجامعة الإسلامية، سنة: 11، ع: 4، ص:205.
يدخل إلى آخر صف ويجلس فيه كأنه أحد طلاب هذا الفصل. ويكرر هذا العمل في أكثر من فصل ويستمع إلى أكثر من مدرس ولم يكن في المعهد من المدرسين المصريين إلا أنا وزميل آخر، أما بقية المدرسين فكانوا من أبناء الشيخ علمهم في المسجد الجامع إلى درجة تسمح لهم بالقيام بتدريس المواد التي تعلموها على يديه) 1.
وهو أول من أدخل مكبر الصوت في عنيزة، وله خطبة في منافعه قالها حين وضعه في المسجد واستنكره بعض الناس قال فيها:(وكذلك إيصال الأصوات والمقالات النافعة إلى الأمكنة البعيدة من برقيات وتلفونان وغيرهما، داخل في أمر الله رسوله بتبليغ الحق إلى الخلق، فإن إيصال الحق والكلام النافع بالوسائل المتنوعة من نعم الله، وترقية الصنائع والمخترعات لتحصيل المصالح الدينية والدنيوية من الجهاد في سبيل الله)2.
ط ـ وله أعمال خيرية سرية كثيرة عرف بعضها بعد وفاته:
منها: أن امرأة أرملة لها بيت، أصبحت مدينة بمال كثير، فرهنت بيتها، وليس لها عمل تقتات به، فأحس بذلك الشيخ فصار يتعهدها ويعطيها أرسالاً مما يأتيه من أهل الخير، فكانت تدفع أكثر ما يصلها إلى صاحب الدين وتبقي قليلاً من المال تقتات به. فبقيت على تلك الحال مدة من الزمن فخلص الدين بأجمعه وذلك قبل وفاة الشيخ بأشهر، فلما توفي رحمه الله ظهر الخبر من المرأة، وكانت دائماً تذكره وتدعو له، وأمثالها في ذلك كثير فرحمه الله رحمة واسعة3.
سابعا: مرضه ووفاته:
أصيب عام 1371هـ أي قبل وفاته بخمس سنوات بمرض ضغط الدم، وتصلب الشرايين فكان يعتريه مرة بعد مرة وهو صابر عليه، وكانت أعراض المرض تبدو عليه بعض الساعات في الكلام فيقف ولو كان يقرأ القرآن ثم يتكلم4.
1 المصدر السابق / 206، بتصرف.
2 الخطب المنبرية /81.
وانظر مجلة الجامعة الإسلامية سنة 11، ع: 4، ص:207 فيها ذكر سبب إدخال مكبر الصوت.
3 آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني، ص: هـ.
4 علماء نجد للبسام 2/429، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ / 396 وغيرهما.
فاهتمت به الحكومة، حيث أرسل له الملك سعود رحمه الله طائرة خاصة، وفيها طبيبان، قررا بعد الكشف عليه سفره للعلاج في لبنان وصحباه في السفر1.
فسافر إلى بيروت في عام 1373هـ وبقي هناك شهراً، يعالج حتى شفاه الله، ونصحه الأطباء بالراحة وقلة التفكير والاجهاد2. واجتمع في سفره هذا بعدد من العلماء، وتعرف بجملة من الفضلاء3، منهم الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني كما حدثني بذلك.
ثم رجع إلى عنيزة فباشر فيها أعماله، ولم يصبر على ترك العلم فقام فيها تعليماً وإمامةً وخطابةً وتأليفاً وبحثاً؛ لأن هوايته العلم وكان يقول إن راحتي في مزاولة عملي4.
فصار المرض يعاوده ثم يشفى، ولا يصده عن الخروج، ويحدث معه رعدة وسكتة لا يقدر معها على الكلام وتبقى دقيقة واحدة ثم تزول بدون تألم سوى برد يتلوه عرق5.
وفي شهر جمادى الآخرة سنة 1376هـ اشتد عليه المرض أكثر مما كان وصار معه مثل البرد والقشعرية.
وفي ليلة الأربعاء 22 من الشهر المذكور، وبعد فراغه من الدرس اليومي المعتاد، وبعد فراغه من صلاة العشاء، أحس بثقل وضعف في الحركة فأشار إلى أحد تلاميذه بأن يمسكه ويذهب معه إلى البيت ففعل وهرع معه أناس من الحاضرين، فلم يصل إلى البيت إلا وقد أغمي عليه، ثم أفاق بعد ذلك فحمد الله وأثنى عليه، وتكلم مع أهله الحاضرين بكلام حسن طيب، ثم عاوده الإغماء مرة أخرى فلم يتكلم بعد ذلك.
فلما أصبحوا صباح الأربعاء دعوا الطبيب فقرر أن معه نزيفاً في المخ، وإن لم يتدارك فوراً فإنه يموت.
فأبرقوا لابنه وللملك فيصل ـ لما كان وليا للعهد ـ فأصدر أمره الكريم عاجلاً
1 روضة الناظرين للقاضي 1/225، وآخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني ص: ز.
2 علماء نجد للبسام 2/4292، وروضة الناظرين للقاضي 1/225، وغيرهما.
3 آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني، ص: ز.
4 علماء نجد للبسام 2/439، روضة الناظرين للقاضي 1/225، مشاهير علماء نجد لآل الشيخ /396. وغيرها
5 روضة الناظرين للقاضي 1/225.
بكل ما يلزم فقامت طائرة خاصة وفيها طبيب مخ ومهرة من الأطباء والعلاجات إلى مدينة عنيزة وكان فيها ابنه عبد الله.
ولكن الجو كان ملبداً بالغيوم والرعد والبرق والعواصف الشديدة وفيه أمطار قد تتابعت أكثر من شهر، تهدمت منها البيوت ونزلت أخشاب سطوح المساجد، فلم يساعد الجو على هبوط الطائرة. فتلقت المكالمة وهي في الجو بوفاته فرجعت من حيث أتت.
حيث إنه توفي رحمه الله قبل طلوع فجر يوم الخميس الموافق 23 جمادى الآخرة سنة 1376هـ، عن تسع وستين سنة1.
وصُلي عليه بعد صلاة الظهر في الجامع الكبير، دفن في مقابر الشهوانية شمال عنيزة2 وأخروا الصلاة عليه إلى الظهر لعل أحد أبنائه يدركه، فلم يدركه أحد منهم، وصلى عليه الشيخ عبد العزيز بن محمد البسام. في حشد كبير لم يشهد له مثيل جمع أهل البلد قاطبة والقرى والمدن المجاورة3.
والحقيقة أن عنيزة منذ تأسست لم تصب عامة مثل مصيبتها به، وظهر ذلك في البكاء والحزن الشديد من كل المواطنين، كما ظهر في الازدحام الشديد على الجنازة التي لم يبق كبير ولا صغير لم يشهدها.
وبموته فقدت البلدة أعز وأغلى شخص يعيش فيها وأحس المواطنون بفراغ واسع بفقده، وحتى الآن وذكره في الألسن، ومحبته في القلوب وأحاديثه وإرشاداته وفتاويه هي حديث المجالس وأنس المحافل رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته4.
وخلَّف رحمه الله ثلاثة أبناء وهم عبد الله ومحمد وأحمد، وهم يشتغلون بالتجارة بالرياض والدمام وعبد الله هو أكبرهم سناً وله يد في طلب العلم، وقد اعتنى بطبع بعض مؤلفات والده وتوزيعها مجاناً 5، وقد توفي عبد الله في 24/4/1405هـ في حادث سيارة غفر الله له ولوالديه ووالدينا وجميع المسلمين.
ثامنا: رثاؤه:
وقد رثاه رحمه الله كثير من العلماء والأدباء بمراث عديدة نظماً ونثراً.
1 روضة الناظرين للقاضي 1/226، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ/396،397 وغيرهما.
2 علماء نجد للبسام 2/429.
3 روضة الناظرين للقاضي 1/227.
4 علماء نجد للبسام 2/429، 430.
5 علماء نجد للبسام 2/430.
ـ فمن القصائد التي قيلت في رثائه قصيدة طويلة للدكتور عبد الله بن صالح العثيمين منها:
مهج تذوب وأنفس تتحسر
ولظى على شغف القلوب تسعر
الحزن أضرم في الجوانح والأسى
يصلي المشاعر بالجحيم ويصهر
ملأ الضمائر حسرة وكآبة
لا شيء يبرئها ولا هي تجبر
اليوم ودعنا أباً ومهذبا
والحزن يغلي في الدماء ويزخر
كل امرئ في الكون غايته الردى
الموت حتم للنفوس مقدر
لكن من اتخذ الصلاح شعاره
تفنى الخليقة وهو حي يذكر
ما مات من نشر الفضيلة والتقى
وأقام صرحا أسه لا يكسر
ما مات من غمر الأنام بعلمه
الكتب تشهد والصحائف تخبر
يا زاهدا عرف الحياة فما هوى
في المغريات ولا سباه المظهر
نم في جنان الخلد يا علم التقى
وانعم بظل وارف لا يحسر1
ب ـ ومن هذه القصائد، قصيدة للشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين منها:
رزء عظيم الحزن والأسفا
فالدمع فيه على الخدين قد وكفا
اليوم حقا فقدنا للهدى علما
اليوم حقا فقدنا الزهد والشرفا
بقت عنيزة دهراً وهي رافعة
لواء فخر له كل الورى عرفا
ظلت به العرب دهراً وهي فاخرة
واليوم أضحت تعزى فيه واأسفا
فذي تصانيفه قد قام قائمها
يدعو العباد عليها الكل قد عكفا
لهفي بذا العالم قد حق العزاء لنا
في فادح لو أصاب الطود لارتجفا
فالله يلهمنا صبراً فقد عظمت
مصيبة أثقلت في حملها الكتفا
والله يجزيه عن إحسانه حسنا
والله يسكنه من جنة غرفا2
جـ ـ وقد رثى رحمه الله بقصائد أخرى منها مرثية للشيخ محمد بن عثمان القاضي، ومرثية للشيخ صالح بن عبد الشبل، وقصيدة في الثناء عليه لمزيد الخطيب وغيرهم3
1 روضة الناظرين للقاضي 1/227، وعلماء نجد للبسام 2/299.
2 روضة الناظرين للقاضي 1/228، سيرة الشيخ السعدي جمع محمد حامد الفقي/29.
3 روضة الناظرين للقاضي للقاضي 1/227، وسيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي جمع محمد حامد الفقي/26.
د ـ قال الشيخ القاضي في روضة الناظرين: (ولقد حدثني من أثق به بأن الشيخ سليمان المشعلي وكان عالماً جليلاً وقاضياً مسدداً لما علم بوفاة الشيخ، قال مات اليوم عالم نجد، وقد طاب الموت بعد هذه الشخصية الفذة، فانصدع ومات في 12 من رجب بعد وفاة السعدي بتسعة عشر يوما وكان من خواصه)
1 روضة الناظرين للقاضي 1/227.