المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الغصب مسألة: لو غصب رجل عبدا من آخر فأبق العبد - الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة

[الغزنوي، سراج الدين]

الفصل: ‌ ‌كتاب الغصب مسألة: لو غصب رجل عبدا من آخر فأبق العبد

‌كتاب الغصب

مسألة: لو غصب رجل عبدا من آخر فأبق العبد فضمنه المالك قيمته ملكه الغاصب عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله لا يملكه.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن المالك ملك ببدل العبد والبدل قابل للنقل من ملك إلى ملك فيملكه الغاصب دفعا للضرر عنه كي لا يجتمع البدل والمبدل عنه في ملك رجل واحد وهو المالك.

حجة الشافعي رحمه الله: أن الغصب عدوان محض فلا يصلح سببا لذلك كمال المدبر.

الجواب عنه: أن أداء الضمان مشروع يصلح سببا للملك بخلاف المدبرلأنه غير قابل للنقل من ملك إلى ملك فافترقا.

مسألة: لو قطع رجل يدي عبد إنسان أو فقأ عينيه فالولي بالخيار إن شاء دفع عبده إلى الجاني وأخذ قيمته وإن شاء أمسكه ولا شيء له في النقصان عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله يضمنه كل القيمة ويمسك الجثة.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه

أن مالك العبد ملك بدله بتمامه فوجب أن يخرج العبد من ملكه وإلا لزم الجمع بين البدل والمبدل عنه وهو محال.

حجة الشافعي رحمه الله: أن العبد كان في ملك مالكه والأصل في كل شيء بقاؤه على ما كان والضمان بمقابلة الدين فيبقى العبد في ملك مالكه الأول.

الجواب عنه: أن العبد فيه معنى المالية ومعنى الآدمية فوقعنا على الشبيهين منهما فبالنظر إلى الآدمية يجب الضمان بإداء الغائب لا غير كما في

ص: 109

الحر وبالنظر إلى المالية ليس له أن يأخذ كل بدل العين مع إمساك الجثة كما ليس له ذلك في المال بأن خرق ثوب إنسان خرقا فاحشا فإنه يأخذ القيمة ويدفع الثوب إلى الخارق وليس له أن يمسك الثوب ويأخذ القيمة بالتمام.

مسألة: ثمرة البستان المغصوب أمانة في يد الغاصب إذا هلكت لا ضمان عليه عند أبي حنيفة رضي الله عنه إلا أن يتعدى فيها أو يطلبها مالكها فيمنعها وقال: الشافعي رحمه الله مضمونة.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن سبب الضمان الغصب وهو عبارة عن إزالة اليد المحقة وإثبات اليد المبطلة ويد المالك لم تكن ثابتة على الزيادة حتى يزيلها الغاصب.

حجة الشافعي رحمه الله: أن المقصود من ذلك البستان الثمرة فيكون غصبه غصبا للثمرة والمغصوب مضمون لا محالة.

الجواب عنه: أنه لا نسلم أن غصب البستان غصب الثمرة إذ البستان موجود والثمرة معدومة لا يتصور الغصب في المعدوم.

مسألة: لا يضمن الغاصب منافع ما غصبه إلا أن ينقص باستعماله فيغرم النقصان عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله لا يضمنها.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: إجماع الصحابة رضي الله عنهم أنهم حكموا في ولد المغرور بالقيمة والعقر ولم يحكموا بضمان المتعة ولو كان الضمان واجبا لحكموا به وروي أن رجلا استحق ناقة فقضى له النبي صلى الله عليه وسلم بها ولم ينقل أنه قضى بوجوب الأجر ولأن المنافع لا يمكن غصبها وإتلافها لأنه لا بقاء لها.

حجة الشافعي رحمه الله: أن المنافع أموال متقومة حتى تضمن بالنقود وكذا بالغصوب لأن الغاصب منع المالك من الانتفاع فيضمن بقدر ما منعه من الانتفاع لقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ

ص: 110

مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} 1.

الجواب عنه: أنه يمنع كون المنافع أموالا وإنما تتقوم في ضمن العقد بالتراضي لقيام العين مقامها كما عرف في موضعه والنص يقتضي أن يكون الضمان بالمثل ولا يمكن المماثلة بين الأعيان والمنافع لأن المنافع أعراض لا بقاء لها والأعيان باقية فلا مماثلة بينهما فلا يمكن إيجاب العين بمقابلة المنفعة.

مسألة: إذا غصب رجل حنطة من آخر فطحنها زال ملك المالك عنها وملكها الغاصب وضمن مثل تلك الحنطة عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله لاينقطع حق المالك.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن الغاصب أحدث صنعة متقومة صيرت حق المالك بها هالكا من وجه ولهذا تبدل الاسم وفات معظم المقاصد وحقه في الصنعة قائم من كل وجه فيترجح على الأصل الذي هو فائت من وجه.

حجة الشافعي رحمه الله: أن العين باقية فتبقى على ملك المالك إذ الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان عليه وتتبعه الصفة.

الجواب عنه: لا نسلم أن الأصل باق من كل وجه بل هو هالك من وجه كما مر وفيما قلنا رعاية للجانبين فإن حق المالك ينجبر بأخذ المثل وحق الغاصب يضيع في الصفة بلا جابر فالمصير إلى ما قلنا أولى.

مسألة: إذا غصب ساحة فبنى عليها انقطع حق المالك ولزمه قيمتها عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله له أن يخرب البناء ويأخذها.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن فيما ذهب إليه الخصم إضرار بالغاصب ينقض بنائه من غير خلف وضرر المالك فيما ذهبنا إليه مجبور بالقيمة

1سورة البقرة الآية 194.

ص: 111

فكان أولى فصار كما خاط بالخيط المغصوب بطن ولده أو أدخل اللوح المغصوب في سفينة.

حجة الشافعي رحمه الله أن عين المالك باق وهو غير راض بزوال ملكه فله أخذه.

الجواب عنه: أن هذا منقوض فيما إذا خيط بطن إنسان بالخيط المغصوب فإنه ليس له شق البطن وأخذ الخيط وإن كان عين ملكه باقيا فكما لا يجوز له أخذ الخيط لدفع الضرر من النفس فكذا ليس له أخذ الساحة لدفع الضرر عن المال قال عليه الصلاة والسلام: "حرمة مال المؤمن المسلم كحرمة دمه"

مسألة: إذا غصب رجل جارية إنسان وهي حبلى فما نقصت بالولادة فهو في ضمان الغاصب فإن كان في قيمة الولد وفاؤه جبر النقصان بالولد وسقط ضمانه عن الغاصب عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله لا ينجبر النقصان بالولد.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن سبب الزيادة والنقصان واحد وهو الولادة فلا يعد نقصانا فلا يوجب ضمانا كما لو غصب جارية فهزلت ثم سمنت أو سقطت أسنانها ثم نبتت.

حجة الشافعي رحمه الله: أن الولد ملك المالك فلا يصلح جابرا للملك نفسه كما إذا هلك الولد قبل الرد وصار كما إذا جز صوف شاة أو قطع قوائم شجر غيره.

الجواب عنه: أن سبب النقصان ها هنا القطع والجز وسبب الزيادة النمو فلم يتحد سبب الزيادة والنقصان وفيما نحن بصدده اتحد سبب الزيادة والنقصان فافترقا.

مسألة: إذا أتلف المسلم خمر الذمي يضمن عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله لا يضمن.

ص: 112

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن تقوم الخمر باق في حق أهل الذمة إذ الخمر لهم كالخل لنا ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون وإذا بقي التقوم فقد يكون إتلاف مال متقوم فيجب الضمان لقول علي رضي الله عنه: إنما بذلوا الجزية ليكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا ويجب الضمان بإتلاف مال متقوم لنا فكذا بإتلاف مالهم.

حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم في حق أهل الذمة: "لهم ما للمسلمين وعليهم ما علي المسلمين" والخمر في حق المسلم غير مضمون فكذا لا يكون مضمونا في حق الذمي.

الجواب عنه: أن المسلم يعتقد حرمته ومأمور باجتنابه عنه فلا يكون في حقه متقوما بخلاف الذمي فإنه يعتقد إباحته ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون ولهذا لو باع الذمي الخمر لذمي جاز بيعه فانه غير ممنوع عن تمليك الخمر وتملكه بخلاف المسلم فافترقا.

ص: 113