المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الصلاة مسألة: الصلاة في أول الوقت أفضل عند الشافعي رحمه - الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة

[الغزنوي، سراج الدين]

الفصل: ‌ ‌كتاب الصلاة مسألة: الصلاة في أول الوقت أفضل عند الشافعي رحمه

‌كتاب الصلاة

مسألة: الصلاة في أول الوقت أفضل عند الشافعي رحمه الله، وعند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم يستحب الإسفار بالفجر، والإبراد بالظهر في الصيف وتقديمهما في الشتاء، وتأخير العصر ما لم يتغير قرص الشمس، وتعجيل المغرب، وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه في الإسفار بالفجر من وجوه:

الأول: ما رواه أبو داود والترمذي عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: سمعت رسرل الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وفي لفظ أبي داود: "أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم" قال: الترمذي هذا حديث حسن صحيح.

الثاني: ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة قبل ميقاتها إلا صلاة الفجر صبيحة الجمعة فإنه صلاها يومئذ بغلس. ولفظ البخاري: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء وصلى الفجر قبل ميقاتها" يعني بمزدلفة. فدل أن المعهود إسفاره بها والتغليس كان بعذر الخروج إلى سفر. أو كان ذلك حين تحضر النساء المساجد ثم انتسخ ذلك حين أمرن بالقرار في البيوت.

الثالث: ما رواه الطحاوي عن القضبي عن عيسى بن يونس عن إبراهيم قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر. وهذا لا يكون إلا بعد ثبوت نسخ التغليس عندهم.

الرابع: مارواه الطحاوي عن شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صلى بنا أبو بكر صلاة الصبح فقرأ سورة آل عمران فقالوا: كادت الشمس تطلع فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين ولم ينكر عليه أحد.

ص: 27

الخامس: ما رواه الطحاوي عن السائب بن يزيد قال: صليت خلف عمر بن الخطاب الصبح فقرأ فيها البقرة فلما انصرفوا استشرقوا الشمس فقالوا ما طلعت فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين فكان يدخل فيها بغلس ويخرج منها بتنوير وكذلك كتب إلى عامله وهو اختيار الطحاوي.

السادس: أن مكث المصلي في موضع صلاته حتى تطلع الشمس مندوب قال: صلى الله عليه وسلم "من صلى الفجر ومكث في مكان الصلاة حتى تطلع فكأنما أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل" وبالاسفار يمكن إحراز هذه الفضيلة وبالتغليس قل ما يتمكن منها.

وأما الحجة على الأبراد بالظهر في الصيف فمن وجوه:

الأول: ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم".

الثاني: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم". قال: الترمذي هذا حديث حسن صحيح.

الثالث: ما رواه الترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر ومعه بلال فأراد أن يقيم، فقال:"أبرد" ثم أراد أن يقيم، فقال:"أبرد" ثم أراد أن يقيم فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبرد" حتى رأينا فيء التلول. ثم أقام فصلى فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا عن الصلاة". قال: حديث حسن صحيح.

الرابع: قال: النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: "إذا كان الصيف فأبرد فإنهم يقيلون فأمهلهم حتى يدركوا وإذا كان الشتاء فصل الظهر حين تزول الشمس فان الليالي طوال".

الخامس: أن فيتن التعجيل في الصيف تقليل الجماعات وإضرارا بالناس فإن الحر يؤذيهم.

ص: 28

وأما الحجة على تأخير العصر في الصيف والشتاء فمن وجوه:

الأول: مارواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون" وأتيناهم وهم يصلون"وفيه دليل على أنه يستحب فعلهما في آخر الوقت حين تعرج الملائكة

الثاني: ما رواه أبو داود عن علي بن شيبان قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية.

الثالث: ما رواه الترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد تعجيلا للظهر وأنتم أشد تعجيلا للعصر.

الرابع: ما رواه الطحاوي عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال: كنا مع أبي هريرة رضي الله عنه في جنازة فلم يصل العصر وسكت حتى راجعناه مرارا فلم يصل العصر حتى رأينا الشمس على رأس أطول جبل في المدينة.

الخامس: أن في تأخير العصر تكثير النوافل لأن أداء النافلة بعدها مكروه ولهذا كان التعجيل في المغرب أفضل لأن النافلة قبله مكروهة.

السادس: أن المكث بعد العصر إلى غروب الشمس مندوب إليه قال: النبي صلى الله عليه وسلم: "من صلى العصر ومكث في المسجد إلى غروب الشمس فكأنما أعتق ثمانية من ولد إسماعيل عليه السلام" وإذا أخر العصر يتمكن من إحراز هذه الفضيلة فيكون أفضل وقيل سميت العصر لأنها تعصر أي تؤخر.

وأما الحجة على تعجيل المغرب فالمستحب تعجيلها مطلقا لقوله عليه الصلاة والسلام:: "لا تزال أمتي بخير ما لم تؤخر المغرب إلى أن تشتبك النجوم".

ص: 29

وأما الحجة على تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل فمن وجوه:

الأول: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل" حديث حسن صحيح.

الثاني: ما رواه أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أخر العشاء إلى ثلث الليل ثم خرج فوجد أصحابه في المسجد ينتظرونه فقال: "أما إنه لا ينتظر هذه الصلاة إلى هذا الوقت أحد غيركم ولولا سقم السقيم وضعف الضعيف لأخرت العشاء إلي هذا الوقت".

الثالث: ما رواه البخاري قال: سئل أنس رضي الله عنه هل اصطنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما؟ قال: نعم أخر الصلاة ليلة إلى شطر الليل فلما صلى أقبل بوجهه فقال: "إن الناس قد رقدوا وإنكم لن تزالوا في الصلاة ما انتظرتم الصلاة".

الرابع: عن عائشة رضي الله عنها قالت أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فذهب عامة الليل ونام أهل المسجد ثم خرج فصلى فقال: "إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي".

الخامس: كتب عمر رضي الله عنه إلي أبي موسي الأشعري أن صل العشاء حتي يذهب ثلث الليل.

السادس: أن في التأخير قطع السمر المنهي بعد العشاء فانه عليه الصلاة والسلام كان لا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها.

حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:

الأول: أن العبادة في أول الوقت رضوان وهو أكبر الدرجات فيلزم أن تكون الصلوات أول الوقت أفضل. أما بيان أن العبادة في أول الوقت رضوان الله فإنه تعالى قال: حكاية عن موسى عليه السلام: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ

ص: 30

رَبِّ لِتَرْضَى} 1 فعلم أن تعجيل العبادة سبب الرضوان وقد قال: النبي صلى الله عليه وسلم: "أول الوقت رضوان الله" فهذه الآية وهذا الحديث بهما علم أن تعجيل العبادة سبب الرضوان وأما بيان أن الرضوان أكبر الدرجات فلأنه تعالى قال: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} 2 فصح أن تعجيل الصلاة أعلى الدرجات.

الجواب عنه: أن التعجيل إنما يكون سببا في العبادات التي ندب تعجيلها كالمغرب والظهر في الشتاء أما في العبادات التي ندب تأخيرها فالرضوان إنما هو باتباع النبي صلى الله عليه وسلم فانه سبب لمحبة الله تعالى قال: الله تعالى: {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} 3 وقد أخرالنبي صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات وأمر بتأخير بعضها كما مر من قوله صلى الله عليه وسلم: "أسفروا بالفجر وأبردوا بالظهر" وحذر الله تعالى عن مخالفة أمره حيث قال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} 4 على أن التعجيل ليس بأولى في جميع العبادات بالإجماع فإن تأخير المغرب إلى مزدلفة واجب وتأخير الوتر مستحب فلما دل الدليل على استحباب تأخير بعض العبادات فقد خرج دليلكم عن الدلالة لأن الدليل قد دل على تأخير بعض الصلوات كما ذكرناه فيجب إعمال دليلكم في غير ما دل دليلنا عليه عملا بالدليلين على أن الآية فيها إنكار التعجيل في نفسه حيث قال: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ} 5وحديث أول الوقت رضوان ضعيف الحجة.

الثاني: أن الله تعالى أمر بتعجيل العبادة ورغب فيها بأربع آيات الأولى بقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} 6 والثانية: بقوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ} 7 الثالثة: مدح

1 سورة طه: الآية 84.

2 سورة التوبة: الآية 72.

3 سورة آل عمران الآية 31.

4 سورة النور: الآية 63.

5 سورة طه: الآية 83.

6 سورة آل عمران: الآية 133.

7 سورة الحديد: الآية 21.

ص: 31

الأنبياء به وقال: تعالى {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} 1 والرابعة بقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} 2 وهذه النصوص قاطعة دالة على أن تعجيل العبادة في غاية الفضيلة.

الجواب عنه: أن ما ذكرنا من الأدلة صريحة على استحباب التأخير في بعض العبادات وهذه الآيات ليست بصريحة على استحباب تعجيلها فيحمل على استحباب ما اتفق العلماء على تعجيله عملا بالدليل على أن قوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ} نكرة في الإثبات فلا تقتضي العموم: وباقي الآيات وإن كانت عامة لكنها خصت عنها المواضع التي ندب التأخير فيها بالإجماع فليخص بما ذكرناه من الأدلة المتنازع فيها إذ العام إذا خص منه البعض يخص الباقي بخبر الواحد فبقي تحته المواضع التي لم يدل الدليل على تأخيرها.

الثالث: أن الصحابي الذي تقدم إيمانه أفضل من غيره قال: الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأول: ونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ3} وإذا كان السبق في الإيمان سببا لزيادة الفضيلة والرضى فكذا السبق في الطاعة التي هي ثمرته.

الجواب عنه: أن قياس الطاعة على الإيمان قياس في مقابلة النصوص الدالة على استحباب تأخير بعضها لما ذكرنا فلا يقبل على أن هذا قياس مع الفارق فان الإيمان حسن في جميع الأوقات والكفر قبيح في كلها فلا يجوز تأخير الإيمان بخلاف غيره من الطاعات.

الرابع: قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} 4 وهذا نص قاطع فيمن يكون سابقا في العبادة يكون مقربا إلى حضرة الله تعالى.

1سورة الأنبياء: الآية 90

2 سورة البقرة: الآية 148

3سورة التوبة: الآية 100

4سورة التوبة: 10

ص: 32

الجواب عنه: أن المفسرين قد اختلفوا في المراد من السابق فقيل المراد بالسابق في الإيمان وقيل في الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: السابق في طلب معرفة الله تعالى فلا تكون الآية دليلا على تعجيل العبادة فتحمل على عبادة لم يدل الدليل على تأخيرها عملا بالدليلين.

الخامس: قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} 1 قال: المفسرون أشار بقوله {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} إلى صلاة الظهر والعصر وأشار بقوله: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} يعني ظلمته إلى صلاة المغرب والعشاء وأشار بقوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} إلى صلاة الصبح ثم قال: {كَانَ مَشْهُوداً} يعني صلاة الفجر مشهود بحضور الملائكة وهم الشهداء ومعلوم أن هذا المعنى إنما يمكن إذا أدى الفجر في الغلس أول الصبح لتحضر ملائكة النهار.

الجواب: أن هذا الاستدلال تكلف بعيد لا نترك به الدلائل الصريحة ولا نسلم أن كون الفجر مشهودا لا يمكن إلا بالصلاة في الغلس فإن قيل إن المراد بكونه المشهود إنه يشهده الكثير من المصلين في العادة وذلك يقتضي أن تؤخر لتكثير الجماعة فإنه وقت النوم والقيام منه ولهذا قيل قوله {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ} حث على طول القراءة وقد قال: الطحاوي: من أصحابنا إنه إذا أراد تطويل القراءة يدخل في الغلس ويخرج في الإسفار جمعا بين الدلائل.

السادس: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" ورضاه أفضل من عفوه لأن الرضى للمطيعين والعفو للمقصرين.

الجواب عنه: هذا الحديث رواه يعقوب بن الوليد عن العمري وهما ضعيفان قال: أحمد بن حنبل رحمه الله لا أعرف شيئا يثبت في أوقات الصلوات أولها أو آخرها يعني الرضوان والعفو وإن صح فنقول: المراد

1سورة الإسراء: الآية 78

ص: 33

بالعفو هو الفضل قال: الله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} 1 أي الفضل من المال ولا يجوز أن يحمل العفو هنا على التجاوز عن التقصير فقد ذكر في إمامة جبريل عليه السلام تأخير أداء الصلوات في اليوم الثاني: إلى آخر الوقت ولايجوز أن يقصر جبريل ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فيه تقصير يحتاج إلى العفو على أن مذهبنا ليس فيه أداء الصلاة في آخر الوقت بل وسطه حتى قلنا إن أداء الصلاة بعد تغيير قرص الشمس مكروه فيكون من قبل عفو الله تعالى وكذا تأخير العشاء والمغرب إلى آخر وقتهما فنحن قائلون بموجب دليلكم وفي التحقيق ما قلناه أولى لأنه أوسط الأمور وهو الذي أشار إليه جبريل عليه السلام بقوله: [والوقت ما بين هذين الوقتين لك ولأمتك] أي وقت الاستحباب والأول: وية إذ الجواز ثابت في أول الوقت وفي آخره فلو كان أول الوقت أولى لكان ينبغي لجبريل عليه السلام في معرض التعليم أن يقول أول الوقت وقت لك ولأمتك.

السابع: المسافر له الإفطار والصوم في رمضان وقد اتفقنا على أن تعجيل الصوم أفضل قال الله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 2 فعلم أن تأخير الصلاة وإن كان جائزا ولكن الأفضل تقديمها.

الجواب: أن هذا قياس في مقابلة النصوص الدالة على استحباب تأخير بعض الصلوات فلا يقبل مع أن الفرق بين الصوم والصلاة ثابت وهو أن في تعجيل الصوم أداءها في وقته وفي تأخيرها قضاءها في أيام أخر والأداء أفضل من القضاء ولا يلزم من تأخير الصلاة إلى الوقت المستحب قضاء.

الثامن: أن التعجيل حرفة العباد المخلصين والتأخير حرفة الكسالى المقصرين ولا شك أن الأول: أفضل وقد ذم الله تعالى وأوعد الكسالى في الصلاة وقال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} 3 فإذا

1سورة البقرة: الآية 219

2سورة البقرة: الآية 184

3سورة الماعون: الآية 4

ص: 34

كان كذلك كان التقديم أفضل.

الجواب عنه: أن حرفة المخلصين الاتباع في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وهو ما ذكرنا وهو واضح لمن تأمل وترك التعصب وحرفة المقصرين التأخير عن وقت الاستحباب لا التأخير لإدراك الفضيلة والوعيد لقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} لأجل اشتغالهم بأمور تلهيهم عن أداء الصلاة في أوقاتها ولا دلالة للاية على مذهب الخصم وهو ظاهر لا يخفى على المنصف.

ثم قال: يفرض في مذهب الشافعي رحمه الله في ركعتين خمسة وثلاثون شيئا النية وتكبيرة الافتتاح والجمع بين النية والتكبيرة والقيام وقت القراءة وقراءة فاتحة الكتاب في جميع الركعات والركوع والطمأنينة فيه والقومة من الركوع والطمأنينة فيها والسجود والطمأنينة فيه والرفع من السجود والطمأنينة فيه والسجدة الثاني: ة والطمأنينة فيها والترتيب بين هذه الأركان والموالاة ومجموع هذه الأركان سبعة عشر في الركعة الأول: ى وفي الركعة الثاني: ة تسقط من هذا المجموع ثلاثة وهي النية والتكبير والجمع بينهما وتبقى أربعة عشر إذا ضمت مع ما في الأول: ى يصير المجموع إحدى وثلاثين وأربعة أخرى تفرض في التشهد وهي القعدة وقراءة التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام للخروج وإذا ضمت هذه الأربعة مع السابع: ة يصير المجموع خمسة وثلاثين فهذه هي أركان الصلاة عنده تفرض رعايتها فإن وقع الخلل في واحدة منها تبطل الصلاة وعند الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه جميع هذه الأشياء ليس من الأركان بل الأركان منها ستة والباقي من الواجبات والسنن وعند أبي حنيفة لا تشترط المقارنة بين النية والتكبير حتى لو نوى حين توضأ في بيته ولم يشتغل بعده بشيء يقطع النية جاز وتجعل المقدمة كالقائمة عند التكبير حكما كما في الصوم ولا يشترط عند أبي حنيفة رضي الله عنه تعيين لفظة التكبير حتى لو قال: بدلا منه الله أجل أو أعظم أو الرحمن أكبر أو لا إله إلا الله جاز لأن التكبير هو التعظيم لغة قال: الله تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} 1 أي

1سورة يوسف: الآية 31

ص: 35

عظمنه وقال: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} 1 أي فعظم والتعظيم حاصل بقوله الله أعظم ولأن الركن ذكر الله على وجه التعظيم وهو الثابت بالنص قال: الله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} 2 وإذا قال: الله أعظم فقد وجد ما هو الركن وأما لفظ التكبير فثابت في الخبر فيعمل به حتى يكره غيره لمن يحسنه ولكن الركن ما هو الثابت بالنص ثم من قال: الرحمن أكبر فقد أتى بالتكبير قال: الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} 3 وروى مجاهد أن الأنبياء صلوات الله عليهم كانوا يفتتحون الصلاة بلا إله إلا الله وكذا تعيين قراءة الفاتحة ليس بفرض عند أبي حنيفة رحمه الله وهي واجبة والفرض مطلق القرآن لقوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} 4 في الأول: يين ولو لم يقرأ في الأخريين بشيء جاز لقوله عليه الصلاة والسلام::"القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين" والقومة من الركوع ليس بواجب عنده وكذلك الرفع من السجود والطمأنينة فيها ليس بفرض وكذا قراءة التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليس بفرض وكذا لفظة السلام حتى لو قعد مقدار التشهد وتعمد الحدث أو عمل ما ينافي الصلاة تتم صلاته.

حجة الشافعي رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم في مدة ثلاث وعشرين سنة صلى وقد اتفق المسلمون أن صلاته لم تخل عن جميع ما ذكرنا من خمس وثلاثين خصلة وكل شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم يجب علينا المتابعة فيه قال: الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} 5 وقال: النبي صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ففي هذا الحديث دليل ظاهر على وجوب هذه الأركان نعم لو قام دليل من الآية أو الخبر على أن بعض هذه الأشياء ليس من الأركان نقره بذلك.

1سورة المدثر: الآية 3.

2سورة الأعلي: الآية 15.

3سورة الإسراء الآية 110.

4سورة المزمل: الآية 20

5سورة آل عمران: الآية 31

ص: 36

الجواب عنه: أنه يجب علينا متابعة النبي صلى الله عليه وسلم على الصفة التي فعلها ولم يدل دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذه الأشياء على أنها من الأركان ولو كان جميع مافعل النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ركنا لكان ينبغي أن يكون رفع اليدين في تكبيرة الافتتاح وفي كل خفض ورفع عنده والثناء في الافتتاح والتحميد والتسميع وتسبيحات الركوع والسجود وسائر ما فعله من الآداب أيضا من الأركان لعين ما ذكره الخصم لأن النبي صلى الله عليه وسلم مدة ثلاث وعشرين سنة فعله واتفق المسلمون على ذلك فلما لم تجعل هذه الأشياء من الأركان دل على أن ما ذكره من الدليل لا يصلح أن يكون دليلا على إثبات ركنية جميع ما جعله ركنا فكما قام الدليل عنده على كون هذه الأشياء ليس من الأركان فكذلك قام الدليل عند خصمه على كون بعض ما ذكره من الأركان ليس من الأركان على أن الركنية لا تثبت إلا بدليل قطعي وفي كون فعل النبي صلى الله عليه وسلم موجبا خلاف المعروف عند أهل الأصول فكيف يصلح دليلا على الركنية نعم إذا واظب النبي صلى الله عليه وسلم على فعل ولم يتركه ولم يدل دليل آخر على عدم الوجوب دل على الوجوب ونحن نقول بموجبه دون الركنية.

مسألة: قراءة فاتحة الكتاب لا يتعين ركنا في الصلاة بل الركن مطلق القراءة وتعيين الفاتحة واجب في مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله قراءة الفاتحة ركن في الصلاة.

حجة الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:

الأول: قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} 1 مطلق فتعيين الفاتحة يكون زيادة على هذا النص وهو نسخ فلا يثبت بخبر الواحد.

الثاني: ما رواه البخاري ومسلم في حديث الأعرابي الذي صلى وخفف فجاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه الصلاة والسلام قال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" ثلاث مرات فقال: الرجل والذي بعثك بالحق ما أحسن غير

1سورة المزمل: الآية 20

ص: 37

هذا فعلمني فقال: "إذا قمت في الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع" إلى آخر الحديث فلو كان قراءة الفاتحة ركنا لعلمه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان في معرض بيان الأركان وتعليمها فدل على أن الركن مطلق القراءة:

الثالث: ما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخرج فناد في المدينة لا صلاة إلا بالقرآن ولو بفاتحة الكتاب".

حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:

الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم في مدة ثلاث وعشرين سنة صلى وقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته فيجب متابعته على جميع الناس لقوله تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ} 1 فظهر أنه لا تجوز الصلاة بدون الفاتحة إذ لو كانت الصلاة جائزة بدونها لكان النبي صلى الله عليه وسلم يتركها مرة فإذا لم يتركها مرة علم أن الصلاة بدونها لا تجوز.

الجواب عنه: ما مر أن المواظبة تدل على الوجوب دون الركنية ونحن نقول بموجبه فإن الفاتحة عندنا واجبة ولا يلزم من كونها واجبة أن تبطل الصلاة بتركها وإذا لم يتركها النبي صلى الله عليه وسلم لكونها واجبة وتركه الواجب قصدا لا يجوز فنحن نقول بالإجماع على الصفة التي أتى أتى بها.

الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن الرحيم يقول الله تعالى مجدني عبدي وإذا قال: مالك يوم الدين يقول الله تعالى أثنى علي عبدي وفوض أمره إلي فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين إلى آخر السورة يقول الله تعالى هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل" المقصود من هذا الخبر أن الله تعالى قال: قسمت الصلاة نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي وهذه القسمة بناء على قراءة الفاتحة

1سورة الأنعام: الآية 153

ص: 38

في الصلاة فلو صحت الصلاة بدونها لما صحت هذه القسمة.

الجواب عنه: المراد بالصلاة في هذا الحديث الفاتحة مجازا لأن الصلاة لا تجوز عنده ولا تكمل عندنا إلا بها فوجدت المناسبة بينهما ثم هذه القسمة لا تختص بالصلاة فإن الفاتحة تحميد وتمجيد وثناء ودعاء مطلقا سواء كان في الصلاة أو في غيرها فإذا قرأ العبد فاتحة الكتاب خارج الصلاة تصح هذه القسمة أيضا فلا تتعين كونها في الصلاة ولئن سلم كونها في الصلاة فلا تثبت الركنية بمثله إذ الركنية بخبر الواحد الصريح لاتثبت فبالمحتمل بطريق الأول: ى فغاية الحديث على تقدير التسليم أن تقتضي الوجوب فنحن نقول بموجبه:

الثالث: قوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب".

الجواب عنه: أن الركنية لا تثبت بخبر الواحد بل يثبت به الوجوب فالذي ذهبنا إليه عمل بالكتاب والسنة حيث قلنا إن مطلق القراءة ركن بالكتاب وهو قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} 1 وتعيين الفاتحة واجب بالحديث عملا بالدليلين بقدر قوتهما والخصم مذهبه ضعيف من وجهين:

الأول: أنه حط رتبة الكتاب حيث زاد عليه بخبر الواحد.

والثاني: أنه رفع رتبة خبر الواحد حيث جعله ناسخا لإطلاق الكتاب التحقيق فيما قلناه حيث جمعنا بينهما وحملنا قوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" على نفي الكمال دون نفي الجواز فإن الصلاة بدون الفاتحة ناقصة عندنا وإليه الإشارة في قوله عليه الصلاة والسلام: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" الخداج عبارة عن النقصان مع بقاء الذات دون البطلان كما في قوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" الرابع: جميع أهل الشرق والغرب والموافق والمخالف يقرؤون بفاتحة

1سورة المزمل: الآية 20

ص: 39

الكتاب في الصلاة فالمخالف لهم يدخل تحت الوعيد لقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} 1 الآية.

الجواب عنه: إنما لم نترك الفاتحة قصدا في الصلاة لأنها واجبة عندنا وترك الواجب قصدا لا يجوز فلا نكون مخالفين ولكن الكلام في كونها ركنا أو غير ركن ودليلكم لم يدل على كونها ركنا على أنا نعارضه بالمثل بأن نقول إن أهل الشرق والغرب كلهم يسبحون في الركوع والسجود فيقتضي أن تكون تسبيحات الركوع والسجود ركنا والمخالف لهم يدخل تحت هذا الوعيد فكل جواب للخصم في تلك الصورة فهو جواب لنا في هذه على أنه قد عرف بأنه قيل إن المراد بسبيل المؤمنين الإيمان فاتباع غير سبيل المؤمنين الكفر فيكون الوعيد للكفار لا لمن ترك الفاتحة في الصلاة والشافعي رحمه الله استدل به على كون الإجماع حجة وما سلم له الإستدلال به على ذلك فكيف نسلم استدلال الرازي به على كون الفاتحة ركنا في الصلاة وهو يعلم بضعف هذه الأدلة ولعل غرضه ترويج مذهبه على المقلدين فإنه يعلم قطعا أن كل شيء يفعله جميع المسلمين في الصلاة لا يقتضي أن يكون ركنا فيها.

الخامس: أن قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} 2 في الحقيقة حجة للشافعي رحمه الله تقريره أن الخطاب بقوله فاقرؤوا متوجه إلى جميع الأمة فما تيسر لجميع الأمة يكون مراده به وقراءة الفاتحة متيسرة لهم فعلم أن هذا دليل ظاهر على أن الفاتحة ركن في الصلاة.

الجواب عنه: أن قول: {مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} أعم من أن يكون فاتحة الكتاب أو غير ذلك كسورة الإخلاص والكوثر والعصر وغيرها كما أن الفاتحة متيسرة لهم فكذلك سورة الإخلاص فتعيين الفاتحة بالإرادة من الآية دون

1سورة النساء: الآية 115

2سورة المزمل: الآية 20

ص: 40

سورة الإخلاص وغيرها ترجيح بلا مرجح وتخصيص بلا مخصص وهو مكابرة ظاهرة.

مسألة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ليست آية من الفاتحة بل هي آية مستقلة من القرآن أنزلت للفصل بين السور عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله هي آية من الفاتحة.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فاذا قال: الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي" إلى آخر الحديث الاحتجاج به من وجوه:

الأول: أنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر التسمية فلو كانت آية من الفاتحة لذكرها

والثاني: أنه تعالى قال: "جعلت الصلاة" أي الفاتحة كما مر "بيني وبين عبدي نصفين" وهذا التنصيف إنما يحصل إذا قلنا إن التسمية ليست آية من الفاتحة لأن الفاتحة سبع ايات فيكون لله ثلاث ايات ونصف وهو من قوله: الحمد لله إلى قوله إياك نعبد وللعبد ثلاث آيات ونصف وهو من قوله: وإياك نستعين إلى آخر السورة فإذا جعلنا التسمية آية من الفاتحة حصل لله أربع آيات ونصف وللعبد إثنان ونصف وذلك يبطل التنصيف.

الثالث: ماجاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين فلو كانت التسمية آية منها لافتتح الصلاة بها.

الرابع: نقل أهل المدينة بأسرهم عن ابائهم التابعين عن الصحابة رضي الله عنهم افتتاح الصلاة بالحمد لله رب العالمين.

ص: 41

الخامس: أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ولا تواتر بكونها آية من الفاتحة.

السادس: أن العلماء اختلفوا في كونها أنها من الفاتحة وسوغوا الخلاف فيه وأدنى درجات الخلاف إيراث الشبهة والقرآن لا يثبت بدون اليقين.

حجة الشافعي رحمه الله: أن التسمية مكتوبة بخط المصحف فإنهم كانوا يشددون في منع كتابة ما ليس من القرآن مبالغة في حفظ القرآن وصيانته وتمييزه عما ليس منه.

الجواب عنه: أن القرآن يشترط فيه التواتر في المحل وعدم تواترة في المحل دليل على أنه ليس آية من الفاتحة فلا يثبت كونها من الفاتحة بالاحتمال غاية ما ذكرتم أن تقتضي كونها آية من القرآن وهو مسلم عندنا ولكن مطلوبكم كونها من الفاتحة ودليلكم لا يدل على ذلك وأما المعوذتان فلا خلاف في كونها من القرآن وغاية الأمر أنهما لم توجدا في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه وذلك لا يدل على أنهما ليسا من القرآن فإن عدم كتابته بناء على وضوح أمرهما فإنه لم يصرح بأنهما ليسا من القرآن وقد وقع الإجماع والتواتر على أنهما من القرآن والله أعلم.

مسألة: لا يجب على المقتدي أن يقرأ الفاتحة أو القراءة خلف الإمام لا في صلاة سر ولا جهر عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم ومذهب الشافعي رحمه الله أن يقرأ الفاتحة إذا قرأ الإمام سرا أو جهرا وهو قول مالك رضي الله عنه.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:

الأول: ما رواه الترمذي عن أبي نعيم وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول من صلى ركعة ولم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا أن يكون وراء الإمام قال: ابن عبد البر رواه يحيى بن سلام عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: "من كان له إمام فقراءة الإمام له

ص: 42

قراءة" حكاه الخطابي.

الثالث: ما رواه مسلم عن عطاء بن يسار أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء وكفى بزيد بن ثابت قدوة.

الرابع: ما رواه الطحاوي عن يونس بن وهب أن مالكا حدثه عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا سئل هل يقرأ خلف الإمام؟ فيقول: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام.

الخامس: ما رواه مسلم "وإذا قرأ فأنصتوا".

حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وقال: الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا1} فيجمع بين الخبر والآية فتحمل الآية على الصلاة جهرا والخبر على الصلاة سرا وأيضا يمكن الجمع بينهما بأنه إذا قرأ الإمام جهرا وسكت بين الفاتحة والقراءة يقرأ المقتدي الفاتحة في تلك الوقفة حتى يكون عملا بالحديث والآية.

الجواب عنه: يمكن العمل بهما بأن يحمل الخبر على الإمام أو المنفرد والحديث الذي ذكرناه وهو قوله إلا أن يكون وراء الإمام يدل على ذلك والآية على المقتدي.

الحجة الثانية: أن صلاة السر إذا لم يقرأ فيها المقتدي ولا يستمع كان معطلا غير مشغول بالقراءة والاستماع والصلاة موضع العبادة دون التعطيل.

الجواب عنه: أنه لما جعل قارئا حكما بقراءة الإمام لا يكون معطلا.

مسألة: لو صلى إنسان في ليلة مظلمة أو حالة الاشتباه بالتحري إلى جهة ثم تبين أنه أخطأ في اجتهاده لا يعيد الصلاة عند أبي حنيفة وأصحابه رضي

1سورة الأعراف: الآية 204

ص: 43

الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله يعيدها إذا استدبر القبلة.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه ما رواه الترمذي عن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل على حياله فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} 1 أي قبلته والمراد به حالة الإشتباه والنص والحديث مطلقان فلا يجوز تقييدهما بغير المستدبر ولأن المصلي مأمور بالتحري والاجتهاد حالة اشتباه القبلة والتكليف بحسب الوسع وقد أتى بما هو في وسعه وهو التوجه إلى جهة التحري والإتيان بالمأمور به كاف في الإجزاء فلا يجب عليه الإعادة كما لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء.

حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:

الأول: قوله تعالى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} 2 والذي قصد غير القبلة في إتيان المأمور به فلا بد من الإعادة.

الجواب عنه: أن التوجه قابل بالنقل من جهة إلى أخرى ولهذا حول من الكعبة إلى بيت المقدس ثم منها إلى الكعبة ثم من عين الكعبة إلى جهاتها للبعيد عنها ثم إلى جهة التحري حالة الاشتباه ثم إلى أي جهة قدر حالة الخوف وأي جهة توجهت دابته في النفل فإذا صلى إلى جهة التحري فقد صلى متوجها إلى ما هو قبلة في حقه في تلك الحالة فلا يجب عليه الإعادة بخلاف طهارة الثوب والإناء ونجاستهما فإنهما لا يحتملان الانتقال: والتحول من موضع إلى آخر فإذا تبين أنه صلى في الثوب النجس أو توضأ من الإناء النجس تجب عليه الإعادة لذلك فافترقا.

مسألة: المطيع والعاصي في رخصة السفر سواء عند أبي حنيفة وأصحابه

1سورة البقرة: الآية 115

2سورة البقرة: الآية 144.

ص: 44

رحمهم الله وعند الشافعي رحمه الله سفر المعصية لا يفيد الرخصة فعلى هذا إذا أبق العبد من المولى أو سافر جماعة لنهب البلاد أو قطع الطريق لهم أن يقصروا الصلاة الرباعية ويفطروا في رمضان ويأكلوا الميتة إذا اضطروا إلى ذلك على المذهب الأول: دون الثاني.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: إطلاق النصوص وهو قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَر} 1 وقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} 2 الآية وقوله صلى الله عليه وسلم: "فرض المسافر ركعتان" فتقييد هذه النصوص بسفر الطاعة أو سفر المباح تحتاج إلى دليل ولأن نفس السفر ليس بمعصية وإنما المعصية مجاوره فصار كما لو سافر إلى الحج أو التجارة وهو يقطع الطريق أو يشرب الخمر أو يزني.

حجة الشافعي رحمه الله: قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} 3 فشرط في الرخصة كونه غير باغ ولا عاد فإذا كان باغيا أو عاديا لا تصح له الرخصة.

الجواب عنه: أن على قول أكثر أهل التفسير اختص قوله غير باغ ولا عاد بالأكل ومعناه غير باغ على مضطر آخر بالأخذ منه والاستئثار عليه ولا عاد في شدة الجوعة والأكل فوق العادة فإذا احتمل هذا لا يصلح حجة للخصم.

الثاني: أن الرخصة إعانة على ذلك العمل فلو كان سفر المعصية سببا للرخصة كان إعانة عليها.

الجواب عنه: أن الرخصة لطف من الله تعالى لعباده والله تعالى كريم لا يمنع الرزق من الكافر الذي هو سبب لبقائه في الكفر فكيف يمنع عن

1سورة البقرة: الآية 184

2سورة المائدة: الآية 3.

3سورة البقرة: 173

ص: 45

الفاسق رخصته وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحب أن يؤتى برخصه كما يحب أن يؤتى بعزائمه وهذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"

مسألة: إذا ماتت المرأة لا يحل لزوجها غسلها عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله يحل وأجمعوا أنه إذا مات الرجل يحل لها غسله.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن المرأة لم تبق محلا للنكاح بعد موتها فلم تبق الزوجية فلا يحل له النظر إلى عورتها لقوله عليه الصلاة والسلام: "غض بصرك إلا عن زوجتك" وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن امرأة تموت بين الرجال فقال: تيمم بالصعيد ولم يفرق بين أن يكون فيهم زوجها أو لا يكون والدليل على أن النكاح ارتفع بموتها صحة التزويج بأختها وأربع سواها بخلاف موت الزوج لأن محل النكاح هي المرأة فيمكن إبقاء النكاح في حق هذا الحكم لبقاء محله لحاجته كما بقيت مالكيته بعد موته بقدر ما يقتضي به حوائجه من التجهيز والتكفين وقضاء الديون وتنفيذ الوصايا ولهذا تجب عليها العدة ولا يحل لها أن تتزوج قبل انقضاء العدة وهي أثر النكاح والشيء يعد باقيا ببقاء أثره فأما بعد موتها فلا يمكن بقاء النكاح بوجه لاستحالة بقاء الشيء بدون محله.

حجة الشافعي رضي الله عنه من وجه:

الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك" فإذا جاز ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم جاز لأمته متابعة له.

الجواب عنه من وجهين:

الأول: أن زوجية النبي صلى الله عليه وسلم مسخرة لا تنقطع بالموت لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي" فيكون ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم فلا تجوز فيها المتابعة.

ص: 46

الثاني: أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "غسلتك" أي قمت في تهيئة أسباب غسلك وأمرت به كما يقال: بني السلطان المدرسة.

الوجه الثاني: ما روى عن علي رضي الله عنه أنه غسل فاطمة رضي الله عنها ولم تنكر عليه الصحابة فدل على الجواز.

الجواب عنه: أنه قد روي أن فاطمة رضي الله عنها غسلتها أم أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم والدة أسامة بن زيد رضي الله عنه ولو ثبت أن عليا رضي الله عنه غسلها فقد روى أنه أنكر عليه بعض الصحابة واعتذر علي رضي الله عنه عن ذلك حين أنكره عليه ابن مسعود رضي الله عنه بقوله أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: "إن فاطمة زوجتك في الدنيا والآخرة" فإنكار ابن مسعود واعتذار علي رضي الله عنهما بذلك الجواب دليل ظاهر على أنه لا يجوز للرجل أن يغسل امرأته بعد موتها.

الثالث: قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} 1 يدل على بقاء الزوجية فيجوز له غسلها.

الجواب عنه: أن التسمية بالزوج باعتبار ما كان لا تقتضي بقاء الزوجية بعد فوات المحل والإرث بناء على السبب السابق على الموت ولو كانت الزوجية باقية لما جاز نكاح أختها والأربع سواها.

1سورة النساء: الآية 12

ص: 47