المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الرهن مسألة: لا يجوز رهن المشاع عند أبي حنيفة رضي - الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة

[الغزنوي، سراج الدين]

الفصل: ‌ ‌كتاب الرهن مسألة: لا يجوز رهن المشاع عند أبي حنيفة رضي

‌كتاب الرهن

مسألة: لا يجوز رهن المشاع عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله يجوز.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} 1 فهذا النص يقتضي أن لا يكون الرهن إلا مقبوضا والمشاع لا يمكن قبضه فلا يكون محلا للرهن.

حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:

الأول: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} 2 ورهن المشاع عقد فيجب الوفاء به ومن ضرورته صحة رهن المشاع.

الجواب: أن الآية التي ذكرناها خاصة في باب الرهن وما ذكرتم من الاية عامة وقد خص منها العقود الفاسدة فإنه لا يجب الوفاء فيها فيخص المتنازع بالدليل المذكور.

الثاني: أن المقصود من الآيتين أنه إذا لم يؤد الراهن الدين يبيع المرتهن الرهن ويستوفي دينه من ثمنه والمشاع يجوز بيعه فبقي بهذا المقصود فيجوز رهنه.

والجواب: أن الاستيفاء بالبيع من أحكام جواز الرهن وهو مشروط بالقبض بالنص الذي ذكرنا وهو لا يتصور في المشاع فيكون هذا التعليل في مقابلة النص فلا يقبل.

مسألة: لا يجوز للراهن أن ينتفع بالرهن بالركوب والاستخدام وشرب

1سورة البقرة: الآية 283

2سورة المائدة: الآية 1

ص: 94

اللبن بدون رضى المرتهن ويكون جميع الزوائد رهنا مع الأصل عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله له الانتفاع بالركوب وشرب اللبن.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} 1 ولو تمكن الراهن من الانتفاع بالرهن بدون رضى المرتهن لا يبقى مقبوضا إذا الانتفاع لا يمكن إلا بالاسترداد منه وحكم الرهن الحبس الدائم بالدين.

حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:

الأول: أن منافع الرهن مال لأن الطبع يميل إليها ولا يجوز استيفاؤها لغير الراهن بالإجماع فلو لم يمكن استيفاؤها للراهن كان ذلك إضاعة وذلك لا يجوز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.

والجواب: إنما الرهن الذي هو عين كاللبن والتمر والصوف يمكن بقاؤه أو بقاء قيمته فيكون رهنا مع الأصل فيأخذه الراهن بعد أداء الدين فلا يكون إضاعة وما ليس بعين كالمنافع فيمكنه الانتفاع باذن المرتهن ولو لم يأذن له فهي أعراض ليس لها بقاء فلا تكون من الأموال ولئن سلمنا أنها من الأموال لكن الراهن رضي بتعطيلها حيث حبسه بالدين.

الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "الرهن مركوب محلوب وعلى من ركبه نفقته له غنمه وعليه غرمه" والاستدلال به من وجوه:

الأول: أن الحديث دل على أن الرهن قد يكون مركوبا ومحلوبا وليس ذلك لغير الراهن فتعين أن يكون ذلك للراهن.

الثاني: أنه قال: "على من ركبه نفقته" أثبت فيه جواز الركوب ولم يثبت لغير الراهن فوجب ثبوته له.

1سورة اليقرة: الآية 283

ص: 95

الثالث: قوله "له غنمه وعليه غرمه" هذا الضمير لا يمكن رجوعه إليه.

والجواب عنه: أن هذا الحديث موقوف على أبي هريرة رضي الله عنه ولو كان مرفوعا فقد روى يحيى بن معين أن أبا هريرة رضي الله عنه أفتى بخلافه وذلك يوجب قدحا في الرواية لأن عمل الراوي بخلافه دليل على نسخه إذ لا يجوز له الخلاف ما لم يتبين له نسخه أو يحمل الحديث على أنه يجوز ذلك للمرتهن في ابتداء الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "كل دين جر نفعا فهو حرام" فلم يتعين كونه محلوبا ومركوبا لغير الراهن ولو سلم صحة الحديث وعدم نسخه وأن المراد به الراهن لكنا نقول إنه خبر الواحد في مقابلة الآية وهو قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} 1 فلا يصح التمسك به إذ يحمل على أنه يجوز له ذلك برضى المرتهن.

الثالث: أن الراهن يملك رقبة الرهن وملك الرقبة يكون سببا لجواز الانتفاع فيجوز له ذلك.

الجواب عنه: أنه لما تعلق حق المرتهن استيفاء لدينه لا يجوز الانتفاع به ولو اعتقه لنفذ عتقه عند أبي حنيفة رضي الله عنه ويؤخذ منه قيمته ويجعل رهنا مكانه وعند الشافعي رحمه الله لا ينفذ عتقه.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عتق إلا فيما يملكه ابن آدم" والاستثناء من النفي إثبات فوجب أن يجوز العتق فيما يكون مملوكا للإنسان والرهن مملوك للراهن بالإجماع فيصح إعتاقه.

حجة الشافعي رحمه الله أن إعتاق الراهن يكون سببا لزوال حق المرتهن عن الرهن وهو ضرر في حقه فلا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".

1سورة البقرة: الآية 283

ص: 96

الجواب عنه: أن ضرر المرتهن يندفع بأخذ الدين من الراهن إن كان الدين حالا أو يأخذ قيمته وجعلها رهنا مكانه إن كان الدين مؤجلا وإن كان معسرا سعى العبد في قيمته وقضى به الدين فلا يتضرر وأما القول بعدم العتق فأضرارها على العبد بحيث لا يندفع ضرره أصلا والذي ذكرناه أولى.

مسألة: الرهن مضمون عند أبي حنيفة رضي الله عنه بأقل من قيمته ومن الدين فإن هلك في يد المرتهن وكان قيمة الرهن والدين سواء كان المرتهن مستوفيا لدينه حكما وإن كانت قيمة الرهن أكثر فالفضل أمانة وإن كانت أقل سقط من الدين بقدره ورجع بالفضل وعند الشافعي رحمه الله الرهن كله أمانة إذا هلك في يد المرتهن لا يسقط شيء من الدين.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: ما رواه الطحاوي عن عطاء بن أبي رباح أن رجلا ارتهن فرسا فمات الفرس في يد المرتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سقط حقك" وعنه أيضا أن الأئمة الثقات الفقهاء رفعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الرهن بما فيه" وهو مروي عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وجماعة من الفقهاءالذين ينتهي إلى قولهم مثل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبي بكر بن عبد الرحمن وخالد بن زيد والحسن البصري وشريح وعطاء رضي الله عنهم أجمعين.

حجة الشافعي رحمه الله: أنه لم يوجد في هذا الدين الإبراء ولا الاستيفاء فلا يسقط أما أنه لم يوجد فيه الإبراء فظاهر وكذا لم يوجد فيه الاستيفاءلأن هذا الرهن لو كانت جارية لم يحل للمرتهن وطؤها حال الحياة ولايجب عليه تكفينها بعد الموت فإذا لم يوجد الإبراء ولا الاستيفاء وجب أن يبقى الدين كما كان لأن الأصل في الثابت البقاء.

الجواب عنه: أن الثابت للمرتهن يد الاستيفاء والرهن وثيقة لجانب الاستيفاء فيثبت الاستيفاء ثبوت ملك اليد والحبس من وجه ويتقرر بالهلاك ولكن الاستيفاء يقع بالمالكية وأما العين فأمانة ولهذا كانت نفقة

ص: 97

المرهون على الراهن في حياته وكفنه عليه بعد مماته ولأن ما ذكرنا من الأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين لا يترك بهذا التعليل.

مسألة: إذا خلل الخمر بإلقاء شيء فيها كالملح وغيره يحل ذلك الخل ويطهر عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لا يحل ولا يطهر.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: "نعم الإدام الخل" مطلقا فيتناول خل الخمر بالتخليل وغيره وقوله صلى الله عليه وسلم: "خير خلكم خل خمركم" مطلقا فيتناول التخليل ولأن التخليل يزيل الوصف المفسد المحرم عن الخمر وهو الإسكار ويثبت الصفة النافعة له وهي تسكين الصفراء وكسر الشهوة والتغذي به والإصلاح مباح وكذا الصالح النافع للمصالح اعتبارا بالمخلل وبدباغة جلد الميتة.

حجة الشافعي رحمه الله من وجهين:

الأول: أن الله تعالى أمر باجتناب الخمر بقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوهُ} 1 وفي التخليل اقتراب من الخمر فيحرم.

الجواب عنه: أن الاقتراب المنهي عنه هو الاقتراب للشراء والبيع وغيرهما مما فيه إعزازه وأما الاقتراب لإزالة الوصف المفسد منه فيجوز كالاقتراب للاراقة والتخليل أولى من الإراقة لما فيه من إحراز مال يصير به حلالا منتفعا به.

الثاني: أن أبا طلحة رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تحليل خمر اليتامى فأمره باراقتها فلو كان التخليل جائزا لأمره به في حق اليتامى

الجواب عنه: أن هذا محمول على أنه كان في ابتداء التحريم حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يبالغ في إزالة الخمر وإراقتها زجرا لهم وقلعا عن العادة المألوفة بها

1سورة الأنعام: الآية 153

ص: 98

كما أمر بقتل الكلاب وغسل الإناء عند ولوغها سبعا وخمور الأيتام يومئذ كانت جائزة الإراقة لأنها ليست بمال في حق المسلمين وكافل اليتيم إنما يجب عليه حفظ المال وارتكاب أمر جائز وإن كان فيه مفسدة خاصة يجوز ارتكابها لمصلحة عامة كما إذا تترس الكفار بصبيان المسلمين وأسراهم فأنا لا نلتفت إلى ذلك ولا نكف عن القتال.

مسألة: إذا اشترى رجل متاعا فأفلس ولا يقدر على أداء الثمن لا ينفسخ البيع عند أبي حينفة رضي الله عنه بل البائع أسوة الغرماء فيه وعند الشافعي رحمه الله فسخ البيع وأخذ المتاع.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات المشتري مفلسا فوجد البائع متاعه بعينه فهو أسوة الغرماء" وقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما رجل باع سلعة فأدركها عند رجل قد أفلس فهو ماله بين غرمائه".

فان قيل في إسناده ابن عياش وهو ضعيف فيكون مرسلا قلنا قد وثقه أحمد وإن كان مرسلا فهو حجة عندنا وقد احتج به الجصاص وأسنده.

حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "من وجد عين ماله عند رجل قد أفلس فهو أحق به ممن سواه".

الجواب عنه: أن المراد به الوديعة والعارية وأمثالهما دون المبيع ولهذا قال: من وجد عين ماله وهو الوديعة والعارية وأما المبيع فلم يبق بالبيع من أمواله حقيقة وكان حمل الكلام على الحقيقة أولى.

مسألة: قال: أبو حنيفة رضي الله عنه لا يحجر على الحر البالغ السفيه وتصرفه في ماله جائز وإن كان مبذرا لماله قال: الشافعي رحمه الله يحجر على السفيه المضيع لماله ويمنع عن التصرف فيه.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ

ص: 99

الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً} 1 الآية قد أثبت للسفيه ولاية المداينة وما روي أن حبان بن منقذ كان يغبن في البياعات فأتي أهله رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبوا حجره فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع فقال: يا رسول الله لا صبر لي عن البيع قال عليه الصلاة والسلام: "إذا بعت فقل لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام" فقد أطلق في البيع ولم يحجره ولأنه حر مخاطب عاقل قد تصرف في خالص حقه فلا يححر عليه لأن في سلب ولايته إهدار آدميته وإلحاقه بالبهائم وهو أشد ضررا من التبذير فلا يتحمل الأعلى لدفع الأدنى بخلاف ما لو كان في الحجر دفع ضرر عام كالحجر على الطبيب الجاهل والمفتي الماجن والمكاري المفلس.

حجة الشافعي رحمه الله: أن السفيه يضيع ماله فيما لا فائدة فيه فيحجر عليه نظرا له لقوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} 2.

الجواب عنه: أن جمهور المفسرين قالوا هذا خطاب لكل من يملك مالا أن يعطي ماله لأحد من السفهاء قريب أو أجنبي رجل أو امرأة بعلمه أنه يضيعه فيما لا ينبغي ولهذا قال: أموالكم والأصل في الكلام الحقيقة ولم يقل أموالهم وهو محمول على أول البلوغ إلى حد يصير به جدا فهو خمس وعشرون سنة لأنه إذا بلغ هذا الحد لابد له من حصول رشد بزوال أثر الصبا عنه.

مسألة: الصلح على الإنكار جائز عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول عمر وعلي وابن عباس وحذيفة رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله: باطل.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} 3

1سورة البقرة: الآية 282.

2سورة النساء: الآية 128.

3سورة النساء: الآية 128.

ص: 100

وقوله صلى الله عليه وسلم: "كل صلح جائز فيما بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا" وما روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ردوا الخصوم كي يصطلحوا فإن فصل القضايا يورث بينكم الضغائن وما روى أن أعرابيا جاء إلى عثمان رضي الله عنه فقال: إن بني عمك عدوا على إبلي وقتلوا أولادها وأكلوا ألبانها فصالحه عثمان على إبل بمثل إبله من غير نكير

حجة الشافعي رحمه الله: الحديث الذي روينا وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "كل صلح جائز إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما" وجه الاستدلال به أن المدعي إذا كان كاذبا فقد أخذ حراما وإن كان صادقا فقد حرم هذا الصلح حلالا لأنه ادعى الكل ثم أخذ البعض وحرم النصف الباقي

الجواب عنه: أن ترك الحق أو دفع المال جائز لدفع الخصومة عن نفسه وافتداء اليمين وقد روي عن حذيفة بن اليمان أن رجلا ادعى عليه حقا فقال: خذ عشرة ولا تحلفني فأبى فقال: خذ عشرين ولا تحلفني فأبى إلى أربعين وهذا صلح مع إنكار فلو لم يجز لم يفعله الصحابي ولأن الأصل في الأموال مباحة والحرمة لحق الغير فإذا رضى قد ارتفع المحرم فلا يكون في الصلح على الإنكار تحريم الحلال ولا تحليل الحرام على أن المراد بالحديث أحل حراما لعينه كالخمر أو حرم حلالا لعينه كالعسل والسكر وغيرهما ثم لو سلمنا الخبر فهو من الآحاد فلم يترك به القرآن وهو قوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} .

مسألة: المحال عليه إذا مات مفلسا من غير قضاء الدين عاد الدين إلى ذمة المحيل عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول عمر وعثمان وشريح رضي الله عنهم وقال: الشافعي رحمه الله لا يعود.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: "لصاحب الحق اليد واللسان" ودين المحال عليه كان على المحيل وإنما رضي بانتقاله إلى المحال عليه بشرط سلامة حقه إليه إذ هو المقصود من الحوالة وإذا لم يسلم له فسخت الحوالة فيرجع الدين إلى ذمة المديون ولأن عثمان رضي الله عنه

ص: 101

قضى بعود الدين إلى ذمة المحيل وسئل عمر رضي الله عنه عن هذه المسألة فقال: يعود الدين إلى ذمة المحيل لا توى على مال امرئ مسلم فقد روي ذلك مرفوعا ومثله عن شريح من غير نكير.

وحجة الشافعي رحمه الله: أن البراءة قد حصلت مطلقة بالحولة فإذا برئت الذمة مرة فوجب أن لا تصير مشعولة مرة أخرى لأن الأصل في الأمر بقاؤه على ما كان.

الجواب عنه: أن البراءة كانت مقيدة بسلامة حقه لأن المقصود من الحوالة وصول حق صاحب الدين إليه فإذا مات مفلسا لم يحصل مقصوده والحوالة قابلة للفسخ فتنفسخ فصار كوصف السلامة في المبيع.

مسألة: إذا مات الرجل وهو مفلس فتكفل رجل عنه للغرماء لا يصح عند أبي حنيفة رضي الله عنه في حق أحكام الدنيا فلا يطالب به ولا يحبس بل يكون متبرعا في إسقاط دين الميت وعند الشافعي رحمه الله يصح فيطالب به في الدنيا.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن الكفالة ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة والميت لم تبق له ذمة فلا يمكن الضم إليها ولأنه كفل بدين ساقط لأن الدين هو القصد حقيقة ولهذا يوصف بالوجوب لكنه في الحكم مال لم يؤل إليه وقد عجز الميت بنفسه وبخلفه ففاتت عاقبة الإستيفاء فيسقط ضرورة فإذا سقط لا تلزم الكفالة عنه.

حجة الشافعي رحمه الله: ما روى أنه صلى الله عليه وسلم أتى بجنازة رجل من الأنصار ليصلي عليه فقال: "هل على صاحبكم دين" قالوا نعم ديناران فقال: أترك لهما وفاء قالوا لا قال: "صلوا على صاحبكم" فقال: أبو قتادة هما علي يا رسول الله فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليه.

الجواب عنه: يحتمل أن يكون أبو قتادة قال: ذلك وعدا بالتبرع بالأداء ولهذا لما أدى قال له صلى الله عليه وسلم: "الآن بردت جلده" ولا نزاع في أحكام الآخرة

ص: 102

فقد أمكن تصحيحه في حق أحكام الآخرة حتى لا يبقى للغريم أن يطالبه بالدين في الاخرة وصححناه في حقها لأن الدين لا يسقط بالموت في أحكام الآخرة والخلاف إنما هو في أحكام الدنيا ولا دلالة في الحديث عليه فإن التبرع بأداء الدين جائز من غير أن يثبت عليه ولا كلام فيه.

مسألة: الكفالة بنفس من عليه الدين تصح عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وجرير بن عبد الله وأبي بن كعب وعمران بن الحصين والأشعث بن قيس رضي الله عنهم وقال: الشافعي رحمه الله لا تصح.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: "الزعيم غارم" من غير فصل بين النفس والمال وهذا يفيد مشروعية الكفالة ينوعيه إذ الزعيم هو الكفيل وجاء في تأويل قوله تعالى: في سورة يوسف عليه السلام {لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ} 1 قال: ابن عباس رضي الله عنهما موثقا أي كفيلا بنفس الأخ المبعوث منهم وقال: الله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} 2 والكفالة بالنفس عقد فيجب الوفاء به وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون عند شروطهم".

حجة الشافعي رحمه الله: أن الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص باطلة فكذا في الأموال والجامع أن إحضار الشخص لا قدرة له عليه.

الجواب عنه: أنه يقدر علي تسليمه بطريقة أن يعلم الطالب مكانه فيخلي بينه وبينه أو يستعين بأعوان القاضي والحاجة ماسة إليه فلا مانع من الجواز على أنه تصح الكفالة بنفس من عليه الحد فلا يجوز القياس عليه وإن لم يصح بنفس الحد ولو سلم القياس فهو مردود بمقابلة ما ذكرنا من القرآن والحديث وأفعال الصحابة رضي الله عنهم والله أعلم.

1سورة يوسف: الاية 66.

2سورة المائدة: الاية 1.

ص: 103