الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب النكاح
مسألة: الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلي لنفل العبادات عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول عامة الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وقال: الشافعي رحمه الله التخلي لنفل العبادات أفضل من النكاح.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن النكاح واجب أو سنة وعلى التقديرين فهو أفضل من النوافل لأنه إن كان في حالة التوقان فهو واجب عملا بظاهر الأمر لقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} 1 ورجحان الواجب على النفل ظاهر وإلا فهو سنة لقوله صلى الله عليه وسلم: "النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني" وعن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عنه التبتل نهيا شديدا ويقول: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة" رواه أحمد في مسنده وعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعاكف بن بسر: "هل لك زوجة" قال: لا "ولا جارية" قال: لا قال: "وأنت موسر" قال: وأنا موسر قال: "إذن أنت من إخوان الشياطين إن من سنتنا النكاح شراركم عزابكم وأرذل موتاكم عزابكم" أخرجه أحمد رحمه الله في مسنده وروى ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم شبابا ليس لنا شئ فقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" أمر بالنكاح وقدمه على الصوم فهذه الأحاديث دالة على أنها سنة وهي أفضل من النوافل بالإجماع.
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: "أفضل الأعمال الصلاة" وهذا نص صريح في هذه المسألة.
1سورة النساء: الآية 3.
الجواب عنه: أن المراد به أن أفضل الأعمال المفروضة الصلاة وأفضل النوافل الصلاة النافلة وليس المراد بأفضل الصلاة مطلقا ولا يلزم أن تكون الصلاة النافلة أفضل من الزكاة المفروضة والحج المفروض وليس كذلك ونحن قائلون بموجب الحديث وإنما الكلام بأن الصلاة النافلة أو النكاح الذي هو سنة والحديث لم يدل على أن النفل أفضل من السنة.
الثاني: قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} 1 ولم يقل بأنه ما خلق الجن والإنس إلا للنكاح فعلم أن العبادة أفضل.
الجواب عنه: أن المراد من قوله ليعبدون ليعرفون قاله ابن عباس رضي الله عنهما ولئن سلمنا أن المراد به العبادات فالنكاح من جملة العبادات لكونها سنة ولهذا يثاب على إتيان أهله حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال: "أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر" فكذا إذا وضعها في الحلال كان له أجر ولأن النكاح سبب لولد صالح يدعو له بعد موته فيكون أولى من العبادة المنقطعة بموته وما يتضمنه النكاح من الواجبات فريضة كالإنفاق وسائر الفرائض ولا شك أن إتيان الفرائض أكثر ثوابا من النوافل فكان أولى لقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: "ما تقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضته".
الثالث: من أدلة الشافعي رحمه الله قوله عليه الصلاة والسلام: "حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة" وكل ما فيه قرة عينه فهو أفضل فتكون الصلاة أفضل من النكاح قال مولانا فخر الدين الرازي رحمه الله مؤلف البهائية هذه الحجة استنبطها مولانا السلطان بهاء الدين خلد الله ملكه وسلطانه ولم أسمع من أحد غيره.
الجواب عنه: أن في هذا الحديث قدم النكاح على الصلاة والتقديم دليل
1سورة الذاريات: الآية 56.
على الترجيح وأيضا لم يقل في صلاة النفل فلا يكون دليلا لاحتمال أن يكون مراده صلاة الفرض.
مسألة: ينعقد نكاح الحرة البالغة العاقلة برضاها ولم يعقد عليها ولي عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول علي وعائشة وموسى بن عبد الله بن يزيد والشعبي والزهري وقتادة والحسن البصري وابن سيرين والقاسم بن محمد والأوزاعي وابن جريج رضي الله عنهم وقال: الشافعي رحمه الله لا ينعقد النكاح بعبارة النساء بل يحتاج إلى الولي.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: الكتاب والسنة والمعقول:
أما الكتاب فقوله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} 1 وهذا دليل على جواز تصرفها في العقد على نفسها وقد أضاف الله تعالى الفعل إليهن في مواضع من كتابه العزيز فقال: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} 2 وقال تعالى {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} 3 وقال تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} 4 فنسب التراجع إلى الزوجين من غير ذكر الولي.
وأما السنة فمن وجوه:
الأول: حديث ابن عباس رضي الله عنهما الأيم أحق بنفسها من وليها ويروى من أبيها أخرجه الشيخان في الصحيحين وفي حديث آخر لابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البكر يستأذنها أبوها في نفسها" أخرجه الدارقطني وروي أن رجلا زوج ابنته وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أر لها خيرا فقال صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح لك اذهبي فانكحي من
1 سورة البقرة: الآية 240.
2 سورة ااالبقرة: الآية 230.
3 سورة البقرة: الاية 232.
4 سورة البقققرة: الآية 230.
شئت" وقد زوجها من كفو رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه وقال: قتادة جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته فجعل الأمر إليها فقالت قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس للآباء من الأمر شيء وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن بكرا زوجها أبوها بغير إذنها ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وروي رد نكاحها وأمثال هذه الأحاديث كثيرة فقد بلغت حد الشهرة من حيث المعنى وأما المعقول فهو أنها مكلفة قد ثبت أهليتها لجميع التكاليف الشرعية والبضع حقها دون الولي ولهذا يكون بذله لها فقد تصرفت في خالص حقها فجاز لها ذلك ولأنها تملك الإقرار بالنكاح فتملك الإنشاء.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" قالها ثلاثا رواه أبو داود وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" رواه أحمد رحمه الله في مسنده. وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا بد في النكاح من أربعة الولي والزوج والشاهدين" أخرجه الدارقطني.
الجواب عنه: أن الحديث الأول: ضعفه يحيى بن معين وعلى تقدير الصحة يحمل على الأمة والمكاتبة والمدبرة والصغيرة والمجنونة والمعتوهة بدليل ما ذكرنا من الأحاديث فنخص هذا العام بها ثم مفهوم هذا الحديث لو نكحت بإذن وليها جاز فالخصم لم يقل به فكانت حجة عليه وقال: الطحاوي ثم لو ثبت عن عائشة رضي الله عنها فقد ثبت عنها ما يخالفه فإنها زوجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن المنذر بن الزبير وهو غائب بالشام فلما قدم قال: أمثلي يصنع به هذا إلى أن قال: ما كنت أرد أمرا قضيتيه فقرت حفصة عند زوجها فلما كانت عائشة قد رأت تزويجها جائزا بغير إذن أبيها بعبارتها استحال أن يكون ترى ذلك وقد علمت مانسب إليها من رواية الحديث المذكور وأما الحديث الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي" فرواه أبو إسحاق السبيعي عن أبي بردة فقطعه شعبة وسفيان الثوري وهما أثبت وأحفظ من جميع من رواه عن أبي إسحاق كذا قاله الطحاوي وأما
الحديث الثالث: ففي سنده ابن أبي فروة وهو ضعيف قاله أحمد والدارقطني وقال: النسائي متروك الحديث.
الجواب العام عنه: أن هذه الأحاديث على تقدير صحتها أخبار آحاد وردت على مخالفة الكتاب وهو ما جاء من إضافة النكاح إليهن في مواضع من القرآن فلا يعمل بها.
مسألة: الأب والجد لا يملك تزويج البكر البالغة بدون رضاها على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول عمر وابن عباس وأبي موسى وأبي هريرة وجابر وابن عمر ومالك والأوزاعي والشعبي وطاووس والثوري وأبي ثور رضي الله عنهم وقال الشافعي رحمه الله: يملك تزويجها بدون رضاها.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: الأحادث المذكورة وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "البكر تستأمر وإذنها صماتها" وما روى أن رجلا أنكح ابنته فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكت إليه أنها نكحت وهي كارهة فانتزعها النبي صلى الله عليه وسلم من زوجها وقال: "لا تكرهوهن" وما روي أن جارية بكر أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أن رجلا زوج ابنته وهي بكر فكرهت ذلك فرد عليه الصلاة والسلام نكاحها والأحاديث في هذا الباب كثيرة
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "الثيب أحق بنفسها من وليها" وتخصيص الثيب يدل على أن البكر حكمها ضد حكم الثيب فيكون للأب ولاية إجبارها لئلا يتعطل التنصيص على الثيب غير النافرة.
الجواب عنه: أن المفهوم عندنا ليس بحجة ولو سلم كونه حجة لكن الأخذ بالمنطوق وهي الأحاديث التي ذكرناها أولى بلا خلاف على أن هذا المفهوم حجة عليه فإنه غايته أن لا تكون البكر أحق بنفسها من وليها فتكون إما مساوية له أو يكون هو راجحا عليها وعلى التقديرين لها حق في
نفسها فلا يجوز للولي إبطاله بلا رضاها.
مسألة: يجوز للأب أن يزوج البنت الصغيرة بدون رضاها عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز تزويجها بلا رضاها.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: العمومات المطلقة في باب النكاح وهو ما روى أبو حاتم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء أحدكم ممن ترضون دينه وخلقه فأنكحوه وإلا تفعلوا تكن فتنة" رواه الترمذي وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يؤخرن الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفوا" ولأن علة الولاية الصغر وهو غير موجود بعد صيرورتها ثيبا ولأن النكاح يتضمن مصالح ولا يتوفر إلا بين المتكافئين عادة ولا يتفق الكفو في كل زمان والصغيرة عاجزة عن ذلك بنفسها فأثبتنا الولاية عليها في حالة الصغر إحرازا إلى كفو.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "الثيب أحق بنفسها من وليها" وهذه ثيب فلا يكون للولي تزويجها.
الجواب عنه: أن المراد به المرأة البالغة التي لا زوج لها لأنها هي أحق بنفسها أما الصغيرة فلا إذ لا يجوز لها أن تعقد بنفسها فلو لم يجز للولي ذلك لفات الكفو.
مسألة: غير الأب والجد كالأخ والعم يملكان نكاح الصغير والصغيرة على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: "النكاح إلى العصبات" والأخ والعم من العصبات.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم زوج أمامة بنت حمزة عمر بن أبي سلمة فكانت صغيرة وكان النبي صلى الله عليه وسلم زوج ابنة عمها وابن عمر زوج يتيمة وقال: "لها الخيار إذا بلغت" ولأن القرابة داعية إلى النظر خصوصا في حق الصغار كما في الأب والجد وما فيه من القصور أظهرناه في سلب ولاية الإلزام حيث قلنا بثبوت خيار البلوغ لهما في غير الأب والجد.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر".
الجواب عنه: أن المراد باليتيمة البالغة دون الصغيرة إذ الصغيرة لا إذن لها وتسميتها يتيمة مجاز والدليل عليه ما روى أبو موسى رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها" وهذا صريح فيما قلنا إذ سكوت الصغيرة ليس بإذن.
مسألة: الأب الفاسق يصلح وليا في النكاح عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لا يكون وليا.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: العمومات نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "النكاح إلى العصبات" أطلق ولم يقيد بكون العصبات عدولا ولأن الأب وافر الشفقة وكامل الرأي وإن كان فاسقا فلا يقع الخلل في النظر فيصلح وليا.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل" والفاسق ليس بمرشد إذ الرشد عبارة عن الخصال الحميدة ورأس جميعها الطاعة فيفوت الرشد بالفسق.
الجواب عنه: أن هذا الحديث اتفقوا على أنه وما جاء في معناه ضعيف
قال صاحب الإصطلام من الشافعية من لم يثبت هذا الحديث يكفينا مؤنتهم اعترافهم بالضعف ولو سلمنا صحته فالمراد بقوله مرشد أي عاقل له رأي وتدبير دون المعتوه والسفيه.
مسألة: ينعقد النكاح بحضور الشهود وإن كانوا غير عدول عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي لا ينعقد بحضرة فاسقين.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: إطلاق قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بشهود" من غير قيد ولأن الفاسق من أهل الولاية فيكون من أهل الشهادة ولأنه يصلح إماما وسلطانا فيصلح قاضيا وشاهدا بطريق أولى.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" وهذا نص في المسألة.
الجواب عنه: أن هذا الحديث غير صحيح لأن في سنده عدي بن الفضل أبي حرب قال: فيه يحيى بن معين ليس بثقة وإن صح فهو لنفي الكمال كما في قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" جمعا بين الدلائل.
مسألة: ينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لا ينعقد.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: إطلاق قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} 1 وما روي عن عمر رضي الله عنه أنه أجاز شهادة امرأتين مع شهادة رجل في النكاح والفرقة فدل ذلك على أن الأموال والنكاح في هذا سواء.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" فالحديث دل على أن الانعقاد موقوف على حضور رجلين.
الجواب عنه: أن المرأتين أقيمتا مقام الرجل فكأن النكاح وقع بحضرة رجلين حكما ولهذا قيل في تأويل قوله تعالى: {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} أي فتجعل إحداهما مع الأخرى كالذكر معنى لأنهما إذا اجتمعا كانتا بمنزلة الذكر.
مسألة: إذا كان لامرأة إخوة فزوجها أحدهم برضاها من غير كفو بدون رضا البقية جاز عند أبي حنيفة رضي الله عنه ولا يثبت لأحد حق الاعتراض وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا أنكح الوليان فالأول أحق منهما".
حجة الشافعي رحمه الله: أن الحق ثابت للكل فإذا أسقط واحد منهم
سورة البقرة: الآية 282.
حقه لا يسقط حق الباقين بدون رضاهم لأنهم يتضررون بلحوق العار والضرر منفي لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
الجواب عنه: أن الحق غير متجزئ فيسقط باسقاط البعض ولأنه لو لم يجز لتضرر العاقدان والمجيز ولا ضرر في الإسلام.
فان قيل: لما تعارض الدليلان وجب القول بالبقاء على العدم قلنا الأصل في تصرف العقلاء الصحة وعدم التوقف على رضى الآخر فإذا تعارض الدليلان بقيت الصحة.
مسألة: الولي الأقرب إذا غاب غيبة منقطعة تنتقل الولاية إلى الأبعد فيجوز له أن يزوجها عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله لا تنتقل الولاية إلى الأبعد بل إلى السلطان.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: "النكاح إلى العصبات" وهذا ينفي ولاية السلطان عند وجود العصبات وقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء".
وقوله صلى الله عليه وسلم: "السلطان ولي من لا ولي له" وفيه دليل على أن ولاية السلطان لا تظهر إلا عند فقد الأولياء.
حجة الشافعي رحمه الله: أن الولاية الأولى كانت ثابتة والأصل الثابت البقاء فوجب القول ببقائها حالة الغيبة وإذا كان كذلك وجب أن لا تثبت الولاية للأبعد لأن إثبات الولاية للأبعد إبطال الأقرب وذلك ضرر والضرر منفي.
الجواب عنه: أن هذا الدليل لا يعارض النصوص المذكورة وأن ولاية الأقرب إنما كان بطريق النظر للصغير وليس من النظر تفويض الولاية إلى من لا ينتفع برأيه لبعده ففرضناه إلى الأبعد فيقدم على السلطان لأن شفقته لقرابته أوفر من شفقة السلطان عليه.
مسألة: للابن ولاية تزويج أمه إذا كانت مجنونة أو معتوهة عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله: ليس له ذلك.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن الإبن مقدم على جميع العصبات وهذه الولاية مبنية عليها لقوله صلى الله عليه وسلم: "النكاح إلى العصبات" والذي يويد هذا ما روي أن أم سلمة رضي الله عنها لما انقضت عدتها عن أبي سلمة رضي الله عنه خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لولدها عمر: "قم يا عمر زوج أمك من رسول الله صلى الله عليه وسلم"
حجة الشافعي رحمه الله: أن الابن يستحيي من تزويج أمه فيكون عاجزا عن السؤال والتفحص ولا يكون له العلم بالمصالح والمفاسد فلا يصح له التزويج.
الجواب عنه: أن هذا القياس مخالف للنص المذكور فلا يقبل.
مسألة: يجوز لابن العم أن يزوج ابنة عمه من نفسه بحضرة شاهدين إذا كان وليا عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن الواحد يجوز له أن يتولى طرفي العقد بدليل ما روي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة" قال: نعم وقال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلانا" قالت: نعم فزوج أحدهما صاحبه وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إلي قالت: نعم قال: فقد تزوجتك ذكره البخاري في صحيحه.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح الخاطب والولي وشاهدا عدل"
الجواب عنه: أن هذا الحديث ضعيف لأن فيه أبا الخصيب قال الدارقطني: اسمه نافع بن ميسرة مجهول ولئن سلمنا صحته فالشخص إذا صار وليا خاطبا فهو كشخصين وعبارته كعبارتين فوجد حضور الأربعة معنى والعبرة للمعاني.
مسألة: الولي يملك إجبار عبده على النكاح عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال الشافعي رحمه الله: لا يملك ذلك.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} 1 فمقتضاه الإجبار إذا أبى لأن الأمر مقتضاه التمكين فلو كان عاجزا لما خوطب
بذلك ولأن النكاح إصلاح ملكه وتحصينه عن الزنا الذي هو سبب الهلاك والنقصان فيملكه قياسا على الأمة.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
الجواب عنه: أنه قد خص من هذا الحديث الصبي والمجنون والمعتوه فيخص العبد بما ذكرنا لأن المراد رفع الإثم دون الحكم لأن عين الخطأ والنسيان والإكراه موجود ولأن ما ذكرنا نص فيرجح على الخبر.
مسألة: النكاح ينعقد بلفظ الهبة والبيع والتمليك والصدقة ونحوه عند أبي حنيفة رضي الله عنه كما ينعقد بلفظ الإنكاح والتزويج وقال: الشافعي رحمه الله لا ينعقد النكاح إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج ولفظ الهبة كان مخصوصا للنبي صلى الله عليه وسلم لا لغيره.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: ما ثبت في البخاري أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت جئت أهب لك نفسي فقال: ما بي للنساء من حاجة فقال رجل من أصحابه زوجني بها إن لم يكن لك بها حاجة فقال: "ملكتكها بما معك من القرآن" فقد أنكح النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ التمليك فلا يختص بلفظ التزويج والإنكاح.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا
1سورة النور: الآية 32.
لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} 1 فدل على انعقاد النكاح بلفظ الهبة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز ذلك لأمته.
الجواب عنه: أن هذه الآية دليل لنا فإنه قد انعقد النكاح بلفظ الهبة ولا اختصاص برسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث اللفظ لأنه لا تعظيم في اختصاصه بلفظ وإنما التعظيم والاختصاص في سقوط المهر واستباحة العضو له من غير بدل دون أمته وهو الصحيح وقد روي عن مجاهد وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وتدل عليه وجوه.
الأول: قوله تعالى: {لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} 2 والحرج إنما يكون في وجوب المهر لا في شرعية النكاح بلفظ الهبة والشرعية بغير مهر تلزم كثرة الاختصاص والأصل عدمه لكون الثاني: أصلا.
الثاني: أنه لما أخبر في هذه الاية أن ذلك كان خالصا له دون أمته مع إضافة لفظ الهبة إلى المرأة بقوله {إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا} دل ذلك على أن ما خص به صلى الله عليه وسلم من ذلك إنما هو استباحة العضو وهو البضع بغير بدل لأنه لو كان المراد اللفظ لما شاركه فيه غيره ولو كان من نسائه لأن المشاركة تنافي التخصيص فلما انضاف لفظ الهبة إلى امرأة علم أن التخصيص لم يقع في مجرد اللفظ بل عدم وجوب المهر عليه.
مسألة: لا يجوز نكاح الأخت في عدة الأخت عن طلاق بائن أو ثلاث عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله يجوز.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه في رحم أختين" وروى عبيدة السلماني ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء كاجتماعهم على تحريم نكاح الأخت في عدة الأخت كعلي وابن مسعود وغيرهما وروي أن هذه الحادثة وقعت في زمن
1سورة الأحزاب: الآية 50
2سورة الأحزاب: الآية 50.
مروان فشاور الصحابة فاتففوا على تحريمه ولأن نكاح الأول: ى قائم من وجه لبقاء أحكامه كالنفقة والمنع والفراش والاحتياط في عدم الجواز.
حجة الشافعي رحمه الله: أن نكاح الأخت انقطع بالكلية بالثلاث أو الطلاق البائن فصارت كالأجنبية المحضة ولهذا لو وطئها مع العلم بالحرمة يجب عليه الحد فإذا صارت أجنبية مطلقة جاز نكاح أختها لقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} 1 ولا يكون جمعا بين الأختين.
الجواب عنه: أنها لم تصر أجنبية بالبائن من جميع الوجوه لبقاء الأحكام التي ذكرنا من وجوب النفقة والسكنى فلا يجب عليه الحد في رواية وإن كان الحد واجبا في رواية أخرى لأن الملك قد زال في حق الحل فيثبت الزنا ولم يرتفع في حق ما ذكرنا من الأحكام فيصير جامعا بين الأختين من وجه والاحتياط في باب الفرج الحرمة فيترجح مذهبنا وما ذكرتم مخالف لإجماع الصحابة والحديث المذكور فلا يعتبر.
مسألة: الزنا يوجب حرمة المصاهرة فمن زنا بامرأة حرمت عليه أمها وابنتها على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول عمر وابن مسعود وعمران ابن الحصين وجابر وأبي بن كعب وعائشة وابن عباس رضي الله عنهم في الأصح من مذهبه وجمهور التابعين كالشعبي والحسن البصري وإبراهيم النخعي والأوزاعي وطاووس ومجاهد وعطاء وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم وقال الشافعي رحمه الله لا يحرم.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} 2 المراد بالنكاح الوطء لأنه حقيقة فيه وهو متناول للوطء الحلال والحرام والدليل على أن الوطء هو المراد قوله صلى الله عليه وسلم: "من وطئ امرأة حرمت عليه أمها وابنتها" وقوله صلى الله عليه وسلم: "من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها
1سورة النساء: الآية 3
2سورة النساء: الآية 22
وابنتها" ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه وفي رواية عنه عليه الصلاة والسلام "من مس امرأة بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها" ذكره السمعاني في الكفاية.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحرم الحرام الحلال" والزنا حرام فلا يحرم به الأم والبنت الحلالين.
الجواب عنه: أن في هذا الحديث عثمان بن عبد الرحمن قال: يحيى بن معين كان يكذب وضعفه علي بن المديني جدا وقال: البخاري وأبو داود والنسائي ليس بشيء وقال: الدارقطني متروك وقال: ابن حبان يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به فلو سلم أنه صحيح فهو خبر الواحد لا يعمل به مع مخالفة الكتاب وهو قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وقد عضد هذا إجماع الصحابة.
مسألة: البنت المخلوقة من ماء الزنا يحرم على الزاني نكاحها عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي يحل ويكره.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: النص والحديث والمعقول أما النص فقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} 1 وهذه بنته حقيقة لأنها مخلوقة من مائه فإذا قيل المراد به البنت المنسوبة إليه شرعا وهذه غير منسوبة إليه شرعا ولهذا لا ترث قلنا أنها غير منسوبة إليه شرعا ولكنها مخلوقة من مائه حقيقة فاعتبرنا الحقيقة وحرمة النكاح احتياطا واعتبرنا كونها غير منسوبة إليه شرعا في حرمان الإرث عملا بالمعنيين قال: ابن الجوزي قلت لبعض كبار الشافعية أليس الله خاطب العرب بما تعرفه فقال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} وهذا الزاني يعرف قبل الإسلام أن هذه ابنته فتحرم عليه ما هي بنته في لسانه ومعتقده فقال: ليست بنته في الشرع فقلت الشرع لا يدفع المعلومات الحسية فلم يكن له عنه جواب وأما الحديث
1 سورة النساء: الآية 23.
فما مر من قوله صلى الله عليه وسلم: "من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا ابنتها" ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من مس امرأة بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها" ذكره السمعاني في الكفاية فلو لم تكن هذه مخلوقة من مائه كانت تحرم عليه بهذا الحديث فكيف إذا كانت من مائه وأما المعقول فلأنها خلقت من مائه فتكون جزءا منه حقيقة وحسا كما هي جزء أمها والاستمتاع بالجزء حرام لما ورد في الصجيج في قضية امرأة هلال بن أمية مع شريك ابن سحماء إن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك بن سحماء يعني الذي زنى.
حجة الشافعي رضي الله عنه: أن البنت الحاصلة من الزنا ليس ببنت له شرعا بالإجماع في أربعة عشر حكما.
الأول: لو ادعت النسب منه منعها القاضي من ذلك. .
الثاني: أنها لاترث منه ولو كانت بنتا له لورثت منه.
الثالث: أنه لا يملك تزويجها ولو كانت بنته يملك تزويجها لقوله صلى الله عليه وسلم: "زوجوا بناتكم الأكفاء"
الرابع: أنه لا يكون له ولاية على مالها بالإجماع.
الخامس: أنه لا تجب عليه نفقتها وكسوتها.
السادس: أنه يحرم عليه النظر إليها ولو كانت بنتا له لما كان يحرم ذلك.
السابع: أنه يقبل القاضي شهادته لها ولو كانت بنتا له لما قبل شهادته في حقها.
الثامن: لا يحل له أن يرقد معها في بيت.
التاسع: أنه لا يحل له المسافرة معها.
العاشر: أنه لو قتلها وجب عليه القصاص ولو كانت بنتا له لما قتل بها.
الحادي عشر: أنه يجوز أداء زكاته إليها ولو كانت بنتا له لما جاز ذلك.
الثاني عشر: أنه لو زنى بامرأة لا يصح دعوى النسب من الولد الحاصل بالزنى.
الثالث عشر: أنه لو زنى بامرأة إنسان فولدت من الزاني فيكون هذا الولد ثابت النسب على. صاحب الفراش البتة فلو كان الولد للزاني أيضا لكان لولد واحد والدان وهو محال فإذا ثبت نسبه من صاحب الفراش شرعا لا يثبت من الزاني.
الرابع: عشر: أن إثبات النسب من الزانى موجب لظهور الفاحشة فهو حرام لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 1 فإذا لم تكن بنتا له في هذه الأحكام فكذا لا تكون بنتا له في حرمة النكاح فيحل له نكاحها لقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} 2.
الجواب عنه: أن هذه الأحكام التي ذكرت مبنية على ثبوت النسب شرعا وهي غير ثابتة النسب منه فلا تثبت هذه الأحكام أما الحرمة فإنها غير مبنية على ثبوت النسب بل هي باعتبار الجزئية والبعضية حقيقة وحسا وإن لم تكن ثابتة النسب منه شرعا إذ الاستمتاع بالجزء حرام وإن لم تكن بنتا له شرعا والحسية لا مرد لها وفي الاحتياط أوجب وأولى إذ مبني الأبضاع على الاحتياط.
مسألة: يجوز للإنسان أن يتزوج حارية ابنه عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله لا يجوز ذلك.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أنه ليس للأب في جارية الابن حقيقة
1سورة النور: الآية 19.
2سورة النساء: الآية 24.
الملك فيجوز له التزوج بها بالعمومات وهو قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ، فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ألا ترى أن الابن ملكها من كل وجه فمن المحال أن يملكها الأب ولهذا يملك الابن من التصرفات كالبيع والهبة والوصية ما لا يبقى معه ملك الأب لو كان فدل على انتفاء ملك الأب.
حجة الشافعي رحمه الله من وجهين:
الأول: قوله تعالى: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} 1 والجارية حلال للابن فتحرم على أبيه.
الجواب عنه: المراد من الحلائل الزوجات أو الأمة الموطوءة التي ملكها أما الأمة التي ملكها ولم يطأها فليست بمرادة من النص.
الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" فيكون للأب شبهة الملك في مال الابن فتكون مملوكة من وجه فلا يحل له التزوج بها.
الجواب عنه: أن الحقيقة ليست بمرادة فإن الإجماع ينعقد على أن الابن ماله ليس بمملوك للأب وإلا ما جاز بيعه ولا هبته فلا يحمل الكلام على التمليك بل على الاختصاص بأن يكون له حق التمليك عند الاحتياج إلى النفقة وغيرها فإذا لم تكن الجارية ملكا حقيقة جاز التزوج بها.
مسألة: للحر أن يتزوج بالأمة مع القدرة على نكاح الحرة عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز له أن يتزوج بأمة الغير إذا كان قادرا على نكاح الحرة أو لا يكون خائفا من الوقوع في الزنا.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: العمومات وهي قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ، فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} .
1سورة النساء: الآية 23.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} 1 فالله تعالى علق نكاح الأمة بعدم استطاعة طول الحرة والمعلق بالشرط منتف قبل ثبوته.
الجواب عنه: أن مفهوم الشرط ليس بحجة عندنا على ما عرف في الأصول.
مسألة: إذا سبي الزوجان معا لا تقع الفرقة بينهما عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله تقع الفرقة بينهما والخلاف مبني على أن الفرقة بتباين الدارين حقيقة أو حكما أو السبي فعند أبي حنيفة رضي الله عنه يتباين الدارين ولم يوجد وعند الشافعي رحمه الله قد وجد السبي.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن تباين الدارين حقيقة وحكما لا تنتظم به المصالح فتناسبه الحرمة إذ النكاح لا يطلب إلا للمصالح فيفوت بفواتها وقد قال الله تعالى: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} 2 إلى قوله تعالى: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} 3 حجة الشافعي رحمه الله
ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "في سبايا أوطاس لا توطأ الحبالى حتى يضعن حملهن ولا الحبالى حتى تستبرئن بحيضة" فدل الحديث على أنه يجوز الدخول بهن بعد وضع الحمل والاستبراء بحيضة ولو كان النكاح قائما بينهما لما أباح النبي صلى الله عليه وسلم جماعهن بعد الاستبراء أو الوضع.
الجواب عنه: أن الحديث محمول على ما إذا سبيت وحدها عملا بالدليلين.
مسألة: إذا كان بالزوجة أحد العيوب الخمسة التي هي الجنون والجذام والبرص والرتق والقرن فليس للزوج خيار فسخ النكاح عند
1 سورة النساء: الآية 25.
2 سورة الممتحنة: الآية 10
3 سورة الممتحنة: الآية 10
أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله يرد النكاح بهذه العيوب الخمسة.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا قيلولة في النكاح". ولأن فوت الاستمتاع بالموت لا يوجب فسخ النكاح فاختلاله بهذه العيوب أولى وهذا لأن المستحق هو التمكين وهو حاصل ولأن فسخ النكاح ضرر وهو غير مشروع لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" بخلاف ما إذا وجدت الزوج مجبوبا أو عنينا لأنها تعجز عن قضاء وطرها بغيره وأما الزوج فلا يعجز عن قضاء وطره بغيرها فيكون الضرر من جانبها أقوى.
حجة الشافعي رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من الأنصار فرأى في بدنها برصا ففسخ نكاحها.
الجواب عنه: يحتمل أن يكون المراد أنه طلقها فيحمل عليه جمعا بين الأدلة.
مسألة: إذا تزوج امرأة وصرح بنفي المهر يصح النكاح ويجب مهر المثل بنفس العقد عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لا يجب لها شيء أصلا.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} 1 فينبغي أن يكون الابتغاء هو النكاح ملصقا بالمال فيجب بمجرد العقد وما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ثم مات عنها ولم يفرض لها صداق ولم يكن دخل بها قال: أرى لها مثل صداق نسائها ولها الميراث وعليها العدة فشهد معقل بن سنان الأشجعي أنه صلى الله عليه وسلم قضى في تزويج بروع بنت واشق الأشجعية بمثل ما قضيت قال: الترمذي حديث حسن صحيح وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه أيضا.
1سورة النساء: الآية 24.
حجة الشافعي رحمه الله: أنه لما نفى الزوج صريحا ولم يقبل ورضيت بذلك المرأة لم يلزم عليه وإلا يلزم عليه من غير التزامه وهذا ليس له أصل في الشريعة فلا يجوز.
الجواب عنه: أن هذا قياس في مقابلة النص وهو الحديث المذكور فلا يجوز.
مسألة: إذا تزوج امرأة وخلا بها خلوة صحيحة بأن لم يكن هناك مانع من الوطء حسا أو شرعا ثم طلقها قبل الدخول بها فلها كامل المهر عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول جمهور الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم رضي الله عنهم كزيد بن ثابت وابن عمر ومعاذ والمغيرة وعروة وأبي موسى وجمهور التابعين ومن بعدهم مثل زين العابدين وسعيد بن المسيب والزهري والنخعي والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق بن راهويه رضي الله عنهم وقال: الشافعي رحمه الله لها نصف المهر.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: ما حكاه الطحاوي عن إجماع الصحابة وقال: أبو بكر الرازي هو اتفاق الصدر الأول: وروى أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن عوف عن زرارة ابن أبي أوفى قال: سمعته يقول قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق بابا وأرخى سترا فقد وجب المهر ووجبت العدة.
وروى ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق دخل بها أو لم يدخل" رواه الداقطني.
ولما دخلت بنت يزيد الغفارية على النبي صلى الله عليه وسلم وجردها اللباه رأى بها وضحا ردها وقد أوجب لها مهرا وحرمت على من بعده وصارت سنة فيمن دخل على امرأة فأغلق بابا أو أرخى سترا أو جرد ثوبا أو خلا للباه أفضى أو لم يفض فقد وجب عليه الصداق وكذا الشيباء طلقها وأوجب لها مهرا ذكره ابن عساكر.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} وهذا النص صريح في الباب.
الجواب عنه: يجوز أن يكون كنى بالمسبب وهو المس عن السبب الذي هو الخلوة إذ الخلوة الصحيحة للمس ظاهرا وكذا الإفضاء هو الخلوة لأنه مأخوذ من الفضاء وهو المكان الخالي ولأن الخلوة مس حكما على ما ذكرنا فلا يكون مخالفا للنص.
مسألة: الخلع تطليقة بائنة عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله فسخ للنكاح.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: "الخلع تطليقة بائنة"
حجة الشافعي رحمه الله: قوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} 1 ذكر الطلاق مرتين ثم ذكر الخلع بقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} 2 ثم ذكر الطلاق بعد الخلع بقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} فلو كان الخلع طلاقا لزم كون الطلاق أربعا.
الجواب عنه: أن هذا النص دل على أن الخلع طلاق إذ لو كان فسخا لما وقع الطلاق بعده وهذا النص يقتضي صحة وقوع الطلاق بعده حيث قال: فإن طلقها والفاء للوصل والتعقيب والمراد بقوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} بيان الشرعية لا الوقوع ولا يلزم من بيان الشرعية وجود الطلاق فلا يصير الطلاق أربعا.
مسألة: المختلعة يلحقها صريح الطلاق عند أبي حنيفة رضي الله عنه
1 سورة البقرة: الآية 229
2 سورة البقرة: الآية 230.
وهو قول ابن مسعود وأبي الدرداء وعمران بن الحصين رضي الله عنهم وقال: الشافعي رحمه الله لا يلحقها ذلك.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} وجه الاستدلال أن الله ذكر وقوع الطلاق عقيب الخلع فدل على شرعيته بعده وما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المختلعة يلحقها صريح الطلاق ما دامت في العدة".
حجة الشافعي رحمه الله: أن المختلعة صارت أجنبية لم تبق في عقد نكاحه بدليل أنها لا تحل له إلا بعقد جديد ولو كان النكاح قائما لما احتاج إلى عقد جديد وإذا لم يبق النكاح لا يقع طلاقه إذ الطلاق لإزالة قيد النكاح والتقدير أنه لا نكاح بينهما فلا يمكن إزالته.
الجواب عنه: أن النكاح قائم من وجه قبل انقضاء العدة لقيام بعض الأحكام من وجوب النفقة والسكنى وثبوت النسب والمنع من الخروج والتزوج بآخر وقيام الفراش فيلحقها الطلاق.