المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الجهاد مسألة: إذا أسلم الحربي في دار الحرب وأقام بها - الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة

[الغزنوي، سراج الدين]

الفصل: ‌ ‌كتاب الجهاد مسألة: إذا أسلم الحربي في دار الحرب وأقام بها

‌كتاب الجهاد

مسألة: إذا أسلم الحربي في دار الحرب وأقام بها ولم يهاجر إلى دار الإسلام فقتله مسلم أو ذمي لا يجب عليه القصاص ولا الدية عند أبي حنيفة رضي الله عنه ويجب عليه الكفارة في الخطأ وقال: الشافعي رحمه الله يجب عليه القصاص في العمد والكفارة في الخطأ.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} 1 فالله تعالى أوجب الكفارة بقتله ولم يبين القصاص والدية ولو كانا واجبين لبينهما وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "من أقام بين المشركين فلا دية له" ولأن العصمة المقومة إنما تثبت بدار الإسلام وهو قد أهدر عصمته بالمقام في دار الحرب فلا يجب بقتله القصاص والدية

حجة الشافعي رحمه الله: أنه قد قتل المسلم عمدا وعدوانا فيكون موجبا للقصاص لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} 2.

الجواب عنه: أن الآية مخصوصة بالإجماع ولهذا لو قتل الأب ابنه لا يقتص منه فيخص المتنازع فيه بما ذكرنا من الدليل.

مسألة: إذا استولى الكفار على أموال المسلمين وأحرزوها بدار الحرب ملكوها عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لم يملكوها.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} 3 سماهم فقراء مع إضافة الأموال إليهم

1سورة النساء: الآية 92

2سورة البقرة: الآية 178

3سورة الحشر: الآية 8

ص: 168

والفقير من لا مال له لا من بعدت يده عن المال ومن ضرورته ثبوت الملك لمن استولى على أموالهم من الكفار وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: يوم الفتح يا رسول الله ألا ننزل دارك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من منزل" وكان للنبي صلى الله عليه وسلم دار بمكة ورثها من خديجة رضي الله عنها فاستولى عليها عقيل وكان مشركا وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا أصاب بعيرا له في الغنيمة فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيء وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالثمن" وروى تميم عن طرفة أنه عليه الصلاة والسلام قال: في بعير أخذه المشركون فاشتراه رجل من المسلمين ثم جاء المالك الأول: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "إن شئت أخذته بالثمن" فلو بقي في ملك المالك القديم لكان له الأخذ بغير شيء.

حجة الشافعي رحمه الله: قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} 1 فينبغي أن لا يصير مال المسلم للكافر بالغلبة والاستيلاء عليه.

الحجة الثانية: أن المسلم خير من الكافر والمسلم إذا استولى على مال مسلم آخر لا يصير ملكا له فالكافر أولى.

الجواب عنه: أما الآية فمقتضاها نفي السبيل على نفس المسلم ونحن نقول بموجبه فإنه إذا استولى على نفسه يملكه ونحن نملكهم ولكن الأصل في الأموال عدم العصمة وإنما صار معصوما بالاحراز بدار الإسلام فإذا أحرزوها بدار الحرب زالت العصمة بزوال سببها فبقيت أموالا مباحة فتملك بالاستيلاء عليه وفيه وقع الغرق بين استيلاء المسلم والكافر وأن المسلم لم يحرزها إلى دار الحرب والحربي أحرزها فافترقا.

مسألة: الغزاة إذا غنموا غنيمة لا يقسمونها في دار الحرب بل يخرجونها إلى دار الإسلام فيقسمونها فيها عند أبي حنيفة رضي الله عنه. وقال الشافعي

1 سورة الساء: الآية 141.

ص: 169

رحمه الله يجوز قسمتها في دار الحرب حجة أبي حنيفة رضي الله عنه ما روى مكحول الشامي أنه عليه الصلاة والسلام ما قسم الغنيمة قط إلا في دار الإسلام وفي رواية أخرى أخر النبي صلى الله عليه وسلم القسمة إلى دار الإسلام مع طلب بعض الغانمين الغنيمة فلو جازت لما أخر لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب والقسمة بيع معنى فيدخل تحت النهي لأن الاستيلاء التام لا يثبت إلا بالاحراز بدار الإسلام لقدرتهم على التخليص مما دامت في دار الحرب لم يستحكم الملك

حجة الشافعي رحمه الله: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الغنيمة في دار الحرب

الجواب عنه: أن تلك المواضع التي قسم فيها النبي صلى الله عليه وسلم الغنيمة وإن كانت دار الحرب لكنها صارت دار الإسلام بظهور أحكامه فيها.

مسألة: العبد المحجور عليه الممنوع من القتال لا يصح أمانة عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقال الشافعي رحمه الله يصح أمانة.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} 1 فانتفت قدرته على الأمان.

حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" والعبد من أدنى المسلمين فيصح أمانه.

الجواب عنه: أن المراد بالذمة الأمان المؤبد بأن يصير ذميا وهو صحيح من العبد فنحن نقول بموجبه وهذا لأن عقد الذمة خلف عن الإسلام فهو

1 سورة النحل: الآية 75

ص: 170

يمنزلة الدعوى إليه فيصح منه بخلاف الأمان المؤقت والحديث لا يدل عليه.

مسألة: كان الخمس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقسم على خمسة أسهم سهم لله ورسوله وكان يشتري به السلاح وسهم لذوي قربى النبي صلى الله عليه وسلم وسهم للمساكين وسهم لليتامى وسهم لأبناء السبيل وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سقط سهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربى فيأخذون بالفقر دون القرابة عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله سهم النبي صلى الله عليه وسلم يدفع إلى الإمام وسهم ذوي القربى باق لهم.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: إجماع الصحابة على عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فإنهم قسموا خمس الغنيمة على ثلاثة أسهم ولم يعطوا ذوي القربى شيئا لقربهم بل لفقرهم مع أنهم شاهدوا قسمة النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا تأويل الآية وكان ذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير فحل محل الإجماع فلو كان سهمهم باقيا لما منعوهم وهذا لأن المراد بالقربى قربى النصرة دون القرابة بدليل ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قسم غنائم خيبر فأعطى بني هاشم وبني المطلب ولم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل شيئا فقال عثمان وهو من بني عبد شمس وجبير بن مطعم وهو من بني نوفل يا رسول الله إنا لا ننكر فضل بني هاشم لمكانك الذي وضعك الله فيهم ولكن نحن وبنو المطلب منك في القرابة سواء فما بالك أعطيتهم وحرمتنا فقال عليه الصلاة والسلام: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام لم يزالوا معي" وشبك بين أصابعه فجعل عليه الصلاة والسلام علة الاستحقاق النصرة والصحبة دون نفس القرابة وإلا لما أعطى البعض ومنع الآخرين ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم لم تبق بعد وفاته فلا يبقى الاستحقاق ويدخل فقراء ذوي القربى والأصناف الثلاثة وقد روت أم هانئ هذا المعنى مرفوعا فقال عليه الصلاة والسلام: "سهم ذوي القربى لهم في حياتي وليس لهم بعد وفاتي" وكذا سهم النبي صلى الله عليه وسلم سقط بعد وفاته إذ غيره ليس في معناه من كل وجه.

ص: 171

حجة الشافعي رحمه الله: قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} 1 وهذا نص صريح في المسألة.

الجواب عنه: أن المراد بالقربى قربى النصرة لا قربى القرابة بما ذكرنا من الدليل وقد زالت النصرة بعد وفاته.

مسألة: إذا أسلم الذمي أو مات بعد وجوب الجزية بمرور الحول سقطت عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لا تسقط.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله عليه الصلاة والسلام: "لا جزية على مسلم" وقوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجب ما قبله" وروي أن ذميا طولب بالجزية في زمن عمر رضي الله عنه فأسلم فقيل إنك أسلمت تعوذا فقال: إن أسلمت تعوذا فإن الإسلام يتعوذ به فأخبر عمر بذلك فقال: صدق وأسقط عنه الجزية ولأن الجزية وجبت عقوبة على الكفر وهي تسقط بالإسلام.

حجة الشافعي رحمه الله: أن الجزية وجبت على العصمة والأمن فيما مضى لأن ماله كان في معرض التلف فحصلت له الصيانة بقبول الجزية وقد وصل إليه العوض فلا تسقط عنه للعوض بالإسلام والموت.

الجواب عنه: أن هذا قياس في مقابلة النص والآثار فلا يقبل.

1 سورة الأنفال: الآية 41

ص: 172