المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الطلاق مسألة: إذا قال: للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق فتزوجها - الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة

[الغزنوي، سراج الدين]

الفصل: ‌ ‌كتاب الطلاق مسألة: إذا قال: للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق فتزوجها

‌كتاب الطلاق

مسألة: إذا قال: للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق فتزوجها وقع عليه الطلاق عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول عمر وابن مسعود وابن عمر والزهري وابن المسيب والنخعي والشعبي ومكحول وسالم بن عبد الله رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله لا يقع.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: إجماع الصحابة والتابعين والعمومات والقياس على ما لو قال لامرأته إن تزوجت فلانة فأنت طالق والجامع بينهما دفع الحاجة المناسبة إلى تحقيق المانع من نكاح تلك لجواز كونها سيئة الأخلاق بذيئة اللسان لا يمكنه الامتناع من تزويجها إلا بمثل التعليق فورد الشرع بصحة التعليق في الأصل فتقتضي الصحة في الفرع.

حجة الشافعي رحمه الله: أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا عن هذه المسألة: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق قبل النكاح".

الجواب عنه: أنا نقول بموجبه فإن الطلاق لا يقع عندنا قبل النكاح إنما يقع بعده.

مسألة: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا بكلمة واحدة فهو بدعة وحرام عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول جمهور الصحابة مثل أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعمران بن الحصين رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله ليس بحرام بل هو مشروع مباح.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} 1 لإظهار عدتهن هكذا فسره ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما وقال تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} 2 أي الطلاق الرجعي مرة بعد أخرى لا دفعة

1 سورة الطلاق: الآية 1.

2 سورة البقرة: الآية 229.

ص: 148

فيقتضي شرعيته متفرقا وقوله عليه الصلاة والسلام: "إن من السنة أن تستقبل العدة استقبالا فتطلقها في كل طهر بطلقة واحدة" وهذا حديث ابن عمر رضي الله عنهما في سياقه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه لما سمع أن ابنه طلق امرأته في الحيض: "مر ابنك أن يراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء " وفي رواية "هكذا أمر ربك إن من السنة أن تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكل طهر تطليقة".

وروي أن رجلا طلق امرأته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم" سماه لعبا بكتاب الله وهو حرام.

وحكى محمد رحمه الله أن إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ما هو عليه مذهبنا فكان عمر رضي الله عنه لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا علاه بالدرة.

حجة الشافعي رحمه الله: قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} 1 أطلق ولم يفصل فيقتضي الشرعية بأي طريق كان.

الجواب عنه: أن هذا النص ساكت عن ذكر العدد وما ذكرنا صريح فيكون أولى.

مسألة: الطلاق الواقع بالكنايات نحو أنت حرام أو بائن أو بتة طلاق بائن عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله الواقع بجميع الكنايات رجعي.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن العمل بموجب اللفظ واجب وقد صرح بالبينونة والحرمة فثبت موجبها وهو كون الطلاق بائنا وهو مروي عن

1 سورة البقرة: الاية 236

ص: 149

عمر وعلي وعثمان رضي الله عنهم.

حجة الشافعي رحمه الله: أن الصريح أقوى من الكناية لأن الصريح لا يحتاج إلى النية والكناية تحتاج إليها فإذا وقع الطلاق الرجعي بالصريح فبالكناية أولى لأنها كناية عن الصريح.

الجواب عنه: أن هذه الإطلاقات ليست بكناية عن الطلاق حقيقة بل هي حوامل لحقائقها لكن الإبهام فيما يحصل به الاستتار بالنسبة إلى المحل فلهذا الإبهام سميت كنايات مجازا فاحتاجت إلى النية فبعد النية كانت عاملة بموجبها بخلاف الصريح فان موجبه أن يكون معقبة للرجعية دون البينونة بالنص والاتباع فافترقا والكناية قد تكون أقوى من الصريح باتفاق أهل البيان.

مسألة: لو قال لأمته أنت طالق ونوى به العتق لم تعتق عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله تعتق إذا نوى. حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أنه نوى ما لا يحتمله لفظه لأن الإعتاق إثبات قوة في محل سلبت عنه القوة والطلاق رفع قيد عن محل رجعت فيه القوة فلا مناسبة بينهما فلا يصح مجازا عنه.

حجة الشافعي رحمه الله: أن الطلاق عبارة عن إزالة القيد والعبودية قيد فإذا ذكر لفظ الطلاق ونوى به إزالة قيد العبودية يصح لأنه نوى محتمل كلامه.

الجواب عنه: ما مر من الفرق وهو أن الطلاق رافع أي أن الطلاق إزالة قيد النكاح والإعتاق مثبت للقوة فلا مناسبة بينهما.

مسألة: إذا قال: لإمرأته أنت طالق أو طلقتك ونوى الثلاث أو الاثنين لا يقع إلا واحدة عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول جمهور الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعمران بن الحصين رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله يقع ما نوى من الثلاث أو الاثنتين.

ص: 150

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن قوله أنت طالق فنعت فرد حتى قيل للمثنى طالقان وللثلاث طوالق فلا يحتمل العدد لأنه ضده والشيء لا يحتمل ضده.

حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "لكل امرئ ما نوى" فإذا نوى الثلاث ههنا ينبغي أن يقع الثلاث.

الجواب عنه: أن النية بدون اللفظ لا تحتمل الثلاث فلا تقتضي وقوع الثلاث بالاتفاق حتى لو قال: لها أنت طالق واحدة ونوى الثلاث لا يقع إلا واحدة فكذا فيما نحن فيه طالق لا يحتمل الثلاث فلا تصح النية فيه والمراد من الحديث "لكل امرئ ما نوى" أي ثواب ما نوى ونحن نقول بموجبه ولا تعلق له بالمتنازع.

مسألة: إذا قال: الرجل لامرأته أنا منك طالق ونوى الطلاق لا يقع به الطلاق عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله يقع.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن الطلاق إزالة قيد النكاح فيعمل في محل قيام النكاح والرجل ليس منكوحا لامرأته فلا يكون محلا للطلاق ألا ترى أنها هي الممنوعة عن التزوج والخروج ولهذا سميت منكوحة.

حجة الشافعي رحمه الله: لو قال لها أنا منك بائن ونوى الطلاق يقع بالإجماع مع أن هذا اللفظ كناية وهي ضعيفة من الصريح فإذا وقع الطلاق بالضعيف فبالقوي أولى.

الجواب عنه: أن مقتضى ذلك زوال وصلة النكاح وهي قائمة بينهما فصحت إضافته إلى كل واحد منهما وأما مقتضى الطلاق فهو رفع القيد عن النكاح فيصح إضافته إليها دونه.

مسألة: إذا قال: لامرأته يدك طالق لا يقع الطلاق عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله يقع به.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أنه أضاف الطلاق إلى غير محله فيلغوا

ص: 151

كما لو قال: شعرك طالق وهذا لأن محل الطلاق ما يكون محلا للنكاح لأنه عبارة عن رفع قيد النكاح ولا قيد في اليد والشعر ولهذا لا يصح إضافة النكاح إليه

حجة الشافعي رحمه الله: أنه لو قال: لها طلقتك نصف طلقة أو نصف يوم تقع الطلقة الكاملة في العمر كله فعلم أن بناء أمر الطلاق على النفاذ وشرعه الوقوع فإذا كان كذلك ينبغي أن لو قال: يدك طالق يقع الطلاق كاملا.

الجواب عنه: أن الطلاق لا يتجزأ وذكر بعض مالا يتجزأ كذكر كله فإذا طلقها نصف تطليقة كانت طالقا تطليقة كاملة كذلك وكذا لا يتخصص الطلاق بوقت فإذا وقع في وقت كان واقعا في جميع الأوقات بخلاف قوله يدك طالق فان اليد غير محل لبعض الطلاق ولا لكله فلم يعتبر لكونه مضافا إلى غير محله فصار كما لو قال: ريقك طالق.

مسألة: طلاق المكره واقع عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول عمر وعلي وابن عمر وابن جبير والشعبي والنخعي والزهري وابن المسيب وشريح وقتادة والثوري وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم وقال: الشافعي رحمه الله غير واقع.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه

قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة" رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي قال: حديث حسن غريب وهو معمول به عند أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم فدل على أن الرضى ليس بشرط في وقوع الطلاق.

وروي عن علي بن الحسن وعبد الحق والعقيلي من حديث صفوان الأصم أن رجلا كان نائما مع امرأته فقامت فأخذت سكينا وجلست على صدره فوضعت السكين على حلقه وقالت طلقني وإلا ذبحتك فناشدها الله فأبت فطلقها ثلاثا فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا قيلولة في الطلاق".

ص: 152

وروى الطحاوي عن أبي سنان قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول طلاق السكران والمكره واقع ولأنه قصد إيقاع الطلاق في منكوحته حال أهليته فلا يعرى عن قضيته وهذا لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما وهذا علامة القصد والاختيار لأنه غير راض بحكمه وذلك غير مانع من وقوع الطلاق كالهازل.

حجة الشافعي رحمه الله: قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} 1 فلا يكون له أثر فلا يقع الطلاق حالة الإكراه.

الجواب عنه: معنى الآية أن الله تعالى ما أمر بالإيمان على الإجبار بل على الاختيار ولأن الإيمان لا يتم إلا بتصديق القلب وذلك لا يحصل بالإكراه.

والدليل على هذا قوله تعالى: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} 2 أي تمييز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة فلا يحتاج إلى الإكراه فان الإيمان لا يحصل به فاذا كان هذا مرادا بالنص لا يكون للاية دلالة على طلاق المكره.

مسألة: إذا طلق الرجل امرأته في مرض موته ثلاثا أو واحدا بائنا فمات في العدة ورثته عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله لا ترثه.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه طلق امرأته في مرض موته فورثها عثمان رضي الله عنه وقال: فر من كتاب الله وكان ذلك بمحضر من الصحابة بلا نكير ووافقه علي وأبي وابن مسعود رضي الله عنهم وأشار بقوله فر من كتاب الله إلى قوله تعالى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ} .

وروي عن الشعبي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى وشريح

1سورة البقرة: الآية 256

2سورة البقرة: الآية 256

ص: 153

أن ورثا امرأة الفار وكذا حكى الكرخي عن عائشة رضي الله عنها والحسن البصري والنخعي وشريح والشعبي وطاووس اليماني رضي الله عنهم ولأن الزوجية سبب إرثها في مرض موته وهو قصد إبطاله فيرد عليه قصده دفعا للضرر عنها.

حجة الشافعي رحمه الله: أن هذه ليست بزوجة لبطلان الزوجية بالثلاث بدليل أنه لو ماتت المرأة لا يرث الزوج عنها بالإجماع فإن لم تكن هي زوجته يكون الربع والثمن يصيب غيرها من الزوجات لقوله تعالى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} 1 الآية فلا يمكن إبطال حقهن بإعطاء النصيب من الميراث.

الجواب عنه: أن النكاح في العدة قائم في حق بعض الآثار كثبوت النسب والمنع من الخروج والبروز والنفقة والسكنى فجاز أن يبقى في حق إرثها عنه دفعا للضرر عنها بدون رضاها بخلاف إرثه عنها لأنه رضي بإبطال حقه حيث أقدم على البينونة.

مسألة: إذا طلق الرجل امرأته الحرة وانقضت عدتها وتزوجت بزوج آخر فطلقها وانقضت عدتها ثم عادت إلى الزوج الأول: مطلقها ثنتين يملك الرجعة عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لا يملك الرجعة وهذه المسألة: مبنية على أن الزواج الثاني: يهدم ما دون الثلاث عند أبي حنيفة رضي الله عنه وأبي يوسف رحمه الله وهو قول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم خلافا للشافعي ومحمد وزفر.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله عليه أفضل الصلاة والسلام "لعن الله المحلل والمحلل له" سماه محللا وهو مثبت للحل الجديد فيقتضي أن الزوج الثاني: يهدم ما طلقها الأول: لأنه إذا هدم الثلاث فما دونها أولى.

1 سورة النساء: الآية 12

ص: 154

حجة الشافعي رحمه الله: أن الزوج الأول لما طلق في النكاح الأول: طلقة وفي الثاني طلقتين صار المجموع ثلاثا وبعد الثلاث لا يمكن الرجعة لقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} 1.

الجواب عنه: أن المراد بالآية الكريمة إيقاع الثلاث قبل الزوج الثاني: لأن الله تعالى بين حق الرجعة بعد المرتين بقوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} 2 ثم طلقها فينصرف إلى إطلاقها في هذه الحالة وهذه الحالة قيام العدة وإنما تكون العدة قائمة قبل التزوج بزوج آخر.

مسألة: الطلاق معتبر بالنساء عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما وقال: الشافعي رحمه الله يعتبر بالرجال وفائدة الخلاف تظهر في المسألتين.

إحداهما: لو كان الزوج حرا والمرأة أمة يملك ثلاث تطليقات عند الشافعي رحمه الله وعند أبي حنيفة رضي الله عنه تطليقتين.

وثانيهما: لو كان الزوج عبدا والمرأة حرة فعند أبي حنيفة رضي الله عنه يملك ثلاثا وعند الشافعي رحمه الله طلقتين.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} 3 أي أطهار عدتهن قاله ابن عباس رضي الله عنهما فإذا كانت عدة الحرة ثلاثة أقراء فينبغي أن يكون طلاقها ثلاثا سواء كان زوجها حرا أو عبدا وإذا كانت عدة الأمة قرأين فينبغي أن يكون طلاقها ثنتين لقوله صلى الله عليه وسلم: "طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان" من غير فصل بين حر وعبد وروى ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كانت الأمة تحت الرجل فطلقها

1سورة البقرة: الآية230

2سورة البقرة: الآية 229

3سورة الطلاق: الاية 1

ص: 155

تطليقتين ثم استبرأها لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره"

حجة الشافعي رحمه الله: أن اعتبار حرية الرجل أولى من اعتبار حرية المرأة لقوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} 1 وهذا نص صريح في أن اعتبار جانبه أولى.

الجواب عنه: أن الآية ليست بصريحة في أن الطلاق معتبر في الرجال فيكون ما ذكرنا من الآية راجحا عليها لكونها صريحة باعتباره بالنساء أو نقول لما تعارضت الآيتان بقي التمسك بالحديث الذي ذكرنا.

مسألة: التنجيز يبطل التعليق عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله لا يبطله حتى لو قال: لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: لها أنت طالق ثلاثا فتزوجها غيره ودخل بها ثم رجعت إلى الأول: ودخلت الدار لم يقع شيء عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله تقع الثلاث المعلقة.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن اللفظ وإن كان مطلقا لكن قرينة الحال دليل على أن المراد الحل القائم لأن الجزاء طلقات هذا الملك لأنها هي المانعة لأن الظاهر عدم ما يحدث واليمين تعقد للمنع أو الحمل وإذا كان الجزاء ما ذكرنا وقد فات بتنجيز الثلاث المبطل للمحلية فلا تبقى اليمين.

حجة الشافعي رحمه الله: أن لفظ التعليق مطلق فيتناول الحل القائم في النكاح الأول: والحادث بالنكاح الثاني: وقد بقي احتمال النكاح الثاني: فيبقى اليمين.

الجواب عنه: أن المطلق يجوز تقييده بما ذكرناه من الدليل.

مسألة: الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله يحرم.

1سورة البقرة: الآية 228

ص: 156

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن الزوجية قائمة ما دامت في العدة في كثير من أحكام الشرع كالطلاق والإيلاء والظهار واللعان واستحقاق الميراث والنفقة والسكنى والمنع من الخروج والبروز وحرمة أختها وأربع سواها ولهذا يملك مراجعتها بلا رضاها لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} 1 سماه بعلا فتكون هي زوجته فيصح وطؤها لبقاء الزوجية في الأحكام المذكورة فكذا في حل الوطء لقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ} 2.

حجة الشافعي رحمه الله: أن الأصل في الأبضاع الحرمة بدليل أنه تعارض دليلان أحدهما موجب للحل والآخر للحرمة فرجحنا الدليل الموجب للحرمة فإذا كان الأصل في الإبضاع الحرمة لم يخالف هذا الأصل إلا عند قيام النكاح التام فإذا طلقها وقع الخلل في النكاح فيبقى على أصل الحرمة.

الجواب عنه: أن الخلل إنما يقع فيه بعد انقضاء العدة وأما ما دامت في العدة فلا خلل فيه لما ذكرنا من أحكام الزوجية وقد اعترف الإمام فخر الدين أن دليلنا أقوى.

مسألة: إذ ظاهر الذمي من امرأته لا يصح ظهاره عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله يصح ظهاره.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ} 3 ولفظ منكم خطاب للمسلمين فتخص بهم وقوله عليه الصلاة والسلام لمسلمة بن صخر لما ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر: "استغفر الله ولا تعد حتى تكفر" مد الحرمة إلى التكفير والذمي ليس أهل التكفير لأنها عبادة ولهذا تتأدى بالصوم.

1سورة البقرة: الآية 228

2سوورة المؤمنون: الاية6

3سورة المجادلة: الآية 2

ص: 157

حجة الشافعي رحمه الله: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وهذا النص مطلق فيتناول المسلم والذمي.

الجواب عنه: أن الآية الأول: ى مقيدة بقوله تعالى: منكم فيحمل المطلق عليها كما هو المذهب عند الخصم على أن في آخر الآية ما يدل على أن المراد بأول الآية المسلمون دون أهل الذمة وهو قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} 1 فإن الصيام لا يتصور إلا من المسلمين

مسألة: إذا أعتق العبد الكافر عن كفارة الظهار جاز عند أبي حنيفة رضي الله عنه لقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} من غير قيد كون الرقبة مسلمة فيجري على إطلاقه.

حجة الشافعي رحمه الله: أن الكافر نجس لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} 2 والنجس لا يجوز إخراجه في الطاعة لقوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} 3.

الجواب عنه: أن القصد من الإعتاق تمكينه من الطاعة ثم كفره بسوء اختياره والكافر ليس بنجس حقيقة ولهذا أنزل النبي صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في مسجده ولو كان نجسا لما أنزلهم في مسجده بل النجاسة في اعتقاده لا تنافي إعتاقه عن الكفارة والمراد بالخبيث الحرام.

مسألة: إذا أعتق المكاتب عن الكفارة جاز عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} 4

1سورة المجادلة: الآية 4

2سورة التوبة: الآية 28

3سورة البقرة: الاية 267

4سورة البقرة: 177

ص: 158

واتفقوا على أن المراد منه المكاتبون فإذا كان المكاتب رقيقا جاز عن الكفارة لقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وقوله صلى الله عليه وسلم: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" فيكون الرق قائما فيه فيكون إعتاقا للقن فيجوز عن الكفارة.

حجة الشافعي رحمه الله: أنه إذا أعتق المكاتب يكون العتق حاصلا بعقد الكتابة بدليل أن الأول: اد والأكساب الحاصلة زمان الكتابة تكون ملكا للمكاتب ولو لم يكن العتق حاصلا بعقد الكتابة لما كان الأول: اد والأكساب ملكا له فإذا حصل العتق بجهة الكتابة فلا يكون من جهة الكفارة.

الجواب عنه: أنه لم يحصل للمكاتب الحرية بجهة الكفارة لأن الكتابة فك الحجر فهي بمنزلة الإذن وإنما يعتق بأداء جميع البدل والمعلق بالشرط كالمعدوم قبل وجوده فصار كالمعلق عتقه بدخول الدار فلا تكون الكتابة مانعة عن الكفارة ولو كانت مانعة تنفسخ بمقتضى الإعتاق فيكون إعتاق قن المكاتب إلا أنه يسلم له الأكساب والأول: اد لأن العتق في حق المحل بجهة الكتابة أو لأن الفسخ ضروري لا يظهر في حق الولد والكسب.

مسألة: إذا اشترى من عليه الكفارة أباه ناويا عن الكفارة صح ويقع عنها عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لا يقع عنها.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: "شراء القريب إعتاق" وقوله صلى الله عليه وسلم: "لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" أي بنفس الشراء إذ لا يحتاج إلى إعتاق مستأنف فإذا كان الشراء تصح الكفارة إذا اشترى ناويا عنها.

حجة الشافعي رحمه الله: أنه إذا اشترى أباه يعتق عليه سواء أعتقه أو لم يعتقه فلا يكون التحرير حاصلا باختياره وهو مأمور بتحرير اختياري ولم يوجد فلا يقع عن الكفارة.

الجواب عنه: أن الشراء لما كان إعتاقا والشراء وجد باختياره فتكون النية مقارنة له فيقع عن الكفارة.

ص: 159

مسألة: العدة تتم بثلاثة حيض عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله بثلاثة أطهار والخلاف مبني على تفسير الأقراء.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} 1 والأقراء الحيض لقوله صلى الله عليه وسلم: "طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان" وعدة الأمة من جنس عدة الحرة ولأن المقصود من العدة معرفة براءة الرحم والمعرفة لا تحصل إلا بالحيض ولهذا كان استبراء الأمة بالحيض.

حجة الشاقعي رحمه الله أن المقتضي لجواز النكاح قائم في جميع الأوقات لقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} 2 وقوله صلى الله عليه وسلم: "زوجوا بناتكم الأكفاء" وترك العمل بهذا في زمان العدة لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} ولفظ القرء يحتمل الطهر والحيض فكان محتملا وكان المعارض في الأطهار الثلاث معلوما لأجل أن مدة العدة بالأطهار أقل من مدة العدة بالحيض وفي الحيض غير معلوم لأنه أطول المدتين والمشكوك لا يعارض المعلوم فوجب القول بجواز نكاحها عند انقضاء الأطهار الثلاثة.

الجواب عنه: أن عدم جواز نكاح المعتدة كان ثابتا بيقين وانقضاء العدة وجواز نكاحها بمضي ثلاثة أطهار مشكوك فلا يعارض المعلوم ولأنه لو حمل الأقراء على الأطهار انتقض العدد المذكور في النص ولأنه حينئذ يصير قرئين وبعض الثالث: وذلك لا يجوز والله أعلم.

1 سورة البقرة: الآية 228

2 سورة النساء: الاية 3

ص: 160