الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[16 \ 78]، وَنَحْوُهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ رَاجِعَةٌ إِلَى السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِشَارَةِ «أُولَئِكَ» لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ وَهُوَ الْعَرْجِيُّ:
يَا مَا أُمَيْلَحَ غِزْلَانًا شَدَنَّ لَنَا
…
مِنْ هَاؤُلَيَّائِكُنَّ الضَّالِ وَالسَّمُرِ
وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى
…
وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الْأَيَّامِ
خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ بَيْتَ جَرِيرٍ لَا شَاهِدَ فِيهِ، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ «بَعْدَ أُولَئِكَ الْأَقْوَامِ» وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا
نَهَى اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا النَّاسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَنِ التَّجَبُّرِ وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمِشْيَةِ. وَقَوْلُهُ: مَرَحًا [17 \
37]
مَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ، وَهُوَ حَالٌ عَلَى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَمَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ حَالًا يَقَعْ
…
بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ
وَقُرِئَ: «مَرِحًا» بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ الْوَصْفُ مِنْ مَرِحَ (بِالْكَسْرِ) يَمْرَحُ (بِالْفَتْحِ) أَيْ: لَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ فِي حَالِ كَوْنِكَ مُتَبَخْتِرًا مُتَمَايِلًا مَشْيَ الْجَبَّارِينَ.
وَقَدْ أَوْضَحَ جَلَّ وَعَلَا هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ عَنْ لُقْمَانَ مُقَرِّرًا لَهُ: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ الْآيَةَ [31 \ 18، 19]، وَقَوْلِهِ: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا الْآيَةَ [25 \ 63] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَصْلُ الْمَرَحِ فِي اللُّغَةِ: شِدَّةُ الْفَرَحِ وَالنَّشَاطِ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى مَشْيِ الْإِنْسَانِ مُتَبَخْتِرًا مَشْيَ الْمُتَكَبِّرِينَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ شِدَّةِ الْفَرَحِ وَالنَّشَاطِ عَادَةً.
وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ [17 \ 37] أَنَّ مَعْنَاهُ لَنْ تَجْعَلَ فِيهَا خَرْقًا بِدَوْسِكَ لَهَا وَشِدَّةِ وَطْئِكَ عَلَيْهَا، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ بَعْدَهُ: وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [17 \ 37] أَيْ: أَنْتَ أَيُّهَا الْمُتَكَبِّرُ الْمُخْتَالُ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ عَاجِزٌ مَحْصُورٌ بَيْنَ جَمَادَيْنِ، أَنْتَ عَاجِزٌ عَنِ التَّأْثِيرِ فِيهِمَا، فَالْأَرْضُ الَّتِي تَحْتَكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ