الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِوَاسِطَةِ نَقْلِ صَاحِبِ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ وَالْقُرْطُبِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ هَذَا: وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لِمَعْنَى الْآيَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ) التَّذْكِرَةِ (، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْعُلَمَاءُ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ، وَإِنَّمَا هُمْ فِي نُورٍ أَبَدًا، إِنَّمَا يَعْرِفُونَ مِقْدَارَ اللَّيْلِ مِنَ النَّهَارِ بِإِرْخَاءِ الْحُجُبِ، وَإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ، وَيَعْرِفُونَ مِقْدَارَ النَّهَارِ بِرَفْعِ الْحُجُبِ، وَفَتْحِ الْأَبْوَابِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ الْجَوْزِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا. انْتَهَى مِنْهُ، وَهَذَا الْجَوَابُ الْأَخِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْحَسَنِ وَأَبِي قِلَابَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَاجِعٌ إِلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. \ 50
قَوْلُهُ تَعَالَى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا، الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: تِلْكَ [19 \
63]
، إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ الْآيَةَ، وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ يُورِثُ الْمُتَّقِينَ مِنْ عِبَادِهِ جَنَّتَهُ، وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ - إِلَى قَوْلِهِ - أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [23 \ 1 - 11]، وَقَوْلِهِ: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الْآيَاتِ [3 \ 133]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا الْآيَةَ [39 \ 71]، وَقَوْلِهِ: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [7 \ 43] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَمَعْنَى إِيرَاثِهِمُ الْجَنَّةَ: الْإِنْعَامُ عَلَيْهِمْ بِالْخُلُودِ فِيهَا فِي أَكْمَلِ نَعِيمٍ وَسُرُورٍ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي) الْكَشَّافِ (: نُورِثُ أَيْ: نُبْقِي عَلَيْهِ الْجَنَّةَ كَمَا نُبْقِي عَلَى الْوَارِثِ مَالَ الْمَوْرُوثِ، وَلِأَنَّ الْأَتْقِيَاءَ يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدِ انْقَضَتْ أَعْمَالُهُمْ، وَثَمَرَتُهَا بَاقِيَةٌ وَهِيَ الْجَنَّةُ، فَإِذَا أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ فَقَدْ أَوْرَثَهُمْ مِنْ تَقْوَاهُمْ كَمَا يُورِثُ الْوَارِثُ الْمَالَ مِنَ الْمُتَوَفَّى، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى إِيرَاثِهِمُ الْجَنَّةَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لِكُلِّ نَفْسٍ مَنْزِلًا فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلًا فِي النَّارِ، فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ ; أَرَاهُمْ مَنَازِلَهُمْ فِي النَّارِ لَوْ كَفَرُوا وَعَصَوُا اللَّهَ لِيَزْدَادَ سُرُورُهُمْ وَغِبْطَتُهُمْ ; وَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ الْآيَةَ [7 \ 43] ، وَكَذَلِكَ يَرَى أَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ لَوْ آمَنُوا وَاتَّقَوُا اللَّهَ لِتَزْدَادَ نَدَامَتُهُمْ وَحَسْرَتُهُمْ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ:
لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى يَجْعَلُ مَنَازِلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي النَّارِ لِأَهْلِ النَّارِ، وَمَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ فِي الْجَنَّةِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْإِيرَاثِ الْمَذْكُورِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ يَدُلُّ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مَنْزِلًا فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلًا فِي النَّارِ، إِلَّا أَنَّ حَمْلَ الْآيَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ صَوَابٍ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرِثُونَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمُ الْمُعَدَّةَ لَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ وَتَقْوَاهُمْ، كَمَا قَدْ قَالَ تَعَالَى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [7 \ 43] ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُمْ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ فَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ يُوهِمُ أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا مَا أُورِثُوا مِنْ مَنَازِلِ أَهْلِ النَّارِ وَالْوَاقِعُ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَمَا تَرَى، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ هُوَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «كُلُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ فَيَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ، هَدَانِي فَيَكُونُ لَهُ أَشْكْرَ، وَكُلُّ أَهْلِ النَّارِ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي، فَيَكُونُ عَلَيْهِ حَسْرَةً» اهـ، وَعَلَّمَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَامَةَ الصِّحَّةِ، وَقَالَ شَارِحُهُ الْمُنَاوِيُّ: قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ رِجَالُ أَحْمَدَ رِجَالُ الصَّحِيحِ. اهـ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا.
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وَجَدَ عِظَامًا بَالِيَةً فَفَتَّتَهَا بِيَدِهِ وَقَالَ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّا نُبْعَثُ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ قَالَهُ الْكَلْبِيُّ، وَذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ، وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَقِيلَ: فِي أَبِي جَهْلٍ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَقَدْ أَسْنَدَ تَعَالَى هَذَا الْقَوْلَ لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ صَادِرٌ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ ; لِأَنَّ مِنْ أَسَالِيبِ الْعَرَبِيَّةِ إِسْنَادَ الْفِعْلِ إِلَى الْمَجْمُوعِ، مَعَ أَنَّ فَاعِلَهُ بَعْضُهُمْ لَا جَمِيعُهُمْ، وَمِنْ أَظْهَرِ الْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ: فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [2 \ 191] ، مِنَ الْقَتْلِ فِي الْفِعْلَيْنِ، أَيْ: فَإِنْ قَتَلُوا بَعْضَكُمْ فَلْيَقْتُلْهُمْ بَعْضُكُمُ الْآخَرُ، كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا، وَمِنْ أَظْهَرِ الشَّوَاهِدِ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
فَسَيْفُ بَنِي عَبْسٍ وَقَدْ ضَرَبُوا بِهِ نَبَا
…
بِيَدَيْ وَرْقَاءَ عَنْ رَأْسِ خَالِدِ
فَقَدْ أَسْنَدَ الضَّرْبَ إِلَى بَنِي عَبْسٍ، مَعَ أَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الضَّارِبَ الَّذِي بِيَدِهِ السَّيْفُ هُوَ وَرْقَاءُ وَهُوَ ابْنُ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ الْعَبْسِيُّ، وَخَالِدٌ هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ الْكِلَابِيُّ، وَقِصَّةُ قَتْلِهِ لِزُهَيْرٍ الْمَذْكُورِ مَشْهُورَةٌ.
وَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الْكَافِرَ يَقُولُ مُنْكِرًا الْبَعْثَ: أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا زَعْمًا مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْيَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مَقَالَتَهُ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا، يَعْنِي: أَيَقُولُ الْإِنْسَانُ مَقَالَتَهُ هَذِهِ فِي إِنْكَارِ الْبَعْثِ، وَلَا يَذْكُرُ أَنَّا أَوْجَدْنَاهُ الْإِيجَادَ الْأَوَّلَ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا، بَلْ كَانَ عَدَمًا فَأَوْجَدْنَاهُ، وَإِيجَادُنَا لَهُ الْمَرَّةَ الْأُولَى دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى قُدْرَتِنَا عَلَى إِيجَادِهِ بِالْبَعْثِ مَرَّةً أُخْرَى.
وَهَذَا الْبُرْهَانُ الَّذِي أَشَارَ لَهُ هُنَا قَدْ قَدَّمَنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالنَّحْلِ وَغَيْرِهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [36 \ 78 - 79]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [50 \ 15]، وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ [56 \ 62]، وَقَوْلِهِ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ الْآيَةَ [30 \ 27]، وَقَوْلِهِ: فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [17 \ 51]، وَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ الْآيَةَ [22 \ 5]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [21 \ 104] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَرْوِيهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ رَبِّهِ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي، وَآذَانِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُؤْذِيَنِي، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي ; وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ آخِرِهِ، وَأَمَّا أَذَاهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» ، فَإِنْ قِيلَ: أَيْنَ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ الَّذِي هُوَ إِذَا، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ جَزَاءُ الشَّرْطِ ; وَتَقْدِيرُهُ: أَأُخْرَجُ حَيًّا إِذَا مَا مِتُّ؟ أَيْ: حِينَ يَتَمَكَّنُ فِيَّ الْمَوْتُ وَالْهَلَاكُ أُخْرَجُ حَيًّا، يَعْنِي لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا تَقُولُ بِأَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِـ أُخْرَجُ، الْمَذْكُورِ فِي
قَوْلِهِ: لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، عَلَى الْعَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ، مِنْ أَنَّ الْعَامِلَ فِي «إِذَا» هُوَ جَزَاؤُهَا؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ لَامَ الِابْتِدَاءِ فِي قَوْلِهِ: لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، مَانِعَةٌ مِنْ عَمَلِ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: الْيَوْمَ لَزَيْدٌ قَائِمٌ ; تَعْنِي لَزَيْدٌ قَائِمٌ الْيَوْمَ، وَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ حَرْفَ التَّنْفِيسِ الَّذِي هُوَ سَوْفَ مَانِعٌ مِنْ عَمَلِ مَا بَعْدَهُ فِيمَا قَبْلَهُ أَيْضًا، حَتَّى إِنَّهُ عَلَى قِرَاءَةِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ:«أَئِذَا مَا مِتُّ سَأُخْرَجُ حَيًّا» بِدُونِ اللَّامِ يَمْتَنِعُ نَصْبُ «إِذَا» بِـ «أُخْرَجُ» الْمَذْكُورَةِ ; فَهُوَ خِلَافُ التَّحْقِيقِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ حَرْفَ التَّنْفِيسِ لَا يَمْنَعُ مِنْ عَمَلِ مَا بَعْدَهُ فِيمَا قَبْلَهُ، وَدَلِيلُهُ وُجُودُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ; كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
فَلَمَّا رَأَتْهُ أُمُّنَا هَانَ وَجْدُهَا
…
وَقَالَتْ أَبُونَا هَكَذَا سَوْفَ يَفْعَلُ
فَقَوْلُهُ «هَكَذَا» مَنْصُوبٌ بِقَوْلِهِ «يَفْعَلُ» كَمَا أَوْضَحَهُ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيْهِ فَعَلَى قِرَاءَةِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ فَقَوْلُهُ:«إِذَا» مَنْصُوبٌ بِقَوْلِهِ: «أُخْرَجُ» لِعَدَمِ وُجُودِ اللَّامِ فِيهَا وَعَدَمِ مَنْعِ حَرْفِ التَّنْفِيسِ مِنْ عَمَلِ مَا بَعْدَهُ فِيمَا قَبْلَهُ.
تَنْبِيهٌ
فَإِنْ قُلْتَ: لَامُ الِابْتِدَاءِ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُضَارِعِ تُعْطِي مَعْنَى الْحَالِ، فَكَيْفَ جَامَعَتْ حَرْفَ التَّنْفِيسِ الدَّالَّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ اللَّامَ هُنَا جُرِّدَتْ مِنْ مَعْنَى الْحَالِ، وَأُخْلِصَتْ لِمَعْنَى التَّوْكِيدِ فَقَطْ، وَلِذَلِكَ جَامَعَتْ حَرْفَ الِاسْتِقْبَالِ كَمَا بَيَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ، وَتَعَقَّبَهُ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ بِأَنَّ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ مَنْ يَمْنَعُ أَنَّ اللَّامَ الْمَذْكُورَةَ تُعْطِي مَعْنَى الْحَالِ، وَعَلَى قَوْلِهِ يَسْقُطُ الْإِشْكَالُ مِنْ أَصْلِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، لَمَّا أَقَامَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا الْبُرْهَانَ عَلَى الْبَعْثِ بِقَوْلِهِ: أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [19 \ 67] ، أَقْسَمَ جَلَّ وَعَلَا بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ يَحْشُرُهُمْ - أَيِ: الْكَافِرِينَ الْمُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ - وَغَيْرَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَيَحْشُرُ مَعَهُمُ الشَّيَاطِينُ الَّذِينَ كَانُوا يُضِلُّونَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ يُحْضِرُهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَشَارَ إِلَيْهِمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، أَمَّا حَشْرُهُ لَهُمْ وَلِشَيَاطِينِهِمْ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [37 \ 22 - 23] ،