المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

تُؤَثِّرَ فِيهَا فَتَخْرِقَهَا بِشِدَّةِ وَطْئِكَ عَلَيْهَا، وَالْجِبَالُ الشَّامِخَةُ فَوْقَكَ لَا - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر - جـ ٣

[محمد الأمين الشنقيطي]

الفصل: تُؤَثِّرَ فِيهَا فَتَخْرِقَهَا بِشِدَّةِ وَطْئِكَ عَلَيْهَا، وَالْجِبَالُ الشَّامِخَةُ فَوْقَكَ لَا

تُؤَثِّرَ فِيهَا فَتَخْرِقَهَا بِشِدَّةِ وَطْئِكَ عَلَيْهَا، وَالْجِبَالُ الشَّامِخَةُ فَوْقَكَ لَا يَبْلُغُ طُولُكَ طُولَهَا ; فَاعْرِفْ قَدْرَكَ، وَلَا تَتَكَبَّرْ، وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا.

الْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ مَعْنَى لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ [17 \ 37] لَنْ تَقْطَعَهَا بِمَشْيِكَ. قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ:

وَقَاتِمِ الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ

مُشْتَبَهِ الْأَعْلَامِ لَمَّاعِ الْخَفَقْ

لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْمُخْتَرَقِ: مَكَانُ الِاخْتِرَاقِ. أَيِ الْمَشْيِ وَالْمُرُورِ فِيهِ. وَأَجْوَدُ الْأَعَارِيبِ فِي قَوْلِهِ: طُولًا أَنَّهُ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الْفَاعِلِ، أَيْ لَنْ يَبْلُغَ طُولُكَ الْجِبَالَ، خِلَافًا لِمَنْ أَعْرَبَهُ حَالًا وَمَنْ أَعْرَبَهُ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ، وَقَدْ أَجَادَ مَنْ قَالَ:

وَلَا تَمْشِ فَوْقَ الْأَرْضِ إِلَّا تَوَاضُعًا

فَكَمْ تَحْتَهَا قَوْمٌ هُمْ مِنْكَ أَرْفَعُ

وَإِنْ كُنْتَ فِي عِزٍّ وَحِرْزٍ وَمَنَعَةٍ

فَكَمْ مَاتَ مِنْ قَوْمٍ هُمْ مِنْكَ أَمْنَعُ

وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا [17 \ 37] عَلَى مَنْعِ الرَّقْصِ وَتَعَاطِيهِ ; لِأَنَّ فَاعِلَهُ مِمَّنْ يَمْشِي مَرَحًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا

الْهَمْزَةُ فِي قَوْلِهِ: أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ [17 \‌

‌ 40]

لِلْإِنْكَارِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَفَخَصَّكُمْ رَبُّكُمْ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ وَالصَّفَاءِ بِأَفْضَلِ الْأَوْلَادِ وَهُمُ الْبَنُونَ، لَمْ يَجْعَلْ فِيهِمْ نَصِيبًا لِنَفْسِهِ، وَاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ أَدْوَنَهُمْ وَهِيَ الْبَنَاتُ! وَهَذَا خِلَافُ الْمَعْقُولِ وَالْعَادَةِ، فَإِنَّ السَّادَةَ لَا يُؤْثِرُونَ عَبِيدَهُمْ بِأَجْوَدِ الْأَشْيَاءِ وَأَصْفَاهَا مِنَ الشَّوْبِ، وَيَتَّخِذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ أَرْدَأَهَا وَأَدْوَنَهَا، فَلَوْ كَانَ جَلَّ وَعَلَا مُتَّخِذًا وَلَدًا سبحانه وتعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا - لَاتَّخَذَ أَجْوَدَ النَّصِيبَيْنِ وَلَمْ يَتَّخِذْ أَرْدَأَهُمَا، وَلَمْ يَصْطَفِكُمْ دُونَ نَفْسِهِ بِأَفْضَلِهِمَا.

وَهَذَا الْإِنْكَارُ مُتَوَجِّهٌ عَلَى الْكُفَّارِ فِي قَوْلِهِمْ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَقَدْ جَعَلُوا لَهُ الْأَوْلَادَ! وَمَعَ ذَلِكَ جَعَلُوا لَهُ أَضْعَفَهَا وَأَرْدَأَهَا وَهُوَ الْإِنَاثُ، وَهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِهِمْ.

وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [53 \ 21 - 22]، وَقَوْلِهِ: أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ، وَقَوْلِهِ: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [39 \ 4] ، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِإِيضَاحٍ فِي «سُورَةِ النَّحْلِ» ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ:

ص: 157