المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ‌ ‌ ق . قَوْلُهُ تَعَالَى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ. الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر - جـ ٧

[محمد الأمين الشنقيطي]

الفصل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ‌ ‌ ق . قَوْلُهُ تَعَالَى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ. الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

سُورَةُ‌

‌ ق

.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ.

الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ مَحْذُوفٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ الْمَحْذُوفِ فِي سُورَةِ ص، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهَا.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى هُنَا: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ. قَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ ص أَنَّ مِنَ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَادِقٌ وَأَنَّ رِسَالَتَهُ حَقٌّ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي ص: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [38 \ 4]، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ هُنَا: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي «ص» أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ الْكُفَّارِ فِي إِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُنَا: فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ فِي ص، بِقَوْلِهِ: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [38 \ 1]، وَفِي «ق» بِقَوْلِهِ: وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ - مَحْذُوفٌ وَهُوَ تَكْذِيبُ الْكُفَّارِ فِي إِنْكَارِهِمْ رِسَالَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ، وَإِنْكَارِهِمْ كَوْنَ الْمَعْبُودِ وَاحِدًا، وَقَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ ص، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّ كَوْنَ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ ق هَذِهِ الْمَحْذُوفِ يَدْخُلُ فِيهِ إِنْكَارُهُمْ لِرِسَالَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَتَكْذِيبِهِمْ فِي إِنْكَارِهِمْ لِلْبَعْثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ وَبَيَّنَّا وَجْهَ إِيضَاحِ ذَلِكَ بِالْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ هُنَاكَ وَغَيْرِهَا، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ.

الْهَمْزَةُ فِي قَوْلِهِ: أَفَلَمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَالْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَيْهِ، كَمَا قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّهُ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ، وَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:

ص: 422

وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ وَالتَّقْدِيرُ: أَأَعْرَضُوا عَنْ آيَاتِ اللَّهِ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَالهَا مِنْ فُرُوجٍ. أَيْ لَيْسَ فِيهَا مِنْ شُقُوقٍ وَلَا تَصَدُّعٍ وَلَا تَفَطُّرٍ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ كَيْفِيَّةِ بِنَائِهِ تَعَالَى لِلسَّمَاءِ وَتَزْيِينِهِ لَهَا وَكَوْنِهَا لَا تَصَدُّعَ وَلَا شُقُوقَ فِيهَا جَاءَ كُلُّهُ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ - جَلَّ وَعَلَا - فِي بِنَائِهِ لِلسَّمَاءِ: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا [79 \ 27 - 28]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [51 \ 47]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [78 \ 12]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [67 \ 3]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [23 \ 17]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الرَّعْدِ: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [13 \ 2]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي لُقْمَانَ: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا الْآيَةَ [31 \ 10] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي تَزْيِينِهِ لِلسَّمَاءِ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [67 \ 5]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا الْآيَةَ [41 \ 12]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [37 \ 6]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ [15 \ 6]، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حِفْظِهِ لِلسَّمَاءِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا فُرُوجٌ أَيْ شُقُوقٌ: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [67 \ 3] ، وَالْفُطُورُ وَالْفُرُوجُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الشُّقُوقُ وَالصُّدُوعُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [21 \ 32] .

أَمَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ السَّمَاءَ تَتَشَقَّقُ وَتَتَفَطَّرُ، وَتَكُونُ فِيهَا الْفُرُوجُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ [25 \ 25]، وَقَالَ تَعَالَى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً [55 \ 37]، وَقَالَ تَعَالَى: فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ الْآيَةَ [69 \ 16]، وَقَالَ تَعَالَى: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [84 \ 1 - 2]، وَقَالَ تَعَالَى: إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [82 \ 1]، وَقَالَ تَعَالَى: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [73 \ 17 - 18]، وَقَالَ تَعَالَى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ [77 \ 8 - 9] .

ص: 423

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ.

ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ مَدَّ الْأَرْضَ وَأَلْقَى فِيهَا الْجِبَالَ الرَّوَاسِيَ وَأَنْبَتَ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَهَذَا الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَكَقَوْلِهِ: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [31 \ 10 - 11] ، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ أَيْ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ مِنْ أَصْنَافِ النَّبَاتِ، وَقَوْلُهُ: تَبْصِرَةً أَيْ قَدَرْنَا الْأَرْضَ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا الرَّوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا أَصْنَافَ النَّبَاتِ الْحَسَنَةِ لِأَجْلِ أَنْ نُبَصِّرَ عِبَادَنَا كَمَالَ قُدْرَتِنَا عَلَى الْبَعْثِ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَى اسْتِحْقَاقِنَا لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِنَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ.

قَوْلُهُ: كَذَلِكَ الْخُرُوجُ، مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى: يُبَيِّنُ أَنَّ إِحْيَاءَ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا بِإِنْبَاتِ النَّبَاتِ فِيهَا بَعْدَ انْعِدَامِهِ وَاضْمِحْلَالِهِ - دَلِيلٌ عَلَى بَعْثِ النَّاسِ بَعْدَ الْمَوْتِ بَعْدَ كَوْنِهِمْ تُرَابًا وَعِظَامًا، فَقَوْلُهُ: كَذَلِكَ الْخُرُوجُ يَعْنِي أَنَّ خُرُوجَ النَّاسِ أَحْيَاءً مِنْ قُبُورِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ كَخُرُوجِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ بَعْدَ عَدَمِهِ، بِجَامِعِ اسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي أَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ عَدَمٍ، وَهَذَا أَحَدُ بَرَاهِينِ الْبَعْثِ الَّتِي يَكْثُرُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِهَا فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ فِي صَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَأَوَّلِ النَّحْلِ وَأَوَّلِ الْجَاثِيَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ.

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ يَحِقُّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ، أَيْ يَتَحَتَّمُ وَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ ثُبُوتًا لَا يَصِحُّ مَعَهُ تَخَلُّفُهُ عَنْهُ، وَهُوَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ

ص: 424

الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يَصِحُّ أَنْ يُخْلِفَ وَعِيدَهُ، لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ لَا يُخْلِفُ وَعِيدَهُ، وَأَنَّ إِخْلَافَ الْوَعِيدِ حَسَنٌ لَا قَبِيحَ، وَإِنَّمَا الْقَبِيحُ هُوَ إِخْلَافُ الْوَعْدِ، وَأَنَّ الشَّاعِرَ قَالَ:

وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ

لِمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي

لَا يَصِحُّ بِحَالٍ، لِأَنَّ وَعِيدَهُ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ حَقٌّ وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُنَا: كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ.

وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْفَاءَ مِنْ حُرُوفِ الْعِلَّةِ كَقَوْلِهِ: سَهَا فَسَجَدَ، أَيْ لِعِلَّةِ سَهْوِهِ وَسَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، أَيْ لِعِلَّةِ سَرِقَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [5 \ 38] ، فَتَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ عِلَّةٌ صَحِيحَةٌ لِكَوْنِ الْوَعِيدِ بِالْعَذَابِ حَقَّ وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ، فَدَعْوَى جَوَازِ تَخَلُّفِهِ بَاطِلَةٌ بِلَا شَكٍّ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [5 \ 38]، وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الَّذِي لَا يُبَدَّلُ لَدَيْهِ هُوَ الْوَعِيدُ الَّذِي قَدَّمَ بِهِ إِلَيْهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةٍ «ص» إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ [38 \ 14] ، وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ إِخْلَافُهُ هُوَ وَعِيدُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ بِتَعْذِيبِهِمْ عَلَى كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْضَحَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [4 \ 48] ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ تَجَاوُزٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ ذُنُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْعَاصِينَ، وَلَا إِشْكَالَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا فِي كِتَابِنَا:«دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ» فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [6 \ 128] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ.

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ بَرَاهِينِ الْبَعْثِ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِ النَّاسِ وَلَمْ يَعْجِزْ عَنْ إِيجَادِهِمُ الْأَوَّلِ لَا شَكَّ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى إِعَادَتِهِمْ وَخَلْقِهِمْ مَرَّةً أُخْرَى ; لِأَنَّ الْإِعَادَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَصْعَبَ مِنَ الْبَدْءِ. وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [30 \ 27]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [36 \ 79] ،

ص: 425