الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هُنَا، وَتَعْرِيفِهِ وَإِضَافَتِهِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَجِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [22 \ 5]، وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَقْسَامِ هُوَ قَوْلُهُ: إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ، وَالْمُوجِبُ لِهَذَا التَّوْكِيدِ هُوَ شِدَّةُ إِنْكَارِ الْكُفَّارِ لِلْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا تُوعَدُونَ «مَا» فِيهِ مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ إِلَى الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، وَالْوَصْفُ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: إِنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِنَ الْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ لَصِدْقٌ لَا كَذِبَ فِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنَّ الْوَعْدَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ لَصَادِقٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ صِيغَةَ اسْمِ الْفَاعِلِ فِي «لَصَادِقٌ» بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، أَيْ إِنَّ الْوَعْدَ أَوِ الْمَوْعُودَ بِهِ لَمَصْدُوقٌ فِيهِ لَا مَكْذُوبٌ بِهِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [69 \ 21] ، أَيْ مَرْضِيَّةٍ. وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ صِدْقِ مَا يُوعَدُونَهُ جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [3 \ 9]، وَقَوْلِهِ: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ [6 \ 134]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ [56 \ 3] ، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَالْمُرَادُ بِالدِّينِ هُنَا الْجَزَاءُ، أَيْ وَإِنَّ الْجَزَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ [24 \ 25] ، أَيْ جَزَاءَهُمْ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى [53 \ 40 - 41] .
وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَنْ كَوْنِهِ خَلَقَ الْخَلْقَ لَا لِبَعْثٍ وَجَزَاءٍ، وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ ظَنُّ الْكُفَّارِ، وَهَدَّدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الظَّنِّ السَّيِّئِ بِالْوَيْلِ مِنَ النَّارِ، قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ ظَنَّ عَدَمَ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، وَمُنَزِّهًا نَفْسَهُ عَنِ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ عَبَثًا لَا لِبَعْثٍ وَجَزَاءٍ: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [23 \ 115 - 116] .
وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [38 \ 2
7]
، فِي قَوْلِهِ فِي آيَةِ «ص» هَذِهِ: بَاطِلًا أَيْ عَبَثًا لَا لِبَعْثٍ وَجَزَاءٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ذَاتِ الْحُبُكِ فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ لَا يُكَذِّبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، إِلَى أَنَّ الْحُبُكَ جُمَعُ حَبِيكَةٍ أَوْ حِبَاكٍ، وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى ذَاتُ الْحُبُكِ أَيْ ذَاتُ الطَّرَائِقِ، فَمَا يَبْدُو عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ السَّاكِنِ أَوِ الرَّمْلِ مِنَ الطَّرَائِقِ إِذَا ضَرَبَتْهُ الرِّيحُ هُوَ الْحُبُكُ، وَهُوَ جَمْعُ حَبِيكَةٍ أَوْ حِبَاكٍ، قَالُوا: وَلِبُعْدِ السَّمَاءِ لَا تُرَى طَرَائِقُهَا الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْحُبُكِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ زُهَيْرٍ:
مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ
…
رِيحٌ خَرِيقٌ بِضَاحِي مِائَةٍ حُبُكِ
وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:
كَأَنَّمَا جَلَّلَهَا الْحُوَّاكُ
…
طَنْفَسَةٌ فِي وَشْيِهَا حِبَاكُ
وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ هَذَا الْقَوْلُ الْكَلْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: «ذَاتِ الْحُبُكِ» أَيْ ذَاتِ الْخَلْقِ الْحَسَنِ الْمُحْكَمِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ - ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ.
وَهَذَا الْوَجْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [67 \ 3 - 4] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْحُبُكُ مَصْدَرٌ، لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ أَتْقَنَهُ عَامِلُهُ وَأَحْسَنَ صُنْعَهُ، تَقُولُ فِيهِ الْعَرَبُ: حَبَكَهُ حَبْكًا بِالْفَتْحِ عَلَى الْقِيَاسِ. وَالْحُبُكُ بِضَمَّتَيْنِ بِمَعْنَاهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: ذَاتُ الْحُبُكِ: أَيِ الزِّينَةِ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْآيَةُ كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ [67 \ 5]، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ فِي «ق» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا [50 \ 6] .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: ذَاتُ الْحُبُكِ أَيْ ذَاتُ الشِّدَّةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [78 \ 12] .
وَالْعَرَبُ تُسَمِّي شِدَّةَ الْخَلْقِ حَبْكًا، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْفَرَسِ الشَّدِيدِ الْخَلْقِ: مَحْبُوكٌ.
وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي فِي أَنْفِهِ
…
لَاحِقُ الْإِطْلَيْنِ مَحْبُوكٌ مُمَرٍّ
وَالْآيَةُ تَشْمَلُ الْجَمِيعَ، فَكُلُّ الْأَقْوَالِ حَقٌّ، وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، أَيْ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الْكُفَّارُ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ فِي شَأْنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَشَأْنِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: هُوَ شِعْرٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: سِحْرٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: كِهَانَةٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِ مُخْتَلِفٍ أَيْ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ مُصَدِّقٌ، وَبَعْضُهُمْ مُكَذِّبٌ - خِلَافُ التَّحْقِيقِ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ إِنَّمَا هُوَ بَيْنَ الْمُكَذِّبِينَ دُونَ الْمُصَدِّقِينَ - قَوْلُهُ تَعَالَى فِي ق: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [50 \ 5] ، أَيْ مُخْتَلِطٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُخْتَلِفٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِيهِ عِنْدِي وَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ فِي نَظَرِي، أَنَّ لَفْظَةَ «عَنْ» فِي الْآيَةِ سَبَبِيَّةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ [11 \ 53] ، أَيْ بِسَبَبِ قَوْلِكَ، وَمِنْ أَجْلِهِ، وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِـ «عَنْ» رَاجِعٌ إِلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَلِفِ، وَالْمَعْنَى:«يُؤْفَكُ» أَيْ يُصْرَفُ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. «عَنْهُ» أَيْ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْمُخْتَلِفِ أَيْ بِسَبَبِهِ. «مَنْ أُفِكَ» أَيْ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الشَّقَاوَةُ فِي الْأَزَلِ، فَحُرِمَ الْهُدَى وَأُفِكَ عَنْهُ، لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الْمُخْتَلِفَ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيُنَاقِضُهُ.
وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى كَذِبِ الْقَوْلِ وَبُطْلَانِهِ اخْتِلَافُهُ وَتَنَاقُضُهُ كَمَا لَا يَخْفَى، فَهَذَا الْقَوْلُ الْمُخْتَلِفُ الَّذِي يُحَاوِلُ كُفَّارُ مَكَّةَ أَنْ يَصُدُّوا بِهِ النَّاسَ عَنِ الْإِسْلَامِ، الَّذِي يَقُولُ فِيهِ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الرَّسُولَ سَاحِرٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ شَاعِرٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: كَذَّابٌ - ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ لِتَنَاقُضِهِ وَتَكْذِيبِ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ، فَلَا يُصْرَفُ عَنِ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِهِ إِلَّا مَنْ صُرِفَ، أَيْ صَرَفَهُ اللَّهُ عَنِ الْحَقِّ لِشَقَاوَتِهِ فِي الْأَزَلِ فَمَنْ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ الشَّقَاوَةُ وَالْكُفْرُ لَا يَصْرِفُهُ عَنِ الْحَقِّ قَوْلٌ ظَاهِرُ الْكَذِبِ وَالْبُطْلَانِ لِتَنَاقُضِهِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى جَاءَ مُوَضَّحًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِي الْجَحِيمِ [37 \ 161 - 163] .
وَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ دِينَ الْكُفَّارِ، الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَعِبَادَةُ الْأَوْثَانِ، مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى صَدِّ النَّاسِ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ إِلَيْهِ «مَا هُمْ بِفَاتِنَيْنِ» أَيْ لَيْسُوا بِمُضِلِّينَ عَلَيْهِ أَحَدًا لِظُهُورِ فَسَادِهِ وَبُطْلَانِهِ «إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ» أَيْ إِلَّا مَنْ قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةَ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لَنَا فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: يُؤْفَكُ عَنْهُ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوِ الْقُرْآنِ، أَيْ يُصْرَفُ عَنِ الْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ أَوِ الْقُرْآنِ، مَنْ أُفِكَ أَيْ صُرِفَ عَنِ الْحَقِّ، وَحُرِمَ الْهُدَى لِشِدَّةِ ظُهُورِ الْحَقِّ فِي صِدْقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ، وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ السِّيَاقِ كَمَا تَرَى.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: يُؤْفَكُ عَنْهُ، أَيْ يُصْرَفُ عَنِ الْقَوْلِ الْمُخْتَلِفِ الْبَاطِلِ مَنْ أُفِكَ، أَيْ مَنْ صُرِفَ عَنِ الْبَاطِلِ إِلَى الْحَقِّ لَا يَخْفَى بُعْدُهُ وَسُقُوطُهُ.
وَالَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْإِفْكَ يُطْلَقُ عَلَى الصَّرْفِ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَعَنِ الْبَاطِلِ إِلَى الْحَقِّ، وَيُبْعِدُ هَذَا أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ الْإِفْكُ مُرَادٌ بِهِ إِلَّا الصَّرْفُ عَنِ الْخَيْرِ إِلَى الشَّرِّ دُونَ عَكْسِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.
لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِأُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فِيهَا الدَّلَالَةُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ بِدَلَالَةِ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ سَبَبَ نَيْلِ هَذِهِ الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونِ هُوَ تَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّبَبُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَكَوْنُ التَّقْوَى سَبَبُ دُخُولِ الْجَنَّاتِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ - جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [19 \ 63]، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ [16 \ 31] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ.
قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْجَاثِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِكَوْنِ رِزْقِ النَّاسِ فِي السَّمَاءِ، فَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ جَمِيعَ أَرْزَاقِهِمْ مَنْشَؤُهَا مِنَ الْمَطَرِ وَهُوَ نَازِلٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَيَكْثُرُ فِي الْقُرْآنِ إِطْلَاقُ اسْمِ الرِّزْقِ عَلَى الْمَطَرِ لِهَذَا الْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا [40 \ 13] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ [45 \ 5] .
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِهَذَا فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِ.
وَإِنْزَالُهُ تَعَالَى الرِّزْقَ مِنَ السَّمَاءِ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظَمَتِهِ وَأَنَّهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ، وَمِنْ أَعْظَمِ نِعَمِهِ عَلَى خَلْقِهِ فِي الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ كَثُرَ الِامْتِنَانُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْخَلْقِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ أَنَّ أَرْزَاقَكُمْ مُقَدَّرَةٌ مَكْتُوبَةٌ، وَاللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - يُدَبِّرُ أَمْرَ الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ الْآيَةَ [32 \ 5]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا تُوعَدُونَ «مَا» فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: رِزْقُكُمْ، وَالْمُرَادُ بِمَا يُوعَدُونَ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْجَنَّةُ، لِأَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، فَإِطْلَاقُ كَوْنِهَا فِي السَّمَاءِ إِطْلَاقٌ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ السَّمَاءَ عَلَى كُلِّ مَا عَلَاكَ كَمَا قِيلَ:
وَقَدْ يُسَمَّى سَمَاءً كُلُّ مُرْتَفِعٍ وَإِنَّمَا الْفَضْلُ حَيْثُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَلَمَّا حَكَى النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ شِعْرَهُ الْمَشْهُورَ، قَالَ فِيهِ: بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَسَنَاؤُنَا وَإِنَّا لِنَرْجُوَ فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا قَالَ لَهُ صلى الله عليه وسلم: «إِلَى أَيْنَ يَا أَبَا لَيْلَى. قَالَ: إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» .
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَمَا تُوعَدُونَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كُلُّهُ مُقَدَّرٌ فِي السَّمَاءِ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي فِي الْمُرَادِ بِالرِّزْقِ فِي الْآيَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِيمَا يُوعَدُونَ بِهِ أَنْسَبُ لِهَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي فِي مَعْنَى الرِّزْقِ.
وَقَدْ وَرَدَتْ قِصَصٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى ذِهْنِ السَّامِعِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَرَأَ وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ