المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القرآن كلام الله غير مخلوق - القائد إلى تصحيح العقائد

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

الفصل: ‌القرآن كلام الله غير مخلوق

لمصلحة، والمصلحة المزعومة قد مر إبطالها في الباب الثالث، ومر هناك ما يكفي ويشفي.

فأما ظهور المجرد في صورة الجسماني، فالتجرد المزعوم لا حقيقة له، وإنما المعروف ثمثل الملك بشراً ولا يلزم من جواز ذلك في المخلوق جوازه أو نحوه في الخالق جل وعلا، ومع ذلك فتلك حال عارضة والنصوص صريحة في حال مستقرة مستمرة وبدائه العقول تقتضي بذلك كما لا يخفى. والله الموفق.

السابعة: المباحث التي تتعلق بالتدقيق في شأن وجود الله عز وجل، يلتبس فيها الأمر فينزل النظر من الوجود الواجب الذاتي الذي لم يزل الممكن والحادث كما تقدم في الباب الثالث (1) وتقدم هناك المخلص من أمثال ذلك، وإمتثالاً لذلك نقول: إننا لا نطلق ما لم يطلقه الشرع ولا وضح به الحق، وإنما ندين بما ثبت بالمأخذين السلفيين، عاملين أنه لا يلزم الحق إلا حق، فكل ما ثبت بالمأخذين السلفيين فهو حق، وم اأو رد عليه من الإلزامات التعمقية لم يخل الخال أن يكون اللزوم باطلاً أو يكون اللازم حقاً لا ينافي ما ثبت بالمأخذين السلفيين.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

‌القرآن كلام الله غير مخلوق

هذه القضية كانت بغاية الوضوح في عهد السلف، ثم جحدها الزائغون، ثم التبس الأمر فيها على بعض الناس، وقد كفى فيها وشفى ما بينه إمام السنة أبوعبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، ثم ما حرره الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل

(1) ص 131 - 136.

ص: 219

البخاري، ثم ما حققه ونقحه شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية، ولكن لا أخلي هذه الرسالة عن إشارة إلى ذلك، فأقول:

العقول الفطرية قاضية بأن لله تعالى الكمال المطلق والقدرة التامة، وأنه متى شاء أن يتكلم الكلام الحقيقي المعروف بعبارة وحرف وصوت تكلم كيف شاء، ثم جاءت كتب الله تعالى ورسله بإثبات أنه سبحانه تكلم ويتكلم، وكلم ويكلم، وقال ويقول، ونادى وينادي، وأن القرآن هذا المعروف كلام الله على الحقيقة الحقة. وقد أخبر الله تعالى أن الجمادات قد تتكلم كلاماً حقيقياً، وأن أعضاء الإنسان تنطق يوم القيامة فتشهد عليه، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسمع تسليم الحجر والشجر عليه، وأسمع أصحابه تسبيح الحصى. فكان من المعلوم عند الناس أن التكلم بالعبارة والحرف والصوت ليس موقوفاً على الآلات التي يتكلم بها الإنسان، بل قد يتكلم المخلوق بغيرها فكيف الخالق عز وجل؟ فلم يلزم من تكلم الله عز وجل أن يكون له جوف اوغير ذلك مما هو منزه عنه.

ثم جحد الزائغون كلام الله عز وجل، وحاولوا تحريف معاني النصوص التي لا تحصى تحريفاً ليس بخير من التكذيب الصريح، بل لعله شر منه، ثم حال بعض الناس التلبيس فحمل النصوص على كلام نفسي ليس بعبارة ولا حرف ولا صوت، بل راد أنه معنى واحد لا تنوع فيه ولا تعدد، فلا أمر فيه ولا نهي، ولا خبر ولا ولا، ثم لم يزالوا في تخبيط وتخليط إلى أن صاروا إلى ما في (روح المعاني) ج 1 ص 15 قال:«الذي انتهى إليه كلام أئمة الدين كالماتريدي والأشعري وغيرهما من المحققين أن موسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت كما تدل عليه النصوص التي بلغت في الكثرة مبلغاً لا ينبغي معه تأويل، ولا يناسب معه قال وقيل» . ثم ذكر آيات النداء ثم قال: «واللائق بمقتضى اللغة والأحاديث أن يفسر النداء بالصوت، بل قد ورد إثبات

ص: 220

الصوت لله تعالى شأنه في أحاديث لا تحصى، وأخبار لا تستقصى. روى البخاري في (الصحيح) : يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان» .

ثم ذهب إلى تخليط المتصوفة، إلى أن قال:

والفرق بين سماع موسى عليه السلام كلام الله تعالى وسماعنا له على هذا أن موسى عليه السلام سمع من الله عز وجل واسطة لكن من وراء حجاب، ونحن إنما نسمعه من العبد التالي» . وعاد إلى تخليط المتصوفة.

فأقول: قد مر الله تبارك وتعالى عباده بتدبر القرآن وتصديقه والإيمان به على حسب فطرهم وعقولهم الفطرية، ولم يكلفهم تعمق المتكلمين فضلاً عن تغلغل المتصوفة، سواء أكان عن تخيل أم عن تعقل، وفي (الصحيحين) عن ابن عمر «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا (أشار بيديه مبسوطة أصابعهما) وعقد الإبهام على الثالثة، ثم قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا (أشار بها مبسوطة أصابعهما في الثلاث كلها) يعني تمام الثلاثين يعني تسعة وعشرين مرة ثلاثين» .

وإذ أعترف المتعمقون بأن الله تبارك وتعالى يتكلم بلا واسطة بعبارة وحرف وصوت ويسمع كلامه من يشاء من خلقه، فهذا الذي قامت عليه الحجة، وعليه سلف الأمة وأتباعهم، ولم يبق إلا التنطع عن الكيفية، وهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، ولا يبتغيه إلا أهل الزيغ «والراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا ومن لدنك رحمة أنك أنت الوهاب» .

ص: 221