الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المذكور بنو كلاب، وأحضروه إلى نور الدين محمود، واجتهد به على تسليمها فلم يفعل، فأرسل عسكراً مقدمهم فخر الدين مسعود بن أبي علي الزعفراني، وردفه بعسكر آخر مع مجد الدين أبي بكر، المعروف بابن الداية، وكان رضيع نور الدين، وحصروا قلعة جعبر، فلم يظفروا منها بشيء، وما زالوا على صاحبها مالك حتى سلمها، وأخذ عنها عوضاً مدينة بأعمالها، والملوحة، من بلد حلب، وعشرين ألف دينار، معجلة، وباب بزاعة.
ذكر ملك أسد الدين شيركوه مصر
وقتل شاور
ثم ملك صلاح الدين، وهو ابتداء الدولة الأيوبية. في هذه السنة أعني سنة أربع وستين وخمسمائة، في ربيع الأول سار أسد الدين شيركوه بن شاذي إلى دار مصر، ومعه العساكر النورية، وسبب ذلك تمكن الفرنج من البلاد المصرية، وتحكمهم على المسلمين بها، حتى ملكوا بلبيس قهراً في مستهل صفر من هذه السنة، ونهبوها وقتلوا أهلها وأسروهم، ثم ساروا من بلبيس، ونزلوا على القاهرة، عاشر صفر وحاصروها، فأحرق شاور مدينة مصر، خوفاً من أن يملكها الفرنج، وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة، فبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوماً، فأرسل العاضد الخليفة إلى نور الدين يستغيث به، وأرسل في الكتب شعور النساء، وصانع شاور الفرنج على ألف ألف دينار، يحملها إليهم، فحمل إليهم مائة ألف دينار، وسألهم أن يرحلوا عن القاهرة، ليقدر على جمع المال وحمله، فرحلوا، فجهز نور الدين العسكر مع شيركوه، وأنفق فيهم المال، وأعطى شيركوه مائتي ألف دينار، سوى الثياب والدواب والأسلحة وغير ذلك، وأرسل معه عدة أمراء، منهم ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب على كره منه، أحب نور الدين مسير صلاح الدين، وفيه ذهاب الملك من بيته، وكره صلاح الدين المسير، وفيه سعادته وملكه " وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم " البقرة 216، ولما قارب شيركوه مصر رحل الفرنج من ديار مصر على أعقابهم إلى بلادهم، فكان هذا لمصر فتحاً جديداً، ووصل أسد الدين شيركوه إلى القاهرة، في رابع ربيع الآخر، واجتمع بالعاضد، وخلع عليه، وعاد إلى خيامه بالخلعة العاضدية، وأجرى عليه، وعلى عسكره الإقامات الوافرة، وشرع شاور يماطل شيركوه، فيما بذله لنور الدين من تقرير المال، وإفراد ثلث البلاد له، ومع ذلك فكان شاور يركب كل يوم إلى أسد الدين شيركوه، ويعده ويمنيه " وما يعدهم الشيطان إلا غروراً " النساء 125، ثم إن شاور عزم على أن يعمل دعوة لشيركوه وأمرائه، ويقبض عليهم، فمنعه ابنه الكامل ابن شاور من ذلك، ولما رأى عسكر نور الدين من شاور ذلك، عزموا على الفتك بشاور، واتفق على ذلك صلاح الدين يوسف، وعز الدين جرديك، وغيرهما. وعرفوا شيركوه بذلك، فنهاهم عنه واتفق أن شاور قصد شيركوه على عادته فلم يجده في المخيم وكان قد مضى لزيارة قبر الشافعي، فلقي صلاح الدين وجرديق
شاور، وأعلماه برواح شيركوه إلى زيارة الشافعي، فساروا جميعاً إلى شيركوه، فوثب صلاح الدين وجرديك ومن معهما على شاور، وألقوه إلى الأرض عن فرسه، وأمسكوه في سابع ربيع الآخر من هذه السنة، أعني سنة أربع وستين وخمسمائة، فهرب أصحابه عنه، وأرسلوا أعلموا شيركوه بما فعلوه، فحضر ولم يمكنه إلا إتمام ذلك.
وسمع العاضد الخبر، فأرسل إلى شيركوه يطلب منه إنفاذ رأس شاور، فقتله وأرسل رأسه إلى العاضد، دخل بعد ذلك شيركوه إلى القصر عند العاضد، فخلع عليه العاضد خلع الوزارة، ولقبه الملك المنصور، أمير الجيوش، وسار بالخلع إلى دار الوزارة، وهي التي كان فيها شاور، واستقر في الأمر، وكتب له منشور بالإنشاء الفاضلي، أوله بعد البسملة: من عبد الله ووليه أبي محمد، الإمام العاضد لدين الله، أمير المؤمنين، إلى السيد الأجل الملك المنصور، سلطان الجيوش، ولي الأئمة، مجير الأمة، أسد الدين أبي الحارث شيركوه العاضدي، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته. سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، ونسأله أن يصلي على محمد خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وعلى آله الطاهرين، والأئمة المهديين، سلم تسليماً. ثم ذكر تفويض أمور الخلافة إليه، ووصايا أضربنا عنها للاختصار، وكتب العاضد بخطه على طرة المنشور، هذا عهد لم يعهد لوزير بمثله، فتقلد أمانة رآك أمير المؤمنين أهلاً لحملها، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذيل الفخار، بأن اعتزت خدمتك إلى بنوة النبرة، مدحت الشعراء أسد الدين، ووصل إليه من الشام مديح لعماد الكاتب، قصيدة أولها:
بالجد أدركت ما أدركت لا اللعب
…
كم راحة جنيت من دوحة التعب
يا شيركوه بن شاذي الملك دعوة من
…
نادي فعرف خير ابن لخير أب
جرى الملوك وما حازوا بركضهم
…
من المدى في العلى ما حزت بالخبب
تمل من ملك مصر رتبة قصرت
…
عنها الملوك فطالت سائر الرتب
قد أمكنت أسد الدين الفريسة من
…
فتح البلاد فبادر نحوها وثب
وفي شيركوه وقتل شاور يقول عرقلة الدمشقي:
لقد فاز بالملك العقيم خليفة
…
له شيركوه العاضدي وزير
هو الأسد الضاري الذي جل خطبه
…
وشاور كلب للرجال عقور
بغى وطغى حتى لقد قال صحبه
…
على مثلها كان اللعين يدور
فلا رحم الرحمن تربة قبره
…
ولا زال فيها منكر ونكير
وأما الكامل بن شاور، فلما قتل أبوه دخل القصر، فكان آخر العهد به، ولما لم يبق لأسد الدين شيركوه منازع، أتاه أجله " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة " الأنعام: 144، وتوفي يوم
السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، سنة أربع وستين وخمسمائة. فكانت ولايته شهرين وخمسة أيام، وكان شيركوه وأيوب ابني شاذي من بلد دوين، قال ابن الأثير: وأصلهما من الأكراد الروادية، فقصدا العراق وخدما بهروز شحنة السلجوقية ببغداد، وكان أيوب أكبر من شيركوه، فجعله بهروز مستحفظاً لقلعة تكريت، ولما انكسر عماد الدين زنكي من عسكر الخليفة، ومر على تكريت، خدمه أيوب وشيركوه، ثم، إن شيركوه قتل إنساناً بتكريت، فأخرجهما بهروز من تكريت، فلحقا بخدمة عماد الدين زنكي، فأحسن إليهما وأعطاهما إقطاعات جليلة، ولما ملك عماد الدين زنكي قلعة بعلبك، جعل أيوب مستحفظاً لها، ولما حاصره عسكر دمشق بعد موت زنكي، سلمها أيوب إليهم، على إقطاع كبير شرطوه له، وبقي أيوب من أكبر أمراء عسكر دمشق، وبقي شيركوه مع نور الدين محمود بعد قتل أبيه زنكي، وأقطعه نور الدين حمص والرحبة، لما رأى من شجاعته، وزاده عليهما، وجعله مقدم عسكره، فلما أراد نور الدين ملك دمشق، أمر شيركوه فكاتب أخاه أيوب، فساعد أيوب نور الدين على ملك دمشق، وبقيا مع نور الدين إلى أن أرسل شيركوه إلى مصر مرة بعد أخرى حتى ملكها، وتوفي فيها في هذه السنة، على ما ذكرناه ولما توفي شيركوه، كان معه صلاح الدين يوسف ابن أخيه أيوب ابن شاذي، وكان قد سار معه على كره قال صلاح الدين: أمرني نور الدين بالمسير مع عمي شيركوه، وكان قد قال شيركوه بحضرته لي: تجهز يا يوسف للمسير، فقلت: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها، فلقد قاسيت بالإسكندرية ما لا أنساه أبداً، فقال لنور الدين لا بد من مسيره معي فأمرني نور الدين وأنا أستقيل. فقال نور الدين: لا بد من مسيرك مع عمك. فشكوت الضائقة، فأعطاني ما تجهزت به، فكأنما أنساق إلى الموت، فلما مات شيركوه، طلب جماعة من الأمراء النورية التقدم على العسكر، وولاية الوزارة العاضدية، منهم عين الدولة الياروقي، وقطب الدين ينال المنبجي، وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود الحارمي، وهو خال صلاح الدين، فأرسل العاضد، أحضر صلاح الدين وولاه الوزارة، ولقبه بالملك الناصر، فلم تطعه الأمراء المذكورون، وكان مع صلاح الدين، الفقيه عيسى الهكاري، فسعى مع المشطوب حتى أماله إلى صلاح الدين، ثم قصد الحارمي، وقال: هذا ابن أختك، وعزة وملكه لك، فمال إليه أيضاً، ثم فعل بالباقين كذلك، فكلهم أطاع، غير عين الدولة الياروقي، فإنه قال: أنا لا أخدم يوسف، وعاد إلى نور الدين بالشام.
وثبت قدم صلاح الدين، على أنه نائب لنور الدين، وكان نور الدين يكاتب صلاح الدين بالأمير الأسفهسلار، ويكتب علامته على رأس الكتاب، تعظيماً عن أن يكتب اسمه، وكان لا يفرده بكتاب، بل إلى الأمير صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية، يفعلون كذا وكذا، ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور
الدين، أباه أيوب وأهله، فأرسلهم إليه نور الدين، فأعطاهم صلاح الدين الإقطاعات بمصر، وتمكن من البلاد، وضعف أمر العاضد، ولما فوض الأمر إلى صلاح الدين، تاب عن شرب الخمر وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص لباس الجد، ودام على ذلك إلى أن توفاه الله تعالى.
قال ابن الأثير مؤلف الكامل: رأيت كثيراً من ابتدى بالملك ينتقل إلى غيره عقبه، فإن معاوية تغلب وملك، فانتقل الملك إلى بني مروان، ثم ملك السفاح من بني العباس، فانتقل الملك إلى أخيه المنصور وعقبه، ثم السامانية أول من ابتدى بالملك منهم نصر بن أحمد، فانتقل الملك إلى أخيه إسماعيل وعقبه، ثم عماد الدولة بن بوية، ملك فانتقل الملك إلى عقب أخيه ركن الدولة، ثم ملك طغريل بك السلجوقي، فانتقل الملك إلى عقب أخيه داود، ثم شيركوه ملك، فانتقل الملك إلى ابن أخيه، ولما قام صلاح الدين بالملك، لم يبق الملك في عقبه، بل انتقل إلى أخيه العادل، وعقبه، ولم يبق لأولاد صلاح الدين غير حلب، وكان سبب ذلك كثرة قتل من يتولى ذلك أولاً وأخذه الملك، وعيون أهله وقلوبهم متعلقة به، فيحرم عقبه ذلك.
ولما استقر قدم صلاح الدين في الوزارة، قتل مؤتمن الخلافة، وكان مقدم السودان، فاجتمعت السودان، وهم حفاظ القصر، في عدد كثير، وجرى بينهم وبين صلاح الدين وعسكره وقعة عظيمة، بين القصرين، انهزم فيها السودان، وقتل منهم خلق كثير، وتبعهم صلاح الدين فأجلاهم قتلاً وتهجيجاً، وحكم صلاح الدين على القصر، وأقام فيه بهاء الدين قراقوش الأسدي، وكان خصياً أبيض، وبقي لا يجري في القصر صغيرة ولا كبيرة إلا بأمر صلاح الدين.
ذكر غير ذلك من الحوادث في هذه السنة، كان بين إينانج صاحب الري، وبين الدكز، حرب انتصر فيها الدكز، وملك الري، وهرب إينانج وانحصر في بعض القلاع، فأرسل الدكز ورغب غلمان إينانج في الإقطاعات إن قتلوا إيناج أستاذهم، فقتلوه ولحقوا بالدكز، فلم يف لهم وقال: مثل هؤلاء لا ينبغي الإبقاء عليهم، فهربوا إلى البلاد، ولحق بعضهم، وهو الذي قتل أستاذه بخوارزم شاه، فصلبه لخيانته أستاذه.
وفيها توفي الشيخ أبو محمد الفارقي، وكان أحد الزهاد، وله كرامات كثيرة، كان يتكلم على الخاطر، وكلامه مجموع مشهور. وفيها توفي ياروق أرسلان التركماني، وكان مقدماً كبيراً، وإليه تنسب الطائفة الياروقية من التركمان، وكان عظيم الخلقة، يسكن بظاهر حلب، وبنى على شاطئ قويق هو وأتباعه عماير كثيرة، وتعرف الآن بالياروقية، وهي مشهورة هنا.
ثم دخلت سنة خمس وستين وخمسمائة.
فيها سارت الفرنج إلى دمياط وحصروها، وشحنها صلاح الدين بالرجال والسلاح والذخائر، وأخرج على ذلك أموالاً عظيمة، فحصروها خمسين يوماً، وخرج نور الدين فأغار على بلادهم بالشام، فرحلوا عائدين على أعقابهم، ولم يظفروا