الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا لمن لم يشدَّ الرحال، وإنما زار مسجد قباء من المدينة، أو قدم للمدينة ثم أراد زيارة قباء، أما شدُّ الرحال فلا يجوز إلا للمساجد الثلاثة كما تقدم آنفاً.
المبحث الخامس: فضل بناء المساجد وعمارتها، جاء فيه نصوص كثيرة تدل على العناية بها
، كقول الله عز وجل:
{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ الله فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (1). وتكون عمارة المساجد ببنائها، وتنظيفها، وفرشها، وإنارتها، كما تكون عمارتها: بالصلاة فيها، وكثرة التردد عليها لحضور الجماعات، وتعلم وتعليم العلوم النافعة، وأعظم العلم النافع تعلُّم القرآن وتعليمه، وغير ذلك من أنواع الطاعات (2)، وإخلاص هذه العبادات كلها لله تعالى، كما قال عز وجل: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ
(1) سورة التوبة، الآية:18.
(2)
انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، ص586، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، 14/ 165، وتفسير البغوي، 2/ 174، وتفسير السعدي، ص291.
لله فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَدًا} (1).
وقوله تعالى: {أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ} : أي أمر الله عز وجل ببنائها، ورفعها، وأمر بعمارتها، وتطهيرها، وقيل: أمر الله بتعاهدها، وتطهيرها من الدنس، واللغو، والأقوال، والأفعال التي لا تليق فيها (3). وذكر الإمام الطبري رحمه الله أن معنى:{أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ} أي: أذن الله أن تُبنى، وقال بعضهم: ((أذن الله أن تعظم
…
)). ثم رجح القول
(1) سورة الجن، الآية:18.
(2)
سورة النور، الآيات: 36 - 38.
(3)
تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص943.
الأول فقال: ((وأولى القولين عندي بالصواب القول الذي قاله مجاهد، وهو أن معناه: أذن الله أن ترفع بناءً، كما قال جل ثناؤه: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ
الْبَيْتِ} (1). وذلك أن هذا هو الأغلب في معنى الرفع في البيوت والأبنية)) (2).
وقال العلامة السعدي رحمه الله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} هذا مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها: بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسات والأذى، وصونها من المجانين والصبيان، الذين لا يتحرزون من النجاسات، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله)) (3).
وعن عمرو بن ميمون رحمه الله قال: ((أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يقولون: المساجد بيوت
(1) سورة البقرة، الآية:127.
(2)
جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، 19/ 190، وانظر: تفسير البغوي
3/ 347.
(3)
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للعلامة السعدي، ص518.
الله، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره)) (1).
وقد حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على بناء المساجد ورغَّب في ذلك، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((من بنى مسجداً)) قال بكير: حسبت أنه قال: ((يبتغي به وجه الله)) ((بنى الله له مثله في الجنة)). ولفظ مسلم: ((من بنى مسجداً لله)) قال بكير: حسبت أنه قال: ((يبتغي به وجه الله تعالى، بنى الله له بيتاً في الجنة)) (2).
وذكر ابن حجر رحمه الله أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((من بنى مسجداً)) التنكير فيه للشيوع فيدخل فيه الكبير والصغير)) (3). ووقع في رواية أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من بنى لله مسجداً صغيراً أو كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة)) (4). وجاء
(1) أخرجه ابن جرير في جامع البيان، 19/ 189.
(2)
متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب من بنى مسجداً، برقم 450، ومسلم، كتاب الصلاة، باب فضل بناء المساجد، والحث عليها، برقم 533.
(3)
فتح الباري، لابن حجر، 1/ 545.
(4)
الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل بنيان المسجد، برقم 319، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 1/ 110.
من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من بنى لله مسجداً ولو قدر مفحص قطاة (1) بنى الله له بيتاً في الجنة)) (2).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((وحمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة؛ لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه؛ لتضع فيه بيضها، وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة فيه، وقيل: هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في مسجد قدراً يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر، وهذا كله بناء على أن المراد بالمسجد ما يتبادر إلى
(1) مفحص قطاة: القطاة: واحدة القطا، وهو طائر معروف ببطء سيره، والمفحص من الفحص: أي الحفر، والمراد هنا: الموضع الذي تحفره لترقد فيه فتضع فيه بيضها. وانظر: الترغيب والترهيب للمنذري، 1/ 262.
(2)
البزار بلفظ [مختصر زوائد البزار على الكتب الستة ومسند أحمد، لابن حجر،
1/ 210 برقم 260]، والطبراني في المعجم الصغير [مجمع البحرين، 1/ 441، برقم 578]، وابن حبان [الإحسان، 4/ 490، برقم 1610]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، 2/ 7:((رواه البزار والطبراني في الصغير، ورجاله ثقات))، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 8/ 109.
الذهن، وهو المكان الذي يتخذ للصلاة فيه، فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود وهو ما يسع الجبهة فلا يحتاج إلى شيء مما ذكر، لكن قوله:((بنى)) يشعر بوجود بناء على الحقيقة، ويؤيده قوله في رواية أم حبيبة رضي الله عنها:((من بنى لله بيتاً)) أخرجه سمويه في فوائده بإسناد حسن
…
لكن لا يمنع إرادة الآخر مجازاً إذ بناء كل شيء بحسبه، وقد شاهدنا كثيراً من المساجد في طرق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة، وهي في غاية الصغر، وبعضها لا تكون أكثر من قدر موضع السجود، وروى البيهقي في الشعب من حديث عائشة نحو حديث عثمان، وزاد: قلت: وهذه المساجد التي في الطرق؟ قال: نعم، وللطبراني نحوه من حديث أبي قرصافة وإسنادهما حسن)) (1).
أما قوله صلى الله عليه وسلم: ((من بنى مسجداً لله)) فمعناه: ((أي مخلصاً في بنائه لله تعالى)) (2). وذكر ابن حجر رحمه الله عن ابن
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري، 1/ 545.
(2)
المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، 2/ 130.
الجوزي رحمه الله أنه قال: ((من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيداً من الإخلاص)) (1).ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد المخصوص؛ لعدم الإخلاص، وإن كان يؤجر في الجملة على حسب إخلاصه، لكن الإخلاص الكامل لا يحصل إلا من المتطوع (2).
أما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عثمان رضي الله عنه: ((بنى الله له مثله في الجنة)) فقال القرطبي رحمه الله: ((هذه المثلية ليست على ظاهرها
…
وإنما يعني أنه بنى له بثوابه بناءً أشرف وأعظم، وأرفع)) (3). وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى -:((يحتمل قوله: ((مثله)) أمرين: أحدهما أن يكون معناه: بنى الله تعالى له مثله في مسمى البيت، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها أنها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري، 1/ 545.
(2)
فتح الباري شرح صحيح البخاري، 1/ 545.
(3)
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، 2/ 130.
الثاني: ((أن معناه أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا)) (1).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((ومن الأجوبة المرضية، أيضاً أن المثلية هنا بحسب الكمية، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة بل من مائة)) (2).وهذا هو الاحتمال الأول عند النووي. ولا شك أن التفاوت حاصل قطعاً بالنسبة إلى ضيق الدنيا، وسعة الجنة؛ لأن موضع شبر فيها خير من الدنيا وما فيها (3).
وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علَّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورَّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته)) (4).
(1) شرح النووي على صحيح مسلم، 5/ 18.
(2)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 1/ 546.
(3)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري،1/ 546.
(4)
ابن ماجه، المقدمة، باب من بلغ علماً، برقم 242، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 1/ 111.