الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث
(1)(2)
«ابتاعيها واشترطي لهم الولاء؛ فإنما الولاء لمن أعتق» .
قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر أقوال الطوائف في هذا الحديث وهي خمسة:
قال شيخنا: بل الحديث على ظاهره، ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم باشتراط الولاء تصحيحا لهذا الشرط ولا إباحة له، ولكن عقوبة لمشترطه؛ إذ أبى أن يبيع جارية للمعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله تعالى وشرعه، فأمرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله؛ لأن الشروط الباطلة لا تغير شرعه، وأن من شرط ما يخالف دينه لم يجز أن يوفى له بشرطه، ولا يبطل البيع به، وأن من عرف فساد الشرط وشرطه ألغي اشتراطه ولم يعتبر (3) .
قوله في حديث أبي بكر رضي الله عنه: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» .
(1) أما مصطلح الحديث الذي موضعه في الفهارس العامة قبل الحديث فالموجود منه ضمن مسودة آل تيمية وسيأتي ضمن أصول الفقه في الجزء الثاني إن شاء الله.
(2)
مرتب على حروف الهجاء.
(3)
إعلام الموقعين جـ4/338، 339 وللفهارس العامة جـ1/380.
قال الحكيم الترمذي: هذا عبد اعترف بالظلم ثم التجأ إليه مضطرا لا يجد لذنبه ساترا غيره. ثم سأله مغفرة من عنده والأشياء كلها من عنده ولكن أراد شيئا مخصوصا ليس مما يذكر للعامة فلله رحمة قد عمت الخلق برهم وفاجرهم، سعيدهم وشقيهم، ثم له رحمة خص بها المؤمنين خاصة وهي رحمة الإيمان، ثم له رحمة خص بها المتقين وهي رحمة الطاعة لله تعالى، ولله رحمة خص بها الأولياء نالوا بها الولاية، وله رحمة خص بها الأنبياء نالوا بها النبوة، وقال الراسخون في العلم:{وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} [8/3] فسألوه رحمة من عنده، فهذا صورة ما شرحه ولم يذكر صفة الظلم وأنواعه كما ذكر صفة الرحمة.
وليعلم أن الدعاء الذي فيه اعتراف العبد بظلمه لنفسه ليس من خصائص الصديقين ومن دونهم بل هو من الأدعية التي يدعوا بها الأنبياء وهم أفضل الخلق، قال الله تعالى عن آدم وحواء:{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [23/7] وقال موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [16/28] والخليل عليه السلام: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [41/14]{وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [82/26]، وقال هو وإسماعيل عليه السلام:{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} إلى قوله: {وَتُبْ عَلَيْنَا} [127، 128/2]، وقال يونس عليه السلام:{لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [87/21] . وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: «ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي» ، وثبت عنه: «اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وعلانيته وسره وأوله وآخره. اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي.
اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت» وفي الركوع والسجود كان يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي -يتأول القرآن» . وقال له ربه: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [55/40] وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [19/47] وسورة النصر آخر ما نزل بعد قوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [2/48] فقال له الناس: «هذا لك فما لنا» ؟ قال: فأنزل الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} الآية [4/48] .
وفي هذا رد على الطائفة الذين يقولون: معنى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ} [2/48] هو ذنب آدم {وَمَا تَأَخَّرَ} هو ذنب أمته؛ فإن هذا القول وإن لم يقله أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين فقد قاله طائفة من المتأخرين. ويظن بعض الجهال أنه قول شريف، وهو كذب على الله وتخريف، فإنه قد ثبت أن الناس يوم القيامة يأتون آدم فيعتذر إليهم ويذكر خطيئته. فلو كان ما تقدم هو ذنب آدم لم يكن يعتذر وقد قالت الصحابة رضي الله عنهم:«هذا لك فما لنا» فلو كان ما تأخر مغفرة ذنوبهم لكان قال: هذا لكم.
وأيضا فقد قال الله له: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} فكيف تضاف ذنوب الفساق إليه ويجعل الزنا والسرقة وشرب الخمر ذنبا له؟ : {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [18/35] وأي فرق بين ذنب آدم ونوح وإبراهيم وكلهم آباؤه؟ وقد قال في غير موضع: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى
الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [54/24] فكيف يكون ذنب أمته ذنبا له؟ هذا لا يخفى فساده على من له أدنى تدبر وإن كان قاله طائفة من المصنفين في العصمة، حتى ترى ذلك في كلام بعض من له قدم صدق من أهل السنة، لكن الغلو أوجب اتباع الجهال الضلال؛ فإن أصل ذلك من المبتدعين الضالين، وأولهم «الرافضة» فإنهم لما ادعوا العصمة في علي وغيره حتى من الخطأ احتاجوا أن يثبتوا ذلك للأنبياء بطريق الأولى. ولما نزهوا عليا رضي الله عنه ومن دونه أن يكون له ذنب يستغفر منه كان تنزيههم للرسول أولى.
وكذلك «القرامطة» لما ادعوا عصمة أئمتهم الإسماعيلية القرامطة الباطنية الفلاسفة الدهرية وعبدوهم وادعوا فيهم الإلهية كما كانت الغالية تعتقد في علي وغيره الإلهية أو النبوة وكما ألزموا الدعوة للمنتظر وأنه معصوم وقالوا: دخل في سرداب سامرا سنة ستين ومائتين وهو طفل غير مميز، وصار مثل هذا يدّعي حتى ادعى ابن التومرت المغربي صاحب «المرشدة» أنه المهدي صار طائفة من الغلاة في مشايخهم يعتقدون لهم العصمة بقلوبهم أو يقولون: إنه محفوظ والمعنى واحد. ولو أقر له بلسانه عامله بالعصمة بقلبه. فهؤلاء إذا اعتقدوا العصمة في بعض العوام كيف لا يعتقدون ذلك في الأنبياء؟ فإن كان من المسلمين من اعتقد أن الأنبياء أفضل من شيخه وإمامه وهو يعتقد عصمة شيخه فهو يعتقد عصمتهم بطريق الأولى.
وإن كان من الزنادقة الذي يعتقدون أن الشيخ أفضل من النبي -كما يقوله المتفلسفة والشيعة وغلاة الصوفية الاتحادية وغيرهم- فلا بد لهؤلاء أن يقروا الغلو في الأنبياء وحتى يوافقهم الناس على الغلو في أئمتهم.
وهذا كله من شعب النصرانية الذين قال الله فيهم: {قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [77/5] إلى قوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ
عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ} إلى قوله: {سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} إلى قوله: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ} [171، 172/4] وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، بل قولوا عبد الله فإنما أنا عبد الله» و «إنما أضل من كان قبلكم الغلو في الدين» وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لتركبن سنن من كان قبلكم» ومن قبلنا قصدوا تعظيم الأنبياء والصالحين فوقعوا في تكذيبهم؛ فإن المسيح قال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} [30/19] فكذبوه، وقالوا: ما هو عبد الله، بل هو الله، وأشركوا به.
وكذلك الغالية في علي وغيره فإنه حرق الغالية فيه، ونقل عنه من نحو ثمانين وجها:«خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر» . ويذكر ذلك عن ابن الحنفية كما رواه البخاري، والشيعة تكذبه فهم معه كالنصارى مع المسيح واليهود مع موسى.
وكذلك اتباع المشايخ يغلون فيهم، ويتركون الطريقة التي يحبها الله ورسوله.
وهذا باب دخل منه الشيطان على خلق كثير فأضلهم حتى جعل أحدهم قول الحق تنقيصا له، كما إذا قيل للنصارى:{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [75/5] قالوا: هذا تنقص بالمسيح وسوء أدب معه.
وهكذا المنتسبون إلى هذه الأمة تجد أحدهم يغلو في قدوته حتى يكره أن يوصف بما هو فيه، ومع هذا فهو يكذبه ويقول عليه العظائم. وهذا باب يطول والمقصود التنبيه.
إذا عرف ذلك فقد اتفق سلف الأمة وجميع الطوائف الذين لهم قول معتبر أن من سوى الأنبياء ليس بمعصوم لا من الخطأ ولا من
الذنوب سواء كان صديقا أولم يكن ولا فرق بين أن يقول: هو معصوم أو محفوظ أو ممنوع. وقد قال الأئمة: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا اتفق الأئمة على أنه صلى الله عليه وسلم معصوم فيما يبلغه عن دربه، وقد اتفقوا على أنه لا يقر على الخطأ في ذلك، وكذلك لا يقر على الذنوب لا صغائرها ولا كبائرها.
ولكن تنازعوا: هل يقع من الأنبياء بعض الصغائر مع التوبة منها، أو لا يقع بحال؟
فقال بعض متكلمي الحديث وكثير من المتكلمين من الشيعة والمعتزلة: لا تقع منهم الصغيرة بحال، وزاد الشيعة حتى قالوا: لا يقع منهم لا خطأ ولا غير خطأ.
وأما السلف وجمهور أهل الفقه والحديث والتفسير وجمهور متكلمي أهل الحديث من الأشعرية وغيرهم فلم يمنعوا وقوع الصغيرة إذا كان مع التوبة كما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة؛ فإن الله يحب التوابين.
وإذا ابتلي بعض الأكابر بما يتوب منه فذاك لكمال النهاية لا لنقص البداية، كما قال بعضهم: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه، لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه.
وأيضا فالحسنات تتنوع بحسب المقامات، كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فمن فهم ما تمحوه التوبة وما ترفع صاحبها إليه من الدرجات وما يتفاوت الناس فيه من الحسنات والسيئات زالت عنه الشبه في هذا الباب وأقر الكتاب والسنة على ما فيهما من الهدى والصواب.
فإن «الغلاة» يتوهمون أن الذنب إذا صدر من العبد كان نقصا في حقه لا ينجبر حتى يجعلوا من لم يسجد لصنم أفضل منه. وهذا جهل، فإن المهاجرين والأنصار الذين هم أفضل هذه الأمة هم أفضل من أولادهم وغير أولادهم ممن ولد على الإسلام، وإن كانوا في أول الأمر كفار يعبدون الأصنام، بل المنتقل من الضلال إلى الهدى يضاعف له الثواب كما قال تعالى:{فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [70/25] فالله سبحانه أفرح بتوبة عبده من الذي طلب راحلته في الأرض المهلكة ثم وجدها فإذا كانت التوبة بهذه المثابة كيف لا يكون صاحبها معظما؟
وقد وصف الإنسان بالظلم والجهل، وجعل الفرق بين المؤمن والكافر والمنافق أن المؤمن يتوب فيتوب الله عليه إذ لم يكن له بد من الجهل فقال تعالى:{وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [73/33] و «خير الخطائين التوابون» و «كل بني آدم خطاؤون» .
وقد ذكر الله الذين وعدهم الحسنى فلم ينف عنهم الذنوب فقال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} إلى قوله: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} [33-35/39] فذكر المغفرة والتكفير، وقال تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [16/46]، وقال عليه الصلاة والسلام:«لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» .
واعلم أن كثيرا من الناس يسبق إلى ذهنه من ذكر الذنوب الزنا والسرقة ونحو ذلك فيستعظم أن كريما يفعل ذلك، ولا يعلم هذا المسكين أن أكثر عقلاء بني آدم لا يسرقون؛ بل ولا يزنون حتى في
جاهليتهم وكفرهم؛ فإن أبا بكر وغيره قبل الإسلام ما كانوا يرضون أن يفعلوا مثل هذه الأعمال، ولما بايع النبي صلى الله عليه وسلم هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية بيعة النساء على أن لا يسرقن ولا يزنين قالت:«أو تزني الحرة» ؟ فما كانوا في الجاهلية يعرفون الزنا إلا للإماء، وكذلك اللواط، فأكثر الأمم لم تعرفه ولم يكن يعرف في العرب قط.
ولكن الذنوب تتنوع وهي كثيرة الشعب: كالتي هي من باب الضلال في الإيمان والبدع التي هي من جنس العلو في الأرض بالفساد، والفخر والخيلاء والحسد والكبر والرياء هي في الناس الذين هم متفقون على الفواحش.
وكذلك الذنوب التي هي ترك الواجبات كالإخلاص، والتوكل على الله، ورجاء رحمته، وخوف عذابه، والصبر على بلائه، والصبر على حكمه، والتسليم لأمره، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه وتحقيق ما يجب من المعارف والأعمال يطول.
وإذا علم ذلك فظلم العبد نفسه يكون بترك ما ينفعها وهي محتاجة إليه، وبفعل ما يضرها كما أن ظلم الغير كذلك: إما بمنع حقه أو التعدي.
والنفس إنما تحتاج من العبد إلى فعل ما أمر الله به. وإنما يضرها فعل ما نهى الله عنه، فظلمه لا ينفك عن ترك حسنة أو فعل سيئة، وما يضطر العبد إليه حتى أكل الميتة داخل في هذا فأكلها عند الضرورة واجب في المشهور من مذهب الأئمة الأربعة. وكذلك ما يضرها من جنس العبادات مثل الصوم الذي يزيد في مرضها والاغتسال بالماء البارد الذي يقتلها هو من ظلمها فإن الله أمر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم وجاء القرآن بالأمر بالصلاح والنهي عن الفساد والصلاح كله طاعة، والفساد كله معصية وقد لا يعلم بعض الناس ذلك على
حقيقته فالمؤمن من يعلم أن الله يأمر بكل مصلحة وينهى عن كل مفسدة.
ومما يجب أن يعرف: أن العبد قد يجب عليه بأسباب أمور لا تجب عليه بدون هذه الأسباب؛ فإن قام بها كان محسنا إلى نفسه، وإلا كان ظالما لنفسه، وإن لم يكن تركها ظلما في حق من لم تجتمع عنده هذه الأسباب: كمن ولي ولاية ففي المسند: «أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إماما جائر» وكذلك من لغيره عليه حقوق: كالزوجة والأولاد والجيران، فقد ذكر الله الحقوق العشرة في قوله تعالى:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [36/4] .
فكلما ازدادت معرفة الإنسان بالنفوس ولوازمها وتقلب القلوب وبما عليها من الحقوق لله ولعباده، وبما حد لهم من الحدود علم أنه لا يخلو أحد من ترك بعض الحقوق وتعدى بعض الحدود ولهذا أمر الله عباده أن يسألوه أن يهديهم الصراط المستقيم في اليوم والليلة في المكتوبة وحدها سبع عشرة مرة، وهو صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن يطع الله ورسوله فهو مع هؤلاء.
«فالصراط المستقيم» هو طاعة الله ورسوله وهو دين الإسلام التام وهو اتباع القرآن وهو لزوم السنة والجماعة، وهو طريق العبودية وهو طريق الخوف والرجاء.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: «الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره» لعلمه أنه لا يفعل خيرا ولا يجتنب شرا إلا بإعانة الله له وأنه لا بد أن يفعل ما يوجب الاستغفار.
فقوله: «أبوء لك بنعمتك علي» يتناول نعمته عليه في إعانته على الطاعات. وقوله: «أبوء بذنبي» يبين إقراره بالذنوب التي يحتاج إلى الاستغفار منها، والله غفور رحيم شكور يغفر الكبير ويشكر اليسير.
وجاء عن غير واحد: إني أصبح بين نعمة وذنب أريد أن أحدث للنعمة شكرا، وللذنب استغفارًا، وكان المشايخ يقرنون بين هذه الثلاثة: الشكر لما مضى من إحسان ربه، والاستغفار لما تقدم من إساءة العبد إلى نفسه، والاستعانة لما يستقبله العبد من أموره فلا بد لكل عبد من الثلاثة.
فقوله: «الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره» يتناول ذلك فمن قصر في واحد منها فقد ظلم نفسه بحسب تقصيره والعبد إذا عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، كما قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [66/4] وقال: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} .
وإذا ترك العبد العمل بعلمه عاقبه الله بأن يضله عن الهدى وأن لا يعرفه الصراط المستقيم، كما قال تعالى:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [5/61] وقال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [110/6] .
وقال: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [10/2] وفي الحديث: «إن العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإذا زاد زيد فيها حتى تغلو كل قلبه فذلك الران
الذي قال الله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} » [14/83] رواه الترمذي وصححه.
فهذه الأمور يبين الله بها أجناس ظلم العبد نفسه، لكن لكل إنسان بحسبه وبحسب درجته فلنفسه عليه أن يعفها وحدود عليها أن يحفظها ومحارم عليه أن يجتنبها.
فإن أجناس الأعمال ثلاثة: مأمور به. فالواجب هو الفرائض ومنهي عنه وهو المحرم، ومباح له حد فتعديه تعد لحدود الله بل قد تكون الزيادة على بعض الواجبات والمستحبات تعديا لحدود الله. وذلك هو الإسراف كما قال:{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [147/3] .
إذا عرف ذلك فقول القائل: ما مفهوم قول الصديق رضي الله عنه: «ظلمت نفسي ظلما كثيرا» والدعاء بين يدي الله لا يحتمل المجاز، والصديق رضي الله عنه من أئمة التابعين، والرسول صلى الله عليه وسلم أمره بذلك: هل كان له نازلة شبهة؟ إن قال: كان الصديق رضي الله عنه أجل قدرا من أن يكون له ذنوب تكون ظلما كثيرا فإن ذلك ينافي الصديقية. وهذه الشبهة تزول بوجهين:
أحدهما: أن الصديق رضي الله عنه بل والنبي صلى الله عليه وسلم إنما كملت مرتبته وانتهت درجته وتم علو منزلته في نهايته لا في بدايته، وإنما نال ذلك بفعل ما أمر الله به من الأعمال الصالحة وأفضلها التوبة وما وجد قبل التوبة فإنه لم ينقص صاحبه، ولا يتصور أن بشرا يستغني عن التوبة كما في الحديث:«يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة» ، «وإنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة» ، وكذلك قوله:«اللهم اغفر لي خطئي وجهلي وعمدي وكل ذلك عندي» فيه من الاعتراف أعظم ما في دعاء الصديق رضي الله عنه والصديقون رضي الله عنهم تجوز عليهم جميع الذنوب باتفاق الأئمة.
فصل
فما يلفى لأهل المكاشفات والمخاطبات من المؤمنين هو من جنس ما يكون لأهل القياس والرأي فلا بد من عرضه على الكتاب والسنة والإجماع فليس أحد من هؤلاء المشايخ ولا الصديقين معصوما، فكل من ادعى غناءه عن الرسالة بمكاشفة أو مخاطبة أو عصمة سواء ادعى ذلك لنفسه أو لشيخه فهو من أضل الناس.
ومن استدل على ذلك بقصة الخضر فهو من أجهل الناس، فإن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولا كان يجب على الخضر اتباعه، بل قال لموسى:«إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه» ولما سلم عليه قال: «وأَنَّى بأرضك السلام» ؟ قال: أنا موسى. قال موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم» فالخضر عليه السلام لم يعرف موسى عليه السلام حتى عرفه موسى نفسه.
وأما محمد صلى الله عليه وسلم فهو الرسول إلى جميع الخلق. فمن لم يتبعه من جميع من بلغته دعوته كان كافرا ضالا ومن قال له مثل ما قال للخضر فهو كافر.
وأيضا ما فعله الخضر فلم يكن خارجا عن شريعة موسى؛ إذ لما بين له الأسباب أقره على ذلك، فكان قد علم الخضر الأسباب التي أباحت له ذلك الفعل ولم يكن يعلمها موسى كما يدخل الرجل على غيره فيأكل طعامه ويأخذ ماله لعلمه بأنه مأذون له.
وأيضا فإن الخضر إن كان نبيا فليس لغيره أن يتشبه به، وإن لم يكن نبيا وهو قول الجمهور فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما أفضل منه، فإن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما خيارها، وكان حالهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما علم من الطاعة لأمره،
ونحن مأمورون أن نقتدي بهما؛ بل من اعتقد أنه يجوز له أن يخرج عن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم وتصديقه في شيء من أموره الباطنة والظاهرة فإنه يجب استتابته فإن تاب وإلا قتل كائنا من كان.
وأما ما ذكره الحكيم الترمذي في أصناف الرحمة. فلا ريب أن الرحمة أصناف متنوعة كما ذكره.
وليس في الحديث: «رحمة من عندك» وإنما فيه: «فاغفر لي مغفرة من عندك» ولكن مقصوده أن يشبه هذه بقوله: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} [8/3] وقد جعل هذه المغفرة من عنده سبحانه مغفرة مخصوصة ليست مما يبذل للعامة، كما أن الرحمة المخصوصة ليست مما يبذل للعامة.
وهذا الكلام في بعضه نظر. وهو كغيره من المصنفين في كلامه مردود ومقبول. فليس في قوله صلى الله عليه وسلم: «مغفرة من عندك» (1)، ولكن في قول الراسخين في العلم:{وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} [8/3] ونحو ذلك لا يقتضي اختصاص هذا الشخص دون غيره وإلا لما ساغ لغيره أن يدعو بهذا الدعاء وهو خلاف الإجماع أو تفسير اللفظ بما لا يدل عليه.
وقد قال زكريا: {هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} ولم تكن الذرية مختصة به ولا بالأنبياء؛ بل الله يخرج الأنبياء من الكفار إذا شاء ولكن بمشيئته والله أعلم أنه إذا قال: (من عندك) أو (من لدنك) كان مطلوبا بغير فعل العبد.
فإن ما يعطيه الله العبد على وجهين: منه ما يكون بسبب فعله كالرزق الذي يرزقه الله بكسبه والسيئات التي يغفرها الله بالحسنات
(1) كذا بالأصول وصوابه رحمة من عندك.
الماحية، والولد الذي يعطيه الله بالنكاح المعتاد، والعلم الذي يناله بالتعلم.
ومنه ما يعطيه للعبد ولا يحوجه إلى السبب الذي ينال به في غالب الأمور كما أعطى زكريا الولد مع أن امرأته كانت عاقرا وقد بلغ هو من الكبر عتيا، فهذا وهبه له الله من لدنه ليس بالأسباب المعتادة وكذلك الذي علمه الخضر من لدنه لم يكن بالتعلم المعهود، وكذلك الرحمة الموهوبة ولهذا قال:{إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} .
وقوله: «مغفرة من عندك» لم يقل فيه «من لدنك» بل من عندك.
ومن الناس من يفرق بين «لدنك» و «عندك» كما يفرق بين التقديم والتأخير فإن لم يكن بينهما فرق فقد يكون المراد اغفر لي مغفرة من عندك لا أطلبها بأسباب؛ لا أنها من عزائم المغفرة التي يغفر لصاحبها كالحج والجهاد ونحوه؛ بل اغفر لي مغفرة توجبها لي وتجود بها علي بلا عمل يقتضي تلك المغفرة.
ومن المعلوم أن الله قد يغفر الذنوب بالتوبة، وقد يغفرها بالحسنات أو بالمصائب وقد يغفرها بمجرد استغفار العبد وسؤاله أن يغفر له فهذه مغفرة من عنده.
فيقال: الأشياء وجهان: منها ما جعل بسبب من العبد يوفيه عمله. ومنه ما يفعله بدون ذلك السبب فلا حاجة لسؤاله إحسانا إليه. واستعمال لفظ: «من عندك» في هذا المعنى مناسب دون تخصيص لبعض الناس دون بعض فإن قوله: «من عندك» دلالته على الأول أبين؛ ولهذا يقول الرجل لمن يطلب منه: أعطني من عندك لما يطلبه منه بغير سبب؛ بخلاف ما يطلبه من الحقوق التي عليه كالدين والنفقة الواجبة فلا يقال فيه: «من عندك» والله تعالى أعلم.
وإن كان الخلق لا يوجبون عليه شيئا فهو قد كتب على نفسه الرحمة، وحرم الظلم على نفسه وأوجب بوعده ما يجب لمن وعده إياه؛ فهذا قد يصير واجبا بحكم إيجاب وعده؛ بخلاف ما لم يكن كذلك.
استعمال «من عندك» يراد به أن تكون مغفرة تجود بها أنت لا تحوجني فيها إلى خلقك ولا أحتاج إلى أحد يشفع في أو يستغفر لي.
فاستعمال لفظ: «من عندك» في مثل هذا معروف كما في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» فقال: من عندك أم من عند الله تعالى؟ قال: «بل من عند الله» وأخبر أنه تاب عليه من عنده.
وكلا الوجهين في قول مريم عن رزقها: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} فلما كان الرزق لا يأتي به بشر ولم تسع هي السعي المعتاد قالت: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .
فهذه المعاني وما يشبهها هي التي يشهد لها استعمال هذا اللفظ.
وإن قال قائل: وكذلك كلام الحكيم الترمذي أراد به مثل هذا. كان محتملا، وقد قال عمر رضي الله عنه:«احمل كلام أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه» . والله أعلم.
والتوبة والاستغفار قد يكونان من ترك الأفضل والذم والوعيد لا يكونا إلا على ذنب (1) .
وقول الشخص: «اللهم صل على محمد في الأولين» ليس هو مأثورا. والمراد بالأولين من قبل محمد صلى الله عليه وسلم وبالآخرين أمته، قاله الجمهور.
وقيل: الأولين والآخرين أمته. والأول أصح.
(1) مختصر الفتاوى ص103-116 ف2/63.
وقيل ذلك في قوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ} [13، 14/56] . ولفظ: «الأول» إضافي فلا شخص إلا وقبله أول، وبعده آخر.
وقوله: «اللهم صل على سيدنا محمد في الأولين» إن أراد بهم من قبل محمد أو من قبل المصلي فمحتمل، لكن المراد به: صل عليه في الأولين، وإن كانوا ماتوا فالمراد أزواجهم؛ فإنهن موجودات. أو صل عليه في الموجودين فهذا محمل حسن، وفي الآخرين أي فيمن يوجد من المتأخرين.
وقد يكون المراد صل عليه فيمن يصلى عليهم من الأولين والآخرين والملأ الأعلى: أي صل عليه في كل طائفة صليت عليها فهو معنى صحيح (1) .
وسألت شيخ الإسلام عن معنى النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» كيف يطهر الخطايا بذلك؟ وما فائدة التخصيص بذلك؟ وقوله في لفظ آخر: «والماء البارد» والحار أبلغ في الإنقاء.
فقال: الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا فيرتخي القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه؛ فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها، ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب وضعفه، والماء يغسل الخبث، ويطفي النار؛ فإن كان باردا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته، فكان أذهب لأثر الخطايا هذا معنى كلامه (2) .
(1) مختصر الفتاوى ص178 وللفهارس العامة جـ1/391.
(2)
إغاثة اللهفان جـ1/57 وللفهارس العامة جـ1/391.
«إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» الحديث. قال ابن القيم رحمه الله:
قال شيخ الإسلام: لما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد، ولا تقبل النيابة بحال أفرد الشهادة بها. ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار يقبل ذلك فيستغفر الرجل لغيره ويستعين الله له ويستعيذ بالله له أتى فيها بلفظ الجمع، ولهذا يقول: اللهم أعنا، وأعذنا، واغفر لنا. قال ذلك في حديث ابن مسعود (1) .
قال الشيخ تقي الدين: «قاعدة عامة في الأعمال» ، وذلك أنها قد تشتبه دائما في الظاهر مع افتراقها في الحقيقة والباطن، حتى تكون صورة الخير والشر واحدة؛ وإنما المفرق بينهما الباطن، فيفضي ذلك إلى فعل ما هو شر باعتبار الباطن مع ظن الفاعل أو غيره أنه خير، وإلى ترك ما هو خير مع ظن التارك أو غيره أنه ترك شرا، إلا من عصمه الله تعالى بالهداية وحسن النية. وأكثر ما يبتلى الناس بذلك عند الشهوات والشبهات.
وهذا الأصل هو مذهب أهل السنة وجماهير المسلمين أن الفعل الواحد بالنوع ينقسم إلى طاعة ومعصية، وإن اختلفوا في الواحد بالشخص هل تجتمع فيه الجهتان؟ وخالف أبو هاشم في الواحد بالنوع أيضا واتفق الناس على أن النوع الواحد من الحيوان كالآدمي ينقسم إلى مطيع وعاص. واختلفوا في الشخص الواحد هل يجتمع فيه استحقاق
(1) تهذيب السنن جـ3/54 وللفهارس العامة والتقريب ص397.
الثواب والعقاب والمدح والذم، فذهب أهل السنة المانعون من تخليد أهل الكبائر لجواز ذلك، وأباه المخلدة.
وأنا أذكر لك أمثالا يتفطن لها اللبيب حتى تتحقق النية في العمل، فإنها هي الفارقة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنما الأعمال بالنيات» فإن هذه كلمة جامعة عظيمة القدر؛ فمن الأمثلة الظاهرة في الأعمال: أن الصلاة والصدقة والجهاد والحكم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك الصادر من المرائي الذي يريد العلو في الأرض ورياء الناس، ومن المخلص الذي يريد وجه الله والدار الآخرة.
ومن الأمثلة في الترك: أن التقوى والورع الذي هو ترك المحرمات والشبهات من الكذب والظلم وفروع ذلك في الدماء والأموال والأعراض تشتبه بالجبن والبخل والكبر فقد يترك الرجل شهادة الحق الواجب إظهارها ما يظن أنه يتركه خوفا من الكذب، وإنما تركه جنبا عن الحق؛ ويترك الجهاد وإقامة الحدود ظنا أنه تركه ورعا من الظلم إذا كان المحسن إليه يخاف منه الظلم، وإنما تركه بخلا إذا لم يكن في نفس ذلك إعانة على الظلم. وقد يترك قضاء الحقوق الشرعية من الابتداء بالسلام وعيادة المريض وشهود الجنائز والتواضع في الأخلاق وتحمل الشهادة وأدائها وغير ذلك ظنا منه أنه تركه لئلا يفضي إلى مخالطة الظلمة والخونة والكذبة وإنما تركه كبرا وترأسا عليهم، كما أنه يفعل ذلك ظنا أنه فعله لأجل الحقوق الشرعية ومكارم الأخلاق وإنما فعله رغبة إليهم حرصا أو طمعا أو رهبة منهم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ثم قسم الهجرة الواحدة بالنوع إلى قسمين- من أجل حديث على وجه الأرض (1) .
(1) الآداب جـ1/299 وللفهارس العامة جـ1/403 وكلامه على هذا الحديث أشمل من كل ما هو موجود في مجموع الفتاوى.
«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» .
وسئل شيخنا عن هذا الخبر مرفوعا؟ قال: لا يصح؛ وإنما يذكره بعض من صنف في الرقاق، وذكره البغوي مرفوعا في قوله:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} ولابن ماجه من رواية إبراهيم بن [أبي] يحيى وهو ضعيف عن موسى بن وردان عن أبي هريرة مرفوعًا: «من مات مريضا مات شهيدا» (1) .
قال شيخنا: إسناده جيد (2) .
فصل
في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي قال في آخره عن الله تعالى: «قد غفرت لعبدي فليعمل ما يشاء» هذا الحديث لم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم عاما في كل ذنب من كل من أذنب وتاب وعاد؛ وإنما ذكره حكاية حال عن عبد كان منه ذلك؛ فأفاد أن العبد قد يعمل من الحسنات العظيمة ما يوجب غفران ما تأخر من ذنوبه، وإن غفر له بأسباب أخر.
وهذا مثل حديث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه الذي قال فيه لعمر: «وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وما جاء أن غلام حاطب شكاه فقال: والله يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال:«كذبت، إنه شهد بدرا والحديبية» .
ففي هذه الأحاديث بيان أن المؤمن قد يعمل من الحسنات ما يغفر
(1) الفروع جـ4/461 وللفهارس العامة جـ1/422.
(2)
مختصر الفتاوى المصرية ص 208-262 وللفهارس العامة جـ1/428.
له بها ما تأخر من ذنبه، وإن غفر بأسباب غيرها. ويدل على أنه يموت مؤمنا، ويكون من أهل الجنة وإذا وقع منه ذنب يتوب الله عليه كما تاب على بعض البدريين كقدامة بن عبد الله رضي الله عنه لما شرب الخمر متأولا واستتابه عمر رضي الله عنه وأصحابه رضي الله عنهم وجلدوه، وطهر بالحد والتوبة، وإن كان ممن قيل لهم:«اعملوا ما شئتم» .
ومغفرة الله لعبده لا تنافي أن تكون المغفرة بأسبابها، ولا تمنع أن تصدر منه توبة إذ مغفرة الله لعبده مقتضاها ألا يعذبه بعد الموت، وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه فإذا علم من العبد أنه سيتوب أو يعمل حسنات ماحية غفر له في نفس الأمر، إذ لا فرق بين من يحكم له بالمغفرة أو بدخوله الجنة.
ومعلوم أن بشارته صلى الله عليه وسلم بالجنة إنما هي لعلمه بما يموت عليه المبشر ولا يمنع أن يعمل سببها.
وعلم الله بالأشياء وآثارها لا ينافي ما علقها عليه من الأسباب، كما أخبر أن:«ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو النار» ، ومع ذلك قال:«اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ولأن من أخبره أنه ينتصر على عدوه لا يمنع أن يأخذ أسبابه ولا من أخبره أنه يكون له ولد لا يمنع أن يتزوج أو يتسرى. وكذا من أخبره بالمغفرة أو الجنة لا يمنع أن يأخذ بسبب ذلك مريدا للآخرة وساعيا لها سعيها.
ومن ذلك الدعاء المذكور في آخر سورة البقرة فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد فعلت» ومع ذلك فمن المشروع لنا أن ندعوه.
ومنه قوله تعالى لنبيه سنة ست من الهجرة: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [2/48] ومع هذا فما زال صلى الله عليه وسلم يستغفر ربه بقية عمره؛ وأنزل عليه في آخر عمره سورة النصر: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [3/110] وكان يتأول ذلك في ركوعه وسجوده: أي يمتثل ما أمره به ربه.
فإذا كان سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم يستغفر ربه كيف لا يستغفر غيره ويتوب؟ وإن قيل له ذلك أبى وأخذته العزة.
ولهذا ما زال سبحانه يخاطب أهل بدر وبيعة الرضوان بالأمر والنهي والوعد والوعيد ويذكر أنه يتوب عليهم كما قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [117/9] وقد نزلت بعد عام الحديبية بثلاث سنين.
وقد كان من شأن «مسطح» الذي كان يصله أبو بكر لرحمه ما كان وهو من أهل بدر رضي الله عنهم وعده الله في قوله: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} [11/24]، قوله:{وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [15/24]، وقوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [23/24]، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جلدهم. فقد وقع هذا البدري رضي الله عنه المغفور له في هذا الإفك العظيم؛ لكن تاب منه بلا ريب. فتبين أن قوله:«قد غفرت لكم» ، لا يمنع أن يعملوا بعد ذلك ذنوبا ويتوبون منها؛ بل لا بد أن يكون لئلا يتكلوا على الأخبار فقط بل لا بد من فعل السبب من التوبة والحسنات الماحية المتقدمة، أو غير ذلك من الأسباب كالمصائب في الدنيا أو في البرزخ أو عرصات القيامة أو يرحمهم.
وهذه الأسباب يشترك فيها من علم أنه قد غفر له ومن لم يعلم لكن قد علم أن الله يغفر للتائب ويدخله الجنة.
وأما الجاهل بحاله فلا يدري حاله عند الله فعلمه بأن الله يغفر الذنب ويأخذ به وإيمانه العظيم الذي في قلبه بذلك أفاده أنه صار عند الله ممن يغفر له لا محالة، فلا بد له من الأسباب فإنه لابد أن يدوم على الإيمان، ودوامه على الإيمان من أعظم الحسنات الماحية وأن يصلي ويتوب ويستغفر، ونحو ذلك من موجبات المغفرة.
ومن كرر التوبة مرات واسترسل في الذنوب وتعلق بهذا الحديث كان مخدوعا مغرورا من وجهين:
أحدها: ظنه أن الحديث عام في حق كل تائب وإنما هو حكاية حال فيدل على أن من عباد الله من هو كذلك.
والثاني: أن هذا لا يقتضي أن يغفر له بدون أسباب المغفرة كما قدمنا.
ومن كرر التوبة المذكورة والعود للذنب لا يجزم له أنه قد دخل في معنى هذا الحديث، وأنه قد يعمل بعد ذلك ما شاء لا يرجى له أن يكون من أهل الوعد، ولا يجزم لمعين بهذا الحكم، كما لا يجزم في حق معين بالوعيد كسائر نصوص الوعد والوعيد فإن هذا كقوله: من فعل كذا دخل الجنة ومن فعل كذا دخل النار، لا يجزم لمعين لكن يرجى للمحسن، ويخاف المسيء.
ومن هذا الباب حديث البطاقة التي قدر الكف فيها التوحيد وضعت في الميزان فرجحت على تلك السجلات من السيئات.
وليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المنزلة لأن هذا العبد صاحب البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أوجب أن عظم قدره حتى صار راجحا على هذه السيئات.
ومن أجل ذلك صار المد من الصحابة رضي الله عنهم أفضل من مثل جبل أحد ذهبا من غيرهم.
ومن ذلك حديث البغيّ التي سقت كلبا فغفر لها؛ فلا يقال في كل بغي سقت كلبا غفر لها؛ لأن هذه البغي قد حصل لها من الصدق والإخلاص والرحمة بخلق الله ما عادل إثم البغي وزاد عليه ما أوجب المغفرة والمغفرة تحصل بما يحصل في القلب من الإيمان الذي يعلم الله وحده مقداره وصفته.
وهذا يفتح باب العمل، ويجتهد به العبد أن يأتي بهذه الأعمال وأمثالها من موجبات الرحمة وعزائم المغفرة ويكون مع ذلك بين الخوف والرجاء كما قال تعالى:{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [60/23] .
ولهذا استثنى ابن مسعود وغيره في الإيمان فكان يقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله فإن الإيمان المطلق الكامل يقتضي أداء الواجب، وأحدهم لا يعلم بيقين أنه أدى كل الواجب كما أمر. ولئن أدوا فهو فضل من الله ورحمة، فلهذا استثنوا فيه. واستثنوا في الصلاة وغيرها؛ لأنه لا يجزم بأنه أتى بها على وجهها، فيأتي بما أتى به من الخير وقلبه وجل.
وإن كان للاستثناء وجه آخر وهو خوف الخاتمة، وأن المؤمن المطلق هو أنه من علم الله أنه يموت على الإيمان الكامل.
ووجه ثالث وهو التبرك بمشيئة الله.
ومثل هذا الحديث يفيد فائدتين عظيمتين.
إحداهما: أن يعمل الإنسان مثل هذا العمل مجتهدا في تقوى الله تعالى حين يثيبه بمثل هذا الجزاء.
الثانية: أنه إذا رأى غيره من المؤمنين له من الذنوب ما يمكن أن يكون له معها مثل هذه الحسنة التي يكون صاحبها مغفورا له لم يشهد له بالنار ولم يعامله بما يعامل به أهل الكبائر؛ بل يرجو أن يرحمه الله؛ بل قد
يكون من أولياء الله فإن من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا فلا يحكم على أحد معين من أهل القبلة أنه من أهل النار ولو قتل نفسه، إلا أن يكون له علم يقين كالذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار لقتله نفسه بالمشقص، وعبد الله بن أبي بن سلول، وإبليس والله أعلم (1) .
«من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية له ولا قصاص» .
قال ابن القيم رحمه الله بعد كلام سبق: وكذلك من اطلع في بيت قوم من ثقب أو شق في الباب بغير إذنهم فنظر حريمه أو عورة فلهم حذفه وطعنه في عينه، فإن انقلعت عينه فلا ضمان عليهم، وساق الأحاديث ثم قال:
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: هذا ليس من باب دفع الصائل بل من باب عقوبة المعتدي المؤذي (2) .
«لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب» (3) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي هريرة: «لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط، وأما الجنة فينشئ الله خلقا آخر» فانقلب على بعض الرواة فقال: «وأما النار فينشئ الله لها خلقا آخرين» (4) .
تم بعون الله تعالى
المجلد الأول ويليه المجلد الثاني أصول الفقه
(1) مختصر الفتاوى المصرية ص258-262.
(2)
زاد المعاد جـ4/112 وللفهارس العامة جـ1/438.
(3)
تقدم في أصول التفسير.
(4)
زاد المعاد جـ1/120 وللفهارس العامة جـ1/460.