المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

المقدمة عندما شرعت في قراءة كتاب " المستشرقون الناطقون باللغة - المستشرقون والتنصير

[علي بن إبراهيم الحمد النملة]

الفصل: المقدمة عندما شرعت في قراءة كتاب " المستشرقون الناطقون باللغة

المقدمة عندما شرعت في قراءة كتاب " المستشرقون الناطقون باللغة الإنجليزية دراسة نقدية " لعبد اللطيف الطيباوي، وجدت الكاتب قد ركز على " الخلفية الدينية " لكثير من المستشرقين البريطانيين الذين ناقشهم في مقالته التي ترجمت إلى اللغة العربية ونشرت أكثر من مرة.

وكنت قد بدأت البحث عن الصلة بين الاستشراق والتنصير في مقالة نشرت في إحدى الدوريات العلمية، وضمنتها كتاب الاستشراق في الأدبيات العربية، ففتح لي بحث الطيباوي التوسع في هذا المجال ومحاولة التعرف على المستشرقين المنصرين، أو الذين خدموا التنصير بوجه من الوجوه.

ويظهر التردد الواضح في إيجاد الصلة، لا سيما إذا كان يراد التعميم في هذه الصلة أو الرابطة والعلاقة، أو تأكيد ذلك التوجه الذي يرفض الاستشراق جملة وتفصيلا، ويسعى في سبيل تأييد هذا الرفض إلى إيجاد المسوغات التي قد تتسم بالتعسف أحيانا لإظهار مقاصد الاستشراق بالمظهر الذي يريد الوصول إلى التشكيك في الاستشراق تعميما.

وهذا ليس دفاعا عن الاسشراق، ولا يسعى هذا البحث إلى ذلك، فللمستشرقون من دافع عنهم، ومن لا يزال يدافع عنهم من بينهم ومن المتأثرين بهم، وبما قدموه للثقافة العربية من جهد. وإنما القصد من هذه المقدمة محاولة النظر إلى ظاهرة الاستشراق بارتباطاتها المتعددة نظرة

ص: 7

موضوعية قائمة على البحث العلمي المتجرد من سيطرة الهوى والعاطفة الزائدة عن المطلوب.

وأؤكد أن الهوى بارز في دراساتنا العربية الإسلامية عن الاستشراق، وكذا العاطفة، ولن نستطيع أن نكون من الموضوعية والتجرد التام، بحيث نغفل انتماءنا إلى هذه الثقافة التي نجادل المستشرقين حولها، ونحاورهم فيها، ولكننا نسعى ألا يسيطر علينا الهوى، ولا تجيش بنا العاطفة إلى الدرجة التي تؤدي بنا إلى أن نغفل الموضوعية والتجرد، مما يؤدي في النهاية إلى رفض الطرح القائم على هذه المنهجية، ويكون أثرا في التوجه إلى المستشرقين، وقبول ما جاءوا به.

ومسألة ارتباط الاستشراق بالتنصير مسألة مسلم بها من المستشرقين أنفسهم، قبل التسليم بها من الدارسين للاستشراق من العرب والمسلمين، ولكن من غير المسلم به ربط الاستشراق كله بالتنصير، وربط التنصير كله بالاستشراق، إذ إن هناك استشراقا لم يتكئ على التنصير، كما أن هناك تنصيرا لم يستفد من الاستشراق. وتتحقق هذه النظرة إذا ما تعمقنا في دراسة الاستشراق من حيث مناهجه وطوائفه وفئاته ومدارسه ومنطلقاته، وأهدافه.

وقد أثارت مقالة " عبد اللطيف الطيباوي " فكرة التوسع في دراسة العلاقة بين التنصير والاستشراق، بعد أن كاد الموضوع يترك لما هناك من التوجه

ص: 8

في " نسيان الماضي "، والتعامل مع الاستشراق من منطلقات علمية موضوعية معاصرة لا تربط بين ماضي الاستشراق وحاضره، ولكن هذه المقالة قد أكدت من جديد أنه يتعذر انفكاك حاضر الاستشراق عن ماضيه، على الرغم من محاولات التخفيف من الارتباطات التي كانت بينة من قبل، بحجة أن الحاضر الاستشراقي ليس بالضرورة امتدادا للماضي، بل إنه لا يأخذ من الماضي إلا الاسم، والاسم الآن في طور التغيير عندما يلجأ بعض المستشرقين المعاصرين إلى البراءة من المصطلح " الاستشراق " إلى " الاستعراب " أو " الشرق - أوسطية " أو " علم الإسلاميات "، فيكون المشتغل بالاستشراق، كما خبرناه سلفا، ليس مستشرقا، وإنما هو إما مستعرب، أو شرق - أوسطي، أو عالم من علماء الإسلاميات، أي العلوم الإسلامية.

وعلى أي حال فإن الارتباط الثقافي بين الاستشراق والتنصير لا يزال قائما، وسيظل كذلك، مهما جرت المحاولات لفك هذا الارتباط، إذ لا يزال هناك مستشرقون منصرون، وسيظل هناك منصرون مستشرقون. بل إني أرى أنه ما دام هناك تنصير فهناك استشراق، ذلك أني أرى أن المنصر، لاسيما في البلاد الإسلامية، مضطر إلى دراسة المجتمع المستهدف للتنصير، وبالتالي فإنه مضطر إلى الرجوع إلى النتاج الاستشراقي في الدراسة والتعرف على هذه المجتمعات، ويتبع هذا إمكانية كتابته هو عن هذا المجتمع أو ذاك من وجهة نظره وانطباعاته، إما على شكل تقارير ترفع للمعنيين بالتنصير، أو على شكل مقالات في الدوريات التنصيرية، أو على

ص: 9

شكل كتب مستقلة تبين تجربة المنصر، ويضمنها توصياته وآراءه لزملائه في المهمة. وكل هذا النتاج يدخل في مفهوم الاستشراق، مادام يعالج مجتمعا مسلما من شخص لا ينتمي إليه.

كما أن المصطلح " الاستشراق " سيظل هو المستخدم إلى حين، رغم مزاحمة المصطلحات الجديدة له، ذلك أن ما أنتج على مدى القرون الماضية من دراسات وبحوث وآراء ونظريات تحت اسم الاستشراق لا يتوقع له أن يزول لمجرد أن هناك محاولات معاصرة للانسلاخ من المصطلح والدخول في مصطلح جديد، بل في مصطلحات جديدة، هي لا تعدو أن تكون تغييرا طفيفا على الاسم بينما المسمى باق بكل ما يحمله من دلالات.

ص: 10