المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب السابع عشرفي فضل الشام وما ورد في ذلك من الآيات والآثار والأخبار وسبب تسميتها بالشام وذكر حدودها، وما ورد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم على مكانها وما تكفل الله تعالى لها - إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى - جـ ٢

[المنهاجي الأسيوطي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب العاشرفي ذكر من دخل بيت المقدس من الأنبياء الكرام وأعيان الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين-، ومن غيرهم ومن توفي منهم ودفن فيه وإجماع الطوائف كلها على تعظيمه ما خلا السامرة

- ‌آدم عليه السلام:

- ‌ نوح عليه السلام

- ‌يعقوب عليه السلام وهو إسرائيل:

- ‌يوسف الصديق عليه السلام:

- ‌موسى بن عمران عليه السلام:

- ‌يوشع بن نون عليه السلام:

- ‌داود عليه السلام:

- ‌سليمان بن داود عليهما السلام:

- ‌شعيبا عليه السلام:

- ‌أرميا عليه السلام:

- ‌زكريا عليه السلام:

- ‌عيسى عليه السلام

- ‌الخضر عليه السلام

- ‌مريم الصديقة عليها السلام:

- ‌المهدي الذي يكون في آخر الزمان:

- ‌عمر بن الخطاب رضي الله عنه

- ‌وأبو عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه

- ‌وسعد بن أبي الزهري من بني زهرة رضي الله عنه

- ‌أبو الدرداء عويمر رضي الله عنه، وسعيد بن أبي زيد بن عمر بن نفيل

- ‌وعبد اللَّه بن عمر

- ‌وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص السهيمي وأبوه وأخوه عبيد اللَّه

- ‌ومعاذ بن جبل رضي الله عنه

- ‌وأبو ذر الغفاري رضي الله عنه

- ‌وسلمان الفارسي رضي الله عنه

- ‌خالد بن الوليد رضي الله عنه

- ‌وعمرو بن العاص السهمي:

- ‌وعياض بن تميم رضي الله عنه

- ‌وعبد اللَّه بن سلام أبو الحارث الإمام الحبر الإسرائيلي

- ‌يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب:

- ‌وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر

- ‌وأبو مسعود الأنصاري:

- ‌وأبو جمعة الأنصاري:

- ‌ومرة بن كعب قال:

- ‌وعبادة بن الصامت:

- ‌وشداد بن أوس

- ‌وأبو ريحانة

- ‌والشريد بن سريد

- ‌وابن الجدعاء

- ‌وذو الأصابع التميمي

- ‌وأبو محمد النجاري

- ‌ومحمود بن ربيع أبو نعيم:

- ‌وسلام بن قيصر:

- ‌وصفية بنت حيي

- ‌وعصيف بن الحارث:

- ‌كعب الأحبار بن ماتع الحميري

- ‌وأبو نعيم المؤذن

- ‌وأبو الزبير المؤذن الدارقطني

- ‌وأبو سلام الحبشي

- ‌وأبو جعفر الحرسي:

- ‌وخالد بن معوان الكلاعي

- ‌وعبد الرحمن بن تميم الأشعري

- ‌وأبو العوام مؤذن بيت المقدس

- ‌وعبد الملك بن مروان

- ‌وعمر بن عبد العزيز

- ‌ومحارب بن دثار السدوسي

- ‌وإبراهيم بن أبي عبلة:

- ‌وعبد اللَّه بن فيروز

- ‌ومحمد بن واسع

- ‌ومالك بن دينار

- ‌والوليد بن عبد الملك بن مروان

- ‌وسليمان بن عبد الملك

- ‌وزياد بن أبي سودة مقدسي

- ‌ورابعة بنت إسماعيل العدوية

- ‌مقاتل بن سليمان المفسر

- ‌وإبراهيم بن محمد بن يوسف الغرياني

- ‌وسفيان الثوري

- ‌وإبراهيم بن أدهم أبو إسحاق

- ‌وبقية بن الوليد

- ‌والليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي

- ‌وأبو جعفر المنصور

- ‌والمهدي بن المنصور

- ‌ووكيع بن الجراح

- ‌والإمام محمد بن إدريس رضي الله عنه

- ‌والمؤمل بن إسماعيل البصري

- ‌وذو النون المصري

- ‌وصالح بن يوسف أبو شعيب

- ‌وبشر بن الحارث الحافي

- ‌وعبد اللَّه بن عامر العامري

- ‌وأبو عبد اللَّه محمد بن محمد حفيف

- ‌رقثم الزاهد

- ‌وأبو الحسن على بن محمد الجلال البغداي

- ‌والإمام الحافظ أبو الفضل على بن أحمد بن محمد بن طاهر المقدسي

- ‌والإمام محمد الطرطوشي الأندلسي

- ‌والإمام أبو حامد محمد الغزالي

- ‌وأبو الغنائم محمد بن على بن ميمون

- ‌وأبو عبد اللَّه محمد الديباجي

- ‌ومحمد بن حاتم بن محمد بن عبد الرحمن الطائي

- ‌وأبو محمد عبد اللَّه بن الوليد بن سعد

- ‌وأبو بكر محمد بن أبي بكر الجرجاني

- ‌وأبو الحسن علي بن محمد المعافري

- ‌وأبو سعد بن عبد الكريم بن محمد بن منصور بن السمعاني

- ‌الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب

- ‌والشيخ الزاهد أبو عبد اللَّه القدسي محمد بن أحمد بن إبراهيم

- ‌الباب الحادي عشرفي فضل سيدنا الخليل عليه الصلاة والسلام وفضل زيارته وذكر مولده وقصته عند إلقائه في النار وذكر ضيافته وكرمه وذكر معنى الخلة واختصاصه بها، وذكر ختانه وتسروله وشيبه ورأفته جهذه الأمة وأخلاقه الكريمة وسنته المرضية التي لم تكن لأحد من

- ‌الباب الثاني عشرفي ذكر ابتلائه صلى الله عليه وسلم بذبح ولده ومن هو الذبيح، وعُمْر إسحاق عليه السلام، وكم كان عمر أبيه، وأمه حين ولد، وكرامة سارة، والخلاف المذكور في نبوتها ونبوة غيرها من النساء، وقصة يعقوب عليه السلام، وعمره وشيء من قصة ولده

- ‌الباب الثالث عشرفي ذكر المغارة التي دفن فيها الخليل هو وأبناؤه الأكرمون وذكر شرائها من مالك ذلك الموضع، وهو عفرون، وأول من دفن في تلك المغارة وذكر علامات القبور التي بها

- ‌الباب الرابع عشرفي ذكر مولد إسماعيل عليه السلام ونقله إلى مكة المشرفة وركوب سيدنا الخليل صلى الله عليه وسلم البراق لزيارته وزيارة أمه هاجر وموتها ومدفنها وعمر إسماعيل عليه السلام ومدفنه

- ‌الباب الخامس عشرفي قصة لوط عليه السلام وموضع قبره، وذكر مسجد اليقين والمغارة التي في شرقيه

- ‌الباب السادس عشرفي ذكر موسى بن عمران عليه السلام وصفته التي وصفه بها النبي صلى الله عليه وسلم ورأفته بهذه الأمة وشفقته عليهم وذكر شيء من معجزاته وذكر السبب في تسميته موسى

- ‌الباب السابع عشرفي فضل الشام وما ورد في ذلك من الآيات والآثار والأخبار وسبب تسميتها بالشام وذكر حدودها، وما ورد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم على مكانها وما تكفل اللَّه تعالى لها

- ‌خاتمةفي فضل مواضع مخصوصة بالشام

الفصل: ‌الباب السابع عشرفي فضل الشام وما ورد في ذلك من الآيات والآثار والأخبار وسبب تسميتها بالشام وذكر حدودها، وما ورد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم على مكانها وما تكفل الله تعالى لها

‌الباب السابع عشر

في فضل الشام وما ورد في ذلك من الآيات والآثار والأخبار وسبب تسميتها بالشام وذكر حدودها، وما ورد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم على مكانها وما تكفل اللَّه تعالى لها

، وأنها غصن دار المؤمنين، وعمود الإِسلام بها، وأن الشام صفوة اللَّه من بلاده يسكنها خيرته من عباده. ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لها بالبركة، وذكر بناء مسجد دمشق وعمارته، ومبدأ أمره وما بها من المساجد والمشاهد المقصودة بالزيارة المعروفة بإجابة الدعوات والتنبيه عليها، وما في معناها أما الفضل فقد تقدم في الباب الأول من الآيات الورادة في فضل الأرض المقدسة ما يغنى عن الإعادة ههنا فليراجع منه، وفي ترغيب أهل الإِسلام عقب الكلام على قوله تعالى:{وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50]، قال عبد اللَّه بن سلام هي دمشق، وقال ابن عباس رضي الله عنه هي بيت المقدس وروى أبو أمامة الباهلي رضي اللَّه تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أتدرون أين هي يعني إلى الربوة قال اللَّه ورسوله أعلم. قال: هي بالشام بأرض يقال

لها الغوطة مدينة يقال لها دمشق هي آخر مدائن الشام" وكذا قال ابن عباس، وعبد اللَّه بن سلام، وسعيد بن المسيب والحسن البصري.

ص: 131

وقوله عن معمر عن قتادة في تفسير قوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف: 137] قال: هي مشارق الشام ومغاربه، وفيه عن قتادة أيضًا في قوله تعالى:{وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [يونس: 93]، الصدق يعبر به عن الحسن استعارة، ويجوز في قوله تعالى:{فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} [القمر: 54] أي في مقعد حسن وقد يكون المبوأ حسنا لما فيه من البركات الدينية والخيرات، وذلك موجود وافر بالشام، وبيت المقدس أو يكون حسن لبركاته العاجلة بسعة الرزق والثمار والأشجار، قال صاحب مثير الغرام إن معنى قوله تعالى: مشارق الأرض ومغاربها تأويله جهات شرقها أرض الشام وجهات غربها أرض مصر واختلف المفسرون في الأرض المقدسة، فقال مجاهد الطور وما حوله، وقال الضحاك إليا وبيت المقدس، وقال ابن عباس، وعكرمة، والسدي أريحا، وقال الكلبي: دمشق، وفلسطين، وبعض الأردن، وقال قتادة: الشام كلها، ومجموع هذه الأقوال لا يخرج الأرض المقدسة عن الشام.

أما تسميتها بالشام قال: اللغويون: اسم بلاد تذكر وتؤنث يقال شام وشأم وسميت شأما لأنها عن شمال الكعبة، كما سمي كل ما عن يمين الكعبة من بلاد الغور يمنًا، وقيل سميت بذلك لأن أصحاب نوح عليه السلام لما خرجوا من السفينة فمنهم من أخذ نحو يمين الكعبة ومنهم من أخذ نحو يسارها فسمي الموضع باسم الجهة المأخوذ منها، فقيل يمن وشأم، وقيل: سمي بذلك لجبال هناك بيض وسود كأنها شامات، وقيل سميت باسم سام بن نوح: لأنه أول من نزل بها فتطيرت العرب من سكناها وكرهت أن تقول سام لأنه اسم الموت، فقالت شام، وقيل: لكثرة قراها

وتداني بعضها من بعض فسميت بالشامات، وقيل لأن قومًا من بني كنعان بن حام خرجوا عند تفرقهم فتشاموا إليها، أي أخذوا ذات الشمال فسميت بذلك شامًا، وأما حدودها من الغرب البحر المالح

ص: 132

وعلى ساحله عدة مدائن ومن الجنوب، رمل مصر، والعريش ثم تيه بني إسرائيل وطور سيناء، ثم تبوك ثم دومة الجندل ومن الشرق برية السماوة وهي كبيرة ممتدة إلى العراق ينزلها عرب الشام، ومن الشمال ما يلي الشرق أيضًا الفرات إلى بلاد الجزيرة ومسافة طوله من العريش إلى الفرات عشرون يومًا أو أكثر، وقال في كتاب المسالك والممالك: خمسة وعشرون يومًا وعدة كل مسافة ما بين كل بلدين، وأما عرضه فيزيد على ذلك وينقص أكثره ثماينة أيام، وأقله ثلاثة أيام وهذا التحديد ذكره مؤرخ الشام الحافظ شمس الدين الذهبي في كتاب البلدان له، وحكاه صاحب كتاب مثير الغرام، وروى صاحب كتاب الإنس بسنده إلى حاتم بن حيان البسني أنه قال: أول الشام نابلس وآخره عريش مصر ذكره في آخر باب فضل الشام وأهله، وقال في مثير الغرام قسم الأوائل: الشام خمسة أقسام:

الأول: فلسطين سمي بذلك لأن أول من نزلها فلسطنى بكسر الفاء وفتح اللام ابن كوسجين بن مغطى بن يونان بن يافث بن نوح، وأول حدودها من طريق مصر رفح وهي العريش، ثم يليها غزة ثم الرملة فلسطين، ومن

ص: 133

مدن فلسطين إيليا وهي بيت المقدس بينها وبين الرملة ثمانية عشر ميلا، وكانت بيت المقدس دار ملك داود وسليمان عليهما السلام وعسقلان ومدينة الخليل عليه السلام رملة ونابلس، وقال في كتاب المسالك والممالك، ومسافة فلسطين للراكب طولا يومان من رفح، إلى حد اللجون، وعرضا من يافا إلى أريحا كذلك.

الثاني: حوران مدينتها العظمى طبرية ولبحيرتها ذكر في حديث يأجوج

ومأجوج وقع في الشفاء للقاضي عياض رحمه الله أن قال: في وقت ولادته صلى الله عليه وسلم غاضت بحيرة طبرية وإنما هي بحيرة ساوه، ومن مدنها الغور واليرموك وبيسان فيما بين فلسطين والأردن وبيسان هذه التي سأل الرجال عن نخلها، والأردن بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال وتشديد النون هو النهر المعروف بالشريعة المذكور في قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} [البقرة: 249].

الثالث: الغوطة ولها ذكر في آثار عديدة ومدينتها دمشق بكسر الدال وفتح الميم، وفي لغة ضعيفة كسر الميم قيل هي ذات العماد، وقيل كانت دار نوح عليه السلام، ومن سواحلها طرابلس وفي كتاب الأربعين البلدانية للحافظ أبي القاسم علي بن هبة اللَّه بن عساكر: أن دمشق أم الشام وأكبر بلدانها وهي من الأرض المقدسة.

ص: 134

الرابع: حمص قيل لا يدخلها حية ولا عقرب وقال قتادة: نزلها خمسمائة صحابي ومن أعمالها مدينة سلمية.

الخامس: قنسرين ومدينتها العظمى حلب ومن أعمالها مدينة سرمين وأنطاكية ويقال إن بها قبر حبيب النجار.

وذكروا لكل قسم من هذه الأقسام الخمسة بلاد ومعاملات، وفي بعض الأجزاء اتفق العلماء على أن الشام أفضل البقاع بعد مكة والمدينة، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله في تأليفه ترغيب أهل الإسلام في سكن الشام، وبعد فأحمد اللَّه تعالى على أن حبب إلينا الإيمان وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وجعلنا من أهل الشام الذي بارك فيه للعالمين وأسكنه الأنبياء والمرسلين والأولياء المخلصين، وخصه بملائكته المقربين وجعله في كفالة رب العالمين وجعل أهله على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم

ص: 135

إلى يوم الدين، وجعله معقل المؤمنين، وملجأ اللاجئين سيما دمشق

الموصوفة في القرآن المبين بأنها ذات قرار ومعين، كذا روى عن سيد المرسلين وجماعة من المفسرين وبها ينزل عيسى ابن مريم لإعزاز الدين ونصر الموحدين، وقتل الكافرين وبغوطها تمتد الملاحم فسطاط المسلمين، ثم قال: وقد وفر اللَّه سبحانه خط دمشق بما أجراه فيها من الأنهار وسلسلة من مياهها خلال المنازل والديار وأنبته بظاهرها من الحبوب والثمار والأزهار، وجعلها موطنًا لعبادة الأخيار وساق إليها صفوته من الأبرار وما ذكره علماء السلف في تفسير آي كتابه العزيز المختار وما ورد في حب النبي صلى الله عليه وسلم على سكناها وما تكفل به لها ولأهلها إلى غير ذلك من الأخبار والآثار، فمنه ما رواه الحافظ ابن عساكر بسنده إلى إدريس الخولاني، عن عبد اللَّه بن جوالة الأزدي، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال:(ستجدون أجنادًا، أو قال: جندًا بالشام، وجندا بالعراق وجندا باليمن، فقال الخولاني خبرني يا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: عليكم بالشام فمن أبي فليلحق بيمنه وليبق من عذره فإن اللَّه قد تكفل لي بالشام وأهله) فكان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث، التفت إلى ابن عامر، وقال: من تكفل اللَّه به فلا ضيعة عليه، وروى صاحب كتاب الأنس بسنده، إلى عبد اللَّه بن جوالة الصحابي قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "رأيت ليلة أسري بي عمودًا أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة فقلت ما تحملون قالوا: عمود الإِسلام أمرنا ربنا أن نضعه بالشام وبينما أنا نائم رأيت عمودًا للكتاب اختلس من تحت وسادتي فظننت أن اللَّه تعالى قد تخلى من الأرض فأتبعته بصري، فإذا نور ساطع بين يدي حتى وضع بالشام فقال ابن جوالة: يا رسول اللَّه خبرني فقال: عليك بالشام" وبسنده إلى الحسن بن شجاع الربعي، إلى كعب أن رجلًا قال له: أريد الخروج أبتغي فضل اللَّه عز وجل فقال: عليك بالشام، فإن ما نقص من بركة الأرضين يزاد بالشام، وبسنده إلى كعب أيضًا قال: تخرب الدنيا، أو قال الأرض.

ص: 136

قبل الشام بأربعين عامًا، وبسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما

قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مكة آية الشرف، والمدينة معدن الدين، والكوفة فسطاط الإِسلام والبصرة فخر العابدين، والشام موطن الأبرار، ومصر عن إبليس وكهفه ومستقره، والزنا في الزنج، والصدق في النوبة، والبحرين وأهل اليمن أفئدتهم رقيقة ولا يعدوهم الرزق والأئمة من قريش، وسادة الناس بنو هاشم" وبسنده إلى ابن جوالة أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ستكون أجناد مجندة شام ويمن وعراق -واللَّه أعلم- بأيها بدأ ألا وعلكيم بالشام ألا وعليكم بالشام فمن كره فعليه بيمنه وليبق من عذره فإن اللَّه قد تكفل لي بالشام وأهله" وبسنده إلى واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول لحذيفة بن اليمان، ومعاذ بن جبل، وهما يستشيرانه في المنزل فأومأ إلى الشام ثم سألاه، فأومأ إلى الشام ثم قال:"عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد اللَّه يسكنها خيرته من عباده فمن أبي فليلحق بيمينه وليبق من عذره فإن اللَّه تعالى قد تكفل لي بالشام وأهله"، أو قال:"قد تكفل بالشام وأهله"، وبسنده إلى جبير بن نفير عن عبد اللَّه بن جوالة قال: كنا عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فشكوا إليه الفقر والعُري وقلة الشيء فقال صلى الله عليه وسلم: "بشروا فواللَّه لا نأمن كثرة الشئ أخوف عليكم من قلته" الحديث.

وفيه قال ابن جوالة قلت فاختر لي يا رسول اللَّه إن أدركني ذلك قال: "أختار لك الشام فإنها صفوة اللَّه من بلاده، وإليه تجيء صفوته من عباده يا أهل الإسلام، عليكم بالشام فإن صفوة اللَّه من الأرض الشام فمن أبي فليلحق بيمينه وليبق من عذره فإن اللَّه قد تكفل لي بالشام وأهله"، ورواه صاحب ترغيب أهل الإِسلام بلفظ آخر عن ابن جوالة قال يا رسول اللَّه اختر لي بلدا أكون فيها فلو أعلم أنك تبقى لي لم أختر على قربك شيئًا قال:"عليك بالشام" فلما رأى كراهتى

ص: 137

للشام قال: "أتدري ما يقول اللَّه تعالى في الشام؟ إن اللَّه يقول: يا شام أنت صفوتي من أرضى وبلادي أدخل فيك خيرتي من عبادي بأن اللَّه قد تكفل لي بالشام وأهله" وهذه شهادة

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم باختيار الشام وتفضيلها، وباصطفائه ساكنيها واختياره لقاطنيها وقد رأينا ذلك بالمشاهدة وأن من رأى صالحي أهل الشام وبنسبتهم إلى غيرهم رأى بينهم من التفاوت ما يدل على اصطفائهم واجتبائهم، وقال عطاء الخراساني إني لما هممت بالنقلة شاورت من بمكة والمدينة والكوفة والبصرة وخراسان من أهل الكتاب فقلت أين ترون لي أن أنزل بعيالي فكلهم يقولون عليك بالشام؟ وروى صاحب كتاب الإنس بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إني أريد الغزو، فقال له صلى الله عليه وسلم:"عليك بالشام وأهله، ثم الزم من الشام عسقلان فإنه إذا دارت الرحى في أمتي كان أهل عسقلان في راحة وعافية".

وبسنده إلى أبي أمامة قال: لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام ويتحول أشرار أهل العراق إلى العراق، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"عليكم بالشام" قالها ثلاثًا، وبسنده إلى عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم:"صلاة الفجر"، ثم انتقل فأقبل على القوم فقال لهم: "بارك

ص: 138

لنا في مدينتا وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا وبارك لنا في شامنا ويمننا"، فقال رجل، والعراق يا رسول اللَّه، فقال: "من ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن"، وذكره في مثير الغرام بأخصر منه، ثم قال: أخرجه البخاري في صحيحه، ورواه صاحب كتاب الإنس بزيادة لفظ بعد قوله شامنا اللهم اجعل مع البركة بركة، وبسنده إلى أبي مسلم في قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} [المائدة: 21]، قال: كان ستة رجال يحملون عنقودًا من عنب وأربعة رجال يحملون رمانة ورجلان تينة، وبسنده إلى أبي الحسن ابن شجاع الربعى عن كعب قال: إن اللَّه تعالى بارك في الشام من العريش إلى الفرات، وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى حكيم بن حزام عن معاوية عن أبيه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "تحشرون ههنا وأومأ بيده نحو الشام مشاة وركبانا وعلى وجوهكم، وتعرضون على اللَّه وعلى أفواهكم القدام فأول من يعرب عن أحدكم فخُذه، وتلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا

جُلُودُكُمْ} [فصلت: 22] " وبسنده إلى الحسن قال: الشام أرض المحشر والمنشر، وعن الوليد بن صالح الأزدي قال في الكتاب الأول: إن اللَّه تعالى يقول للشام، أنت إلا ندنوا ومنك المنشر وإليك المحشر، عن يحيى بن أيوب عن زيد بن ثابت قال: بينما نحن عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نؤلف

ص: 139

القرآن من الرقاع إذ قال: "طوبي للشام" قيل: ولم يا رسول اللَّه؟ قال: "إن ملائكة الرحمن باسطة عليها"، وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى واثلة بن الأسقع قال: إن الملائكة تغشى مدينتكم هذه يعني دمشق ليلة الجمحة، فإذا كانت بكرة النهار افترقوا على أبوابها براياتهم وبنودهم، ثم ارتفعوا وهم يدعون اللَّه عز وجل اللهم اشف مريضهم ورد غائبهم، وعن عبد اللَّه بن عمير قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الخير عشرة أعشار تسعة بالشام وواحد في سائر البلدان وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم" وروى الطبراني في معجمه الكبير عن عبد اللَّه بن مسعود موقوفًا عليه قال: قسم اللَّه تعالى الخير عشرة أعشار، فجعل تسعة أعشار بالشام، وبقيته في سائر البلدان، وقسم الشر عشرة أعشار، فجعل جزءًا منه بالشام، وبقيته في سائر الأرض، وروى صاحب كتاب الإنس بسنده إلى عبد اللَّه بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"دخل إبليس العراق فقضى حاجته منها، ثم دخل الشام فطردوه حتى بلغ نساف، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقريته" قال ابن وهب أحد رواته: كان ذلك في فتنة عثمان رضي الله عنه لأن الناس افتتنوا فيه وسلم أهل الشام، وروى صاحب كتاب الإنس بسنده إلى أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة يرابطون في سبيل اللَّه تعالى فمن اختار فيها مدينة من المدائن فهو في رباط ومن اختار فيها ثغرًا من

الثغور فهو في جهاد" وبسنده إلى معاوية بن قرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ولا تزال طائفة من أمتي منصورين على الناس لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة" وبسنده إلى خزيم بن فائك الأسدي الضحاك أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "أهل الشام سوط اللَّه في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده"

ص: 140

وفي لفظ من رواية كعب أنه قال: أهل الشام سيف من سيوف اللَّه ينتقم بهم ممن عصاه في أرضه وعن عوف بن عبد اللَّه بن عتبة قال: قرأت فيما أنزل اللَّه تعالى على بعض الأنبياء الشام كفالتي، فإذا غضبت على قوم رميتهم منها بسهم، وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى شهر بن حوشب قال: لما فتح معاوية بن أبي سفيان مصر جعل أهل مصر يسبون أهل الشام، فقال عوف: وأخرج وجهه من برنسة يا أهل مصر أنا عوف بن مالك لا تسبوا أهل الشام فإني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: فيهم الأبدال وبهم ترزقون وبهم تنصرون.

وبسنده إلى الزهري عن عبد اللَّه بن صفوان قال: قال رجل رسوم صفين: اللهم العن أهل الشام، قال: فقال له علي: لا تسب أهل الشام جما غفيرا فإن بها الأبدال.

وبسنده إلى عياش بن عباس القيتاني، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: الأبدال في الشام، والنجباء من أهل مصر، والأخيار من أهل العراق.

وفي مثير الغرام عن شريح بن عبيد قال: ذكر أهل الشام عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين، فقال: لا إني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "الأبدال بالشام وهم أربعون كما مات رجل أبدل اللَّه مكانه رجلًا يستسقي بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء ويصرف عن الشام بهم العذاب" رواه أحمد في مسنده

وروى أبو الأسعد هبة الرحمن بن هوازن بسنده إلى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بدلاء أمتي اثنان وعشرون بالشام وثمانية عشر بالعراق كما مات واحد أبدل اللَّه مكانه آخر إذا جاء الأمر قبضوا وأما مواطنهم فإنهم لا يبرحون في الغالب عنه".

ص: 141

وقال الفضل بن فضالة: الأبدال بالشام خمسة عشرون رجلًا بحمص، وثلاثة عشر بدمشق، ورجلان ببيسان، وقال الحسن بن يحيى سبعة عشر بدمشق وأربعة ببيسان، والشام مواطن أكثر الأنبياء ومواضع العباد والزهاد وبها الأبدال وسكناهم بجبل اللسكان ويقال اللكام وبجبل لبنان.

وأما كونها عقر دار المؤمنين فقد روى جبير بن نفير عن النواس بن سمعان قال: فتح اللَّه تعالى على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فتحًا فقالوا يا رسول اللَّه: سبيت الخيل ووضع السلاح فقد وضعت الحرب أوزارها وقالوا: لا قتال، فقال: كذبوا الآن جاء القتال لا يزال أمر اللَّه عز وجل يزيغ قلوب قوم منهم حتى يأتي أمر اللَّه تعالى على ذلك وعقر دار المؤمنين بالشام يعني أصلها بفتح العين وضمها.

وقال ثابت: عظمها، وقال أبو زيد: عقر دار القوم وطنهم، وقال يعقوب العقر: البناء المرتفع، وعن سلمة بن نفيل قال: كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يوحى إلى أني مقبوض غير ملبث وأنكم ستبغون إفسادا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا يزال من أمتي أناس يقاتلون على الحق ويزيغ اللَّه قلوب أقوام ويرزقهم اللَّه منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد اللَّه والخيل معقودة في نواصيها الخير،

وعقر دار الإسلام بالشام" أخرجه النسائي في سننه والإمام أحمد في مسنده.

وروى عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن يزيد بن أبي سفيان ومن معه

ص: 142

كتبوا إلى أبي بكر بن خالد بن الوليد وهو بالعراق ويقال: بناحية عين التمر وقد فتح اللَّه القادسية وجلولا وأمير الجيش يومئذٍ سعد بن أبي وقاص، وكتب إليه أن اصرف بثلاثة آلاف فارس فأنقذ إخوانك بالشام والعجل بالعجل إلى إخوانكم بالشام فواللَّه لقرية من قرى الشام يفتحها اللَّه تعالى على المسلمين أحب إلى اللَّه من رساتيق العراق ففعل خالد، وشق الأرض هو ومن معه حتى خرج إلى ضمير فوجد المسلمين معسكرين بالجابية فنزل خالد على شرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، فاجتمع هؤلاء الأربعة يبرمون أمر الحرب، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ألا إن عقر دار المسلمين بالشام ألا إن اللَّه عز وجل تكفل لي بالشام وأهله ألا إن صفوة اللَّه من بلاده يسير إليها صفوته من عباده لا ينزع إليها إلا مرحوم، ولا يرغب عنها إلا مفتون.

روي أن أبا بكر بن سليمان بن الأشعث، قال: بالشام عشرة آلاف عين رأت النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا رواه صاحب كتاب الأنس عن الوليد بن مسلم، وقال في ترغيب أهل الإسلام لابن عبد السلام: لما علمت الصحابة رضي الله عنهم أجمعين تفضيل الشام على غيره رحل منهم إليه عشرة آلاف عين رأت النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عن كعب الأحبار أنه قال عن التوراة في السفر الأول المحمد رسول اللَّه عبدي المختار لا فظ ولا غليط ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي

ص: 143

السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر مولده مكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام ومعظم أجناده من أهل البسالة والشجاعة بالشام" وقال كعب الأحبار: إن اللَّه سبحانه وتعالى بارك في الشام من الفرات إلى العريش، وقد أشار

كعب إلى أن البركة بالشام، وإن قوله تعالى {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] لا يختص بمكان منه دون مكان وإنما هو عام مستوعب لجميع حدود الشام، وقال ابن عبد السلام، فإذا كان الشام وأهله عند اللَّه بهذه المثابة، وهذه المنزلة، وكانوا في حراسته، وكفالته، ودلت الأدلة على أن دمشق خير بلاد الشام، فكذلك خبر السلف، وشاهد الخلف، أن ملك دمشق خير ملوك الإسلام، فمن بسط منهم على أهله الفضل ونشر فيهم العدل، فإن النصر ينزل عليه من السماء مع ما يحصل من الود في قلوب الأبرار والأولياء الأخيار والعلماء مع ما يلقيه اللَّه عز وجل من الرعب في قلوب الأضداد والأغيار والأشرار والفجار، ومن عاملهم من ملوك الإسلام بخلاف ذلك أحل اللَّه بهم الضر، وأنزل عليهم من البأساء، وأخذهم بالجبروت والكبرياء فإن اللَّه تعالى لا يهمله ولا يمهله، بل يعالجه باستلاب ملكه في حياته وبإلقائه في أنواع البلايا، وفتح أبواب الشقاء حتى يأخذه على غرة، وذلك لأنهم في كفالة رب الأرض والسماء، كما أخبر به خاتم الأنبياء وكيف لا يكون ذلك وقد اتصلت أذنيه بالأبدال وهم أكابر الأولياء، لقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا تسبوا أهل الشام وسبوا ظلمتهم وقال أبو هريرة رضي الله عنه: لا تسبوا أهل الشام فإنهم جند اللَّه المقدم، وقد قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه عز وجل:"من آذى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة ومن بارز اللَّه بالمحاربة كان جدير أن يأخذه اللَّه أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" وقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم من ولي من أمر المسلمين شيئًا فرفق بهم فارفق اللهم به ومن ولي من أمرهم شيئًا فشق عليهم فاشقق اللَّه عليه، والمقسطون عند اللَّه على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا" وصح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "سبعة يظلهم اللَّه في ظله، يوم لا ظل إلا ظله:

ص: 144

إمام عادل. . . " الحديث بطوله بدأ به لأنه تجري على يديه مصالح عامة شاملة لجميع عباد اللَّه والخلق عيال اللَّه تعالى

وأحبهم إليه أنفعهم لعياله.

وقال موسى صلى الله عليه وسلم لبنى إسرائيل: " {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] فيجب على ولاة الأمور أن يستحيوا من نظر اللَّه عز وجل فصح أن دمشق أفضل بقاع الشام ما عدا بيت المقدس مما يدل على بركتها وأفضلية أهلها كثرة ما فيها من الأوقاف على أنواع القربات ومصارف الخيرات وأن مسجدها الأعظم لا يخلو في معظم الليل والنهار من قارئ لكتاب اللَّه أو مصلٍ أو ذاكر أو عالم أو متعلم.

ومما حكي عن ضيافة أهلها ودينهم ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن جابر قال: باعت امرأة طستا في سوق الصفر بدمشق فوجده المشتري ذهبا فقال لها: لم أشتره؟ إلا على أنه صفر فإذا هو ذهب فهو لك فقالت ما ورثناه إلا على أنه صفر فإنه كان ذهبا فهو لك فاختصما إلى الوليد بن عبد الملك وأحضر رجاء بن حيوة، وقال له: انظر فيما بينهما فعرضه على الرجل فأبى أن يقبله فقال يا أمير المؤمنين إعطها ثمنه واطرحه في بيت المال. وقال زيد بن جابر، رأيت سوارًا من ذهب وزنه ثلاثون مثقالًا معلقًا في قنديل من قناديل مسجد دمشق أكثر من شهر لا يأتيه أحد فيأخذ كذا ذكره ابن عبد السلام في كتابه ترغيب أهل الإسلام.

واعلم أنه في دمشق وضواحيها أماكن فاضلة منها مسجدها الأعظم وقد تقدم في معناه عن قول اللَّه عز وجل لجبل قاسيون سابني في صحنك أي وسطك بيتا أعبد فيه إلى آخره وتقدم أيضًا في الجبال المقدسة الكلام عليها عن قتادة أنه قال {وَالتِّينِ} [التين: 1] جامع دمشق، نقل ذلك عن الدرفس الغساني الدمشقي وفي تفسيره قوله تعالى:{وَالتِّينِ} ، قال القرطبي:{وَالتِّينِ} ، مسجد دمشق كان بستانا لهود عليه السلام فيه تين، وعن عثمان بن أبي عاتكة قال قبلة مسجد دمشق قبر هود

ص: 145

عليه السلام وعلى ذكر مسجد دمشق الموعود بذكره وابتداء وصفه وذكر بانيه، وابتداء عمارته أقول: قال ابن شاكر الكتبي في تاريخه عيون التواريخ في السنة السادسة والتسعين من الهجرة تكامل بناء الجامع

الأموي بدمشق على يد بانيه الوليد بن عبد الملك بن مروان جزاه اللَّه تعالى خيرا عن المسلمين وكان ابتداء عمارته عشر سنين، وكان أصل موضع الجامع قديما معبد بنته اليونان وكانوا يعبدون فيه الكواكب السبعة، وهي القمر في سماء الدنيا، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة، وكانوا قد جعلوا أبواب دمشق سبعة على عدد الكواكب، وصوروا زحل على باب كيسان، والشمس على باب الصفر، والمريخ على باب الحبابية، وعطارد على باب الفراديس، والقمر على باب الثاني ويسمى اليوم باب السلامة، وأما باب النصر وباب الفرح، فإنهما مسجدان، وكان لهم على كل باب عيد في السنة، واليونان هم الذين وضعوا الأرصاد وتكلموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارناتها، وبنوا دمشق في طالع سعيد واختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد من بين الجبلين هذين، وصرفوه أنهارًا تجري إلى الأماكن المرتفعة والمنخفضة، وبنوا هذا المعبد، وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، فكانت محاربته تجاه الشمال، وبابه يفتح إلى جهة القبلة، حيث المحراب اليوم، كما شوهد عيانا لما نقضوا بعض الحائط القبلي وهو حسن مبني بالحجارة المنحوتة عن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة إليه وكان بغربي معبد قصر منيف جدًا لخمل هذه الأعمدة التي بباب البريد وشرقيه قصر جيرون هو جيرون بن سعد بن عاد بن عوض، يقال: إنه هو الذي بني دمشق وهي إرم ذات العماد، وقيل إن جيرون وبريد، كانا أخوين، وهما: ولدا سعد بن عاد، وهما اللذان يعرف باب جيرون، وباب البريد بدمشق، بهما، وقال أهب بن منبه: دمشق بناها العازر غلام إبراهيم عليه السلام وكان حبشيا وهبه له نمرود بن كنعان وكان اسم الغلام دمشق فبناها على اسمه، قال أبو الحسين الرازي: وحكى

ص: 146

الدمشقيون أنه كان في زمان معاوية بن أبي سفيان رجل صالح بدمشق وكان يقصده الخضر عليه السلام في أوقات الزيارة فبلغ ذلك معاوية بن أبي سفيان فجاء إلى ذلك الرجل الصالح راجلًا وقال: له: بلغني أن الخضر يأتيك فأحب أن تجمع بيني وبينه، فقال له: نعم وجاء الخضر فسأله الرجل في ذلك فأبى عليه، وقال: ليس إلى ذلك سبيل

فعرف الرجل معاوية بذلك، فقال له معاوية قل له قد قعدنا مع من هو خير منك وحدثناه وخاطبناه وهو محمد صلى الله عليه وسلم ولكن سله عن ابتداء دمشق كيف كان فسأله فقال صرت إليها فوجدت موضعها بحرا مستجمعا فيه المياه، ثم غبت عنها خمسمائة عام، ثم صرت إليها فرأيت قد ابتدأ فيها بالبناء، ونفر يسير فيها، وقيل إن باب جيرون من بناء سليمان بن داود عليه السلام بنته الشياطين وإن اسم الشيطان الذي بناه جيرون فسمى به وقيل إن دمشق بناها دمشقش غلام كان مع الإسكندر، وذلك أنه لما رجع الإسكندر من المشرق وعمل السد بين أهل خراسان وبين يأجوج ومأجوج وسار يريد الغرب فلما بلغ الشام، وصعد على عقبه دمر أبصر هذا الموضع الذي فيه اليوم دمشق وكان هذا الوادي الذي يجري فيه شهر دمشق غيضه أرز فلما رآها ذو القرنين، وكان هذا الماء الذي في هذه الأنهار اليوم متفرقًا يجتمع في واد واحد، فأخذ الإسكندر يتفكر كيف يبنى فيه مدينة وكان أكثر فكره وتعجبه أن نظر إلى جبل يدور بذلك الموضع وبالغيضة كلها وكان له غلام يقال له دمشقش: وكان أمينه على جميع ملكه قال: فنزل الإسكندر في موضع القرية المعروفة ببلد من دمشق على ثلاثة أميال وأمر أن يحفر في ذلك حفرة فلما فعلوا ذلك أن يرد التراب الذي أخرج منها إليها فلما رد التراب إليها لم تمتلئ الحفرة فقال لغلامه دمشقش: ارحل فإني كنت نويت أن أسس في هذا الموضع مدينة فلما

ص: 147

أن كان لي مثل هذا مما يصلح أن يكون ههنا مدينة فقال له غلامه: ولم يا مولاي؟ فقال ذو القرنين: أن أبني هنا مدينة فلا يكفي أهلها زرعها، ثم رحل من هناك وسار حتى صار إلى الثنية وحوران، وأشرف على تلك السعة ونظر إلى تلك التوبة الحمراء فأمر ألا يتناول من ذلك التراب، فلما صار في يده أعجبه؛ لأنه نظر إلى تربة حمراء كأنها الزعفران فأمر أن ينزل هناك ثم أمر أن يحفر في ذلك الموضع حفرة، فلما حفروا أمر برد التراب إلى الحفرة فردوه ففضل منه تراب كثير فقال ذو القرنين لغلامه دمشقش: ارجع إلى الموضع الذي فيه الأرز إلى ذلك الوادي فاقطع ذلك الشجر وابنى على حافة الوادي مدينة واسمها على اسمك فهناك يصلح أن يكون مدينة وهذا الموضع بحرها ومنه مسيرتها يعني البنية قال: فرسم دمشقش المدينة

الداخلة وعمل لها ثلاثة أبواب باب جيرون، وباب البريد، والباب الحديد، الذي هو داخل باب الفراديس وهو الذي عند قراسنقر، وبناها دمشقش، ومات فيها، وكان قد بنى هذا الموضع الذي هو الجامع اليوم كنيسة يعبد اللَّه فيها، وقيل إن الذي بناها اليونان، وقال يحيى بن حمزة: قدم عبد اللَّه بن علي بن عبد اللَّه بن عباس دمشق وحاصر أهلها فلما دخلها هدم سورها فوقع منه حجر عليه مكتوب باليونانية فأرسلوا خلف راهب ليقرأه، فقال: آتوني به فطع على الحجر فإذا عليه مكتوب ربك أم الجبابرة من أرادك بسوء قصمه اللَّه تعالى ويلك من الخمسة أعين ينقض سورك على يديه بعد أربعة آلاف سنة قال: فوجدنا تاريخه ذلك وتعني الخمسة أعين عبد اللَّه بن علي بن عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب، قال الحافظ ابن عساكر: لما فتح اللَّه تعالى على المسلمين الشام بكماله ومن ذلك مدينة دمشق بأعمالها وأنزل اللَّه رحمته فيها وساق بره إليها وكتب أمير الحرب إذ ذاك وهو أبو عبيدة بن الجراح، وقيل خالد بن الوليد رضي الله عنهما كتاب أمان وأقره بأيدي النصارى أربع

ص: 148

عشرة كنيسة (1) وهي كنيسة مري حنا بحكم أن البلد فتحه خالد بن الوليد رضي الله عنهما من الباب الشرقي بالسيف، وأخذت النصارى الأمان من أبي عبيدة وهو على باب الجابية بالصلح واختلفوا، ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحا ونصفه عنوة فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجدًا وكان قد صارت إليه إمرة الشام فكان أول من صلى فيه أبو عبيدة ثم الصحابة بعده في البقعة التي يقال لها: محراب الصحابة ولكن لم يكن الجدار مفتوقًا بمحراب محني وإنما كان الصحابة يصلون عند هذه البقعة المباركة، وكان المسلمون والنصارى يدخلون من باب واحد وهو باب المعبد الأصلي الذي كان من جهة القبلة مكان المحراب الكبير اليوم، فينصرفت النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم، ويأخذ المسلمون يمنه إلى المسجد، ولا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم، ولا يضربوا بناقوسهم إجلالا للصحابة، ومهابة وخوفا، وبنى معاوية في أيامه على الشام دار الإمارة قبلي المسجد الذي كان للصحابة، وبنى فيها قبة خضراء، فعرفت الدار بكمالها، سكنها

معاوية أربعين ثم لم يزل الأمر كما ذكرنا من سنة أربع عشرة إلى سنة ست وثمانين في ذي القعدة منها، وقد صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك في شوال منها فعزم على أخذ بقية هذه الكنيسة، وإضافتها إلى ما بأيدي المسلمين منها، ويجعل الجميع مسجدًا واحدًا وذلك لتأذي بعض المسلمين بقراءة النصارى فى الإنجيل، ورفع أصواتهم في صلاتهم، فأحب أن يبعدهم عن المسلمين، وأن يضيف ذلك المكان إلى هذا، فيكبر به المسجد الذي هو الجامع، فطلب النصارى وسألهم أن

(1)"وأخذوا منهم نصف هذه الكنيسة" في (جـ)، تأني بعد "كنيسة"

ص: 149

يخرجوا له عن المكان الذي بأيديهم، ويعوضهم عنه إقطاعات كثيرة عرضها عليهم وأن يبقوا لهم أربع كنائس لم تدخل في العهد وهي كنيسة مريم وكنيسة المصلبة داخل باب شرقي، وكنيسة تل الجيف، وكنيسة أم حميد التي بدرب الصقيل، فأبوا ذلك أشد الإباء فقال: آتونا بعهدكم الذي بأيديكم من زمن الصحابة فأتوا به فقرأه بحضرة الوليد، فإذا كنيسة توما التي كانت خارج باب توما عند النهر لم تدخل في العهد، وكانت فيما يقال أكبر من كنيسة مري حنا فقال أن اهدمها واجعلها مسجدا فقالوا: بل يتركها أمير المؤمنين ما ذكر من الكنائس ونحن نرضى بأخذه بقية هذه الكنيسة فأقرهم على تلك الكنائس وأخذ منهم بقية هذه الكنيسة، ثم أمر بإحضار آلات الهدم، واجتمع إليه الأمراء والكبراء رؤوس الناس، وجاءت أساقفة النصارى وقساوستهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتبنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن، فقال: أنا أحب أن أجن في اللَّه واللَّه لا يهدم فيها أحد قبلي، ثم صعد المنارة الغربية ذات الأضالع المعروفة اليوم بالساعات وكانت صومعة، فإذا فيها راهب فأمره بالنزول منها فأكبر الراهب ذلك وتلكأ فأخذ الوليد بقفاه، ولم يزل يدفعه حتى أصدره منها، ثم صعد الوليد على أعلى مكان في الكنيسة فوق المذبح الأكبر الذي يسمونه الشاهد وأخذ أذيال قباه، وكان لونه أصفر سفرجليا فغرز بها في المنطقة، ثم أخذ بيده فأسا وضرب به في أعلى حجر هناك فألقاه فتبادر إليه الأمراء إلى الهدم وكبَّر المسلمون ثلاث تكبيرات وصرخت النصارى بالعويل والويل على درج جبرون وقد اجتمعوا هناك فأمر الوليد أمير الشرطة وهو أبو نائل رباح الغساني أن يضربهم حتى

ص: 150

يذهبوا من هناك ففعل، وهدم المسلمون

جميع ما جدده النصارى في تربيع هذا المكان من المذابح والأبنية والحنايا حتى بقي ساحة مربعة ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على صفة حسنة لم يسبق اليها، واستعمل الوليد في بناء هذا المسجد على الصورة التي اخترعها خلق من الصناع والمهندسين والفعلة، وكان المستحث على عمارته أخوه وولي عهده من بعده سليمان بن عبد الملك.

ويقال: إن الوليد بعث الى ملك الروم يطلب منه صنَّاعًا في الرخام وغير ذلك ليعمروا هذا المسجد على ما يريد وأرسل يتوعده إن لم يفعل ليغرُوَنَّ بلاده الجيوش، وليخربن كل كنيسة في بلاده حتى كنيسة القدس، وكنيسة الرها، وسائر آثار الروم، فبعث ملك الروم صناعا كثيرة، وكتب إليه يقول له: إن كان أبوك فهم هذا الذي تصنعه وتركه فإنه لوصمة عليك، وإن لم يكن فهمه وفهمته أنت فإنه لوصمة عليه، فلما وصل الكتاب إلى الوليد أراد أن يجيبه عن ذلك واجتمع الناس عنده لذلك فكان فيهم الفرزدق الشاعر فقال: أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب اللَّه تعالى، فقال: وما جوابه من كتاب اللَّه، قال قوله تعالى:{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78 - 79] فأعجب ذلك الوليد وأرسل به جوابًا لملك الروم، وقال الفرزدق في ذلك شعرا:

فرقت بين النصارى في كنيستهم

وبين أهل الهدى الصافين له في الظلم

نصبت في الحال بالتميز أسعدهم

على شقيهم المجرور للنقم

راك ربك تحويلا لبيعتهم

عن مسجد يتلى فيه طيب الكلم

وهم جميعا إذا صلوا وأوجههم

شتى إذا سجدوا للَّه والصنم

وكيف يجتمع الناقوس يضربه

أهل الصليب إذا القراء لم تنم

فهمت تحويلها عنه كما فهما

إذا يحكمان له في الحرث والغنم

ص: 151

قال: ولما أراد الوليد أن يبنى القبة التي في وسط الرواقات ويقال لها: قبة النسر، وهو اسم حادث لها وكأنهم شبهوها بالنسر في شكله، لأن الرواقات عن يمينها وشمالها

كالأجنحة لها حفروا في أركانها حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منه ماء عذبا زلالا، ثم إنهم وضعوا فيه جدار الكرم، وبنوا من فوقه بالحجارة، فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت فقال الوليد لبعض المهندسين: وكان يعرف بالنسر، أريد أن تبني لى أنت هذه القبة، فقال على أن تعطنى عهد اللَّه وميثاقه أن لا يبنيها أحد غيري، ففعل له ذلك فبنى الأركان، ثم علقها بالبواري، وغاب سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب، فلما كان بعد السنة حضر فَهَمَّ الوليد بقتله فقال يا أمير المؤمنين: لا تعجل، ثم أخذه ومعه رؤوس الناس وجاء إلى الأركان، وكشف البواري، فإذا هي هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض فقال له: من هذا هربت وأتيت، ثم بناها فانعقدت على أحسن هيئة.

وقال بعضهم: أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن المسجد، فقال له المعمار: إنك لا تقدر على ذلك فضربه خمسين سوطا، وقال له: ويلك أنا أعجز عن هذا فقال: له نعم تعجز، قال: يبين لي ذلك بطريق أعرفه فقال أحضر الذهب الذي عندك كله فأحضره فسبكت منه لبنة فإذا هي قد دخل فيها ألوف من الذهب، فقال: يا أمير المؤمنين إنا نريد من هذا اللبن كذا وكذا ألف لبنة، فإن كان عندك ما يكفي ذلك عملناه، فلما تحقق الوليد صحة قوله أطلق له خمسين دينارًا، أو لما سقف الوليد الجامع جعلوا سقفه جملونات وباطنها سطح مقرنص بالذهب، فقال له

ص: 152

بعض أهله: أتعبت الناس بعدك في تبطين أسطح هذا المسجد كل عام؟ فأمر الوليد بأن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعل عوض الطين ويكون أخف على السقف وأصون له، فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم فعازوا، فإذا عند امرأة منه قناطير مقنطرة فساوموها فيه فأبت أن تبيعه إلا بوزنه فضة فكتبوا إلى أمير المؤمنين بذلك فقال: اشتروه منها، ولو بوزنه فضة فلما بذلوا لها ذلك قالت أما إذا قبلتم ذلك ورضيتم ببذل ثمنه ووزنه فضة فهو صدقة للَّه يكون في سقف هذا المسجد، فكتبوا على ألواحها بطابع للَّه ويقال: إنها كانت إسرائيلية، وأنه كتب على

الألواح التي أعطتهم الإسرائيلية بطابع صدقة للَّه تعالى.

ويقال: إنهم طلبوا الرصاص من النواويس العادية فانتهوا الى قبر حجارة في داخله قبر من رصاص، فأخرجوا الميت الذي فيه ووضعوه على الأرض فوقع رأسه هوية إلى الأرض فانقطع عنقه فسال من فيه دم، فهالهم ذلك فسألوا عنه، فقال عبادة بن بشير الكندي: هذا قبر طالوت الملك قال محمد بن عابد سمعت المشايخ يقولون ما تم مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة لقد كان يفضل عند الرجل، من الفعلة، والصناع الفلس، ورأس المسمار، فجيء به حتى يضعه في الخزانة.

قال بعض المشايخ الدماشقة: ليس في الجامع من الرخام شيء إلا الرخامتان اللتان في المقام من عرش بلقيس، والباقى كله مرمر، وقال بعضهم: اشترى الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين، العامودين الأخضرين اللذين تحت النسر من حرب خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار، وقال رحيم كان في مسجد دمشق اثنى عشر ألف مرخم، وقال عمر بن مهاجر الأنصاري: حسبوا ما أنفقوا على الكهرمانة التي في قبلة المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار.

وقال أبو قبيس: أنفق في مسجد دمشق أربعمائة صندوق في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار وذلك خمسة آلاف دينار وستمائة ألف دينار قال:

ص: 153

وأتي الخرس إلى الوليد أموال بيت المال في غير حقها فأمر أن ينادي في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا وصعد الوليد المنبر، وقال: إنه بلغني عنكم كذا وكذا ثم قال يا عمر بن مهاجر قم فأحضر أموال بيت المال؟ فحملت على البغال وبسطت الأنطاع تحت القبة وأفرغ المال عليها ذهبا وفضة حتى كان الرجل لا يرى الآخر من الجانب الآخر وجيء بالقبانين ووزنت، فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة لو لم يدخل للناس شيء بالكلية ففرح الناس وكبروا وحمدوا اللَّه على ذلك، ثم قال الخليفة: يا أهل دمشق إنكم تفخرون على الناس، بأربع: بهوائكم، ومائكم، وفاكهتكم وحماماتكم، فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع فحمدوا اللَّه وأثنوا عليه وانصرفوا شاكرين داعين.

وقال بعضهم: كان في قبلة المسجد ثلاث صحائف مذهبة باللازورد في كل

منها بسم اللَّه الرحمن الرحيم لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، ولا تعبدوا إلا إياه ربنا اللَّه وحده، وديننا الإسلام، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمر ببناء هذا المسجد وهدم الكنيسة، التي كانت فيه عبد اللَّه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان، في ذي القعدة في سنة ست وثمانين للهجرة النبوية، وفي صحيفة أخرى من تلك الصحائف فاتحة الكتاب بكمالها، ثم والنازعات، ثم عبس، ثم إذا الشمس كورت، قالوا: ثم محيت بعد مجيء المأمون إلى دمشق، وذكر أن أرضه كانت مفضضة كلها وأن الرخام كان في جدرانه إلى قامات، وفوق ذلك كرمة عظيمة من ذهب، وفوقها فصوص مذهبة حمر وخضر وزرق وبيض قد صور بها سائر البلدان المشهورة، الكعبة فوق المحراب وسائر البلدان

ص: 154

يمنة ويسرة وما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة والمزهرة وسقفه مقرنص بالذهب والسلاسل المعلقة فيه من الذهب والفضة وأنواع الشموع في أماكن متفرقة، وكان في محراب الصحابة حجر من بلود يقال: من جوهر وهي الدرة وكانت تسمى القليلة، كان إذا أطفئت القناديل تضئ لمن هناك بنورها فلما كان زمن الأمين بن الرشيد، وكان يجب البعث إلى سليم وإلى شرطة دمشق أن يبعث إليه فسرقها وسيرها إليه، فلما ولى المأمون أرسلها إلى دمشق ليشنع بذلك على أخيه الأمين، قال الحافظ ابن عساكر: ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانها برنية من زجاج وكانت الأبواب الشارعة من الصحن إلى داخل المسجد ليس عليها أغلاق، وإنما عليها الستور مرخاة، وكذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكرمة التي فوقها الفصوص المذهبة ورؤوس الأعمدة مطلية بالذهب الصبيب، وعملوا شرافات تحيط بها من الجهات الأربع وبنى الوليد المنارة الشمالية: وهي التي يقال لها مأذنة العروس، وأما الشرقية والغربية فكانتا قبل ذلك بزهور متطاولة، وكان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جدا بنتها اليونان للرصد فسقطت الشماليتان، وبقيت القبليتان، وقد أحرق بعض الشرقية سنة أربعين وسبعمائة ونقضت وجدد بناؤها من أموال النصارى حيث اتهموا بحريقها فقامت على أحسن الأشكال وهي "اللَّه أعلم" المنارة الشرقية التي ينزل عليها عيسى بن مريم عليه السلام قال في مثير الغرام

روى عبد الرحمن بن عابد قال حدثني جبير بن نفير أن النواس بن سمعان قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: رأيت عيسى ابن مريم يخرج من عند المنارة البيضاء شرقي المسجد واضعا يديه على أجنحة ملكين عليه ربطتين مشقوقتين عليه السكينة والربطة الملأة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن

ص: 155

لغتين والمشقوقة والمصبوغة بالمشق وهو المغر.

وعنه أيضًا قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: ينزل اللَّه عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي المسجد في دمشق في مهرودتين بهروزتين.

وعن سعيد بن عبد العزيز عن شيخ من أشياخه أنه سمع عباس الخضري يقول يخرج عيس ابن مريم عند المنارة البيضاء عند باب شرقي ثم يأتي مسجد دمشق وسيأتي الكلام على خروج عيسى عليه السلام وقتله للدجال عند ذكر مدينة لدان إن شاء اللَّه تعالى.

قال: ولما اكتمل بناء الجامع الأموي لم يكن على وجه الأرض بناء أحسن ولا أبهى ولا أجمل منه، بحيث إذا نظر الناظر في أي جهة منه وإلى أي بقعة أو مكان منه تحير فيما نظر إليه من حسنه، وكانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شئ من الحشرات الكلية لا الحيات ولا العقارب ولا الخنافس ولا العناكب ويقالا ولا العصافير أيضًا تعشش فيه لا الحمام، ولا شيء مما يتأذى به الناس وأكثر هذه الطلسمات أو كلها احترقت لما وقع فيه الحريق وكان ذلك في ليلة نصف شعبان سنة إحدى وستين وأربعمائة، وكان الوليد كثيرًا ما يصلي في هذا المسجد.

وفي كتاب أبي الحسن أبي شجاع الربعي بسنده إلى المغيرة المقري أن الوليد بن عبد الملك، قال: ليلة من الليالي للقوام أريد أن أصلي الليلة في المسجد فلا تتركوا فيه أحدا حتى أصلي فيه فأتى باب الساعات! ستفتح الباب ففتح له فدخل من باب الساعات، فإذا رجل بين باب الساعات وباب الخضر الذي يلي المقصورة قائم يصلي، وهو أقرب من باب الساعات فقال للقوام: ألم آمركم أن لا تتركوا أحدًا يصلي الليلة

في المسجد؟ فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين هذا الخضر يصلي كل ليلة في المسجد، وروى صاحب كتاب

ص: 156

الأنس عن سفيان الثوري أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة.

وبسنده إلى نافع مولى أم عمر بنت مروان عن رجل سماه أن واثلة بن الأسقع خرج من باب المسجد الذي يلى جيرون فلقي كعب الأحبار فقال له: أين تريد؟ فقال أريد بيت المقدس لأصلى فيه فقال له تعالى أريك موضعه أو قال موضعا في هذا المسجد من صلى فيه فكأنما صلى في بيت المقدس قال: نذهب فأراه ما بين الباب الأصفر الذي يخرج منه إلى الحنية يعنى القنطرة الغربية وقال: من صلى فيما بين هاتين فكأنما صلى في بيت المقدس، قال واثلة: واللَّه إن لمجلسي ومجلس قومى، ومن الأماكن المقصودة فيه بالزيارة الموضع الذي فيه رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام من الجامع، وفيه روى أبو الحسن بن شجاع الربعي بسنده إلى القاسم بن عثمان قال: سمعت الوليد بن مسلم وسأله رجل يا أبا العباس أين بلغك رأس يحيى بن زكريا من هذا المسجد؟ قال: بلغني أنه ثم وأشار بيده إلى العمود المسقط الرابع من الركن الشرقي.

وعن زيد بن وافد قال: رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبة وكانت الشعرة على رأسه لم تتغير، وعنه أيضًا قال: وكلنى

ص: 157

الوليد بن عبد الملك على العمارة في بناء جامع دمشق، فوجدنا فيه مغارة فَعَرَّفْنَا الوليد بذلك، ولما كان الليل جاء والشمع بين يديه، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة ثلاثة في ثلاثة وإن فيها صندوق ففتحه فإذا سفط، وفي السفط رأس يحيى بن زكريا، مكتوب عليه رأس يحيى بن زكريا عليه الصلاة والسلام فأمر الوليد به فرد إلى مكانه وقالوا اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرًا من الأعمدة كي يعرف وجعل عليه عمود مسقط الرأس.

وبسنده إلى أبي مسهر، ثم إلى سعيد بن المسيب قال: لما دخل بخت نصر دمشق سعد على الدرج حتى دخل الكنيسة التي هي اليوم المسجد الجامع، فرأى دم

يحيى بن زكريا يفور ويغلي فصلى عليه خمس وسبعون ألفًا حتى سكن الدم، فقال أبو مسهر: وإن رأس يحيى بن زكريا لتحت العمود المسقط شرقى المسجد وهو يعرف بعمود مسكاسك.

وبسنده إلى أبي مسهر أيضًا أن ملك دمشق بنى الحصن الذي حول المسجد داخل المدينة على ساحة مسجد بيت المقدس، وحمل أبواب بيت المقدس فوضعها على أبوابه، فهذه الأبواب التي على الحصن، هي أبواب بيت المقدس.

قال: ولما ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الخلافة، ورأى مسجد دمشق قال: إني أرى أموالًا أنفقت في هذا المسجد في غير حقها وأنا أستدرك منها فرده إلى بيت المال انزع هذه السلاسل، وأجعل مكانها حبالا، واقلع هذه الفسيفساء، واجعل مكانه الطين، واقلع هذا الرخام واجعل مكانه جصا قال: فبلغ ذلك أهل دمشق

ص: 158

فخرجوا إليه وهو بدير سمعان بأرض حمص فدخلوا عليه وقالوا: يا أمير المؤمنين بلغنا أنك تريد أن تصنع كذا وكذا قال: نعم، فقال له خالد بن عبد الملك القسري: ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين قال: ولم لا يا ابن الكافرة وكانت أمه نصرانية رومية، فقال يا أمير: إن كانت نصرانية فقد ولدت رجلا مؤمنا قال صدقت واستحى عمر منه، وقال: لم تقل ذلك لي؟ قال: لأننا كنا معاشر أهل الشام نغزو بلاد الروم فنجعل على أحدنا حدا من فسس فيجيء به وذراع في ذراع من رخام أو أقل من ذلك أو أكثر مع قدر صاحبه فيكتري عليه أهل حمص إلى حمص وأهل دمشق إلى دمشق، وأهل فلسطين إلى فلسطين، وأهل الأردن إلى الأردن، وليس هو لبيت المال فأطرق عمر رضي الله عنه، واتفق قدوم جماعة من الروم رسلا من عند ملكهم فلما دخلوا من باب البريد وانتهوا إلى الباب الكبير الذي قبله قبة النسر ورأوا ذلك البناء العظيم الباهر، والزخرفة التي لم يسمع بمثلها على وجه الأرض ضعف كثيرًا وخر مغشيا عليه،

فحملوه إلى منزله فبقى أيامًا مدنفا، فلما تماثل سألوه عما عرض له، ما كنت أظن أن يبني المسلمون مثل هذا البناء، وكنت أعتقد أن مدنهم تكون، أقصر من هذه، فلما بلغ ذلك عمر بن عبد العزيز

ص: 159

قال: أو أن هذا ليغيظ الكفار، دعوه على حاله.

وسألت النصارى في أيام عمر بن عبد العزيز أن يعقد لهم مجلسًا فيما كان أخذه منهم الوليد بن عبد الملك فأدخله في المسجد، فحقق عمر القضية فرأى أن يرد عليهم ما أخذه الوليد منهم، فنظر فإذا الكنائس التي هي خارج البلد لم تدخل في الصلح الذي كتبه لهم الصحابة، مثل كنيسة دير مران وكنيسة الراهب التي بالعقبة، وكنيسة توما، وسائر الكنائس التي بقرى الحواضر فخيرهم في رد ما سألوه وأن يخرب هذه الكنائس كلها، أو يبقي تلك الكنائس، ويطيبوا نفسًا عن ذلك للمسلمين بهذه البقعة، فاتفقت آراؤهم بعد ثلاثة أيام على إبقاء تلك الكنائس ويكتب لهم كتاب أمان بها، ويطبوا نفسا بتلك البقعة، فكتب لهم عمر رضي الله عنه كتاب أمان بذلك.

وقال الحافظ ابن عساكر: لم يكن للجامع الأموي نظير في حسنه وبهجته.

وقال الفرزدق لأهل الشام: في بلدهم قصر من قصور الجنة يعني به الجامع الأموي، قال أحمد بن أبي الحواري: ما ينبغي أن يكون أحد أشد تشوقًا إلى الجنة من أهل دمشق؟ لم يرو في حسن مسجدها.

قال: ولما دخل المهدي أمير المؤمنين العباسي دمشق يريد زيارة بيت المقدس، ونظر إلى جامع بدمشق قال: لكاتبه أبي عبيد اللَّه الأشعري سبقتنا بنو أمية بثلاث بهذا المسجد لا أعلم على

ص: 160

ظهر الأرض مثله وبنيل الموالي وبعمر بن عبد العزيز لا يكون

فينا واللَّه مثله أبدا، ثم لما أتى بيت المقدس، ونظر إلى قبة الصخرة، وكان عبد الملك قد بناها فقال لكاتبه: وهذه رابعة أيضًا، قد تقدم ذلك.

ولما دخل المأمون دمشق ونظر إلى جامعها، وكان معه أخوه المعتصم والقاضي يحيى بن أكثم قال: ما أعجب من بنيانه على غير مثال متقدم، وقال المأمون لقاسم التمار: أخبرني باسم حسن أُسمي به جاريتى هذه فقال: سمها مسجد دمشق فإنه أحسن شيء في الدنيا.

وقال عبد الرحمن بن عبد الحكم عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: عجائب

ص: 161

الدنيا خمسة أحدها منارتكم هذه -يعنى منارة ذي القرنين التي بالإسكندرية-، والثانية: أصحاب الرقيم -وهم بالروم- والثالثة: مرآة بباب الأندلس على باب مدينتها يجلس الرجل عندها فينظر فيها صاحبه من مسيرة خمسمائة فرسخ، الرابعة: مسجد دمشق المتفق على حسنه وبهائه وبهجته، والخامسة: الرخام معجون والدليل على ذلك، أنه يذوب على النار.

وعلى ذكر جبل قاسيون، وما فيه من المشاهد المباركة والمعاهد التي لها معها في الفضل نوع مشاركة، وما حولها من الآثار المعروفة بإجابة الدعوات وخرق العادات، أقول قد تقدم في ذكر جبل قاسيون بخصوصه عند ذكر الجبال المقدسة وما شرحناه آنفا، وفيه ما روى أبو الحسن بن شجاج الربعي، بسنده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: -وقد سأله رجل عن الآثار المباركة بدمشق- فقال: "بها جبل قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه، وفي أسفله من الغرب ولد إبراهيم، وفيه آوى عيسى ابن مريم وأمه، ومنعهما من اليهود من أي معقل روح اللَّه عيسى واغتسل وصلى ودعا

ص: 162

لم يرده اللَّه خائبا" فقال رجل: يا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صفه لنا. فقال: هو بالغوطة بمدينة يقال لها دمشق، قال: "وأزيدكم أنه جيل كلمه اللَّه تعالى، وفيه ولد إبراهيم الخليل عليه السلام، فمن أتى ذلك الموضع فلا يعجز عن الدعاء" فقال له رجل: يا رسول اللَّه أكان ليحيى بن زكريا معقلا؟ قال: "نعم اختبأ فيه" -هذار- رجل من عاد في المغار التي تحت دم المقتول، وفيه اختيأ إلياس

النبي من ملك قومه، وفيه صلى إبراهيم ولوط وموسى وعيسى وأيوب، فلا تعجزوا في الدعاء فيه، ومنها الموضع الذي يبرزه.

قال صاحب مثير الغرام: فيما رواه عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، قال: أغار ملك هذا الجبل على لوط عليه السلام فسباه وأهله، فأقبل عليه إبراهيم عليه السلام في طلبه في عدة أهل برزة، فالتقوا في صخرة العقود فعبأ إبراهيم ميمنة وميسرة قلبا، كان أول من عبأ الحرب هكذا واقتتلوا، فهزمه إبراهيم فاستنقذ لوطًا وأهله، وأتى الموضع الذي برزه فصلى فيه واتخذه مسجدًا.

وعن مكحول عن ابن مسعود وابن عباس قالا، ولد إبراهيم بغوطة دمشق، قرية يقال لها برزة بقاسيون، قال في مثير الغرام: فيه انقطاع، والصحيح أن مولد إبراهيم عليه السلام بكوتا من أرض بابل، وذكر هذا الأَثر أبو الحسن بن شجاع الربعي، بلفظه في عدة أهل بدر ثلاثمائة وعشرون، وزاد فقال: وعن الزهري أنه قال: مسجد إبراهيم صلى الله عليه وسلم في قرية يقال لها: برزه، ومن صلى فيه أربع ركعات خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ويسأل اللَّه ما يشاء فإنه لا يرد خائبًا ومنها المغارة التي في جبل قاسيون.

قال في مثير الغرام: قال الوليد: سمعت سعيد بن عبد العزيز

ص: 163

يقول صعدنا في خلافة هشام بن عبد الملك إلى موضع دم ابن آدم فسأل اللَّه تعالى شيئا فأتانا فأقمنا في الغار ستة أيام، وقال مكحول: صعدت مع عمر بن عبد العزيز إلى موضع دم ابن آدم فسأل اللَّه شيئا، فسمعت من يذكر أن معاوية خرج بالمسلمين إلى موضع آدم يسألون اللَّه تعالى أن يسقيهم، فلم يتوقف حتى جرت الأودية. وفي كتاب أبي الحسن بن شجاع الربعى، فسأل اللَّه سقيا، فسقانا، قال: مكحول: سمعت كعب الأحبار يذكر أنه موضع الحاجات والمواهب، ولا يرد اللَّه فيه سائلا، قال الوليد: سمعت ابن عباس يقول: كان أهل دمشق إذا قحطوا أو جاء عليهم سلطان، أو كان لأحدهم حاجة، صعدوا إلى موضع دم ابن آدم المقتول يسألون اللَّه تعالى فيعطهم ما سألوا، قال هشام: لقد صعدت مع أبي وجماعة نسأل اللَّه تعالى سقيا فأرسل علينا مطرا غزيرًا حتى أقمنا في الغار الذي تحت الدم ثلاثة أيام، ثم دعونا اللَّه تعالى أن يرفعه عنا، قد رفعت الأرض.

فرفعه بسنده إلى مكحول قال: قال كعب الأحبار: اتبعني فاتبعته، حتى إذا وصلنا إلى غار في جبل قاسيون فصلى وصليت معه فسمعته يجتهد في الدعاء، ثم خرج وسار حتى وصل إلى موضع قتل ابن آدم فيه أخاه، فصلى وصليت معه، وسمعته يجتهد في الدعاء، فقلت: سمعتك تدعو مجتهدا ففيما ذلك؟ قال، سألت اللَّه أن يصلح بين معاوية وعلي وأن يرزقني كنافا وولدا ذكرًا ثم لقيته بعد ذلك فسألته فقال قد استجاب اللَّه تعالى ورزقني اللَّه ولدا ذكرًا وبعث لي معاوية بألف درهم وكسوة، وكتب معاوية إلى علي يسأله الصلح وتكاتبا على ذلك، وبسنده.

إلى جبير السفياني، قال: كنت مع كعب الأحبار على جبل دير مران فرأى لمعة سائرة في الجبل فقال ههنا قتل ابن آدم أخاه، وهذا أثر دمه قد جعله اللَّه تعالى آية للعالمين ومصلى للمتقين، وبسنده إلى عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد اللَّه بن أبي المهاجر قال: كان خارج باب الساعات صخرة يوضع عليها القربان، فما تقبل منها جاءت نار فأحرقته، وما لم يتقبل بقي على حاله، وكان هابيل

ص: 164

ذا غنم ومنزلة في قرى، وقابيل في قبيبه، وكان ذا زرع، وآدم في بيت أبيات، وحواء في بيت لهيا، فجاء هابيل بكبش سمين من غنمه فجعله على الصخرة فأخذته النار، وجاء قابيل بقمع غلت فوضعه على الصخرة فبقي على حاله فحسد أخوه وتبعه في هذا الجبل وأراد قتله فيه فصاحت حواء: فقال آدم: "عليك وعلى بناتك لا عليّ ولا على بني" وبسنده إلى أحمد بن كثير قال: صعدت إلى موضع الدم لي جبل قاسيون فسألت اللَّه عز وجل الحج فحججت، وسألت الجهاد فجاهدت وسألته الرباط فرابطت، وسألته الصلاة في بيت المقدس فصليت فيه، وسألته يغنيني عن البيع والشراء فرزقت ذلك كله، ورأيت في المنام كأني في ذلك الموضع قائمًا أصلي، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وهابيل، فقلت: أسألك بحق الواحد الصمد وبحق أبيك آدم وبحق هذا النبي هذا دمك؟ قال: أي والواحد الصمد هذا دمي جعله اللَّه آية للناس، وإني دعوت اللَّه رب أبي آدم وأمي حواء، ومحمد النبي المصطفى صلوات اللَّه عليهم أن يجعل دمي مستغاث كل نبي وصدّيق، ومن دعى فيجيبه، ومن سأله فيعطه سؤاله، فاستجاب اللَّه تعالى، وجعله

ظاهرًا، وجعل هذا الجبل آمنا ومغيثًا، ثم وكل اللَّه عز وجل به ملكان وجعل معه من الملائكة بعدد النجوم يحفظونه من أي موضعه لا يريد إلا الصلاة فيه أن يتقبل منه، فقال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"قد فعل اللَّه ذلك إكرامًا وإحسانًا وإني آتيه كل خميس، وصاحباي وهابيل فيصلي فيه"، وبسنده إلى الزهري، أنه قال:"لو يعلم الناس ما في مغارة الدم من الفضل لما هنأ لهم طعام ولا شراب إلا فيها".

وبسنده إلى هشام بن عمار قال: سمعت من يذكر عن كعب قال: اختفى إلياس عليه السلام من ملك قومه (1) وعرض

(1)" في الغار الذي تحت الدم عشر سنين، حتى أهلك اللَّه الملك، وولي غيره، فأتاه إلياس"، في (جـ) وتأتي بعد "ملك قومه"

ص: 165

عليه الإسلام فأسلم، وأسلم من قومه خلق كثير، وبسنده إلى ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "اجتمع الكفار يتشاورون في أمري، فقال صلى الله عليه وسلم ليتني بالغوطة -بمدينة يقال لها دمشق-، حتى آتي إلى مستغاث الأنبياء حيث قتل ابن آدم أخاه، فأسأل اللَّه تعالى يهلك قومي".

وبسنده إلى مكحول عن ابن عباس رضي الله عنه قال: موضع الدم في جبل قاسيون موضع شريف، كان مخبأ ابن زكريا وأمه فيه أربعين عامًا، وصلى فيه عيسى ابن مريم والحواريون، فمن أتى ذلك الموضع فلا يقصد عن الصلاة والدعاء فيه فإنه موضع الإجابة ومن أراد أن يأتي إلى ربوة ذات قرار ومعين فيأتي النيرب الأعلى بين النهرين، وليصعد إلى الغار في جبل قاسيون فليصلي فيه، فإنه بيت عيسى وأمه، وكان معقلهم وحصنهم من اليهود، ومن أراد أن ينظر إلى إرم ذات العماد فليأت نهرًا في خضرة دمشق يسمى بردا ومنها الموضع الذي بسفح جبل قاسيون المعروف بالكهف.

أخبرنا الشيخ محمد الحايك البعلبكي من جماعة الشيخ محمد عبد الرحمن داود الدمشقي الساكن بصالحية دمشق، والمخبر المذكور ثقة من أهل الخير والصلاح، أن توجه إلى الكهف المذكور، فرأى خادمه وعنده جماعة فأخبره أن بعض الحاضرين ذكر أن الكهف المذكور مطلبا وأنهم عرفوا على حفرة قال: فطاوعتهم على ذلك فدخلوا

إلى المغارة التي عند الباب، وحفروا هناك فظهرت لهم بلاطة كبيرة فقلعوها، ونزلوا فوجدوا مغارة سعتها نحو خمسة أذرع أو أكثر، وفي شمالها إيوان عليه سبعة أنفس طوال مسجين بأكفانهم على هيئة العرب فتهيبوا أن يدنوا منهم ورجعوا وأعادوا البلاطة إلى موضعها.

وعلى الجملة فمدينة دمشق أكثر المدن أبدالًا وأكثرها أهلًا ومالًا ورجالًا وزهادًا وعبادًا ومساجدًا وهي لأهلها معقل، وعلى ذكر من توفي فيها وقبرها أقول: روى أبي الحسن بن شجاع الربعي بسنده إلى الإمام الشافعي -رضي اللَّه

ص: 166