الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الخامس عشر
في قصة لوط عليه السلام وموضع قبره، وذكر مسجد اليقين والمغارة التي في شرقيه
، وعلى ما تضمنه هذا الباب أقول: هو لوط نبي اللَّه ورسوله بن هاران بن نارخ وهو
أزو، ولوط ابن أخ إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم قال الثعلبي: وإنما سمي لوط لأن حبه ليط بقلب إبراهيم عليه السلام أي تعلق ولصق، وكان إبراهيم عليه السلام يحبه حبًا شديدًا.
وقال الثعلبي أيضًا: قال وهب بن منبه خرج لوط من أرض بابل من العراق مع عمه إبراهيم تابعًا له على دينه مهاجرًا معه إلى الشام ومعهما سارة امرأة إبراهيم فخرج معها آزر أبو إبراهيم مخالفًا لإبراهيم في دينه مقيمًا على كفره حتى وصلوا إلى حران فمات آزر ومضى إبراهيم ولوط وسارة إلى الشام ثم مضوا إلى مصر، ثم عادوا إلى الشام فنزل إبراهيم عليه السلام فلسطين، ونزل لوط الأردن وأرسله اللَّه إلى أهل سدوم وما يليها وكانوا كفارا يأتون الفواحش كما أخبر اللَّه تعالى عنهم قال: وكان عمر وابن دينار يقولان ما نرى ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط وقوله عز وجل: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} [العنكبوت: 29]، فكان قطعهم السبيل فيما ذكر أهل التأويل، إتيانهم الفاحشة على من ورد بلدهم، وأما إتيانهم المنكر في
ناديهم.
قال المفسرون: هو أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم بالطريق فيحذفون من مر بهم بالحجر والمدر، ويتضارطون في مجالسهم، وينكح بعضهم بعضا في مجالسهم، وروى أبو صاع عن أم هانئ قالت: سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال: كانوا يجلسون في الطريق فيحذفون من مر بهم ويسخرون منهم فهو المنكر الذي كانوا يأتون به، وكان لوط ينهاهم عن ذلك ويدعوهم إلى عبادة اللَّه تعالى ويتوعدهم على إصرارهم على ما كانوا عليه وتركهم التوبة من العذاب الأليم، فلا يزيدهم زجره ووعظه إلا تماديًا وعتوًا واستكبروا استكبارًا واستعجالًا لعذاب اللَّه وإنكارًا وتكذيبًا ويقولون إتنا بعذاب اللَّه إن كنت من الصادقين حتى سأل لوط ربه تعالى أن ينصره عليهم فقال: رب انصرني على القوم المفسدين، فأجاب اللَّه سبحانه وتعالى دعاءه وبعث جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام لإهلاكهم وبشارة إبراهيم عليه السلام فأقبلوا مشاة في صورة رجل أمرد حسان حتى نزلوا على إبراهيم وبشروه بإسحاق ويعقوب ولما فرغوا من ذلك أخبروا إبراهيم أن اللَّه أرسلهم لإهلاك قوم لوط، فناظرهم إبراهيم،
وجادلهم في ذلك، كما أخبر اللَّه عز وجل بقوله:{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 74] وكان جداله إياهم على ما ذكر ابن عباس: {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت: 31] فقال لهم إبراهيم: أتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟، قالوا: لا قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا؟ قالوا: لا قال: أفتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا؟ قالوا: لا. قال: فكان إبراهيم بعدهم أربعة عشر مؤمنًا بامرأه لوط مسكت عنهم واطمأنت نفسه وروى سعيد بن جبير عن عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
لما علم إبراهيم عليه السلام حال قوم لوط قال للرسل: إن فيها لوطا إشفاقا منه عليه السلام فقالوا له: الرسل نحن أعلم بمن فيها لننجيه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود: 75]، قال البغوي: قال ابن جريج: وكان في قرى لوط أربعة آلاف فقالت الرسل عند ذلك لإبراهيم أعرض عن هذا المقال ودع عنك الجدال {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} [هود: 76] أي عذاب ربك {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ} [هود: 76] أي نازل بهم عذاب غير مردود، وغير مصروف عنهم، ولما جاءت رسلنا يعني هؤلاء الملائكة لوطا على صورة غلمان مرد حسان الوجوه سيء بهم أي حزن لوط لمجيئهم وضاق بهم ذرعا وذلك أن لوطا لما نظر إلى حسن وجوههم وطيب رائحتهم أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشة وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم، فقال:{هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77] أي شديد وكأنه عصيب به الشر والبلاء، قال: وقال قتادة: والسدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو القرى التي للوط فأتوها نصف النهار وهو في أرض لم يعمل فيها، وقيل: إنه كان يحتطب وقد قال اللَّه تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات فاستطاقوا لوطا فانطلق بهم، فلما مشى ساعة قال: ما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم قال أشهد باللَّه أنها لشر قرية في الأرض عمل ذلك أربع مرات وجبريل عليه السلام يقول للملائكة أشهدوا حتى أتى قومه وقد شهد عليهم أربع شهادات وروى أنّ الملائكة جاءوا إلى بيت لوط فوجدوه في دار ولم يعلم بذلك
إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته وأخبرت قومها وقالت
لهم في بيت لوط رجال ما رأيت مثلهم قط، وجاءه قومه يهرعون إليه، قال ابن عباس، وقتادة يسرعون، وقال مجاهد: يهرولون، وقال لهم لوط حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم يعني بالتزويج وفدا أضيافه ببناته وكان في ذلك الوقت تزويج المسلمة من الكافر جائز كما زوج النبي صلى الله عليه وسلم بنتيه من عقبة بن أبي لهب وبالعاص بن الربيع قبل الوحي وكانا كافرين، وقال الحسين بن الفضل عرض بناته عليهم بشرط الإِسلام، وقال مجاهد وسعيد بن جبير قوله: هؤلاء أراد نساءهم وأضافهم إلى نفسه لأن كل نبي أبو أمته فاتقوا اللَّه ولا تخزوني في ضيفي لا تسوؤني ولا تفضحوني في أضيافي {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78] أي انضم إلى عشيرة مانعة لقاتلناكم وحُلنا بينكم وبينهم وروى البغوي، عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يغفر اللَّه للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد" قال: قال ابن عباس: وأهل التفسير بأن الملائكة معه في الدار وهو يناصرهم ويناشدهم من وراء الباب وهم يعالجون تسور الجدار فلما رأت الملائكة ما يلقى لوط بسببهم قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد وإنا رسل ربك لن يصلوا إليك وافتح الباب
ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا عليه فاستأذن جبريل، للَّه عز وجل في عقوبتهم فأذن له فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه وعليه وشاح من در منظوم وهو برَّاق الثنايا أجلا الجبين ورأسه حبك مثل الجمان كأنه الثلج بياضا وقدماه إلى الحضرة فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم فانصرفوا وهم يقولون النجاة النجاة فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض سحرونا وجعلوا يقولون يا لوط، كما أنت حتى تصبح وسترى:"ما تلقى" منا غدا يتوعدونه فقال لهم لوط: متى موعد هلاككم قالوا: الصبح قال: أريد أسرع من ذلك فلو أهلكتموهم الآن؟ فقالوا: أليس الصبح بقريب؟ ثم قالوا يا لوط: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ} [هود: 78] فإنها تلتفت فتهلك، وكان لوط قد أخرجها معه ونهى من تبعه ممن أسرى بهم أن يلتفت سوى
زوجته فإنها لما سمعت "هذا" العذاب التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} [هود: 82] أي عذابنا {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [هود: 82] ذلك أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط المؤتفكات وهي خمس مدائن، وفيها أربعمائة ألف وقيل أربعة آلاف ألف فرفع المدائن كلها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونبيح الكلاب فلم يكفأ لهم إناء ولم ينتبه لهم نائم حتى قلبها فجعل عاليها سافلها {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [هود: 82] قيل كان مكتوبًا على كل حجر اسم من رمي به، وقيل إن الحجر أتبع مسافريهم أين كانوا في البلاد، وروى الثعلبي، عن مقاتل بن سليمان قال: قلت لمجاهد: يا أبا الحجاج هل بقى من قوم لوط أحد؟ قال: لا إلا رجل تاجر بقي أربعين يومًا بمكة فجاءه حجر ليصيبه في الحرم فقام إليه ملائكة الحرم وقالوا للحجر ارجع من حيث جئت فإن الرجل في حرم اللَّه تعالى قال: فخرج الحجر ووقف خارج الحرم أربعين يومًا بين السماء والأرض حتى قضى الرجل تجارته فلما خرج أصابه الحجر خارج الحرم، عن أبي سعيد: قال: الذي عمل ذلك
من قوم لوط إنما كانوا ثلاثين رجلًا ونيفا لا يبلغون الأربعين فأهلكهم اللَّه جميعًا.
وأما قبره صلى الله عليه وسلم فقد قال الفقيه الزاهد أبو عقبة عبد اللَّه بن محمد المروزي الحنفي رحمه اللَّه تعالى قرأت في بعض سير الأنبياء عليهم السلام فرأيت أن لوطً مقبورًا في قرية تسمى كفر "تبعد" عن مسجد الخليل عليه السلام نحوًا من فرسخ، وأن في المغارة القريبة تحت المسجد العتيق ستون نبيًا منهم عشرون مرسلا، وقد كان قبر لوط يُزار ويُقصد من قديم الزمان بنقل الخلف عن السلف قال صاحب كتاب البديع في تفضيل مملكة الإِسلام: وعلى فرسخ من (حبرى) جبل صغير مشرف على بحيرة زغرد موضع قريات لوط منهم مسجد بناه أبو بكر الصباحى فيه مرقد إبراهيم عليه السلام، قد غاص في القف نحوا من ذراع يقال إن إبراهيم لما رأى قريات لوط في الهواء وقف هناك أو رقد ثم قال: أشهد أن هذا لهو الحق اليقين فسمي ذلك المسجد مسجد اليقين.
قال الترمذي: ولم أر أحدًا تعرض لوفاة لوط ولا لعمره ولا لموضع قبره من
أصحاب التواريخ فيما وقفت عليه انتهى واللَّه أعلم.