الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الرابع عشر
في ذكر مولد إسماعيل عليه السلام ونقله إلى مكة المشرفة وركوب سيدنا الخليل صلى الله عليه وسلم البراق لزيارته وزيارة أمه هاجر وموتها ومدفنها وعمر إسماعيل عليه السلام ومدفنه
وكم بين وماته ومولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال صاحب جامع الأصول إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام هو أكبر أولاده وأبو العرب ورسول رب العالمين، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أولاده، وأمه هاجر خادمة إبراهيم عليه السلام، وهي التي أخدمها ذلك الجبار لسارة ووهبتها سارة لإبراهيم عليه السلام، وقالت له خذها لعل اللَّه تعالى أن يرزقك منها ولدا، وكانت سارة قد منعت الولد ويأست منه، وكان إبراهيم قد دعا اللَّه تعالى أن يهب له من الصالحين، فأخرت الدعوى حتى كبر إبراهيم عليه السلام وعقمت سارة.
قال ثم إن إبراهيم عليه السلام وقع على هاجر فولدت له إسماعيل فحزنت سارة على ما فاتها من الولد حزنًّا شديدًا.
وقال الثعلبي: حملت سارة بإسحاق وكانت هاجر حملت بإسماعيل فوضعا معًا وشب الغلامان فبينما هما ذات يوم يتناضلان وقد كان إبراهيم أجلس إسماعيل في حجره وأجلس إسحاق إلى جانبه وسارة تنظر إليه فغضبت وقالت: عمدت إلى ابن الأمة فأجلسته في حجرك، وعمدت إلى ابني فأجلسته إلى جانبك وقد حلفت أن لا تغابرني، وأخذها ما يأخذ النساء من المغيرة فحلفت لتقطعن بضعة منها ولتغيرن
خلقها ولتملأن يدها من دمها.
فقال إبراهيم عليه السلام: خذيها فاختنيها فيكون سنة من بعدك وتتخلصين من يمينك ففعلت ذلك، فصارت سنة في النساء.
ثم إن إسماعيل وإسحاق اقتتلا ذات يوم كما يفعل الصبيان فغضبت سارة على هذا، وقالت لا تساكنيني في بلد أبدًا وأمرت إبراهيم أن يعزلها عنها فأوحى اللَّه تعالى إليه أن تأتي بهاجر وابنها إسماعيل مكة فذهب بهما وهي إذاك عضاه سلم وسمر حولها ناس يقال لهم العماليق فعمد إلى موضع الحجر فأنزلها فيه وأمر هاجر أم إسماعيل أن
تتخذ فيه عريشا ففعلت ثم دعا إبراهيم عليه السلام فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم: 37].
وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إبراهيم عليه السلام ذهب بإسماعيل وأمه هاجر وهي ترضعه من الشام إلى مكة، وقيل نقله إلى مكة وهو فطيم، وقيل: رضيع، وقيل: كان له سنتان، وقيل غير ذلك فوضعها تحت دوحة وهي الشجرة الكبيرة وليس معهما وعاء فيها ماء وليس بمكة يومئذٍ أحد ولا بها ماء ووضع عندها جرابا فيه تمر ثم رجع فنادته أم إسماعيل يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس؟ قالت له ذلك مرارًا وهو لا يلتفت إليها فقالت له: آللَّه أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا اللَّه تعالى ثم رجعت فانطلق إبراهيم عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية بحيث لا يرونه استقبل البيت بوجهه ثم دعا بهذه الدعوات رافعًا يديه.
قال: وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ عطشت وعطش إسماعيل فجعلت تنظر إليه يتلوى من العطش فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض إليها فقامت عليه وجعلت تتسمع هل تسمع صوتًا أو ترى شيئًا؟ فلم تسمع صوتًا ولم تر أحدًا، ثم إنها سمعت أصوات السباع حول إسماعيل فأقبلت حتى قامت عليها فلم
تر شيئًا، وفي رواية ففعلت ذلك سبعًا قال الطبري، بل قامت على الصفا تدعو اللَّه وتستحيثه لإسماعيل، ثم عمدت إلى المروة ففعلت ذلك، ثم إنها سمعت أصوات السباع في الوادي نحو إسماعيل حيث تركنه فأقبلت إلى تشهده فوجدته يفحص الماء بيده من عين قد انفجرت من تحت يديه فشرب منها وجاءت أم إسماعيل فجعلتها حبيسًا ثم أخذت منها في قربتها تدخره لإسماعيل ولولا الذي فعلت ما زالت زمزم عينا معينا ماؤها ظاهر أبدا.
قال مجاهد: ولم نزل نسمع أن زمزم همزه جبريل بعقبه لإسماعيل حين ظمأ، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "رحم اللَّه أم إسماعيل لولا أبا عجلت لكانت زمزم عينًا
معينًا".
وروى البخاري من طريق آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كان بين إبراهيم الخليل عليه السلام وبين أهله ما كان خرج بإسماعيل وأمه هاجر ومعهم شنة فيها ماء فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة ثم رجع إلى أهله فاتبعته أم إسماعيل حتى لحقته ونادته من ورائه يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى اللَّه تعالى قالت: رضيت باللَّه ورجعت وجعلت تشرب من الشنة، ويدر لبنها على صبيها إلى أن فني الماء قال: ثم ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا قال: أهبت فصعدت الصفا فنظرت هل تحس أحدًا فلما بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة فعلت ذلك أشواطًا ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل فإذا هي بصوت فقالت أغث إن كان عندك غواث، فإذا جبريل عليه السلام قد قال بعقبه هكذا: أدغم بعقبه الأرض فانبسق الماء فدهشت أم إسماعيل وجعلت تحفر فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم "لو تركته لكان الماء ظاهرًا".
قال: وجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها فمر أناس من جرهم ببطن الوادي فإذا هم بطير كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا: ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم
فنظر فإذا هم بالماء فآتاهم وأخبرهم فأتوا إليها وقالوا: يا أم إسماعيل أتأذنين لنا أن نكون معك "أو قالوا نسكن معك". قال: فأذنت لهم وبلغ ابنها ونكح منهم امرأة.
وفي رواية فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك لا تخافي الضيعة، فإن ههنا بيت اللَّه تعالى يبنيه هذا الغلام وأبوه وأن اللَّه عز وجل لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم فنزلوا أسفل مكة فرأوا طائرا عاين
الغانف المتردد حول الماء فقالوا إن هذا الطير ليدور على الماء عهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جربا أو جربين فأذاهم الماء فرجعوا وأخبروهم بذلك وأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم ولا حق لكم في الماء قالوا: نعم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم فأبرد ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم حتى إذا كانوا بها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم حين شب فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل.
فجاء إبراهيم عليه السلام بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا الصيد ثم سألها عن معيشتهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر حال، نحن في ضيق وشدة وشكت إليه فقال لها: إذا جاء إسماعيل -أو قال زوجك- أقرئي عليه السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ صفته كذا وكذا فسألنى عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا. فأخبرته أنا في جهد وشدة قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك غير عتبة بابك قال ذلك أبي أمرني أن أفارقك إلحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم امرأة أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللَّه ثم أتاهم
بعد ذلك فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا صيدًا قال: كيف أنتم؟ وسألها عن معيشتهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على اللَّه تعالى، فقال لها: ما طعامكم؟ قالت اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء قال: "اللهم بارك لهم في اللحم والماء".
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولم يكن لهم يومئذٍ حب ولو كان لهم لدعا لهم فيه قال: فإذا جاء زوجك فأقرئي عليه السلام وأمريه أن يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألنى عنك فأخبرته وسألني عن معيشتنا فأخبرته أنا بخير وسعة قال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك قال: ذلك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث إبراهيم عليه السلام عنهم ما شاء اللَّه ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري
نبلا تحت دوحة قريبة من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنع ما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال يا إسماعيل: إن اللَّه عز وجل أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك عز وجل قال: وتعيننى، قال: وأعينك، قال: فإن اللَّه تبارك أمرني أن أبنى ههنا بيتًا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعنا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر والمقام فوضعه له فقام عليه إبراهيم وهو يبنى وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127]. قال: وأم إسماعيل قبطية ماتت قبل سارة بمكة ودفنت في الحجر وهي التي أوصى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأهل مصر بسببها فقال: "إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما" قال ابن إسحاق: فسألت الزهري عن الرحم التي ذكرها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال
لهاجر أم إسماعيل، وقال غيره لمارية القبطية أم ولده إبراهيم لأنها منهم، وعاش إسماعيل مائة وسبعًا وثلاثين سنة، وقيل مائة وثلاثون سنة، ومات ودفن بالحجر عند قبر أمه هاجر، وكان إبراهيم عليه السلام إذا أراد زيارة هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدوا من الشام ويقبل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام، ذكره محمد بن إسحاق قال: وكان لإسماعيل لما مات أبوه إبراهيم عليهما السلام تسع وثمانون سنة. قال ابن عباس: ولد إبراهيم إسماعيل عليهما السلام وهو ابن تسع وتسعين سنة، وكان بين وفاة إسماعيل ومولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نحوا من ألفين وستمائة سنة واليهود ينقصون من ذلك نحوًا من أربعمائة سنة، انتهى واللَّه أعلم.