المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب الحادي عشرفي فضل سيدنا الخليل عليه الصلاة والسلام وفضل زيارته وذكر مولده وقصته عند إلقائه في النار وذكر ضيافته وكرمه وذكر معنى الخلة واختصاصه بها، وذكر ختانه وتسروله وشيبه ورأفته جهذه الأمة وأخلاقه الكريمة وسنته المرضية التي لم تكن لأحد من - إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى - جـ ٢

[المنهاجي الأسيوطي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب العاشرفي ذكر من دخل بيت المقدس من الأنبياء الكرام وأعيان الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين-، ومن غيرهم ومن توفي منهم ودفن فيه وإجماع الطوائف كلها على تعظيمه ما خلا السامرة

- ‌آدم عليه السلام:

- ‌ نوح عليه السلام

- ‌يعقوب عليه السلام وهو إسرائيل:

- ‌يوسف الصديق عليه السلام:

- ‌موسى بن عمران عليه السلام:

- ‌يوشع بن نون عليه السلام:

- ‌داود عليه السلام:

- ‌سليمان بن داود عليهما السلام:

- ‌شعيبا عليه السلام:

- ‌أرميا عليه السلام:

- ‌زكريا عليه السلام:

- ‌عيسى عليه السلام

- ‌الخضر عليه السلام

- ‌مريم الصديقة عليها السلام:

- ‌المهدي الذي يكون في آخر الزمان:

- ‌عمر بن الخطاب رضي الله عنه

- ‌وأبو عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه

- ‌وسعد بن أبي الزهري من بني زهرة رضي الله عنه

- ‌أبو الدرداء عويمر رضي الله عنه، وسعيد بن أبي زيد بن عمر بن نفيل

- ‌وعبد اللَّه بن عمر

- ‌وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص السهيمي وأبوه وأخوه عبيد اللَّه

- ‌ومعاذ بن جبل رضي الله عنه

- ‌وأبو ذر الغفاري رضي الله عنه

- ‌وسلمان الفارسي رضي الله عنه

- ‌خالد بن الوليد رضي الله عنه

- ‌وعمرو بن العاص السهمي:

- ‌وعياض بن تميم رضي الله عنه

- ‌وعبد اللَّه بن سلام أبو الحارث الإمام الحبر الإسرائيلي

- ‌يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب:

- ‌وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر

- ‌وأبو مسعود الأنصاري:

- ‌وأبو جمعة الأنصاري:

- ‌ومرة بن كعب قال:

- ‌وعبادة بن الصامت:

- ‌وشداد بن أوس

- ‌وأبو ريحانة

- ‌والشريد بن سريد

- ‌وابن الجدعاء

- ‌وذو الأصابع التميمي

- ‌وأبو محمد النجاري

- ‌ومحمود بن ربيع أبو نعيم:

- ‌وسلام بن قيصر:

- ‌وصفية بنت حيي

- ‌وعصيف بن الحارث:

- ‌كعب الأحبار بن ماتع الحميري

- ‌وأبو نعيم المؤذن

- ‌وأبو الزبير المؤذن الدارقطني

- ‌وأبو سلام الحبشي

- ‌وأبو جعفر الحرسي:

- ‌وخالد بن معوان الكلاعي

- ‌وعبد الرحمن بن تميم الأشعري

- ‌وأبو العوام مؤذن بيت المقدس

- ‌وعبد الملك بن مروان

- ‌وعمر بن عبد العزيز

- ‌ومحارب بن دثار السدوسي

- ‌وإبراهيم بن أبي عبلة:

- ‌وعبد اللَّه بن فيروز

- ‌ومحمد بن واسع

- ‌ومالك بن دينار

- ‌والوليد بن عبد الملك بن مروان

- ‌وسليمان بن عبد الملك

- ‌وزياد بن أبي سودة مقدسي

- ‌ورابعة بنت إسماعيل العدوية

- ‌مقاتل بن سليمان المفسر

- ‌وإبراهيم بن محمد بن يوسف الغرياني

- ‌وسفيان الثوري

- ‌وإبراهيم بن أدهم أبو إسحاق

- ‌وبقية بن الوليد

- ‌والليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي

- ‌وأبو جعفر المنصور

- ‌والمهدي بن المنصور

- ‌ووكيع بن الجراح

- ‌والإمام محمد بن إدريس رضي الله عنه

- ‌والمؤمل بن إسماعيل البصري

- ‌وذو النون المصري

- ‌وصالح بن يوسف أبو شعيب

- ‌وبشر بن الحارث الحافي

- ‌وعبد اللَّه بن عامر العامري

- ‌وأبو عبد اللَّه محمد بن محمد حفيف

- ‌رقثم الزاهد

- ‌وأبو الحسن على بن محمد الجلال البغداي

- ‌والإمام الحافظ أبو الفضل على بن أحمد بن محمد بن طاهر المقدسي

- ‌والإمام محمد الطرطوشي الأندلسي

- ‌والإمام أبو حامد محمد الغزالي

- ‌وأبو الغنائم محمد بن على بن ميمون

- ‌وأبو عبد اللَّه محمد الديباجي

- ‌ومحمد بن حاتم بن محمد بن عبد الرحمن الطائي

- ‌وأبو محمد عبد اللَّه بن الوليد بن سعد

- ‌وأبو بكر محمد بن أبي بكر الجرجاني

- ‌وأبو الحسن علي بن محمد المعافري

- ‌وأبو سعد بن عبد الكريم بن محمد بن منصور بن السمعاني

- ‌الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب

- ‌والشيخ الزاهد أبو عبد اللَّه القدسي محمد بن أحمد بن إبراهيم

- ‌الباب الحادي عشرفي فضل سيدنا الخليل عليه الصلاة والسلام وفضل زيارته وذكر مولده وقصته عند إلقائه في النار وذكر ضيافته وكرمه وذكر معنى الخلة واختصاصه بها، وذكر ختانه وتسروله وشيبه ورأفته جهذه الأمة وأخلاقه الكريمة وسنته المرضية التي لم تكن لأحد من

- ‌الباب الثاني عشرفي ذكر ابتلائه صلى الله عليه وسلم بذبح ولده ومن هو الذبيح، وعُمْر إسحاق عليه السلام، وكم كان عمر أبيه، وأمه حين ولد، وكرامة سارة، والخلاف المذكور في نبوتها ونبوة غيرها من النساء، وقصة يعقوب عليه السلام، وعمره وشيء من قصة ولده

- ‌الباب الثالث عشرفي ذكر المغارة التي دفن فيها الخليل هو وأبناؤه الأكرمون وذكر شرائها من مالك ذلك الموضع، وهو عفرون، وأول من دفن في تلك المغارة وذكر علامات القبور التي بها

- ‌الباب الرابع عشرفي ذكر مولد إسماعيل عليه السلام ونقله إلى مكة المشرفة وركوب سيدنا الخليل صلى الله عليه وسلم البراق لزيارته وزيارة أمه هاجر وموتها ومدفنها وعمر إسماعيل عليه السلام ومدفنه

- ‌الباب الخامس عشرفي قصة لوط عليه السلام وموضع قبره، وذكر مسجد اليقين والمغارة التي في شرقيه

- ‌الباب السادس عشرفي ذكر موسى بن عمران عليه السلام وصفته التي وصفه بها النبي صلى الله عليه وسلم ورأفته بهذه الأمة وشفقته عليهم وذكر شيء من معجزاته وذكر السبب في تسميته موسى

- ‌الباب السابع عشرفي فضل الشام وما ورد في ذلك من الآيات والآثار والأخبار وسبب تسميتها بالشام وذكر حدودها، وما ورد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم على مكانها وما تكفل اللَّه تعالى لها

- ‌خاتمةفي فضل مواضع مخصوصة بالشام

الفصل: ‌الباب الحادي عشرفي فضل سيدنا الخليل عليه الصلاة والسلام وفضل زيارته وذكر مولده وقصته عند إلقائه في النار وذكر ضيافته وكرمه وذكر معنى الخلة واختصاصه بها، وذكر ختانه وتسروله وشيبه ورأفته جهذه الأمة وأخلاقه الكريمة وسنته المرضية التي لم تكن لأحد من

‌الباب الحادي عشر

في فضل سيدنا الخليل عليه الصلاة والسلام وفضل زيارته وذكر مولده وقصته عند إلقائه في النار وذكر ضيافته وكرمه وذكر معنى الخلة واختصاصه بها، وذكر ختانه وتسروله وشيبه ورأفته جهذه الأمة وأخلاقه الكريمة وسنته المرضية التي لم تكن لأحد من

قبله وأنها صارت شرائع وآدابا لمن بعده، وذكر عمره، وقصته عند موته، وكسوته يوم القيامة.

اعلم أن اللَّه تعالى بفضله ومنَّه قد كرم بنى آدم على سائر الخلق فقال جل ثناؤه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] ثم قسمهم أقسامًا ورفع بعضهم فوق بعض درجات.

ص: 57

وفضل الأنبياء على جميع خلقه، ثم زاد بعض الأنبياء تشريفًا بالرسالة فتميزوا بها على الأنبياء ثم خص بالأفضلية من المرسلين أولي العزم وجعلهم أهل الشرائع والكتب وجعلهم بهذه المزية أخص الخواص ورقاهم بسابق عنايته الربانية إلى مراتب عليت المراتب الأولى، التكريم العام، والمرتبة الثانية النبوة، وناهيك بها شرفًا، والمرتبة الثالثة، الرسالة: والمرتبة الرابعة أن جعلهم من أولى العزم وأصحاب هذه المرتبة من المرسلين نالوا الكمال من ربهم بسابق علمه فيهم ولقبول عملهم لذلك فحمله أهل الشرائع أولو العزم الخمسة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى للَّه عليهم أجمعين ثم أودع سبحانه في كل واحد من هؤلاء خصائص أكرمه بها فمنهم من أكرمه بالخلة ومنهم من أكرمه بالكلام إلى غير ذلك من الكرامات الباهرة والخصائص الظاهرة، وجمع في حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم حقائق الجميع وسرائر أهل التبليغ والتشريع، فهو الفرد الجامع البديع الرفيع ثم شرف بعده السيد الجليل أبا الأنبياء إبراهيم وجعله السيد الكامل والأب الفاضل ونبه سبحانه وتعالى في كتابه المبين على فضله وشرفه في آيات متعددة ناطقة بتعطم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتوقيره بكل ما جاء به من

نوع الإجلال والتعظيم "فهو نابع في حق الأنبياء" فهو من مزايا وخصوصية سيدنا الخليل إبراهيم على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأزكى التسليم وهو من أجلهم رتبة وأعظمهم منزلة وقربة، وعلى ذكر فضلهم صلى اللَّه عليهم وسلم قولٌ نصه اللَّه سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في حق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واجتبائهم واصطفائهم وعظيم قدرهم وشرف محلهم ما يجل عن الوصف فربما جمع فضلهم وشرفهم وربما ذكر كل واحد منهم بخصوصية كما شرف السيد الخليل عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى:{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125]، إلى غير ذلك مما أنزل في حقه من الآيات المخصوصة به مما يزيد على ثلاثين آية فعلى هذا التقدير يجب تعظيم الجميع وتوقيرهم سيما والدهم وإمامهم صلى الله عليه وسلم فيتأكد تعظيمه لأن تعظيمه

ص: 58

يزيد الإيمان به، ومزيد الإيمان به مفتاح لمزيد الإيمان باللَّه تعالى ويترتب على من اعتقد أن تعظيمه يزيد الإيمان به ثلاثة أمور منها: ما هو فرض، ومنها ما هو ندب ومنها: ما هو مستحب، فالفرض هو الإيمان به واعتقاد فضله وشرفه وتعظيمه وتوقيره وإنزال قدره الشريف من القلب في أعظم المنازل وأسناها، أما الندب فهو التأدب معه غيبة وحضورًا والخضوع عند سماع اسمه ونقل. حديثه والتذلل عند زيارته ورؤية قبره وخفض الصوت بقربه والإمساك عن كل ما لا يجوزه الشرع لأنه صلى الله عليه وسلم شاهد له في حركاته وذلك لوجود حياته في قبره فإن الأنبياء أحياء في قبورهم ولا ينكر حياة الأنبياء إلا جاهل يخاف عليه سوء العاقبة والعياذ باللَّه تعالى.

أما الاستحباب فيستحب لمن هو شاهد حضرته الشريفة أن يقصد كل يوم مرة زيارته والتمثل بحضرته والتشفع به معتقدًا بفضائل هذا النبي صلى الله عليه وسلم الكريم والأب الرحيم ما جعله اللَّه تعالى خاصًا به علمًا لغيره وهو النبوة والرسالة والملة والهداية والقبلة والدعوة والإمامة والإنابة والأبوة والخلة والفتوة والصلاة والرأفة والحلم والعلم والرشد والوفاء والصفاء والحياء والسخاء والاجتباء والاصطفاء وسلامة القلب وكرم الخلق واستقامة الدين والرضى والتسليم والتتميم للكلمات والحسبة وإسناده للبيت المعمور

وارتقائه إلى السموات السبع والذرية الكرام البررة وإيثاره البيت الحرام والصحف والكبش من الجنة وأنشأ الفطر في الأولين ولسان صدق في الآخرين والسماط والسرداب والقنديل والشبيبة المغيرة إلى غير ذلك من فضائله التي أكرمه اللَّه تعالى بها وجعلها إكرامًا له ورشادًا لغيره وشرائع وآدابًا لمن بعده فكان أول من أظهرها وبينها ونفع اللَّه العباد بها ببركة إرشاده فله في ذلك فضيلتان: فضيلة التلبس بهن والعمل وثواب إرشاد الخلق إلى سلوك منهاجها القويم.

واعلم أن اللَّه سبحانه أكرم خليله صلى الله عليه وسلم بكرامات ومعجزات دالات على جلالة قدره وعظيم فضله وعلو رتبته.

ومنها

ص: 59

أنه زعزع نمرود وزعزع قصره وهو في صلب أبيه، ومنها أنه نكس الأصنام وهو في بطن أمه، ومنها طلوع نجم سعده قبل مولده، ومنها خفة مولده، ومنها سهولة وضعه، ومنها شربه عسلًا ولبنا من أصابعه، ومنها خضوع الوحوش والسباع عند رؤيته، ومنها إقرار البقرة الحراث برسالته، ومنها إقرار الوحش بنبوته، ومنها إشارة الحجل ببعثه ومنها شهادة المرضع بصحة حجته، ومنها قلت الأعيان من الرمل بالبر الخالص بمهمته، ومنها إسماع صوت ندائه بحج البيت الحرام لمن شاء اللَّه من خليفته وهو في عالم الأرواح تحت علم اللَّه ومشيئته ومنها وفود الحج كل عام من أقصى المشرق ومنتهى المغرب إلى البيت العتيق لنفوذ استجابة دعوته ومنها ندب الصلاة عليه وعلى آله على كل مصلٍ من تحيته فلا تتم صلاة عبد إلا بعد ذكر شريف اسمه واستجلاء شرف طلعته فهذا أعظم خصوصيته وأجل بركته صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وذريته صلاة تتشرف بها لي الدنيا والآخرة بزيارته ونحشر بها في الآخرة إن شاء اللَّه في زمرته.

وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رجل لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يا خير الناس قال: "ذاك إبراهيم صلى الله عليه وسلم" وفي لفظ لمسلم أن رجلًا

قال له يا خير البرية قال: "ذاك أبي إبراهيم عليه السلام".

وعلى ذكر زيارته صلى الله عليه وسلم أقول هي التوجه الخاص الخالص والوقوف تجاه الحضرة الشريفة والسلام على الوجه المشروع والدعاء والتشفع إلى غير ذلك من الآداب.

وكيفية الزيارة أن يبدأ الزائر بما يستحب له من تطهير القلب بالإقلاع عن الذنوب والإنابة إلى اللَّه سبحانه وتعالى ثم التطهر الكامل من الغسل والوضوء ثم ينوي بقلبه زيارته صلى الله عليه وسلم ثم يتوجه بعزم ورغبة ويكثر في طريقه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم-

ص: 60

وعلى سائر النبيين والمرسلين، فإذا أتى باب الحرم وقف هنية لطيفة كالمستأذن ثم يقدم رجله اليمنى ويدعو بما يستحب أن يدعو به إذا دخل المسجد فإذا دخل المسجد صلى ركعتين تحية المسجد حيث شاء من المسجد ثم يتوجه إلى قبر سيدنا الخليل نبي اللَّه إسحاق صلى الله عليه وسلم ويقف من بعد ثم يستغفر اللَّه ثم يسلم عليه فإذا سلم سكت هنيهة طامعًا في جواب سلامه لأنه لا شك يرد عليه.

وكيفية السلام عليه أن يقول: السلام عليك أيها النبي الكريم ورحمة اللَّه وبركاته ثم يقصد السيد الخليل صلى الله عليه وسلم فإذا وصل إلى الباب وقف هنية لطيفة كالمستأذن ثم إن شاء دخل، وإن شاء وقف مكانه، فإنه يرى الحجرة المقدسة وكلما تأدب كان أقرب للقبول، فإذا وضع نظره على الضريح المقدس يطرق (بروحه) هنية، ثم يستغفر اللَّه وأكمل الاستغفار سبعون مرة وأقله ثلاث مرات ثم يرفع رأسه ويقول: يا سيدي يا خليل اللَّه أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأنك عبد اللَّه ورسوله وخليله جزاك اللَّه عنا خيرًا بما هو أهله ثم يقول: صلوات اللَّه البر الرحيم والملائكة المقربين والأنبياء المرسلين والصديقين والشهداء والصالحين من أهل السموات وأهل الأرضين عليك يا أبا الأنبياء يا خليل اللَّه وعلى ولدك السيد الكامل الفاتح الخاتم سيد الأولين والآخرين محمد حبيب اللَّه وعلى آلكما وصحبكما كلما ذكركما الذاكرون وغفل عن ذكركما الغافلون، وأكمل العدد من هذا أيضًا سبعون مرة فإن له تأثيرًا عظيمًا مجردًا وأقله ثلاث مرات ثم يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة له ولوالديه ولسائر أحبابه والمسلمين ثم يلتفت نحو السيدة سارة ويقول: السلام عليكم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ورحمة اللَّه وبركاته إنما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم "تطهيرًا" وأكمل الزيارة والإتيان بها على الوجه المشروع أن يبدأ الزائر

بزيارة الخليل عليه الصلاة والسلام ثم بزوجته السيدة

ص: 61

سارة ثم السيد نبي اللَّه إسحاق عليه السلام فإذا وقف عنده يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته يا نبي اللَّه إسحاق صلى اللَّه عليك وعلى والدك السيد الكريم الخليل وعلى ذريتك الطيبين الطاهرين ورحمة اللَّه وبركاته، يا نبي اللَّه إني متوجه بك إلى ربي في حوائجى لتقضي لي، ثم يدعو ما شاء ثم يلتفت عن شماله ويسلم على السيدة الجليلة زوجة سيدي إسحاق ويقول: السلام عليكم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ورحمة اللَّه وبركاته ثم يمضي بأدب وسكون ويقصد السيد الجليل نبي اللَّه يعقوب عليه السلام ويفعل عنده كما فعل عند أبيه إسحاق عليه السلام وكذا عند زوجته، ثم يقصد نبي اللَّه يوسف عليه السلام ويفعل كما سبق، ثم يقصد شباك خليل اللَّه إبراهيم صلى الله عليه وسلم ويقف بالقرب منه ثم يسلم ويدعو اللَّه تعالى بما شاء، فإن الدعاء هناك مستجاب ثم يسأل اللَّه بجميع أنبيائه خصوصًا بسيد الأولين والآخرين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه وآله أجمعين، ثم يمسح وجهه ويمضي مسرورًا مقبولًا إن شاء اللَّه.

ووجه كمال الزيارة على هذا الترتيب الذي ذكرناه بما فيه من البداية بالآباء والتثنية بالأبناء والاختتام بالأب الكريم خليل اللَّه إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وكلما ذكره أهل العلم السابقون والمتأخرون في مناسكهم من آداب الزيارة في حق سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو سائغ في حق هذا النبي الكريم خليل اللَّه إبراهيم من غير تردد ولا تقصير، ولا إخلال بشيء فمن أهمل شيئًا من ذلك فلجهله وحرمانه ومن تحلى بما أدبه اللَّه من الدخول في سلك أوليائه وأهل طاعته بقصد المعالي من الأمور الموجبة للارتقاء إلى المنازل العلية كان من الفائزين المقربين إن شاء اللَّه تعالى.

وعلى ذكر قصد زيارة إبراهيم الخليل عليه السلام وأبنائه الأكرمين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين أقول روى الحافظ أبو محمد القاسم ابن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة اللَّه بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لما أسري بي إلى بيت المقدس مر بي جبريل عليه السلام إلى قبر إبراهيم الخليل فقال انزل فصل

ص: 62

ههنا ركعتين فإن ههنا قبر أبيك إبراهيم عليه السلام وقد تقدم الحديث بطوله.

وروى أبو الحسين عبد اللَّه بن الحسن بن عمر اللخمي المقدسي بسنده إلى عبد اللَّه بن سلام رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من لم يمكنه زيارتي فليزر قبر أبي إبراهيم

الخليل عليه السلام وروى الشيخ أبو منصور بسنده إلى وهب بن منبه قال: (يأتي على الناس زمان تنقطع فيه السبل ويمنح اللَّه تعالى جل ثناؤه من الحج فمن لم يصل إلى ذلك فليزر قبر أبي إبراهيم الخليل عليه السلام فإن من زاره فكأنما زارني) وعنه أيضًا: (إن الزيارة إلى قبر أبي إبراهيم الخليل عليه السلام عنده حج الفقراء ودرجات الأغنياء) ورواه أيضًا المشرف بن المرجا، وعن وهب بن منبه عن كعب قال: من زار بيت المقدس وقصد قبر إبراهيم عليه السلام للصلاة فيه خمس صلوات ثم سأل اللَّه عز وجل شيئًا أعطاه اللَّه إياه وغفر ذنوبه كلها ولا يخرج من الدنيا حتى يرى إبراهيم عليه السلام فيبشره أن اللَّه تعالى قد غفر له.

وروى أبو بكر بن جماعة بن الطيب المقدسي بسنده إلى كعب الأحبار الخبري قال: أكثروا الزيارة إلى قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأظهروا الصلاة عليه وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضوان اللَّه عليهما قبل أن تمنعوا ذلك أو يحال بينكم وبين ذلك بالفتن وفساد السبل فمن فقد ذلك أو حيل بينه وبين الزيارة إلى قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فليجعل رحلته وإتيانه إلى قبر إبراهيم عليه السلام وليظهر الصلاة عليه وليكثر الدعاء فإن الدعاء عنده مستجاب ولن يتوسل به أحد إلى اللَّه جل ثناؤه في شيء إلا لم يبرح حتى يرى الإجابة في ذلك عاجلًا أو آجلًا.

وبسنده أيضًا إلى وهب بن منبه اليماني أنه قال: إذا كان آخر الزمان حيل بين الناس وبين الحج فمن لم يحج ولحق ذلك فعليه بقبر إبراهيم الخليل عليه السلام فإن زيارته تعدل حجة وعن كعب الأحبار قال: لو يعلم الذي يعلم ماله من الثواب في إتيانه

ص: 63

إلى قبر إبراهيم عليه السلام لكان لا يبرح من تلك البقعة، ولا يتوسل أحد بإبراهيم عليه السلام، إلا أعطاه اللَّه تعالى ما سأل وأضعف له وذلك فوق مسألته لكرامة إبراهيم عليه السلام وحدث أبو الحسن موسى بن الحسين التاجر قال: حدثني رجل من أهل بعلبك قال: زرنا قبر إبراهيم الخليل عليه السلام وكان معنا رجل مغفل من أهل الجبل فسمعنا وقد زار القبر وهو يبكي وهو يقول: حبيبي إبراهيم سل ربك يكفيني فلانًا وفلانًا فإنهم يؤذياني ونحن نضحك منه ونتعجب من قوله، ثم رجعنا بعد مدة إلى يافا فوصل قارب من بيروت وفيه رجل من أهل بعلبك فحدثنا أن الثلاثة الذين سماهم ماتوا.

وروى أبو علي الحسن بن جماعة بسنده إلى وهب بن منبه أنه قال: طوبى لمن

زار قبر إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام طوبى له يمحو اللَّه ذنوبه كلها ولو كانت مثل جبل أحد وعنه أنه قال: من زار قبر إبراهيم عليه السلام في عمره مرة لا يقينه إلا ذلك حشر يوم القيامة آمنًا من الفزع الأكبر ووقي فتنة القبر، وكان حقًا على اللَّه أن يجمع بينه وبين إبراهيم في دار السلام.

وعلى ذكر مولده صلى الله عليه وسلم وقصته عند إلقائه في النار، أقول قال ابن اسحاق رحمه اللَّه تعالى: لما أراد اللَّه عز وجل أن يبعث إبراهيم عليه السلام في حجة على قومه ورسولًا إلى عباده رأى نمرود في منامه كأن كوكبًا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع لذلك فزعًا شديدًا وجمع السحرة والكهنة وسألهم عن ذلك، فقالوا له: هو مولود يولد في ناحيتك هذه السنة ويكون هلاكك وذهاب ملكك على يديه قال: فأمر نمرود بذبح كل غلام يولد في تلك السنة في تلك الناحية، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل حامل أمينا، فكانت الحامل إذا وضعت حملها وكان ذكرًا ذبحه وقيل: بل

ص: 64

حبس جميع الحوامل إلا ما كان من أم إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ فإنه لم يعلم بحملها وعميت عنها الأبصار قال: وخرج نمرود بجميع الرجال إلى العسكر ونحاهم عن النساء كل ذلك تخوفًا من ذلك المولود الذي أخبر به وقيل: إن نمرود لما خرج بعسكره بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها أحد من قومه إلا آزر، وذلك قبل حمل أم إبراهيم به فبعث إلى آزر وأسر إليه بحاجته وقال له: إني لم أبعثك إلا لثقتى بك، وأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك فقال آزر: أنا أشح على ديني من ذلك قال: ودخل آزر المدينة وقضى حاجته، ثم بدا له الدخول على أهله لرؤية حالهم وإصلاح شأنهم فلما دخل الدار واجتمع بأهله حكم عليه نفوذ الأقدار ونسي ما التزم به للنمرود فواقع أهله فحملت بإبراهيم عليه السلام قال: فلما استقر في بطنها تنكست الأصنام وظهر نجم إبراهيم عليه السلام له طرفان أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب فلما رآه نمرود تحير وازداد تخوفه، ولما تم حمل إبراهيم وجاء لأمه الطلق أرسل اللَّه إليها ملكًا على أجمل صورة من بني آدم فآنسها وسكن خوفها وبشرها بولد له شأن عظيم فلما ثقل عليها الحال قال لها: انهضي معي فقامت معه واتبعته فتوجه بها حتى أدخلها غارا هناك معما فلما دخلت الغار وجدت فيه جميع ما تحتاج إليه وخفف اللَّه تعالى عليها الطلق فوضعت السيد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة ليلة عاشوراء فلما نزل إلى

الأرض نزل جبريل عليه السلام وقطع سرته وأذن في أذنه وكساه ثوبًا أبيض، ثم عاد بها الملك إلى منزلها وتركت ولدها في الغار، قال: ولما طالت غيبة نمرود عن أرضه عاد في تدبير ما أهمه فبينما هو جالس يومًا على سريره وإذا هو قد انتفض من تحته انتفاضًا شديدًا وسمع هاتفًا يقول: تعس من كفر بإله إبراهيم فقال لآزر: أسمعت ما سمعته، قال: نعم؟ قال: فمن إبراهيم، قال آزر: لا أعرفه فأرسل إلى السحرة والكهنة وسألهم عن

ص: 65

إبراهيم فلم يخبروه بشيء من علمهم به وكان ذلك في يوم ولادته ثم توالت على نمرود الهواتف ونطقت الوحوش والطيور بمثل ذلك فكان نمرود لا يمر بمكان إلا ويسمع قائلًا يقول تعس من كفر بإله إبراهيم، قال: ثم إن نمرود رأى رؤية أخرى هالته وذلك أنه رأى القمر طلع في ظهر آزر وبقي نوره كالعمود الممدود بين السماء والأرض وسمع قائلًا يقول: جاء الحق وزهق الباطل ونظر إلى الأصنام وهي منكسة على كراسيها فاستيقظ فزعا مرعوبًا وقص رؤياه على آزر فخاف آزر على نفسه منه، وقال إنما: ذلك لكثرة عبادتي لهن، قال: وكان النمرود بليدًا جبانًا فرضي بقول آزر وسكت ثم بدا له الدخول إلى البلدة فلما حل بها دخل آزر على الأصنام وكان هو القيم لها فلما وقع نظره عليها تساقطت عن كراسيها فسجد آزر حين رأى ذلك فأنطقها اللَّه تعالى وقالت: يا آزر جاء الحق وزهق الباطل ووافى نمرود ما كان يحذره، فدخل آزر بيته وكان قد توهم في زوجته أنها حامل؛ فلما رآها وهي نشيطة سألها عن حالها فقالت: إن الذي كان ببطنى لم يكن ولدًا وإنما كان ريحًا وقد انصرف عنى فصدقها على ذلك، قال: وألقى اللَّه تعالى النسيان على نمرود لأمر إبراهيم فكانت أمه تتوجه إلى الغار قال: فتوجهت إليه مرة فرأت الوحوش والطيور على باب المغارة فخافت واضطربت وظنت أن ولدها قد هلك فلما دخلت عليه وجدته بنعمة وعافية على فراش من السندس وهو مدهون ومكحول فلما رأت ذلك منه ازدادت تعظيمًا له وعلمت أن له شأنًا عظيمًا وأن له ربًا يتولاه ووجدته من أصابعه الإبهام والسبابة فيشرب من واحد لبنًا ومن الآخر عسلًا قالت: وكان يشب شبًا لا يشبه الظمآن، يومه كالشهر وشهره كالسنة ولم يمكث في الغار إلا خمسة عشر شهرًا وتكلم، وقيل أكثر فقال لأمه يومًا: من ربي؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن رب أبي؟ قالت: نمرود. قال: فمن رب نمرود؟ قالت له: اسكت

ص: 66

فسكت.

ثم إنها رجعت إلى زوجها وقالت: أرأيت الغلام الذي يتحدث به إنه بغير دين أهل الأرض، قال: لا، قالت: إنه ابنك ثم أخبرته بأمره ومكانه فأتاه أبوه ونظر وفرح به، وقال له ما قاله لأمه: فقال له أبوه عند ذكر إله نمرود: اسكت. فسكت: قال: ثم إن إبراهيم قال لأمه يوما أخرجيني من الغار فأخرجته عشاء فلما خرج تفكر في خلق السموات والأرض ثم قال: إن الذي خلقنى ورزقني ويطعمنى ويسقيني لربي مالي إله غيره، ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبًا فقال: هذا ربي ثم أتبعه ببصره وينظر إليه حتى غاب فسئمه قال: "لا أحب الآفلين" وهذا يدل على كمال عقله وعلمه إذ الآفل لا يجوز أن يكون إلهًا قال: ثم رأى القمر بازغًا قال: هذا ربي وأتبعه بصره حتى غاب فسئمه ورجع بفكره متوجهًا إلى ربه، وقال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ومضى قوله صلى الله عليه وسلم لئن لم يهدني ربي لأن الهداية والتوفيق بيده سبحانه قال: ثم طلعت الشمس فقال: هذا ربي هذا أكبر مني فلما أفلت سئمها وتوجه إلى ربه بقلب سليم ووجهه للحق بالصدق واليقين ونادى على قومه بالشرك المبين، وقال:{يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79] فنقله اللَّه تعالى من علم اليقين إلى عين اليقين. قال: ثم إن أباه ضمه إليه فشب شبابًا حسنًا ولا زال صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله مجملًا مكملًا حتى أكرمه اللَّه بما أكرمه من الأيات البينات والكرامات الباهرات ثم ألبسه خلعة الخلة وجعله من أولي العزم من الرسل وجعله أبا الأنبياء وتاج الأصفياء، ونور أهل الأرض وشرف أهل السماء وكان مولده بكوثا من إقليم بابل من أرض العراق على أرجح الأقوال قال ولم يبتل أحد من الخلق بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم عليه السلام، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه لا جرم أن اللَّه عز وجل مدحه في كتابه العزيز بقوله:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124]، والكلمات التي ابتلاها اللَّه من أجل شرائع الإسلام

ص: 67

ومن أعز ما امتحن به أهل الإيمان ولذلك مدحه اللَّه تعالى {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] ومعنى التوفية هو الإتمام لما طولب به في دينه ونفسه وماله وولده فأتم الجميع على الوجه المطلوب ولما صنع له نمرود المنجنيق وألقاه في النار ظهر تحقيق الابتلاء وصدق الولاء وذلك أنه لما نزل من

عدوه ما نزل ووضع في المنجنيق استغاثت الملائكة قائلةً: يا ربنا هذا خليلك قد نزل به من عدوك ما أنت أعلم به، فقال اللَّه سبحانه لجبريل اذهب إليه فإن استغاث بك فأغثه وإلا فاتركني وخليلي، فتعرض له جبريل وهو يقذف به في لجة الهواء إلى النار فقال له: هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا وأما إلى اللَّه فبلى وقيل: جاءه جبريل عليه السلام فسأله فقال: أما إليك فلا حسبي من سؤالي علمه بحالى فلم يستنصر بغير اللَّه ولا جنحت له همته لما سوى اللَّه بل استسلم لحكم اللَّه مكتفيًا بتدبير اللَّه تعالى عن تدبير نفسه فأثنى اللَّه تعالى عليه بقوله تعالى {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] ونجاه من النار وقال لها: {يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] فقال بعض أهل العلم لو لم يقل اللَّه تعالى وسلامًا لأهلكه بردها فخمدت تلك النار وقيل: إنه لم يبق في ذلك الوقت نار في مشارق الأرض ومغاربها إلا خمدت ظانة أنها المعنية بالخطاب قال: وكان حين وضع في المنجنيق ورمي به جرد من ثيابه ولم يترك عليه إلا سراويله فقصد بعض السفهاء نزع السراويل عنه فشلت يده، وكان مقيدا بقيود وتلقاه جبريل عليه السلام فلم يضره ألم الهوي فلما استقر على الأرض وهي إذ ذاك جمرا أحمر يلتهب ويتوقد ولم يؤثر فيه شيء من حرارة النار وظهر للناظرين إليه والرائين له أن الأرض التي سقطت عليها مخضرة موفقة وجليسه جليس صالح حسن الوجه والهيئة كأحسن ما رأى راء، ثم ألبسه قميصًا من ثياب الجنة وفك قيده وآنسه وقال له: ربك يقرئك السلام ويقول لك أما علمت أن النار لا تضر

ص: 68

أحبائي. فقال صلى الله عليه وسلم: حسبي اللَّه ونعم الوكيل، وكان صلى الله عليه وسلم أول من جرد من ثيابه في سبيل اللَّه فلذلك كساه اللَّه في ذلك المحل قميصًا من الجنة وادخر له كسوة يكسى بها أول الخلق في القيامة كل ذلك وهو بمشهد من الخلق ينظرون إليه، فلما رآه وقد أكرمه اللَّه بما أكرم به آمن باللَّه جمع كثير في سر من نمرود، قال: وخرج إبراهيم من مكانه يمشي وفارقه جبريل عليه السلام فأقبل نحو منزله فأرسل إليه نمرود وسأله عن كسوته ورفيقه فقال له: إنه ملك أرسله إلي ربي وقص عليه القصة، فقال نمرود: إن إلهك الذي تعبده لإله عظيم وإني مقرب قربانًا إليه لما رأيت من عزته وقدرته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته قال: فقرب أربعة آلاف بقرة ثم احترم إبراهيم بعد ذلك وكف عنه، ثم قال له يومًا: أسألك أن

تخرج من أرضى هذه إلى حيث شئت فأجابه إلى ذلك وخرج هو وأهله فنزل الرها، ثم انتقل إلى حلب، ثم إلى الشام، ثم إلى بيت المقدس إلى محله الآن، فهو أول من هاجر من وطنه في ذات اللَّه حفظًا لإيمانه فلما أن فعل ذلك جازاه اللَّه تعالى أن جميع الملل تفد إليه سعيًا من سائر أقطار الدنيا.

وعلى ذكر صباه وكرمه، وذكر الخلة واختصاصه بها أقول: روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى عكرمة قال: كان إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام يدعى أبا الضيفان، وقال الغزالي في باب الضيافة من كتاب الإحياء أن

ص: 69

إبراهيم عليه السلام كان إذا أراد أن يأكل خرج ميلًا أو ميلين يلتمس من يأكل معه وكان يكنى أبا الضيفان وبصدق نيته في الضيافة دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا فلا ينقضي يوم وليلة إلا ويأكل عنده ضيف، وقال قوام الموضع: لم يخل المكان إلى الآن ليلة عن ضيف قال: وحدثنى محمد بن عبد السلام بن حسين عن بعض الشيوخ قال: كان رجل شريف القدر محتشم من أهل دمشق ذو جاه يزور سيدنا الخليل عليه السلام كل حين وكان يؤتى بالضيافة التي جرت العادة بها لزواره فيردها ولا يأكل منها شيئًا فجاء مرة وهو ملهوف وجعل يطلبها ويجد في طلبها حتى قيل: إنه كان يتتبع ما بقى في القصاع ويلتقط ما يجد من لباب الخبز وفتاته فيأكله فقيل له في ذلك: فقال: رأيت الخليل عليه السلام فقال: ما أكلت ضيافتنا فما قبلنا زيارتك فإن أكلت ضيافتنا قبلنا زيارتك.

وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن اللَّه تعالى وسع على إبراهيم عليه السلام في المال والخدم فاتخذ بيت ضيافة له بابان يدخل الغريب من أحدهما ويخرج من الآخر، ووضع في ذلك البيت كسوة الشتاء وكسوة الصيف ومائدة منصوبة عليها طعام فيأكل الضيف ويلبس إن كان عريانا ويحدد إبراهيم عليه السلام كل حين مثل ذلك.

روى صاحب كتاب "الأنس" بسنده إلى وهب بن الورد قال: بلغنا أن إبراهيم عليه السلام لما قرب العجل إلى الضيوف، ورأى أيديهم لا تصل إليه، قال: لِمَ لا تأكلون قالوا: لا نأكل طعامًا إلا بثمنه قال: أو ليس معكم ثمنه؟ قالوا: وأنى لنا بثمنه؟ قال: تسمون اللَّه تبارك وتعالى إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم قالوا: سبحان اللَّه لو كان ينبغي للَّه أن يتخذ خليلا من خلقه لا تخذك يا إبراهيم خليلا قال: فاتخذ اللَّه إبراهيم

خليلا، وقيل: إن الملائكة لما رأت ازدياد إبراهيم عليه السلام في الخير وإقبال الدنيا عليه ولم يشغله ذلك عن اللَّه طرفة عين عجبت من ذلك وقالت: إن ظاهره الحسن وأنه لا يؤثر على ربه شيئًا فهل هو في قلبه هكذا فعلم

ص: 70

اللَّه سبحانه وتعالى منهم ما تكلموا به فأمر ملكين من أجلاء الملائكة قيل: إنهما جبريل وميكائيل عليهما السلام أن ينزلا عليه ويستضيفانه ويذكرانه بربه ويرفعان صوتهما عنده بالتسبيح والتقديس للَّه تعالى، فنزلا عليه على صورة بنى آدم سألاه الإذن لهما في المبيت عنده فأذن لهما وأكرم نزلهما ورفع محلهما، فلما كان بعض الليل وهو يسامرهما إذ رفع أحدهما صوته وقال: سبحان الملك القدوس ذي الملك والملكوت ثم رفع الأخر رأسه وقال: سبحان الملك القدوس بصوت لم يسمع مثله قال: فأغمي على إبراهيم عليه السلام ولم يملك نفسه من الوجد والطرب ثم أفاق بعد ساعة وقال لهما: أعيدوا علي ذكركما فقالا: لن نفعل حتى تجعل لنا شيئا معلومًا فقال لهما: خذا ما تختارا من مالي فقالا له: أعطنا ما شئت فقال: لكما جميع مالي من الغنم وكان شيئًا كثيرًا فرضيا بذلك ثم رفعا صوتهما وقالا كالأول فأغمي عليه، فلما أفاق وعلم أنهما لا يقولان شيئًا إلا بمعلوم قال لهما: لكما جميع مالي من البقر وأعاد ولم يزالا يكررا عليه الذكر ويتجلى به ويستغرق في لذته حتى أعطاهما جميع موجوده من ماله وأهله، ولم يبق إلا نفسه فباعهما ورضي لهما أن يكون في رفقتهما، وجعل في عنقه شدادًا وسلمهما نفسه وقال لهما: تجودا علي بالذكر مرة أخرى فلما رأيا منه ذلك قالا: حقًا لك أن يتخذك اللَّه خليلًا، ثم حكيا له ما كان من الملائكة فتبسم، وقال حسبي اللَّه ونعم الوكيل، ثم قالا له: أمسك عليك مالك بارك اللَّه لك وعليك وعلى ذريتك. قال: فمَنَّ اللَّه عليه تعالى بإبقاء ذريته وسماطه وزاده بركة وخيرًا وجعل سماطه ممدودًا من يومه ذلك إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة إن شاء اللَّه تعالى.

وروى بعض الشيوخ المنسوبين إلى العلم والفضل، أن فرقة عطمة من أشراف الناس نزلت على إبراهيم عليه السلام فأضافهم أحسن الضيافة وأكرمهم أحسن الكرامة، وبالغ في إكرامهم مدة مقامهم عنده فلما عزموا على الانصراف قال بعضهم

ص: 71

لبعض: إن هذا الرجل قد أكرمنا وزاد في إكرامنا حتى احتشمنا منه فتعالوا حتى نقول له: إن كان له حاجة فقضيناها له أو معونة على أمر أعناه عليه مكافأة لما صنع معنا

من الجميل فقالوا له: إنك قد أكرمتنا وزدت في إكرامنا فإن كان لك حاجة قضيناها للث أو معونة على أمر أعناك عليه، فقال: لي إليكم حاجة مهمة أريد أن تقضوها لي، فقالوا: ما هي؟ قال: تسجدوا لإلهي سجدة واحدة فقالوا: لا سبيل إلى ذلك وصعب عليهم هذا الأمر وأنكروه أشد الإنكار وكانوا مشركين باللَّه تعالى، وإلي إليكم حاجة إلا هذه فإن قضيتموها وإلا فما لي حاجة غيرها فقال بعضهم لبعض: ما علينا من ذلك، تعالوا حتى نقضي حاجته ونسجد لإلهه سجدة واحدة، ونحن باقون على ديننا لا نتغير عنه وأجمعوا على ذلك، وقال لإبراهيم نحن نقضي حاجتك، قال: فافعلوا فاستقبلوا قبلة إبراهيم وسجدوا كلهم وسجد إبراهيم معهم، وذكر اللَّه تعالى في سجوده، وقال: اللهم إني قد فعلت ما قدرت عليه من إصلاح ظواهرهم ولا أقدر على إصلاح بواطنهم فأصلحها فهداهم اللَّه كلهم إلى الإيمان والتوحيد، فرفعوا رؤوسهم من سجودهم وهم مؤمنون وموحدون فسر إبراهيم عليه السلام بذلك وصاروا كلهم على دينه دين الحق فظهر عليهم أثر بركته واستجاب دعوته.

وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى وهب قال: لما اتخذ اللَّه إبراهيم خليلًا كان يسمع خفقان قلبه من بعد خوفًا من اللَّه تعالى.

وروى أبو نعيم الحافظ عن ابن عمر قال: "قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لجبريل: يا جبريل لِم اتخذ اللَّه إبراهيم خليلا؟. قال: لإطعامه الطعام" وبسنده أيضًا إلى وهب بن منبه قال: قرأت في الكتب المنزلة إن اللَّه تعالى قال لإبراهيم: أتدري لما اتخذتك خليلا؟ قال: لا يا رب، قال له: لإبقائك بين يدي، وروى الحافظ ابن عساكر، بسنده إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "بعث اللَّه جبريل إلى إبراهيم فقال: لم اتخذتك خليلا على أنك عبد من عبادي؟ ولكن اطلعت على قلوب الآدميين فلم أجد قلبًا أسخى من قلبك فلذلك اتخذتك خليلًا". وفي الصحيحين عن ابن عمرو بن مسعود أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: بعث اللَّه جبريل إلى النبي إبراهيم فقال له اتخذتك

ص: 72

خليلًا على أنك عبد من عبادي وقال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس

إن اللَّه تعالى اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلا"، قال القاضي عياض رحمه الله: اختلف في تفسير الخلة واشتقاقها فقيل: الخليل المنقطع إلى اللَّه تعالى الذي ليس له في انقطاعه إليه ومحبته له اختلال وأصل الخلة الاستقصاء، وسمي إبراهيم خليل اللَّه لأنه يوالي في اللَّه تعالى ويعادي في اللَّه تعالى، وخلة اللَّه تعالى نصره وجعله إمامًا لمن بعده والخليل أصله الفقير المحتاج المنقطع مأخوذ من الخلة وهي الحاجة فسمي بها لأنه قصر حاجته على ربه وانقطع إليه بهمته ولم يجعل له وليا غيره حيث قال له جبريل عليه السلام وهو في المنجنيق ليرمى به في النار: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا.

قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: الخلة صفاء المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار، وقيل: أصل الخلة المحبة ومعناها الإشفاق، والإلطاف، والترفيع، والتشفيع، والخلة هنا أقوى من النبوة لأنها قد تكون مع عداوة قال اللَّه تعالى:{إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} [التغابن: 14]، فالعداوة مع الخلة ووصف إبراهيم ومحمد صلى اللَّه عليهما وسلم بالخلة إما لانقطاعهما إلى اللَّه تعالى دون غيره وقصر حوائجهما على اللَّه تعالى والاضطراب على الوسائط والأسباب أو لزيادة الاختصاص من اللَّه تعالى لهما وخفي الطاقة عندهما وما خالط بواطنهما من الأسرار الإلهية ومكنون غيوبه ومعرفته ولاصطفائه لهما واستصفاء قلوبهما وتفريغهما عمن سواه حتى لا يخايل حب لغيره ولهذا قيل: الخليل من لا يسع قلبه غير خليله وهو عندهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن

ص: 73

أخوة الإسلام".

واختلف العلماء أرباب القلوب هل الخلة والمحبة شيئان أو أحدهما أرفع من الآخر، فقيل سيان، فالحبيب خليل، والخليل حبيب، ولكن خص إبراهيم بالخلة، ومحمد صلى الله عليه وسلم بالمحبة وقيل: الخلة أرفع للحديث المذكور لو كنت متخذا خليلًا غير ربي؛ فلم يتخذ أبا بكر خليلا -وأطلق على نفسه الشريفة أن المحبة أرفع لأن درجة نبينا

الحبيب صلى الله عليه وسلم، وأصل المحبة الميل الى ما يوافق المحبوب وهذا فيمن يأتي منه الميل وهي درجة المخلوقين، أما الخالق جل جلاله فمنزه عن ذلك فمحبته لعبده تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب وإفاضة رحمته عليه وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بعين قلبه وينظر إليه ببصيرته كما في الحديث:"فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به".

ولا ينبغي أن يفهم من ذلك سوى التجرد للَّه تعالى والانقطاع إليه والإعراض عمن سواه وصفاء القلب للَّه وإخلاص الحركات له سبحانه وتعالى وعلى ذكر حنانه وتسروله وشفقته ورأفته بهذه الأمة وأخلاقه الكريمة وسنته المرضية التي لم تكن لأحد قبله وأنها صارت شرائع وآدابًا لمن بعده.

أقول: وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "اختتن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين ومائة سنة عاش بعد ذلك ثمانين سنة" وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اختتن إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم" وهو بالتخفيف والتشديد قال النووي رحمه اللَّه تعالى، وروى الحافظ ابن عساكر في تاريخه بسنده، أنه صلى الله عليه وسلم قال:"ربط إبراهيم عليه السلام عزلته وجمعها إليه ومد قدومه وضرب قدومه بعود كان معه فندرت بين يديه بلا ألم ولا دم وختن إسماعيل عليه السلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام"، وعن عكرمة قال: اختتن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو ابن

ص: 74

ثمانين سنة فأوحى اللَّه إليه أنك قد أكملت إيمانك إلا بضعة من جسدك فألقها فختن نفسه بالفأس.

وقال ابن عباس كان إبراهيم الخليل أول من لبس السراويل وذلك أنه كان عليه السلام كثير الحياء وكان من حيائه يستحي أن ترى الأرض هواكيره فاشتكى إلى اللَّه عز وجل ذلك فأوحى اللَّه تعالى إلى جبريل عليه السلام فهبط عليه بخرقة من الجنة ففصلها جبريل سراويل وقال له: ادفعها إلى سارة، وكان اسمها سارة فلتخطه فلما خاطته سارة

لبسه إبراهيم عليه السلام قال ما أحسن هذا وأستره يا جبريل فإنَّه نعم السترة للمؤمن فكان إبراهيم عليه السلام أول من لبس السراويل، وأول من فصل وخاط سارة بعد إدريس عليه السلام، وفي رواية عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن اللَّه جل ثناؤه أوحى إلى إبراهيم عليه السلام أنك خليلي وأحب أهل الأرض إليّ وأنك إذا سجدت وقعت عورتك على الأرض فاتخذ ثوبًا يواريها فقال لجبريل: يا جبريل ما هذا الثوب الذي يواريها قال السراويل قال: ادع بثوب حتى أقطعه لك قال وكان إبراهيم عليه السلام بزازا فدعى بثوب ودفعه إلى جبريل فقطعه جبريل سراويل وخاطته سارة فلما لبسه إبراهيم عليه السلام قال: ما لبست ثوبًا أحب إلي منه فإذا مت فغسلوني من تحته وكفنوني من فوقه" وكان إبراهيم عليه السلام أول من لبس السراويل والنعلين، وأول من قاتل بالسيف، وأول من قسم الفيء، وأول من اختتن بموضع يسمى القدوم، وسبب ختانه أنه أمر بقتال العمالقة فقاتلهم فقتل خلق كثير من الفريقين، فلم يعرف إبراهيم عليه السلام وختن نفسه بالقدوم، وروى الفقيه أبو علي الحسن بن جماعة المقدسي بسنده إلى

ص: 75

ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أول من سمانا مسلمين إبراهيم عليه السلام، وهو أول من ضرب بالسيف من الأنبياء، وكسر الأصنام، واختتن، ولبس السراويل والنعلين، ورفع يديه في الصلاة في كل خفض، ورفع وصلى أول النهار أربع ركعات جعلهن نفسه فسماه اللَّه وفيا فقال تعالى:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] قال ابن عباس: هي الأربع في أول النهار، وهو أول من أضاف الضيف، وثرد وفرق الشعر، واستنجى بالماء، وقلم الظفر، وقص الشارب، ونتف الإبط، وأول من استاك، وتمضمض وتنشق بالماء، وحلق العانة، وأول من صافح وعانق وقبل بين العينين موضع السجود، وأول من شاب، فقال ما هذا؟ فقال اللَّه تعالى: وقارا. فقال: ربي زدني وقارًا، فقال: ربي زدني وقارا فما برح حتى ابيضت لحيته، وأول من جر الذيل هاجر أمته فصارت سنة في النساء، فغارت منها سارة وحلفت أنها لقلأ يدها من دمها قال إبراهيم عليه السلام خذيها فاختنيها كي تكون سُنّة من بعدكن وتخلصين من يمينك ففعلت، فكانت هاجر أول من اختتن من النساء، وإبراهيم أول من اختتن من الرجال.

وعن أبي أمامة، قال بينما إبراهيم عليه السلام من الملك العلام، ذات يوم إذ نظر إلى

كف خارجة من السماء وبين أصبعين من أصابعها شعرة بيضاء فلم تزل تدنو حتى التصقت بالشعر في رأس إبراهيم عليه السلام ثم قال اشتعل وقارًا، فاشتعل رأسه منها شيبًا ثم أوحى اللَّه إليه أن تطهر فاختتن وكان أول من اختتن سارة وشاب إبراهيم عليه السلام.

وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى ابن أبي الأصبح بن ثباتة قال سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: كان الرجل يبلغ الهرم، ولم يشب وكان الرجل يأتي القوم وفيهم الوالد

ص: 76

والولد فيقول: أيكم الأب؟ لا يعرفون الأب من الابن فقال إبراهيم: ربي اجعل لي شيئًا أعرف به فأصبح رأسه ولحيته أبيضان.

ومن رأفته بهذه الأمة وشفقته عليهم ما رواه الترمذي عن ابن مسعود رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر".

وفي رواية عن وهب بن منبه عن أيوب الأنصاري وفيه "فرأيت إبراهيم فرحب وسهل ثم قال: مر أمتك فليكثروا من غرس الجنة، فإن ترابها طيبة، وأرضها واسعة، فقال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه". وفي لفظ للبيهقي عن ابن مسعود، وفيه "فقال لي إبراهيم: مرحبًا بالنبي الأمى الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته يا نبي إنك لآيه ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أوجلها في أمتك فافعل".

وأما أخلاقه الكريمة وسننه المرضية التي لم تكن لأحد قبله، وصارت شرائع لمن بعده فهو صلى الله عليه وسلم خليل الرحمن، وأبو الضيفان، والمحبول له لسان صدق في الآخرين، فليس أحد من الأمم إلا وألسنتهم تجري بتصديقه وفضله وتبجيله وتعظيمه وتوقيره وذلك بفضل دعائه حيث قال: واجعل لي لسان صدق في الآخرين وهو المبتلى بأنواع البلاء بقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [البقرة: 124]، والمشهور بالوفاء بقوله تعالى:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] والأمة والقانت بقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} [النحل: 120] أي معلما

للخير واجتمع فيه من أنواع الخير وخلال الفضل ما لم يعلمه إلا اللَّه تعالى وأدّى رشده قبل بلوغه فدعى الخلق إلى الحق بلسان الحجة من صغره إلى كبره بقوله عز وجل: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ} [الأنعام: 83] وهو أول من

ص: 77

سماه اللَّه حنيفًا وبرأه من دعاوي اليهود والنصارى وشهد له بالإخلاص بقوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67] وهو الكفيل لأطفال المسلمين وقائد أهل الجنة، وهو الذي بنى الكعبة البيت الحرام، وأول من كسَّر الأصنام، وأقام مناسك الحج، وضحى، وألقي في النار في ذات اللَّه تعالى، فجعلها اللَّه عليه بردًا وسلامًا "وأحيا" الموتى بسؤاله وأول من يكسى حلة بيضاء يوم القيامة، ويوضع له منبر عن يسار العرش، وأول من خطب على المنابر، كما ورد في الحديث من رواية معاذ أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إن اتخذ المنبر فقد اتخذه إبراهيم، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها إبراهيم عليه السلام".

وقد تقدم أنه أول من سمانا المسلمين، وأول من صافح وعانق وقبل بين العينين وأول من لبس النعلين وأضاف الضيف، وضرب بالسيف وثرد الثريد، وقسم الفيء وختن نفسه، وشاب وأول من قصَّر شاربه، وفرق شعره، وقلم أظافره، ونتف إبطه واستنجى وتمضمض، واستنشق بالماء، واغتسل للجمعة، وهاجر في دين اللَّه تعالى ورفع يديه في الصلاة في كل رفع وخفض وصلى في أول النهار أربع ركعات، وجعل من على نفسه فسماه اللَّه وفيًا، وهو الذي جعل مقامه قبلة للناس، وأمر محمدًا صلى الله عليه وسلم وهو خير الأنبياء وأمته أفضل الأمم، أن يتبعوا ملته، وأن يتخذوا من مقامه مصلى وسماه اللَّه تعالى حليمًا، والحليم الرشيد الذي يملك نفسه عند الغضب، والأواه الذي يكثر التأوه من الذنوب، والمنيب الذي يقبل على ربه عز وجل في شأنه كله.

وعلى ذكر عمره صلى الله عليه وسلم وقصته عند موته وكسوته يوم القيامة أقول: روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى أبي حذيفة قال:

ص: 78

أخبرني ابن سمعان يرفعه إبراهيم عاش مائة سنة وخمس وتسعين سنة، وقيل مائتا سنة، فكان بينه وبين نوح عليهما السلام ألف سنة ومائة واثنتان وأربعون سنة وبين مولده وبين الهجرة النبوية ألفان وثمانمائة سنة واثنان وثلاثون سنة.

قال هشام بن محمد عن أبية، قال: خرج إبراهيم عليه السلام إلى مكة ثلاث مرات، دعى الناس إلى الحج في آخرهن فأجابه كل شيء سمعه فأول من أجابه جرهم قبل العماليق ثم أسلموا، ورجع إبراهيم إلى الشام، فمات بها وهو ابن مائتي سنة وفي جامع الأصول عاش عليه السلام مائتي سنة وسنة ذكره الترمذي رحمه الله.

وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى ابن عمر، قال: لما دخل ملك الموت على إبراهيم لقبض روحه وسلم عليه فرد عليه السلام، وقال: من أنت قال ملك الموت، وقد أمرت بك "فبكى" إبراهيم حتى سمع بكاءه إسحاق فدخل عليه، وقال يا خليل اللَّه ما يبكيك؟ قال: هو ملك الموت يريد أن يقبض روحى فبكى إسحاق حتى علا بكاءه بكاء أبيه فانصرف ملك الموت إلى اللَّه عز وجل فقال يا رب: إن عبدك إبراهيم قد جزع من الموت جزعًا شديدًا، فقال اللَّه تعالى لجبريل عليه السلام: يا جبريل خذ ريحانة من الجنة وانطلق بها إليه وحيه بها وقل له الخليل إذا طال به العهد من خليله اشتاق إليه وأنت خليل ما اشتقت إلى خليلك فأتاه جبريل عليه السلام فبلغه رسالة ربه ودفع إليه الريحانة فقال: نعم اشتقت إلى لقائك وشم الريحانة فقبض فيها، وقال أهل السير لما أراد اللَّه تعالى قبض خليله إبراهيم عليه السلام، أرسل إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم، قال الثعالبي بإسناده: كان إبراهيم عليه السلام كثير

ص: 79

الإطعام يطعم الناس، ويضيفهم فبينما هو يطعم الناس، إذ هو بشيخ كبير يمشي في الحرم فبعث إليه بحماره وأركبه حتى إذا أتاه أطعمه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة ليدخلها فاه، فيدخلها في عينه وأذنه ثم يدخلها فاه، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد سأل اللَّه أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأل الموت، فقال للشيخ: حين رأى حاله، يا شيخ ما بالك تصنع هذا؟ فقال يا إبراهيم الكبر، قال ابن كم أنت؟ فذكر له من العمر ما زاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم عليه السلام بينى وبينك سنتان، فإذا بلغت ذلك صرت مثلك؟ قال نعم. فقال إبراهيم: اللهم اقبضنى إليك قبل ذلك فقام الشيخ وقبض روحه، فكان ملك الموت صلوات اللَّه عليه وسلامه.

وقال الحافظ ابن عساكر: حدثنا عبد اللَّه بن رباح، عن كعب، قال: كان إبراهيم عليه السلام يقري الضيف، ويرحم المساكين، وابن السبيل، قال: فأبطأت عليه الأضياف حتى استراب فخرج إلى الطريق يطلب ضيفًا فمر به ملك الموت في صورة

رجل فسلم على إبراهيم، فرد إبراهيم عليه السلام، ثم سأله، من أنت؟ قال ابن السبيل.

قال: إنما قعدت هنا لمثلك انطلق فانطلق به لمنزله فرآه إسحاق فعرفه، وبكى إسحاق، فلما رأت سارة إسحاق يبكى بكت لبكائه، قال: ثم صعد ملك الموت فلما أفاقوا غضب إبراهيم عليه السلام، وقال: بكيتم في وجه ضيفي حتى ذهب، فقال: إسحاق: لا تلومني يا أبت فإني رأيت ملك الموت معك ولا أرى أجلك يا أبت إلا وقد حضر فارث في أهلك قال فأمره بالوصية وكان لإبراهيم عليه السلام بيت يتعبد فيه لا يدخله غيره فإذا خرج أغلقه فجاء إبراهيم يفتح بيته الذي يتعبد فإذا هو برجل جالس فقال له: من أنت؟ ومن أدخلك؟ قال: بإذن رب البيت، فدخل فقال إبراهيم: رب البيت أحق به ثم تنحى إبراهيم إلى ناحية البيت يصلي كما كان يصنع، وصعد ملك الموت فقيل له: ما رأيت؟ قال: يا رب جئت من عبد لك ليس في الأرض خير منه ما ترك خلقًا من خلقك، إلا وقد دعا له في دينه، أو معيشته، ثم مكث إبراهيم بعد ذلك ما شاء اللَّه تعالى، ثم فتح باب بيته الذي يتعبد

ص: 80

فيه، فإذا هو برجل جالس، فقال له إبراهيم: من أنت؟ قال ملك الموت فقال إبراهيم: إن كنت صادقًا فأرني منك آية أعرف بها أنك ملك الموت؟ فقال له ملك الموت، أعرض بوجهك يا إبراهيم فأعرض إبراهيم عليه السلام بوجهه فأراه الصورة التي يقبض فيها أرواح المومنين فرأى من النور والبهاء شيئًا لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، ثم قال له: أعرض بوجهك يا إبراهيم فأعرض ثم قال له أقبل فانظر فأقبل فآراه الصورة التي يقبض عليها الكفار، فرعب إبراهيم عليه السلام رعبًا شديدًا حتى ارتعدت فرائصه وألصق بطنه بالأرض، وكادت نفسه تخرج فقال إبراهيم عليه السلام: أعرف أعرف، فانظر الذي أمرت به، فامض له، قال: فصعد ملك الموت فقيل له تلطف يعني في قبض روح إبراهيم عليه السلام، فأتاه ملك الموت في عنب له في صورة شيخ كبير لم يبق منه شيء فنظر إبراهيم عليه السلام فرآه فرحمه وأخذ "مكتلا" فقطف فيه عنبا، ثم جاء به فوضعه بين يديه وقال له: كل فجعل ملك الموت يريه أنه يأكل وجعل يمضغ ويمجه على لحيته وصدره، قال فعجب

إبراهيم عليه السلام منه: وقال: ما أبقت السنون منك شيئًا فكم أتى عليك؟ قال فحسب، وقال أتى لي كذا، وكذا سنة، مثل أيام إبراهيم، فقال إبراهيم عليه السلام، قد بلغت أنا هذا فإنما أنتظر أن أكون مثل هذا اللهم اقبضني إليك فطابت نفس إبراهيم صلى الله عليه وسلم عن نفسه فقبض ملك الموت روحه على تلك الحالة.

وفي رواية عن الحافظ أبي القاسم المكي المقدسي أن ملك الموت قال يا إبراهيم: أمرت بقبض روحك، قال: فأمهلني يا ملك الموت حتى

ص: 81

يجيء إسحاق فأمهله، فلما دخل قام إليه واعتنق كل واحد منهما صاحبه فرق لهما ملك الموت ورجع إلى ربه عز وجل، وقال يا رب أتيت خليلك جزع من الموت قال يا ملك الموت فأت خليلي في منامه فاقبضه، قال: فأتاه في منامه فقبضه، وروى النووي، عن كعب الأحبار، وآخرين معه، أن سبب وفاة إبراهيم عليه السلام أنه أتاه ملك في صورة شيخ كبير، فضيفه فكان يأكل ويسيل الطعام واللعاب على صدره، ولحيته فقال له إبراهيم عليه السلام، يا عبد اللَّه ما هذا: قال: بلغت الكبر الذي يكون صاحبه هكذا، قال وكم أتى عليك؟ قال: مائتا سنة وإبراهيم عليه السلام مثلها فكره الحياة "كي لا" يصل إلى هذه الحالة فمات بغير مرض وروي عن أبي السكن الفهجري قال: توفي إبراهيم عليه السلام، وداود، وسليمان عليهم الصلاة والسلام، فجأة وكذلك الصالحون وهو تخفيف على المؤمنين وتشديد على الكافرين، قال النووي، قلت: هو تخفيف ورحمة في حق المؤمنين المراقبين وباللَّه التوفيق. وعن عبد اللَّه بن أبي مليكة قال لما قدم إبراهيم صلى الله عليه وسلم على ربه قال له: يا إبراهيم كيف وجدت الموت قال يا ربي وجدت نفسي كأنها تنزع بالبلاء، قال كيف وقد هوَّنا عليك الموت يا إبراهيم.

وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام بحلته، ثم أنا بصفوتي ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه يزف بيني وبين إبراهيم زفا إلى الجنة" وروى البيهقي بسنده إلى ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: "أول من

ص: 82

يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام قبطية والنبي صلى الله عليه وسلم حبرة عن يمين العرش" وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي اللَّه

عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام.

وروى الإِمام أحمد في حديث طويل أنه صلى الله عليه وسلم قال: لأني أقوم المقام المحمود يوم القيامة فقال رجل من الأنصار: وما المقام المحمود يا رسول اللَّه؟. فقال: (إذا جيء بكم حفاة عراة غرلا فأول من يكسى إبراهيم، يقول اللَّه عز وجل: اكسوا خليلي؟ فيؤتى بمربطين بيضاوتين فيلبسهما، ثم يقعد مستقبل العرش، ثم أوتى بكسوة فأكسى، فأقوم عن يمينه مقامًا لا يقومه أحد، فيغبطني به الأولون والآخرون) وروى أبو نعيم بسنده، إلى مجاهد عن عبيد بن عمر قال: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة فيكسى ثوبا أبيض، فهو أول من يكسى، وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى عبيد بن يونس، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (أول من يكسى من حلل الجنة أنا وإبراهيم والنبيون) وبسنده -إلى أبي طلق بن حبيب أن جده حدثه أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشر الناس يوم القيامة. . . " الحديث وفيه "فأول من يكسى إبراهيم فيقول اللَّه تعالى: اكسوا إبراهيم الخليل؟ فيعلم الناس فضيلتة عليهم؟ فيكسى حلة، ثم يكسى الناس على منازلهم" انتهى واللَّه أعلم.

ص: 83