المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأول: علامات البلوغ التي يختلف فيها الذكور والإناث - الورقات فيما يختلف فيه الرجال والنساء

[أحمد بن عبد الله العمري]

الفصل: ‌المبحث الأول: علامات البلوغ التي يختلف فيها الذكور والإناث

‌الحجر

‌المبحث الأول: علامات البلوغ التي يختلف فيها الذكور والإناث

المبحث الأول: علامات البلوغ التي يختلف فيها الذكور والإناث.

قبل الدخول في تفاصيل الكلام حول علامات البلوغ ألفت النظر إلى أن كثيراً من أهل العلم يذكرون علامات البلوغ في كتاب الحجر ليبينوا متى يجب دفع المال للصبي المحجور عليه للصغر ولهذا أوردتُ هذا المبحث في هذا المكان بالذات. أما عن الكلام حول هذه المسألة فأقول:

علامات البلوغ التي ذكرها العلماء منها ما يشترك فيه الذكر والأنثى ومنها ما يخص المرأة دون الذكر.

فأما علامات البلوغ التي توجد في الذكر والأنثى فهي:

1-

إنبات الشعر الخشن حول الفرج.

2-

السن إذا لم تظهر علامة تحدد البلوغ غيره.

3-

الاحتلام1.

فأما بالنسبة لإنبات الشعر الخشن حول الفرج فمالك والشافعي وأحمد يعدونه من علامات البلوغ إلا أن بعض الشافعية يرونه بلوغاً في حق الكفار دون المسلمين.

وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه لا يدل على البلوغ بحال، ولا يهمنا تحقيق الراجح

هنا؛ لأن ما يقال في حق الذكر يقال في حق الأنثى وغرضنا هنا بيان الفرق بين الذكور والإناث2. علماً بأن الإنبات دليل بلوغ في حق الذكر

1 تكملة شرح فتح القدير 9/270، حاشية ابن عابدين 6/153، تفسير القرطبي 5/34، 35، الخرشي على خليل 5/291، تكملة المجموع 13/359، 363، فتح الباري 5/277، المغني 6/597، الإنصاف 5/320.

2 انظر: المصادر السابقة إضافة إلى روضة الطالبين 4/178، عمدة القاري 11/ 153.

ص: 168

والأنثى إن شاء الله كما هو قول الجمهور.

ودليله: ما روى أهل السنن وغيرهم من حديث عطية القرظي قال: "كنت يوم حكم سعد في بني قريظة غلاماً فشكّوا فيّ فلم يجدوني أنبت فاستُبقيت فها أنذا بين أظهر كم"1. هذا لفظ النسائي0

وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح0

فمن هذا الحديث يتضح جلياً أن الإنبات يدل على البلوغ إذا لم يتضح البلوغ باحتلام أوسن، وإذا ثبت في حق الكفار فلا فرق فيه بينهم وبين المسلمين ولا فرق فيه بين الذكور والإناث0

وأما بالنسبة للسن فهو مما يختلف فيه حكم الذكر عن الأنثى عند كثير من أهل العلم وإن كان الراجح أنه لا فرق فيه بين الذكور والإناث إن شاء الله، وقد فصلت القول فيه في مبحث مستقل بعنوان (سن تكليف الرجل والمرأة)2. فأغنى عن إعادته0

وأما الاحتلام فكتب أهل العلم التي اطلعت عليها لا تفرق فيه بين حكم الذكر والأنثى وجميعهم يرون أنه من علامات البلوغ في حق الذكور والإناث3

1 سنن أبي داود 4/ 561 في الحدود باب في الغلام يصيب الحد حديث رقم 4404، 4405، سنن الترمذي 4/145، في السير باب ما جاء في النزول على الحكم حديث رقم 1584، سنن النسائي 6/155، في الطلاق باب متى يقع طلاق الصبي حديث 3430، سنن ابن ماجة 2/849، في الحدود باب من لا يجب عليه الحد حديث رقم 2541، 2542.

2 ما أشرت إليه من التفصيل في هذه المسألة موجود في رسالتي الدكتوراه وهي منشورة بعنوان (الإحكام فيما يختلف فيه الرجال والنساء من الأحكام) .

3 انظر مصادر الإحالة السابقة.

ص: 169

إلا ما رأيت في بعض كتب الشافعية من أنهم يرون أن الاحتلام يدل على البلوغ في حق الذكر وفي دلالته على البلوغ في حق المرأة وجهان:

الأول: أنه لا يكون دليلاً على بلوغها.

والثاني: أنه يدل عليه1.

دليل الوجه الأول ما روى أبو داود وابن ماجة والحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبي حتى يحتلم" فخص الصبي بالاحتلام2.

قلت: يجاب عنه بأن تخصيص الصبي بالذكر لا يدل على عدم شمول الحكم للصبية ما دامت تحتلم كالصبي فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم خص المبتلى بالذكر ولم يدل ذلك على عدم دخول المبتلاة في الحكم وكذا النائم ولم يدل على عدم شموله للنائمة فكذلك الحال في حق الصبية ولعل النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بذكر المذكر تغليباً.

وأما دليل الوجه الثاني فما يلي:

1-

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} 3 والمراد بالذين لم يبلغوا الحلم الصبيان ذكوراً وإناثاً4.

ثم قال: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} 5 والأطفال هنا هم الذكور والإناث أيضاً فمن الآيتين يتضح أن الاحتلام يكون في الذكر والأنثى، وأن الاحتلام دليل بلوغ فيهما يوجب عليهما الاستئذان عند الدخول.

1 انظر: تكملة المجموع 13/ 363، روضة الطالبين 4/ 178.

2 انظر تكملة المجموع 13/363.

3 سورة النور، آية 58.

4 روح المعاني، 18/210.

5 سورة النور، آية 59.

ص: 170

2-

ما روى مسلم وغيره من حديث أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم إذا رأت الماء" فقالت أم سلمة: يا رسول الله وتحتلم المرأة؟ فقال: "تربت يداك فبِمَ يشبهها ولدها"1.

فهذا الحديث ناصع الدلالة على أن المرأة تحتلم أي أنه يخرج منها الماء الذي يكون منه الولد والولد لا يأتي إلا من بالغة، وبالتالي يتبين أن ما ذهب إليه بعض الشافعية من عدم اعتبار الاحتلام دليل بلوغ في حق المرأة مردود لقوة أدلة هذا القول ولما تقدم من الإجابة عن دليل القول الأول.

وأما علامات البلوغ التي تختص بها المرأة وتختلف بها عن الرجل فهي:

1-

الحيض.

2-

الحبل.

فأما بالنسبة للحيض فلا خلاف بين العلماء أنه من أدلة بلوغ المرأة وأن الفرائض والأحكام تجب به عليها 2ومن الأدلة على ذلك ما يلي:

1-

ما روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم والبيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" 3 حسنه الترمذي وصححه الحاكم فأوجب عليها

1 صحيح مسلم 1/251 في الحيض باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها .... حديث 313.

2 الهداية وتكملة شرح فتح القدير وشرح العناية 9/720، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 6/153، تفسير القرطبي 5/35، الخرشي على خليل 5/291، الحاوي 6/347، المهذب مع تكملة المجموع 13/360، 365، المقنع والإنصاف 5/320، 321، المغني 6/599.

3 مسند أحمد 6/150، سنن أبي داود 1/421، في الصلاة باب المرأة تصلي بغير خمار حديث 641، سنن الترمذي 2/215، في الصلاة باب ما جاء لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار حديث 377، سنن ابن ماجة 1/215 في الطهارة باب ما إذا حاضت الجارية لم تصل إلا بخمار، حديث 655، المستدرك 1/251، السنن الكبرى 2/233

ص: 171

في الصلاة الاختمار بخلاف الصغيرة وما ذاك إلا لبلوغها.

2-

ما روى أبو داود بإسناده عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد قال يعقوب ابن دريك عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يُري منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه"1.

قال أبو داود: هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة رضي الله عنها وقال المنذري: في إسناده سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن البصري نزيل دمشق مولى بني نصر، وقد تكلم فيه غير واحد، وذكر الحافظ أبو أحمد الجرجاني هذا الحديث وقال: لا أعلم من رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير2.

وذهب الشيخ الألباني إلى تحسينه3.

قال الماوردي: فجعلها بالحيض عورة يحرم النظر إليها فدل على أنها بالحيض صارت بالغة4.

وأما الحبل: فأيضاً هو من أدلة بلوغ المرأة التي تختلف بها عن الرجل إذ أن حملها دليل إنزالها إلا أنه ليس ببلوغ في نفسه بل هو دليل على تقدم البلوغ وإنما كان كذلك لأن الولد مخلوق من ماء الرجل وماء المرأة 5. قال الله تعالى:

1 سنن أبي داود 4/358، في اللباس باب فيما تبدي المرأة من زينتها حديث رقم 4104:

2 مختصر المنذري 6/58 حديث 3945.

3 ارواء الغليل 6/203 رقم 1795.

4 الحاوي 6/347.

5 انظر المصادر السابقة في الحيض.

ص: 172

{فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} 1 يعني أصلاب الرجال وترائب النساء 2.

وقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيه} 3 أي أخلاط؛ فإذا كان الولد مخلوقاً من مائيهما دل الحمل على تقدم إنزالها فصار دليلاً على تقدم بلوغها4.

وبهذا يتلخص من هذا المبحث أن إنبات الشعر من علامات البلوغ في حق الذكور والإناث وأن السن والاحتلام مما فرق فيه بعض العلماء بين الذكر والأنثى وأن الحيض والحبل مما تختص به المرأة دون الرجل.

1 سورة الطارق، آية 7،8.

2 الحاوي، 6/347.

3 سورة الدهر، آية 2:

4 الحاوي 6/347.

ص: 173