الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل يحتاج المسلم إلى غير علم النبي صلى الله عليه وسلم
-
قال ابن تيمية رحمه الله بعد كلام سبق في الدور الحسابي والعلوم قال: وقد بيّنا أنه يمكن الجواب عن كل مسألة شرعية جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم بدون حساب الجبر والمقابلة وإن كان حساب الجبر والمقابلة صحيحاً فنحن قد بيّنا أن شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يُتعلم من غير المسلمين أصلاً وإن كان طريقاً صحيحاً.
ثم قال: وهكذا كل ما بعث الله به النبي صلى الله عليه وسلم مثل العلم بجهة القبلة والعلم بمواقيت الصلاة والعلم بطلوع الفجر والعلم بالهلال فكل هذا يمكن العلم به بالطرق التي كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يسلكونها ولا يحتاجون معها إلى شيء آخر، وإن كان كثير من الناس قد أحدثوا طرقاً أخر، وكثير منهم يظن أنه لا يمكن معرفة الشريعة إلا بها وهذا من جهلهم كما يظن طائفة من الناس أن العلم بالقبلة لا يمكن إلا بمعرفة أطوال البلاد وعروضها، وهو وإن كان علماً صحيحاً حسابياً يعرف بالعقل لكن معرفة المسلمين بقبلتهم ليست موقوفة على هذا بل قد ثبت عن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم أنه قال:(ما بين المشرق والمغرب قبله). (1)
(1) حديث صحيح، أخرجه الترمذي.
ولهذا كان جماهير العلماء أن المصلي ليس عليه أن يستدل بالقطب ولا بالجدي ولا غير ذلك. (1)
انظر قوله: شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفه على شيء يُتعلم من غير المسلمين أصلاً وإن كان طريقاً صحيحاً.
إذا كان الحال هكذا فكيف بطرق ملاحدة زماننا حيث بنوْا علومهم على التعطيل، فهذا يبيّن ما كان عليه أهل العلم من الاكتفاء بعلم
…
محمد صلى الله عليه وسلم.
ولذلك يقول شيخ الإسلام: إن العلوم المفضولة إذا زاحمت العلوم الفاضلة وأضعفتها فإنها تحرم.
إذا كان هذا في علوم صحيحة غير علم الدين فكيف بالعلوم الباطلة الفاسدة؟
وذكر ابن القيم رحمه الله: وفاء رسالته صلى الله عليه وسلم في كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم التي بها صلاحهم في معاشهم ومعادهم وأنه لا حاجة إلى أحد سواه البتة وإنما حاجتنا إلى من يبلغنا عنه ما جاء به فمن لم يستقر هذا في قلبه لم يرسخ قدمه في الإيمان بالرسول بل يجب الإيمان بعموم رسالته في ذلك كما يجب الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المكلّفين، فكما لا يخرج أحد من الناس عن رسالته البتة
(1) الفتاوى 9/ 215.
فكذلك لا يخرج حق من العلم به والعمل بما جاء به، فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجة بالأمة إلى سواه، وإنما يحتاج إلى غيره من قلّ نصيبه من معرفته وفهمه، فبحسب قلة نصيبه من ذلك تكون حاجته وإلا فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر للأمة منه علماً وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول ووصف لهم العرش والكرسي والملائكة والجنة والنار ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأي عين، وعرّفهم بربهم ومعبودهم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه بما وصفه لهم به من صفات كماله ونعوت جلاله، وعرّفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرّفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يُعَرّفه نبي لأمته قبله وعرّفهم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما جلّى لهم ذلك حتى كأنهم يعاينوه.
وكذلك عرّفهم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع طوائف أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة إلى كلام أحد من الناس البتة، وكذلك عرّفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق الظفر به مالو علموه وفعلوه لم يقم له عدو أبداً.
وكذلك عرّفهم من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها ويحترزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره مالا مزيد عليه.
وبذلك أرشدهم في معاشهم إلى ما لو فعلوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة، وبالجملة فقد جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير الدنيا والآخرة بحذافيره ولم يجعل الله بهم حاجة إلى أحد سواه، ولهذا ختم الله به ديوان النبوة فلم يجعل بعده رسولاً لاستغناء الأمة به عمن سواه، إلى آخره. (1)
وياله من كلام نفيس ما أحسنه وأكمله، لكن قد يقول بعض الناس أو أكثر الناس اليوم في قول ابن القيم: وكذلك عرّفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق الظفر به مالو عملوه وفعلوه لم يقم لهم عدو أبداً.
قد يقال: هذا يُشكل في زماننا وليس بالبيّن لتغير الأحوال لا سيما في هذا المجال فالجواب سهل ولله الحمد.
فأولاً: لو استمرت أحوال الأمة على ماتركهم عليه نبيهم صلى الله عليه وسلم لما قام لأعدائهم قائمة بمعنى أن تكون الأعداء على ماهي عليه اليوم من حالٍ بهرت عقول من لم يرفعوا بما جاء به نبيهم صلى الله عليه وسلم رأساً لأن هذا إنما جاء عقوبة التغيير والتبديل والانحراف عن سواء السبيل كما في الأثر: (إذا
(1) من بدائع الفوائد الجزء، 3ص 155.
عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني)، وقد قال تعالى:{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} .
ثانياً: لو عادت الأمة اليوم إلى طريق نبيهم صلى الله عليه وسلم لرأوا من تغيير الله لهم الأحوال ما لا يوصف فالأمر كله له سبحانه هو المدبر لأمر الخلائق وبهذا الجواب يَنْحلّ الإشكال لكن إنما ينتفع بهذا أهل الإيمان الذين يؤمنون بقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} .
يعني يؤمنون بذلك على الحقيقة ومثل قوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} .
أي: هو كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين وهذا مستمر إلى يوم القيامة لكن الشأن بالإيمان الموجب لمعية الله ونصره وكفايته، فالمصيبة أننا نهرب عن الدين ونلّوح له ونناديه: اتبعنا وانصرنا.