الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حب الرئاسة والشهرة
هذا الداء قَلّ من يتفطّن له أوْ قُلْ يتخلص منه لأنه مُغْري وفي الغالب خفاؤه على صاحبه.
وحب الرئاسة والشهرة بينما هو داء يخافه السلف على نفوسهم غاية الخوف لعلمهم بأنه قاطع عن مطلوبهم إذا هو في زماننا مجال منافسة ومطلب مرغوب فيه أشدّ الرغبة، أما ترى هذه الشارات والتسابق إليها.
قال علي رضي الله عنه: خفْق النعال مفسدة لقلوب نَوْكى الرجال. انتهى
وقال: وأيّ قلب يصلح على هذا؟
وهذا كناية عن اتباع الناس للرجل وسيْرهم خلفه تعظيماً له.
قال سفيان الثوري في كتابه إلى عباد بن عباد: وإياك وحب الرياسة فإن الرجل يكون حب الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة، فَتَفَقَّدْ بقلب واعمل بِنِيِّة، واعلم أنه قدْ دنا من الناس أمر يشتهي الرجل أن يموت، والسلام.
وقال سفيان: من أحب الرياسة فَلْيُعِدّ راسه للنطاح. انتهى
يريد رحمه الله أنه يُبتلى بمن يُنافسه عليها فيكون بينه وبينه ما يكون
بين المتنافسين غالباً من المنازعات والصراع لأنها مطلب قاطع عند أرباب السلوك.
قال إسحاق بن خلف: والله الذي لا إله إلا هو لإزلة الجبال الرواسي أيْسر من إزالة الرياسة. انتهى
المراد هنا أنها في الغالب تخفى على صاحبها، وقد يعلم في نفسه ذلك لكن حبها متمكّن من قلبه، لكن من وفقه للإخلاص زال عنه ذلك.
قال ابن عبدوس: كلما توقّر العالِم وارتفع كان العُجب إليه أسرع إلا من عصمه الله بتوفيقه وطرَحَ حب الرياسة من نفسه.
قال أبو نعيم: والله ما هلك من هلك إلا بحب الرياسة.
قال الفضيل بن عياض: ما من أحد أحب الرياسة إلا حَسَد وبغى وتتبّع عيوب الناس وكره أن يذكر أحد بخير.
قال عمر بن عبد العزيز: وليس هذا الأمر لمن وَدّ أن الناس احتاجوا إليه إنما هذا الأمر لمن وَدّ أنه وجد من يكفيه.
قال ابن القيم رحمه الله: إذا عزم العبد على السفر إلى الله تعالى وإرادته عرضت له الخوادع والقواطع فينخدع أولاً بالشهوات والرياسات والملاذ والمناكح والملابس فإن وقف معها انقطع وإن رفضها ولم يقف معها وصدق في طلبه ابتلي بوطء عقبه وتقبيل يده والتوسعه له في المجلس
والإشارة إليه بالدعاء ورجاء بركته ونحو ذلك فإن وقف معه انقطع به عن الله وكان حظه منه وإن قطعه ولم يقف معه ابتلي بالكرامات والكشوفات فإن وقف معها انقطع بها عن الله وكانت حظه وإن لم يقف معها ابتلي بالتجريد والتخلي ولذة الجمعيه وعزة الوحدة والفراغ من الدنيا فإن وقف مع ذلك انقطع به عن المقصود وإن لم يقف معه وسار ناظراً إلى مراد الله منه وما يحبه منه بحيث يكون عبده الموقوف على محابه ومراضيه أين كانت وكيف كانت تعب بها أو استراح تنعم أوتألم أخرجته إلى الناس أو عزلته عنهم لا يختار لنفسه غير ما يختاره له وليه وسيده واقف مع أمره ينفذه بحسب الإمكان ونفسه عنده أهون عليه أن يقدم راحتها ولذتها على مرضاة سيده وأمره فهذا هو العبد الذي قد وصل ونفذ ولم يقطعه عن سيده شيء البتة وبالله التوفيق.
قال يوسف بن أسباط: الزهد في الرئاسة أشد منه في الدنيا. انتهى
يوضحه أن الإنسان يزهد في الدنيا لأجل الرياسة.
قال بعضهم:
أمرانِ مفترقان لستَ تراهما
طلب المعاد مع الرياسة والعلى
…
يتشوّفان لِخُلطة وتلاقي
فدَع الذي يفنى لما هو باقي
قال إبراهيم بن أدهم: ما صَدَقَ الله من أحب الشهرة.
قال القاسم بن عثمان: حب الرياسة أصل كل مُوبقة.
قال أبو سليمان الداراني: ما أفلح من شُمَّتْ منه رائحة الرياسة.
قال سفيان الثوري: ما رأيت الزهد في شيء أقلّ منه في الرياسة ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب.
فإذا نُوزِعَ في الرياسة حامى عليها وعادى. انتهى
وذكر العلماء أن طالب الرياسة تُرضيه الكلمة التي فيها مدحه وإن كانت بالباطل، وكذلك طالب المال، وتغضبه الكلمة التي فيها انتقاده ولوْ كانت بالحق.
وسُئل سفيان الثوري: ما الزهد في الدنيا؟ قال: سقوط المنزلة. انتهى
يريد رحمه الله أن الإنسان بعلمه وعمله لا تتشوّف نفسه بلوغ مقام يمدحه الناس وُيثنون عليه من أجله بل هِمّته متعلّقة برضى ربه وإرادة وجهه ولوْ سقطت منزلته عند الناس.
قال بشر بن الحارث: (حب لقاء الناس حب الدنيا وترك لقاء الناس ترك الدنيا).
وقال: لا أعلم رجلاً أحب أن يُعرف إلا ذهب دينه وافتضح.
وقال: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس. (1)
(1) الحلية، ج8/ 343.
وقال بشر: سكون النفس إلى المدح وقبول المدح لها أشد عليها من المعاصي. (1)
قال بشر: ما أتقى الله من أحب الشهره. (2)
وقال أيضاً: لو سقطت قلنسوة من السماء ما سقطت إلا على رأس من لا يريدها. (3) انتهى
القلنسوة كان يتميز بها بعض العلماء.
قال إبراهيم بن أدهم: ما صَدَق الله عبد يحب الشهرة بعلم أو عمل أو كرم.
قال إبراهيم بن أدهم:
تَوَقَّ لِمحظورٍ صُدور المجالسِ
…
فإن عُضول الداء حُبَ القلانسِ
القلانس هي ما يتميز بها بعض العلماء أو القضاة خاصة، فطلبها علامة حب الرياسة.
قال ابن تيمية: أصل البغي والظلم حب الرياسة.
قال الفضيل بن عياض: من أحب أن يُذكر لم يُذكر ومن كَرِه أن يُذكر ذُكِر.
قال الإمام أحمد: إنما عُرِفوا لأنهم أحبوا ألا يُعرفوا. انتهى
(1) الحلية 8/ 344.
(2)
الحلية 8/ 346.
(3)
الحلية ص355.
تأمل ولا تتعجل فكم ممن يُعظَّم ويبجَّل اغترّ بالمدح والثناء وهو لا هناك ولا هنا.
إن مدار كلام القوم على الإخلاص في العلم والعمل وقد ظهر في زماننا من الشّارات والرموز والمناصب ما عليه يتنافس المتنافسون فالتفكر في هذا يبين بعض الفروق بيننا وبين ما عليه السلف.