المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم ‌ ‌المقدمة لك اللهمَّ الحمدُ أجمع، حمداً يُرضيك عَجْزُهُ، - إجماع المحدثين

[حاتم العوني]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌المسألة الأولى: تحرير شَرْطِ البخاري (المنسوب إليه) ، وشَرْطِ مسلم، وشَرْطِ أبي المظفّرِ السمعاني‌‌أولاً: تحرير الشرط المنسوب إلى البخاري:

- ‌أولاً: تحرير الشرط المنسوب إلى البخاري:

- ‌ثانيًا: تحرير شرط مسلم:

- ‌ملاحظة:

- ‌ثالثًا: تحريرُ شَرْطِ أبي المُظَفَّر السمعاني (ت 489ه

- ‌المسألة الثانية: نسبة القول باشتراط العلم بالسماع إلى البخاري: تاريخُها، ودليلُها، ومناقشة الدليل

- ‌المسألة الثالثة: الأدلّة على بطلان نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من العلماء

- ‌الدليل العاشر: صحيح البخاري نَفْسُه

- ‌الدليل الثاني عشر: اكتفاء البخاري بالمعاصرة، في نصوص صريحةٍ عنه

- ‌الدليل الثالث عشر: اكتفاءُ جمعٍ من الأئمة بالمعاصرة:

- ‌المسألة الرابعة: بيَانُ صَوَابِ مَذْهَبِ مُسْلِمٍ وقُوّةِ حُجّتِهِ فيه

- ‌المسألة الخامسة: أثر تحرير شرط الحديث المعنعن على السنة

- ‌المسألة السادسة: الردُّ على آخر شُبْهَتَيْنِ

- ‌الشُّبْهَةُ الأُولى:

- ‌ الشُّبْهَةُ الثانية

- ‌فهرس المصادر والمراجع

- ‌دليل الموضوعات

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم ‌ ‌المقدمة لك اللهمَّ الحمدُ أجمع، حمداً يُرضيك عَجْزُهُ،

بسم الله الرحمن الرحيم

‌المقدمة

لك اللهمَّ الحمدُ أجمع، حمداً يُرضيك عَجْزُهُ، ويَسْتَزِيدُك الإنعامَ تقصيرُهُ.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُهُ ورسوله.

فاللهم صَلِّ على مُحمّد وعلى أزواجه وذُرِّيَّتِهِ كما صلّيتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجِه وذُرِّيَّتِهِ كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.

أمّا بعد: فإن من أصول دعوتي في (المنهج المقترح لفهم المصطلح) الرجوعَ إلى المعين الصافي للسنة النبويّة وعلومها، والدعوة إلى إحياء منهج أئمة السنة في أصول علومها وفروعها، وتنقيتها من رُكام الجهل والتقليد والعلوم الدخيلة على الإسلام وحضارته.

ونحن اليوم مع أثرٍ جديد من آثار (المنهج المقترح) ، قائم على نَبْذِ التقليد وعلى اعتمادِ الدليل. وهو أساس الدعوة السلفيّة السُّنِّيَّة التي بلغت بركاتُها أقطارَ الأرض، وغزت - بعُدّتها وعتادها من أدلّة الوحيين (الكتاب والسنة) ومنهجِ سلف الأمّة - أعتى القلوبِ وأعدى النفوس، فما برحت أن خالطت بشَاشةَ القلوب، واستلّت عداواتِ النفوس، وشرحتِ الصدورَ لما كان قد انشرح له صَدْرُ أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم، وعلمتْ أنه الحق!

ص: 5

وبناءً على ذلك: فإني لا أُحِلُّ لمن لم يتشرّب قَلْبُه ودمُه وعظامُه الدعوةَ السلفيّةَ، القائمة على نَبْذِ التقليد واعتماد الدليل= أن يقرأ هذا البحث، فإنك لستَ محدِّثًا قومًا بحديثٍ لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. وأي فتنةٍ أعظم من فتنة من يرى التقليدَ هو الدين، ويَعُدُّ اتباعَ الدليل هو البدعة، إذا ما قرأ بحثًا قائمًا على ضدِّ ما يراه؟!

أقول ذلك، لأني في هذا البحث قد ناقشت إحدى مُسَلَّمات التقليد، وسمحتُ لنفسي أن أجعلها مسألةً قابلةً للبحث والعَرْض على الدليل.

فأوصلني هذا النظرُ السلفيُّ إلى نَسْفِ تلك المُسَلَّمة، وبيان أنها خطأٌ محضٌ، ليس لها من الحقّ نصيب!!

فماذا أعمل؟! إذا كان الدليلُ ينقض تلك المُسَلَّمة!!

لقد عانيتُ -أنا قبل غيري- من زعزعة الأدلة لتلك المسلّمة، وكنتُ أعالج من آثار الإلف العلميّ ورسوخِ البدهيّات الوهميّة شدّةً عظيمة، لم أتجاوزها إلا بتوفيق من الله تعالى، حين صَدَقْتُ مع المنهج السلفي في نَبْذِهِ التقليدَ واعتمادِه الدليلَ!

لذلك فإني لن أَعْجَبَ إن عالجَ غيري مثلَ تلك الشِّدّةِ أو أشدّ، بل لن أعجب إن حال الإلف العلميُّ ورسوخُ البدهيّات الوهميّة دون اقتناعه بما جاء في هذا البحث، ولن أعجب -بعد ذلك- إن أنكره وشنّع في إنكاره. لكن ليعلم هذا أنه قد غُلبَ عن منهجه القائم على الدليل، وأنه قد حيل بينه وبين ما يشتهي من السموِّ عن التقليد الأعمى.

أقول هذا كُلَّه، لشدّة ثقتي بصحّة ما توصّلتُ إليه، ولأني لم أترك سبيلاً من سُبُل التحرِّي والتثبّت إلا وسلكته، وكبحتُ نفسي بالحِلم

ص: 6

والأناة، حتى عزمت على نِشْر ما أثمره ذلك الجُهدُ والتدبُّر والاستدلالُ والتحلُّمُ والتأنّي.

وإن كنتُ (ولم أزل) أعلم من ضعف الإنسان وجهله ما يمكن معه أن يحيف الحيفَ العظيم، وهو يحسب أنه على الصراط المستقيم. لكن ماذا أعمل؟! والحقُّ أمامي أراه كالشمس، والأدلّةُ تتوارد تَتْرى على إحقاقه وإزهاق الباطل.

ليست المسألة من مسائل العقيدة الكبار، ولا من أصول الدين العظمى، لكنها -بحقّ- من أمهات مسائل علوم الحديث، إنها مسألة شروط قبول الحديث المعنعن.

لقد ابتدأتُ التفكير في هذه المسألة، ومناقشة إحدى أكبر مسلّماتها من عام (1410هـ) ، فانهارت عندي هذه المسلّمة من عام (1411هـ) .

لكني بقيتُ مفكّرًا متدبّرًا، لا أكاد أذكرها لأحدٍ، إلا آحادًا قلائل، حرصًا مني على زيادة التثبّت، وبغرضٍ آخر: هو التفرّغُ لها في بحث مُسْتَقِلّ.

ولقد أعانتني -بعد ذلك- النتائجُ المهمة التي توصّلت لها في كتابي (المرسل الخفي) ، وفيها نتائج لم أسبق إلى التنصيص عليها من قَبْلُ أبدًا في كتب المصطلح وعلوم الحديث= فازددتُ يقينًا من صحّة ما كانت قد قادتنى إليها الأدلّةُ التي سبق أن تنبّهت لها، وزاد عُمقُ المسألة عندي، واسْتَنَارت أدلّتها في قلبي.

حتى ابتدأت إعلانَ ذلك في دروسي الخاصة من عام (1414هـ) ، ثم أعلنتها في محاضرة عامة في مسجد من مساجد مدينة جدّة سنة

ص: 7

(1418هـ) ، وسُجِّلت المحاضرة في شريطين، وانتشرت انتشارًا واسعًا، وتواردت عليّ الأسئلة والاستفسارات والاستشكالات. ثم عُدتُ إلى بَسْطها في دروسي في شرح كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث عام (1420هـ) ، وسُجِّلت في ثلاثة أشرطة، شرّقت وغرّبت بين طلبة العلم المهتمّين بعلوم السنة.

وقد تكرّر إليّ الطلبُ بنشر بحثي في هذه المسألة مطبوعًا، وما كنت أؤخّره إلا طلبًا للتفرّغ له. فما أن أنعم الله عليّ بذلك، حتى عاجلت أوراقي وبطاقاتي، كاتبًا هذا البحث المختصر، في هذه المسألة المهمّة.

وممّا عاجلني بإخراج بحثي هذا، أني مع ما أتوقُّعه من تشنيع بعض المقلدين عليّ فيه، إلا أني ضنينٌ بنسبة نتائجه إليّ، معتزٌ بما توصلت إليه فيه، لأني لا أعلم أحدًا من قرون متطاولة قد أفصح بما ذكرته، ولا قرّر ما حرّرته. وقد ابتُلينا في هذا الزمان بما يسمَّى بـ (السرقات العلمية) ، وقد كنت أحدَ ضحاياها في يوم من الأيام (1) ، فلم أر أن السكوت يسعني، وأنه من الواجب عليّ النهيُ عن منكر لُبْسِ ثَوْبَيِ الزُّور، والزجرُ عن تشبُّعِ المَرْءِ بما لم يُعْطَ!!! خاصّةً بعد انتشار أشرطة المحاضرات من سنوات، كما سبق.

ولا أشك أن القارىء الكريم قد عَرَفَ بعضَ تفاصيل المسألة، وما هي المسلّمةُ التي نقضتُها، إما من خلال الأشرطة المشار إليها، أو من خلال عنوان هذا البحث.

(1) ولن أذكر تفاصيل ذلك حتى حين!!!

ص: 8

فالحديث المعنعن (وهو الحديث الذي يرويه الراوي عمن يروي عنه بلفظ: عن) ، قد نُقِل أن في شروط قبوله خلافًا، بسبب أن لفظ (عن) لا يدلّ على الاتّصال في اللغة، والاتصال -كما لا يخفى- أحد أهمّ أركان قبول وصحة المنقولات من الأحاديث والأثار.

وأوّلُ من أثار هذه المسألة هو الإمامُ مسلمٌ في مقدّمة صحيحه، عندما عقد لهذه المسألة فصلاً خاصًا في تلك المقدّمة. وذكر مسلمٌ في ذلك الفصل أن أحدَ الجَهَلَةِ الخاملي الذِّكْرِ قد عَرَض لشروط قبول الحديث المعنعن، مُضيفًا شرطًا زائدًا عمّا عليه أهلُ الحديث قاطبة، ألا وهو شَرْطُ: أن نَقِفَ على ما يدل على السماع واللقاء ولو مَرّةً واحدةً في حديث كُلِّ راويين متعاصِرَيْنِ. فشنّ عليه مسلمٌ لذلك غارةً شديدةً، مُبيّنًا أنه مخالفٌ للإجماع، وأن قوله هذا مبتدع مستحدث.

وبعد الإمام مسلم سكت العلماء عن إثارة هذا الخلاف، حتى جاء القاضي عياض (ت 544هـ) ، فنسب ذلك الشرط الزائد، (الذي بدّعه مسلم ونقل الإجماع على خلافه) إلى الإمام البخاري وشيخه علي بن المديني وغيرهما.

ومن هنا تحوّلت المسألة تحوُّلاً خطيرًا، حيث تبنَّى ابنُ الصلاح (ت 643هـ) الرأيَ المنسوب إلى البخاري. وتتابع العلماء على ذلك، حتى هذا العصر.

بل صَنّفَ أحدُ العلماء كتابًا منفردًا في ترجيح المذهب الذي نُسب إلى البخاري على مذهب مسلم، وهذا العالم هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد الفِهْرِي الشهير بابن رُشَيد السبتي

(ت 721هـ) ، وذلك في كتابه (السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن) .

ص: 9

وكتب أحدُ الباحثين المعاصرين بحثًا لنيل درجة الماجستير في الموضوع ذاته، وبالنتيجة ذاتها. وهو بحث جيّد، لولا أنه سلّم لتلك المسلّمة، وهي إثبات نسبة شرط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من أئمة الحديث. أعني كتاب (موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللُّقْيَا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين) ، لمؤلِّفه خالد منصور عبد الله الدريس.

ومع أن هذا البحث الأخير قد طُبع عام (1417هـ) ، ومع أني قد كنت انتهيتُ قبل طباعته من ترجيح عدم صحّة نسبة شرط العلم باللقاء إلى البخاري وإلى غيره من نُقَّاد الحديث= إلا أن اطلاعي عليه بعد ذلك لم يزدني من ترجيحي السابق ذكره إلا يقينًا، لأن ذلك البحث، وكتاب ابن رُشيد قبله، وكتب المصطلح عمومًا بعد القاضي عياض، لم تكن تتعرّض لأصل المسألة، وهي:(ما مدى صحّة نسبة ذلك الشرط إلى البخاري) ، وإنما كان هَمُّ الجميعِ الترجيحَ بين مذهب البخاري (في حُسبانهم) ومذهب مسلم!!!

ومن هذا التسليم أُتيَ الجميع!!!

ومن مناقشة تلك المسلَّمة وُفّقْتُ إلى الصواب (بحمد الله تعالى) !!

وعرضت هذا البحث تحت ست مسائل:

المسألة الأولى: تحريرُ شَرْطِ البخاري (المنسوب إليه) ، وشَرْطِ مسلم، وشَرْطِ أبي المظفّر السمعاني.

المسألة الثانية: نسبةُ القول باشتراط العلم بالسماع إلى البخاري (تاريخُها، ودليلها، ومناقشة الدليل) .

ص: 10

المسألة الثالثة: الأدلّة على بطلان نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من العلماء.

المسألة الرابعة: بيانُ صواب مذهب مسلم وقُوّة حُجّته فيه.

المسألة الخامسة: أثر تحرير شرط الحديث المعنعن على السنة النبويّة.

المسألة السادسة: الردّ على آخر شُبْهَتين.

وإني من خلال هذه المسائل، وما تضمَّنَتْهُ من عَرْض، لأرجو أن أكون قد نصحتُ للسنة النبويّة، ولطلبة علومها، وللمسلمين عمومًا.

وأُذكّر كُلَّ قارىء لهذا الكتاب أن ينصح لنفسه، بحُسْن القراءة، وتمام التَّفَهُّم (1) ، والتجرُّدِ من الإلف العلميّ، والتحرُّر من قيود التقليد. وأن يُقبل على القراءة وهو مستعدٌ لتغيير أيِّ اعتقادٍ سابقٍ دَلَّهُ الدليلُ على بُطلانه، لا أن يُقْبِل جازمًا بخطأ الكاتب، باحثًا عن العثرات، راغبًا في اكتشاف الزلات. وأن يحرص على مخالفة سَنَنِ الذين في قلوبهم زيغ، فلا يَتَّبعُ المتشابهَ، بل يردُّ المتشابهَ إلى المُحْكَمِ. وعليه بعد ذلك من واجب إحسان النيّة، وحَمْل الكلام على أفضل مَحَامِله، وعلى الصواب ما أمكن= ما يأثم بعدم قيامه به.

فإن خالف أحدٌ هذه الأخلاق، فليعلم أنه أوّل مخذول، فالحق أبلج، والدين محفوظ، فلن ينفعه أن يشنّع على الحق، ولا أن يسعى

(1) وأنصح القارىء المبتغي للحق، بما نصبح به شيخُ الإسلام ابن تيميّة أحدَ مُنَاظريه، بقوله له:((المعاني الدقيقة تحتاجُ إلى إصغاءٍ واستماعٍ وتدبُّرٍ)) . العقود الدريّة لابن عبد الهادي (72) .

ص: 11

في تخريب علوم الدين.. ولا بأي حُجّة، ولو ركب كل مركب، فليُرحْ وليسترحْ!!!

أسأل الله تعالى لي وللقراء علمًا نافعًا، وعملاً صالحًا مُتَقبَّلاً، وخاتمةً حسنة.

وإلى مسائل البحث:

ص: 12