المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المسألة الثالثة: الأدلة على بطلان نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من العلماء - إجماع المحدثين

[حاتم العوني]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌المسألة الأولى: تحرير شَرْطِ البخاري (المنسوب إليه) ، وشَرْطِ مسلم، وشَرْطِ أبي المظفّرِ السمعاني‌‌أولاً: تحرير الشرط المنسوب إلى البخاري:

- ‌أولاً: تحرير الشرط المنسوب إلى البخاري:

- ‌ثانيًا: تحرير شرط مسلم:

- ‌ملاحظة:

- ‌ثالثًا: تحريرُ شَرْطِ أبي المُظَفَّر السمعاني (ت 489ه

- ‌المسألة الثانية: نسبة القول باشتراط العلم بالسماع إلى البخاري: تاريخُها، ودليلُها، ومناقشة الدليل

- ‌المسألة الثالثة: الأدلّة على بطلان نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من العلماء

- ‌الدليل العاشر: صحيح البخاري نَفْسُه

- ‌الدليل الثاني عشر: اكتفاء البخاري بالمعاصرة، في نصوص صريحةٍ عنه

- ‌الدليل الثالث عشر: اكتفاءُ جمعٍ من الأئمة بالمعاصرة:

- ‌المسألة الرابعة: بيَانُ صَوَابِ مَذْهَبِ مُسْلِمٍ وقُوّةِ حُجّتِهِ فيه

- ‌المسألة الخامسة: أثر تحرير شرط الحديث المعنعن على السنة

- ‌المسألة السادسة: الردُّ على آخر شُبْهَتَيْنِ

- ‌الشُّبْهَةُ الأُولى:

- ‌ الشُّبْهَةُ الثانية

- ‌فهرس المصادر والمراجع

- ‌دليل الموضوعات

الفصل: ‌المسألة الثالثة: الأدلة على بطلان نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من العلماء

‌المسألة الثالثة: الأدلّة على بطلان نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من العلماء

الدليل الأول:

سقوط الحُجّة التي اعتمد عليها الناسبون لذلك الشرط إلى البخاري وغيره من الأئمة، لتبقى تلك النِّسبة قولاً عاريًا من الدليل، ولا يسندها برهان. وكل قولٍ خلا من دليل يسنده فهو ادّعاء باطل، ووَهْمٌ لا حقيقة.

وهذا السقوط هو ما بيّنّاه آنفًا من مناقشة دليل تلك النسبة، فأتينا ذلك الدليل من جوانبه، حتى لم يَبْقَ له أثرٌ!!

الدليل الثاني:

الإجماعُ الذي نقله مسلم في مقدّمة صحيحه، على أن الحديث المعنعن بين المتعاصرين مقبولٌ مع سلامة رواته من التدليس. وَوَصْفُهُ لقول من اشترط العلم باللقاء بأنه قول مبتدع مستحدث، لا يُوافقه عليه أحدٌ من أهل العلم متقدِّمهم ومتأخِّرِهم.

وهذا الإجماع الذي نقله مسلم فيه من القوّة ما لا يثبت أمامها شيءٌ من الشُّبَهِ إلا هتكته، وله من الجلالة ما تتضاءل أمامها كل الأقوال المخالفة!!!

كيف وهو مدعوم بأنْ لا دليلَ للمخالفين، وبأدلّة أخرى متواردةٍ على نَصْرِه وتأييده؟!!

ص: 77

أمّا أسبابُ قوّةِ هذا النقل للإجماع، وملامحُ جلالته، فالآتية:

الأول: إمامة ناقل هذا الإجماع في علم الحديث الإمامةَ المسلَّم بها عند كُلِّ الأُمّة، بل يكفي أن نذكر اسمه (وهو الإمام مسلم) لندرك مكانته بين جهابذة الأئمة ومنزلته عند نقاد الحديث. وهو الإمام الجامع لهذا العلم من أطرافه، المتتلمذُ على الجمّ الغفير من علماء عصره، الآخذُ لأصول هذا العلم وفروعه وظواهره وبواطنه عن أكبر أئمة عصره، وشيوخ الحديث في زمانه.

فهل يُتَصوَّر أن يُخطىءَ هذا الإمام: لا في تحرير مسألة جُزئيّة من هذا العلم، ولا في أصل من أصوله، ولا في أصل عظيم من أصوله، بل في ادّعاء الإجماع على أصل عظيم من أصول علم الحديث، ألا وهو شرط قبول الحديث المعنعن. . الحديث المعنعن الذي ملأ دواوين السنّة، وغلبَ على جُلّ الروايات؟!!! ثم يدّعي الإجماع على هذا الأصل العظيم خطأ!!! هل يستطيعُ أحدٌ أن يصدّق أن هذا قد وقع؟!!!

نعم. . إنّ مسلمًا ينقل الإجماع، ينقل الإجماعَ مسمٌ!! ولا يذكر رأيَه واجتهادَه الخاصّ في هذه المسألة.

هو لو ذكر رأيه الخاص في مسألته هذه، لاسْتبعدنا كُلَّ الاستبعاد أن يُخطىء فيها، لأنّها مسألة من أمهات المسائل، ومن القواعد العظام في علوم الحديث، التي يستحيل أن يخطىء فيها حديثي (مبتدىء في علم الحديث) ، فكيف بإمام الحديث؟!!!

ولا يذكر مسلمٌ رأيه الخاصّ، بل ينقل الإجماع. . أيها الناس!!

ثم يريد منا الإمام النووي رحمه الله أن نصدّق أن الإجماع الذي

ص: 78

نقله مسلم منخرمٌ بمخالفة المحقّقين (1) !!! بل يريد منا ابن رجب رحمه الله أن نصدِّق أنه منخرمٌ بقول الجماهير (2) !!! بل منخرمٌ بالإجماع على خلاف قول مسلم. . .!!! (3) .

أُعلن أني لا أستطيع أن أتصوّر ما ذكراه، فضلاً عن تصديقه أو تكذيبه!!! لأنه شيءٌ غير معقول وأمرٌ مستحيل!!!

لقد كان يكفيهما لكي يُتَصَوَّر قولُهما أن يزعما كما زعم ابن القطان الفاسي: من أن الجمهور على رأي مسلم موافقين له، خلافًا للبخاري وعلي بن المديني (4) .

لكني سأترك الحكم للناظرين.

الثاني: أنه من الثابت أن مسلمًا عرض صحيحه على حافظين من كبار حفاظ الإسلام، هما أبو زرعة الرازي، ومحمد بن مسلم بن وارة (5) ، وعُرض عليهما (6) . فانتقدا عليه أشياء يسيرة، والتزم بآراء أبي زرعة خاصة، واعتذر إلى ابن وارة بما أرضاه.

فهل ينضافُ أبو زرعة وابن وارة إلى مسلم: على نقل الإجماع المنخرم بقول المحققين أو الجماهير، بل الجميع. . سواهم؟!! فيكون

(1) انظر التقريب للنووي، مع شرحه التدريب (1/ 246) .

(2)

شرح علل الترمذي (2/ 589) .

(3)

شرح علل الترمذي (2/ 596) .

(4)

بيان الوهم والإيهام (2/ 576)(3/ 287) .

(5)

انظر: تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم للحاكم (281) ، وصيانة صحيح مسلم لابن الصلاح (68، 99) .

(6)

سؤالات البرذعي لأبي زرعة (674- 677) .

ص: 79

خفي عليهما من هذا الأصل العظيم ما كان خفي على مسلم من قبل!!! وخفي عليهما أنهما مخالفان لإجماع العلماء أيضًا!!!

الثالث: أن مسلمًا انتهى من تصنيف كتابه سنة (250هـ) تقريبًا، كما يميل إليه بعض الباحثين (1) .

ويعني ذلك أن مسلمًا عاش بعد انتهائه منه أحدَ عشر عامًا، كان خلالها يروي كتابَه، ويسمعه منه الجَمُّ الغفير، إلى أن سمعه منه تلميذه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان (ت 308هـ) ، منتهيًا من قراءته عليه سنة (257هـ)(2) .

وهو خلال هذه السنوات يقرأ الصحيح بنقل ذلك الإجماع الذي فيه، مجابهًا بذلك أهلَ عصره، دون نكير من أحد، ولا يُنبَّه مسلمٌ إلى خطئه الكبير بمخالفة المحققين والجماهير فيما ادّعى عليه الإجماع؟!!

أم أنه بُيِّنَ له خطؤه، وردَّ عليه أهلُ عصره، لكن لم يبلغنا من ذلك شيءٌ البتّة، والأهمّ أن مسلمًا أصرَّ مستكبرًا على رأيه. . لا بل على نقله للإجماع؟!!

أجيبوني بأحد هذه الاحتمالات التي أحسنها ما لا يُمكن أن يُقبل.

فإن قيل: لعل مسلمًا لم يكتب مقدّمة صحيحه إلا متأخّرًا؟!

فأقول: ما أسمج هذا الاحتمال!!!

(1) الموقظة للذهبي -تتمّات أبي غدة في آخرها- (138- 140) ، والإمام مسلم ومنهجه في صحيحه للدكتور محمد الطوالبة (105- 106) ، والإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح لمشهور حسن سلمان (1/ 356- 357) .

(2)

الإمام مسلم ومنهجه لمشهور حسن سلمان (1/ 358) .

ص: 80

وعلى فرض صحته فقد سمع ابنُ سفيان الصحيحَ بمقدّناع ستى (257هـ) ، عاش بعدها مسلم أربع سنوات، فهل ترضى ببقاء تلك الاحتمالات؟!!

ثم إن مقدّمة مسلم ناطقةٌ بأنها كُتبت قبل الصحيح (بل ذهب بعض العلماء -كأبي عبد الله الحاكم- إلى أنّ الإمامَ مسلمًا بعد أن كتب مقدّمة كتابه، وابتدأَ بكتابةِ الصحيحِ وَفقَ خُطّتها، اخترمتْهُ المنيّةُ قبل استيفاءِ جميع الخُطّة) . وانظر إلى قول مسلم: ((وظننت حين سألتني تجشّمَ ذلك، أن لو عُزِمَ لي عليه وقُضي لي تمامه، كان أولُ من يُصيبُه نفعُ ذلك إيّايَ خاصة، قبل غيري من الناس. . .، ثم إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألتَ، وتأليفِهِ على شريطةٍ سوف أذكرها لك. . .)) .

الرابع: قوّة عبارات مسلم في نقل الإجماع، وثقته بذلك كل الثقة، واعتداده به غايةَ الاعتداد. مما لا يُمكن معه أن يكون نقلُه لهذا الإجماع فلتةً من غير رويّة، وزلّةً لم تسبقها أناة.

انظر إليه وهو يقول بعد نقله للمذهب الذي وصفه بأنه مخترع مستحدث، قال:((ذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا. . (ثم ذكر رأيه الذي نقل عليه الإجماع، وطالب صاحب القول المخترع بالدليل قائلاً:) فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحد يلزم قولُه، وإلا فهلمّ دليلاً على ما زعمتَ. فإن ادعى قولَ أحدٍ من علماء السلف بما زعم من إدخال الشريطة في تثبيت الخبر، طُولب به، ولن يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلاً)) (1) .

(1) صحيح مسلم (1/ 29) .

ص: 81

وقال: ((وما علمنا أحدًا من أئمة السلف، ممن يستعمل الأخبارَ ويتفقّد صحة الأسانيد وسقمها، مثلَ أيوبَ، وابنِ عونٍ، ومالكٍ، وشعبةَ، والقطانِ، وابن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث= فتّشوا عن موضع الأسانيد كما ادّعاه الذي وصفنا قوله من قبل، وإنما كان تفقّدُ من تفقّدَ منهم سماعَ رواةِ الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشُهِر به)) (1) .

وسوف أترك عبارات التشنيع على الخصم، فهي دليلٌ منفصل وحجة دامغة، سنأتي إليها (إن شاء الله تعالى) .

الخامس: لقد سَمَّى مسلمٌ كما سبق جمعًا من أهل العلم بأسمائهم ممن رأى أنهم يوافقونه في رأيه، وأبهم بقيّة العلماء، الذين لا يعرف فيهم إلا الموافق، حتى نقل الإجماع على رأيه كما سبق.

لكن في هؤلاء العلماء الذين سمّاهم مسلم بعضٌ من العلماء الذين لهم عبارات بنفي العلم بالسماع، وهي أقوال مشهورة عنهم متداولة، لا أشك أن مسلمًا اطلع عليها وعلى أكثر منها، واحتجَّ بها المخالفون لمسلم كابن رجب في الرد على مسلم.

فهل خفيت على الإمام مسلم؟!

أم علمها، لكن لم تدل عنده على اشتراط العلم باللقاء؟!

الجوابُ القريبُ أتركه لكَ.

(1) صحيح مسلم (1/ 32- 33) .

ص: 82

السادس: أن مسلمًا أفرد مسألة العنعنة بالحديث في مقدّمته غير المُطوَّلة، وأخذت من مقدّمته مساحةً كبيرة، وأطال فيها. ممّا يدل على أنه أولاها عنايته الخاصّة، ومحَّصَ فيها علمه، وأخلص فيها جهده.

فهل يصح تصوّر الخطأ من مثله، والحالة كما وصفنا؟!

السابع: أن البخاري شيخُ مسلم الأجلُّ لديه، الأكبر في عينيه. ولم يزل مسلم معظّمًا للبخاري، منابذًا لأعدائه. وهو القائل له لما ورد البخاري نيسابور سنة (250هـ)(1)، أي سنة انتهاء مسلم من تصنيف صحيحه (كما سبق) :((دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدّثين وطبيب الحديث في علله)) .

ويقول الخطيب في (تاريخ بغداد) : ((وكان مسلمٌ يناضل عن البخاري، حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه)) ثم أسند الخطيب إلى عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ أنه قال: ((لما استوطن محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور، أكثر مسلم بن الحجاج الاختلافَ إليه. فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناسَ من الاختلاف إليه. حتى هُجر، وخرج من نيسابور في تلك المحنة= قطعه أكثر الناس غير مسلم، فإنه لم يتخلّف عن زيارته. فأُنهيَ إلى محمد بن يحيى أن مسلم بن الحجاج على مذهبة قديمًا وحديثًا، وأنه عوتب على ذلك بالعراق والحجاز ولم يرجع عنه. فلما كان يوم مجلس محمد بن يحيى، قال في آخر

(1) سير أعلام النبلاء (12/ 404) .

ص: 83

مجلسه: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، وخرج من مجلسه، وجمع كلَّ ما كان كتب عنه وبعث به على ظهر حمّال إلى باب محمد بن يحيى. فاستحكمت بذلك الوحشة، وتخلّف عنه وعن زيارته)) (1) .

فهل بعد هذه المحبّة وذلك التعظيم والتقديم يمكن أن يكون مسلم يقصد البخاريَّ بتلك العبارات البالغة الشدّة، التي سيأتي ذكرها، والتي يصف فيها مخالفَه بالجهل وخمول الذكر وأنه لا وزن له ولا اعتبار؟!!

الثامن: سبق أن مسلمًا انتهى من تصنيف صحيحه سنة (250هـ) ، وهي سنة لقائه الطويل بالبخاري، حيث ورد البخاري نيسابور في هذه السنة، ليمكث فيها خمس سنوات. لازمه مسلم خلالها أشدَّ الملازمة، وعظّمه أشدّ التعظيم، وقال له تلك العبارات الدالة على إجلاله الذي لا يساويه إجلال، بل وناضل عنه وهَجَر الذهلي وحديثَه من أجل البخاري. ولم يزل يزور البخاري حتى بعد أن ترك البخاريُّ نيسابور، كما سبق في خبر الخطيب البغدادي.

يفعل مسلمٌ ذلك الإجلال كله، وتمتلكه تلك المحبة لشيخه، مع أنه كان قد كتب تلك المقدّمة، التي شنّع فيها على مشترط العلم بالسماع أشد تشنيع، وحمل عليه بكل قوّة!!!

وأنا أعجب غاية العجب ممن استدل بزمن تصنيف مسلم لصحيحه وزمن لقائه بالبخاري على أن مسلمًا قصد علي بن المديني دون

(1) تاريخ بغداد للخطيب (13/ 103) .

ص: 84

البخاري، لا لأنّ البخاري في رأيه لا يشترط ذلك الشرط، ولكن لأنّ مسلمًا لم يكن قد التقى بالبخاري بعد، أي لأنّ مسلمًا لم يكن يعلم أن البخاري على رأي علي بن المديني!!

أَفَبَعْدَ أن لازمَ مسلمٌ البخاريَّ خمس سنوات، تُراه لم يزل جاهلاً بشرط شيخه؟!!

والواقع أن البخاري قد أعل حديث كفارة المجلس بعدم العلم بالسماع، ووافقه مسلم على ذلك كل الموافقة!!!

فلماذا أبقى مسلم تلك المقدمة كما هي عليه؟!

أمْ أن مسلمًا رجع عن رأيه ووافق البخاري، لكنه ترك مقدّمته وما فيها من تشنيعٍ على مخالفه كما هي، وتُقرأ عليه بعد رجوعه، وتُروى عنه؟!!! (1)

ولو ذهبت أُفصِّلُ دلالةَ الإجماع الذي نقله مسلم على نقض ذلك القول الذي يزعم أن مسلمًا قصد أحدَ أئمة الحديث كالبخاري أو ابن المديني أو غيرهما، وأن المحققين والجماهير على خلاف ما نقل مسلمٌ الإجماعَ عليه= لطال بي الحديث إلى حدٍّ بعيد. لكن فيما سبق كفاية.

فهل تُصغي لهذه الأدلّة الأسماعُ التي أوقرها الإلْفُ العلميّ، وهل تعي الألبابُ هذه البراهين منطلقةً من قيود المسلّمات الموهومة وأغلالِ الفكر المسمومة.

(1) انظر موقف الإمامين لخالد الدريس (433) .

ص: 85

الدليل الثالث: وَصْفُ مسلم لصاحب ذلك الشرط بأنه جاهلٌ خامل الذكر لا وزن له ولا اعتبار في العلم.

يقول مسلم: ((وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقوله، لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحًا لكان رأيًا متينًا ومذهبًا صحيحًا، إذ الإعراضُ عن القول المطَّرح أحْرى، لإماتته وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجُهّال عليه. غير أن تخوّفْنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله وردّ مقالته بقدر ما يليق به من الردّ= أجدى على الأنام، وأحمدَ للعاقبة إن شاء الله)) (1) .

ثم قال بعد نقل من حكى قولَه: ((وهذا القول يرحمك الله في الطعن في الأسانيد قول مخترع مستحدث غير مسبوق صاحبه إليه، ولا مُساعِدَ له من أهل العلم عليه)) (2) .

إلى أن قال في آخر كلامه: ((وكان هذا القولُ الذي أحدثه القائل الذي حكيناه في توهين الحديث، بالعلة التي وصفتُ= أقلَّ من أن يُعرَّجَ عليه، ويُثَارَ ذكره. إذ كان قولاً محدثًا، وكلامًا خَلْفًا، لم يَقُلْهُ أحدٌ من أهل العلم سلف، ويستنكره من بعدهم خَلَفٌ. فلا حاجة بنا في ردّه بأكثر مما شرحنا، إذ كان قَدْرُ المقالة وقائلها القدر الذي وصفناه. والله

(1) صحيح مسلم (28- 29) .

(2)

صحيح مسلم (1/ 29) .

ص: 86

المستعان على دفع ما خالف مذهب العلماء، وعليه التكلان)) (1) .

فالذي أريد أن أستفهم عنه: هل البخاري وعلي بن المديني أو أحدهما جاهلٌ خاملُ الذكر لا وزن له في العلم وأحقر من أن يُردّ عليه؟!!!

لا يمكنني أن أجمع بين أن الإمام مسلمًا مسلمٌ عاقلٌ متصوِّنٌ، فضلاً عن كونه أحدَ أئمة الدين وسادة الأمة ورعًا وعبادةً وعلمًا وعملاً، وأنه يكذب ذلك الكذب الصريح.

فلو أتيتَ بالذهلي أو بأي إمامٍ آخر ممن عادَى البخاريّ، هل تظنّ أنه سيقول عن البخاري إنه جاهلٌ خامل الذكر لا وزن له.

قد يقول (في اعتدائه) : إنه مبتدع، إنه ضال. لكن أنه خاملُ الذكر!! قائلُ ذلك معلنٌ على نفسه بالكذب أو نقصان العقل.

يا قوم، من يقول عن طاغية مثل فرعون إنه خامل الذكر؟! هذا كذب صريح.

أقصد من هذا أن هذه الأوصاف لا تناسبُ أحدًا من علماء السنة الذين نُسب ذلك الشرط إليهم، ولا يصح عقلاً أن نتصور أن مسلمًا وصف واحدًا منهم بها.

كان يمكن أن يقول مسلم عن البخاري ما يشفي به غيظه، ويروي به غليله (فيما لو كان يتغيّظُ عليه، ويحمل عليه غِلاًّ)، كأن يقول عنه: إنه ضلّ ضلالاً مبينًا، وأفحش في الخطأ، ويجب أن يستتاب!! لكن أن

(1) صيحيح مسلم (1/ 35) .

ص: 87

يقول إنه خامل الذكر جاهل حقير، فهذا لا يقبله أحدٌ!!! لأنه خبرٌ مخالفٌ للواقع كُلَّ المخالفة، مفضوحُ البطلان، ينادي على المقالة وقائلها بالكذب والبهتان!!

الدليل الرابع: الصمتُ التامّ والسكوت المُطْبِقُ عن الخلاف المزعوم بين البخاري ومسلم في الحديث المعنعن، ويستمرّ هذا الصمت الأصم نحو ثلاثة قرون، إلى أن ينسب القاضي عياض (ت 544هـ) ذلك الشرط إلى البخاري وعلي بن المديني وغيرهما (كما قال) .

لقد شنّ مسلمٌ تلك الحرب الشعواء، في مقدّمة ثاني أشهر كتاب في السنة، ونقل الإجماعَ على رأي يخالفُه فيه صاحبُ أول كتاب في السنة، ويصف مسلمٌ مخالفَه هذا بأقبح الأوصاف (كما زعموا) .

ثم المسألة التي شنّ مسلمٌ لها تلك الحرب وناضل فيها وصاول من أمهات مسائل علوم الحديث، بل من قواعده العظام.

ثم -بعد ذلك كله- لا تنتطح فيها عنزان، ولا يعرض لها أحدٌ ممن جاء بعد مسلم، لا ممن ألف في دواوين السنة، ولا في العلل، ولا في التواريخ، ولا في علوم الحديث، كالحاكم والخطيب والبيهقي وغيرهم.

لا يعرض لها أحدٌ بشيء، ولا يشير إلى الخلاف، ولا يردّون على مسلم ولا ينتصرون، ولا يدفعون عن البخاري ولا يُحامون عن عرضه، ولا ولا!!!

لمَ يحصل كل هذا؟! بل لمَ يحصلُ بعض هذا؟!

ص: 88

لقد تعرّضوا مثلاً في كتب المصطلح (مثل كتاب الحاكم والخطيب) لدقائق الأمور ولطائف المسائل (كرواية الأقران والمدبّج والعالي والنازل ورواية الأكابر عن الأصاغر) ، فلمَ تركوا هذه الحرب المشتعلة في مقدّمة صحيح مسلم، فلم يشاركوا فيها ولا بحذف حصاة (أي: ولا بحرفٍ واحد) ؟!!

ألا يدل ذلك على أنّ الأمر محطّ إجماع فعلاً، وأنّه لا خلاف بين أهل العلم فيه حقًّا، وأن مسلمًا لا معارضَ له فيما قال، وأنه لم يَجُرْ ولم يظلم صاحبَ تلك المقالة في وصفه له بأنه جاهل خامل لا قيمة له ولا لرأيه.

ثم قابِلْ بين ذلك الصمت قبل القاضي عياض، وماذا حدث بعد القاضي عياض، لمّا أُخِذَ قوله مُسلَّمًا في نسبته ذلك الشرط إلى البخاري:

- كيف صار الخلاف في هذه المسألة من أشهر مسائل الخلاف في علم الحديث؟!

- وكيف صار هذا الفارق من أعظم الفروق بين البخاري ومسلم حتى في كتاب مختصرٍ جدًّا مثل (نزهة النظر) لابن حجر؟!!

- وكم أخذت هذه المسألة مساحاتٍ واسعةً في كتب المصطلح؟!

- وكم استنزفت من جهود العلماء، حتى أفردوها بالتصنيف؟!

فهل تريد مني أن أصدّق أن هذا لم يحصل قبل القاضي عياض، ولمدّة ثلاثة قرون= مصادفة؟!!! أم ماذا؟!!!

ص: 89

الدليل الخامس:

أن مسلمًا لما أراد أن يبيّنَ لخصمه أنه مخالفٌ للإجماع، استدلّ (فيما استدلّ) بأسانيد لم يذكر فيها بعضُ رواتها ما يدلّ على سماعهم ممّن رووا عنهم، ولا في شيءٍ من مروياتهم عنهم، مع ذلك لم يتردّد أحدٌ في أن يحكم على تلك الأسانيد بالاتّصال والصحّة، كما يقول مسلم. إلا ذلك الخصمُ المخالِفُ لمسلم، فإنه طعن في تلك الأسانيد بعدم الاتصال، بناءً على شرطه في قبول الحديث المعنعن.

يقول الإمام مسلم: ((فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصاري، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى عن حذيفة وعن أبي مسعود الأنصاري، وعن كل واحدٍ منهما حديثًا يُسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وليس في روايته عنهما ذِكْرُ السماع منهما، ولا حفظنا في شيء من الروايات أن عبد الله بن يزيد شافه حذيفة وأبا مسعود بحديث قط، ولا وجدنا ذكر رؤيته إيّاهما في رواية بعينها.

ولم نسمع عن أحدٍ من أهل العلم ممن مضى، ولا ممن أدركنا، أنه طعن في هذيه الخبرين، اللذين رواهما عبد الله بن يزيد عن حذيفة وأبي مسعود بضعفٍ فيهما، بل هما وما أشبههما عند من لاقَيْنا من أهل العلم بالحديث من صحاح الأسانيد وقويِّها، يرون استعمال ما نُقل بها، والاحتجاجَ بما أتت من سننٍ وآثار.

وهي في زعم من حكينا قوله من قبلُ واهيةٌ مهملةٌ، حتى يُصيبَ سماعَ الراوي عمن روى)) (1) .

(1) صحيح مسلم (1/ 33) .

ص: 90

ثم نقل مسلمٌ عددًا من الأسانيد وقال عقبها: ((فكل هؤلاء التابعين الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم، لم يُحفظ عنهم سماعٌ علمناه منهم في رواية بعينها، ولا أنهم لَقُوهم في نفس خبرٍ بعينه. وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الأسانيد، لا نعلمهم وَهّنوا منها شيئًا قط، ولا التمسوا فيها سماعً بعضِهم من بعض. إذ السماع لكل واحدٍ منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر، لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه)) (1) .

وحتى هنا لم نذكر موطن الشاهد:

وموطن الشاهد هو أن البخاري أحدُ من صحّح بعض الأسانيد التي ذكرها مسلم.

فأخرج البخاري حديث عبد الله بن يزيد عن أبي مسعود (رقم 55) .

وأخرج البخاري حديث قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود (رقم 3302)(رقم 90)(رقم 1041)(رقم 702) .

وأخرج البخاري حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أنس (رقم 5381) .

وأخرج البخاري حديث نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي (رقم 6019) .

وأخرج البخاري حديث النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري (رقم 2840، 6553) .

(1) صحيح مسلم (1/ 35) .

ص: 91

وأخرج البخاري حديث سليمان بن يسار عن رافع بن خديج (رقم 2346) .

فالبخاري يصحح هذه الأسانيد الستة كلَّها، مع أن مسلمًا أورد هذه الأسانيد ليضرب بها مثالاً على الأحاديث التي يضعّفها خصمُه، وهي صحيحة عند غيره من العلماء الذين لا يشترطون شرطَه.

فهل يُمكن أن يكون مسلم يُحَاجُّ البخاريَّ بذلك؟ والبخاري لا يخالفه في تصحيح ما صحّح. أو بعبارة أدق: والبخاري يُصحِّحُ ما يضعفه خصمُ مسلم!

نخرج من هذا بأمرين:

الأول: أن مسلمًا لم يقصد البخاري يقينًا.

الثاني: أن البخاري من ذوي المعرفة بالأخبار والروايات، ممن لم يلتمسوا في تلك الأسانيد سماع بعض الرواة من بعض (على حد تعبير مسلم) .

وهنا أذكّر بما استملحه بعضُ أهل العلم من التعقّب على مسلم في بعض الأسانيد التي ذكرها، بوقوفهم على تصريحٍ لبعض الرواة بالسماع من بعض، وأن من تلك الأسانيد ما وقع التصريح بالسماع لرواتها في صحيح مسلم نفسه. وأخذوا ذلك على مسلم، واستغربوه منه.

وهذا لا أثر له في مسألتنا، التي هي: التثبت من نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري، لأنّ ذلك التعقّب لا علاقة له بتصحيح النسبة أو ردّها.

ص: 92

بل إني لأتلمّس من وقوع السهو لمسلم في بعض ذلك أنه كان مستهينًا بخصمه غاية الاستهانة، وأنه كان عنده أقل وأدنى من أن يُنقّر له الأدلّة ويُصفِّي له الرويّة. ولو كان مسلم يرد على البخاري أو عليِّ بن المديني أو غيرهما من أئمة السنة، لرأيت غير ذلك، ولاختلف الأمر تمامًا.

لقد كان مسلمٌ متردّدًا في الردّ (كما ذكر) ، استخفافًا بذلك المبتدع المستحدث لذلك القول. ثم تصبّر على الردّ، وهو مُسْتَثْقِلُهُ، ولذلك لم يحزم له كُلّ حُمُولِهِ، ولا أعدَّ له كل عُدّته.

الدليل السادس: أنّ مسلمًا لم ينفرد بنقل الإجماع على قبول عنعنة المتعاصرين مع السلامة من التدليس، بل يوافقه على نقل الإجماع جَمْعٌ من أهل العلم، كلُّهم قبل القاضي عياض!!

فهل هؤلاء العلماء جميعهم (الآتي ذكرهم) غفلوا عن الخلاف في هذه المسألة الكبرى كما غفل مسلم؟!!

ولئن غفل مسلم -وعقلنا من ذلك ما لا يُعقل- فهل يغفل من جاء بعده ممن وقف على تلك الحملة الشديدة التي شنّها مسلم على خصمه؟

فأولهم: أبو الوليد الطيالسي (ت 227هـ) :

قال ابن رجب: ((قال الحاكم: قرأت بخط محمد بن يحيى: سألت أبا الوليد (هشام بن عبد الملك الطيالسي) : أكان شعبة يقرّق بين

ص: 93

(أخبرني) و (عن) ؟ فقال: أدركت العلماء وهم لا يفرّقون بينهما.

وحمله البيهقي على من لا يُعرف بالتدليس.

(قال ابن رجب:)((ويمكن حَمْلُه على من ثبت لُقيّهُ أيضًا)) (1) .

أمّا حَمْلُ البيهقي فصحيح، لأنّ عدم التفريق بين صيغ السماع والعنعنة إنما هو في حَقّ غير المدلس، وهذا موطن إجماع.

لكن حَمْلُ ابن رجب فيه نظر قوي، بل هو حَمْلٌ متعسَّفٌ لا دليل عليه، بل هو حَمْلٌ يجعل الكلام لا معنى له.

أولاً: حمل البيهقي موطن إجماع، أما حمل ابن رجب فهو محل النزاع، وهو مصادرة على المطلوب، ولا دليل عليه، فهو مردود.

ثانيًا: أن أبا الوليد الطيالسي نفى الفرق بين (عن) و (أخبرني) ، ومع القيد الذي ذكره البيهقي (وهو السلامة من التدليس) يتضح عدمُ وجود الفرق بين الصيغتين، لأن (عن) ستكون دالةً على السماع مثل (أخبرني) في عموم الرواة وعُظْم الروايات، لا يُستثنى بذلك القيد إلا عددٌ محصورٌ من الرواة القلة الذين أكثروا من التدليس وغلب عليهم.

أمّا القيد الذي ذكره ابن رجب فهو قيدٌ لا يصح معه نفي الفرق بين (عن) و (أخبرني) ، لأنه قيدٌ أثبت فرقًا واضحًا بين الصيغتين!! ففي حين تدل (أخبرني) على السماع مطلقًا، فـ (عن) لا تدل السماع في كل راوٍ، بل وعن كل شيخ من شيوخ ذلك الراوي، إلا إذا جاء ما يدل على حصول اللقاء بينهما، هذا مع اشتراط السلامة من التدليس أيضًا.

(1) شرح علل الترمذي (2/ 588) .

ص: 94

فكيف يصح بعد حمل ابن رجب أن يكون: لا فرق بين (عن) و (أخبرني) ؟! مع وجود هذا الفرق الكبير!!

وثاني من نقل الإجماع: أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405هـ) :

قال الحاكم في (معرفة علوم الحديث) : ((معرفة الأحاديث المعنعنة وليس فيها تدليس: وهي متّصلةٌ بإجماع أئمة أهل النقل، على تورُّع رواتها عن أنواع التدليس)) (1) .

كذلك أطلق الحاكم، دون قيد العلم باللقاء، وينقل الإجماع على هذا الإطلاق، ولذلك صرّح العلائي والبُلْقيني (2) أن الحاكم على مذهب مسلم في الحديث المعنعن. ونحن لا يُهمّنا أن الحاكم على مذهب مسلم (وإن كان لذلك أهميّته) ، لكن يهمّنا أنه ينقل الإجماع على ما نقل مسلم عليه الإجماعَ من قبل، فقيل أن مسلمًا غَفِل عن مخالفته للجماهير!!!

فإن قيل: لكن الحاكم لم يشترط المعاصرة، فأقول: هذا شرط بَدَهيٌّ لا يحتاج إلى تنصيص. فالكلام هنا عن (الاتّصال) ، كيف يثبت (الاتّصالُ) في الحديث المعنعن، فاشترطوا لذلك أن لا يكون الراوي مدلسًا، فهل هناك حاجةٌ -بعد ذلك- إلى التنصيص على المعاصرة، وأنه يجب أن لا يكون الراويان غيرَ متعاصرَين (3) ؟!

(1) معرفة علوم الحديث للحاكم (34) .

(2)

انظر: جامع التحصيل (117) ، ومحاسن الاصطلاح للبلقيني (224) .

(3)

انظر السنن الأبين (57) .

ص: 95

أمّا محاولة بعض المعاصرين (1) الزعم بأن الحاكم على المذهب المنسوب للبخاري، من اشتراط العلم باللقاء، بدليل أنه لمّا مَثَّلَ للحديث المعنعن المتّصل، الذي قدّمه بالعبارة السابقة، مَثَّلَ له بحديثين معلومٌ سماعُ رواتهما من بعض= فهذا استدلالٌ ضعيف جدًّا. لأن الحاكم عَقَدَ بابًا للحديث المعنعن، وذكر شرط قبوله، ولو كان على غير مذهب مسلم، فهل يُتَصَوَّر أن يسكت عن شرط العلم باللقاء اكتفاءً بمثالٍ أورده؟! وهو يعلم الخلاف الذي أثاره مسلم بقوّة. ثم كيف ينقل الإجماع على أمرٍ نقل الإجماعَ على خلافه صاحبُ ثاني أصح كتاب في السنة وإمامُ نيسابور (بلد الحاكم) : ألا وهو مسلم؟! فأقلّ ما في الأمر: كان الواجب عليه أن يذكر رأيه في هذه المسألة الخلافيّة (بزعمهم) ، لا أن ينقل الإجماع عليها، ويكتفي بالمثال للدلالة على مذهبه!!

ثم أيّ معنى لاشتراط الحاكم انتفاءَ التدليس وذِكْرِه له بذلك الوضوح والقوّة في كلامه، مع أنه شَرْطٌ متّفقٌ عليه، ثم يترك التنصيصَ على الشرط الذي يتبنّاهُ ويُرجِّحُه (بزعمهم) ، مع ما وقع فيه من ذلك الخلاف الكبير؟!!

وأخيرًا نقول: إن الطبعي أن يُحاول الحاكم، وهو في مجال ضرب مثال لحديثٍ معنعنٍ لا اختلاف في اتّصاله، أن يضرب له بمثالين من ألوف الأمثلة يتحقق فيهما الاتّصال على أوضح صورة، وغالبًا ما سيوافق ذلك أن يكون اللقاءُ (بل وطولُ الصحبة) قد تحقق لهؤلاء الرواة، فلا علاقة لذلك باشتراط العلم باللقاء ولا من وَجْه!!

(1) انظر: تتمّات أبي غدّة رحمه الله على الموقظة للذهبي (125) .

ص: 96

ثم هناك كلامٌ آخر للحاكم صريحٌ بعدم اشتراط العلم باللقاء، وإنّما أخّرته، لأن الكلام السابق هو كلام الحاكم في النوع الذي عقده للحديث المعنعن، ولأن كلامه الآخر (الآتي ذكره هنا) قد وقع في نقله عنه خلاف.

أعني قول الحاكم في (معرفة علوم الحديث) : ((المسند من الحديث: أن يرويه المحدّث عن شيخ يَظْهَرُ سماعُه منه لِسِنٍّ يحتمله، وكذلك سماعُ شيخه من شيخه، إلى أن يصل الإسنادُ إلى صحابي مشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (1) .

كذا جاءت العبارة في مطبوعة (معرفة علوم الحديث) للحاكم، بلفظ:((لسنٍّ يحتمله)) ، التي هي عبارةٌ صريحةٌ على الاكتفاء بالمعاصرة. مع أن المحقق أشار في الحاشية أن النسخة الأصل لديه، قد جاءت فيها العبارة بلفظ ((ليس يجهله)) ، وظاهر تصرُّفه أن الخمس النسخ الأخرى كلها (التي اعتمدها في التحقيق) على خلافها، وأنها جاءت كما أثبته في الأصل:((لسنٍّ يحتمله)) . وإن كنتُ أشك في صحّة ما ذكره عن النسخة الأصل، لأنه ذكر في مقدّمة تحقيقه أنه نسخ النسخة الأصل من بريطانيا، وظاهر كلامه أنه بعد سفره من بريطانيا أخذ يقابل ما نَسَخَه هو من النسخة الأصل على النُّسخ الأخرى (2) ، وهذا يختلف تمامًا عمّا لو كانت صورةٌ من النسخة الأصل بين يديه حين المقابلة، لاحتمال أن تكون قراءتُه ونَسْخُهُ الأول غيرَ مطابق للأصل.

(1) معرفة علوم الحديث للحاكم (17) .

(2)

مقدّمة تحقيق معرفة علوم الحديث للحاكم (كج، إلى: كط) .

ص: 97

أمّا أول من أشار إلى وجود خلاف بين نسخ كتاب الحاكم في هذا الموطن فهو ابنُ رُشيد السبتي (ت 721هـ) ، حيث نقل كلام الحاكم بلفظ ((بسنٍّ مُحتملة)) ، وبلفظ:((لسنٍّ يحتمله)) ، وكلاهما ظاهران على مذهب مسلم. ثم ذكر أنه وجده أيضًا في نسخة بلفظ:((ليس يحتمله)) (1) ، وهذه على رأي ابن رشيد على خلاف رأي مسلم، وهي عنده أرجح، بدليل أن الحاكم مَثّل للمسند بمثالٍ معروفٌ سماعُ رواتِه بعضهم من بعض.

ثم لمّا نقل الحافظ ابن حجر كلامَ الحاكم في كتابه (النكت)، جاء في نُسخه الخطيّة على الوجه الذي رجّحه ابنُ رُشيد:((ليس يحتمله)) ، لكن محقق (النكت) غيّره إلى ((لسنٍّ يحتمله)) (2) ، وهو تغييرٌ في محلِّه ولا شك، لأن كلامَ الحافظ واحتجاجَه بكلام الحاكم لا يستقيم إلا إن كانت العبارة عند الحافظ بلفظ ((لسنّ يحتمله)) . حيث إن الحافظ أورد كلام الحاكم في مجال الاستدلال به على أنّ (المسند) لا يُشترط فيه حقيقة الاتصال، وإنما يكفي فيه أن يكون ظاهره الاتصال، فلا يُعارض وَصْفَ الحديث بأنه (مسند) وُجُودُ انقطاعٍ خفيٍّ فيه. وهذا السياق لا يستقيم معه أن يكون الحاكم قد قال:((ليس يحتمله)) ، على فهم ابن رُشيد منه.

ثم جاء السخاوي بعد ذلك، فنقل عبارة الحاكم بلفظ ((ليس يحتمله)) (3) ، وواضحٌ من سياق كلامه أنه هكذا يرى العبارة، وأنها دالّةٌ على الاتصال القطعي، لا الظاهري فحسب.

(1) السنن الأبين لابن رشيد (58- 61) .

(2)

النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (1/ 508) .

(3)

فتح المغيث للسخاوي (1/ 121- 122) .

ص: 98

لكن يرجّح أن عبارة الحاكم هي ((لسنٍّ يحتمله)) أمور:

أولها: أن هذا هو الذي عليه جُلّ نسخ الكتاب الخطية، كما يقتضيه ظاهر تصرّف محققه.

ثانيها: أني وقفت على نسخة خطية قديمة، هي أقدم من جميع نسخ الكتاب التي حُقِّق عليها، بما فيها النسخة الأصل للكتاب المطبوع، حيث نُسخت سنة (550هـ) ، وقوبلت بالأصل سنة (551هـ) ، وعليها سماع سنة (555هـ) . والناسخ أحدُ العلماء المترجمين، والشيخ المسموعةُ عليه النسخةُ عالمٌ من العلماء، وليس بينه وبين الحاكم إلا راويان فقط. جاء في هذه النسخة أن الحاكم قال:((لسنٍّ يحتمله)) ، واضحةً غاية الوضوح، وبكسر اللام والسين ووضع علامة الإهمال فوق السين وبعدها نون لاشك فيها (1) .

ثالثها: أن كلام الحاكم على السياق الذي أرجّحه: ((يظهر سماعه منه لسنٍّ يحتمله)) كلامٌ مستقيمٌ لا ركاكة فيه، ثم زِنْ هذا بالعبارة الأخرى:((يظهر سماعه منه، ليس يحتمله)) وما يَعْتَوِرُ هذه العبارة من الركاكة الظاهرة.

رابعها: أن أبا عَمرو الداني (ت 444هـ) ، وهو كثير النقل عن الحاكم والاعتماد على كلامه، ذكر أن:((المسند من الآثار، الذي لا إشكالَ في اتّصاله: هو ما يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه بسنٍّ يحتملها)) ، كما يأتي (2) .

(1) نسخة مكتبة عارف حكمت المحفوظة بمكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة، رقم: 74/ 231 (و7/ ب) .

(2)

انظر ما يأتي (104) .

ص: 99

خامسها: أن ابن الأثير (ت 606هـ) في مقدّمة (جامع الأصول) ، وهو الذي لا يكاد يخرج عن كلام الحاكم والخطيب، بل قد نصّ على كتاب الحاكم ضمن مصادره في مقدّمة كتابه (1) = يقول أيضًا في تعريفه المسند:((أن يرويه المحدّث عن شيخ يظهر سماعه منه والسنّ يحتمله. . .)) (2) .

سادسها: أن الحاكم قد نصَّ على مذهب مسلم، ونقل عليه الإجماع، في مبحث الحديث المعنعن، كما سبق. فكيف يأتي بعد ذلك لينصّ على خلافه؟! بل وتطبيق الحاكم على مذهب مسلم (كما يأتي) ، فأنّى نقبل أن يكون على خلافه؟!!

وأخيرًا: لو افترضنا أن عبارة الحاكم كانت كما أراد ابنُ رشيد: ((ليس يحتمله)) ، فلمسلم أن يقول: إن الحديث المعنعن بشروطي التي ذكرتها يظهر سماع رواته من بعضهم، وليس السماع فيه مجرّدَ احتمال. فهذه هي حقيقة مذهب مسلم: أنه يرى الاتّصالَ (الذي هو السماع) يثبت بشروطه التي ذكرها، كما سبق أو أوضحنا (3) .

ألا ترى عبارة أبي عَمرو الداني، التي ذكرناها آنفًا، والتي يعترف ابن رشيد (كما يأتي) أنها عبارةٌ تؤيد مذهب مسلم، كيف قدَّمها الداني بقوله:((الذي لا إشكال في اتّصاله)) ، مع أنه على مذهب مسلم؟!!

وبعد هذا كُلّه، تتوارد الأدلّة على بيان مذهب الحاكم الذي نقل عليه الإجماع، وهو مذهب مسلمٍ الذي نقل عليه الإجماعَ أيضًا، وذلك

(1) جامع الأصول (1/ 69) .

(2)

جامع الأصول (1/ 107) .

(3)

انظر ما سبق (27) .

ص: 100

من خلال تطبيقات الحاكم:

ففي (المستدرك) يقول الحاكم عقب حديثٍ لثابت البُنَاني: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، إذ لا يَبْعُدُ سماعُ ثابتٍ من عبد الله ابن مُغَفَّل.

وقد اتّفقا على إخراج حديث معاوية بن قُرّة، وحديث حميد بن هلال عنه، وثابتٌ أسنُّ منه)) (1) .

وقال أيضًا: ((سماع خالد بن معدان من أبي هريرة غير مستبعد، فقد حكى الوليدُ بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه أنه قال: لقيتُ سبعة عشر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (2) .

وقال مصحِّحًا حديثًا لقتادة عن عبد الله بن سَرْجِس: ((ولعل متوهِّمًا يتوهّمُ أن قتادةَ لم يذكر سماعًا من عبد الله بن سَرْجِس، وليس هذا بمستبدع، فقد سمع قتادة من جماعةٍ من الصحابة لم يسمع منهم عاصم بن سليمان الأحول، وقد احتجّ مسلمٌ بحديث عاصم عن عبد الله ابن سَرْجِس، وهو (3) من ساكني البصرة)) (4) .

وهذا مع صراحته في الاكتفاء بالمعاصرة، فهو صريحٌ كذلك في أن عبارة ((فلان لم يذكر سماعًا)) تعني غالبًا:((لم يسمع)) . فإن قتادة لم يصرّح بالسماع فعلاً، ولذلك لجأ الحاكم إلى إثبات السماع بالمعاصرة،

(1) المستدرك (2/ 461) .

(2)

المستدرك (1/ 21) .

(3)

أي إن عبد الله بين سرجس من البصرة بلد قتادة.

(4)

المستدرك (1/ 186) .

ص: 101

مع ذلك يقول الحاكم: ((ولعل متوهِّمًا يتوهَّمُ (أي خطأً) أن قتادة لم يذكر سماعًا من ابن سرجس)) ، أي: لم يسمع كما سبق.

وقال مصحّحًا حديثًا لسعيد بن المسيب: ((وقد توهَّمَ بعضُ أئمتنا أن سعيدًا لم يلحق عبد الله بن زيد بن عبدربّه، وليس كذلك، فإن سعيد ابن المسيب كان فيمن يدخل بين علي وعثمان في التوسُّط، وإنما تُوفّي عبد الله في أواخر خلافة عثمان)) (1) .

وقال أيضًا عن موسى بن طلحة بن عُبيدالله التيمي: ((تابعي كبير، لا يُنكر أنه يُدركُ أيامَ معاذ بن جبل)) (2) .

وعلى هذا: فالحاكم على مذهب مسلم، وينقل الإجماعَ عليه أيضًا!!

فالإنصافَ الإنصافَ!!!

وثالثُ من نقل الإجماع: الحافظ المقرىء أبو عَمرو الدَّاني (ت 444هـ) :

فقد نقل ابنُ رُشيد عن جزء لأبي عَمرو الداني باسم: (بيان المتّصل والمرسل والموقوف والمنقطع) أنه قال: ((وما كان من الأحاديث المعنعنة التي يقول فيها ناقلوها: عن، عن= فهي متّصلةٌ، بإجماع أهل النقل، إذا عُرف أن الناقلَ أدرك المنقولَ عنه إدراكًا بَيِّنًا، ولم يكن ممن عُرف بالتدليس، وإن لم يذكر سماعًا)) (3) .

(1) المستدرك (3/ 336) .

(2)

المستدرك (1/ 401) .

(3)

السنن الأبين لابن رُشيد (51) .

ص: 102

فهذا كلامٌ واضح في الاكتفاء بالمعاصرة، فالإدراك البيِّن هو المعاصرة (1)

- فلما قال أبو حاتم الرازي: ((لم يدرك مكحولٌ شريحًا)) ، قال رشيد الدين العطار:((لعل أبا حاتم أراد بقوله (لم يدرك) اللقاءَ والرؤية، وإن كان خلاف الظاهر)) . تحفة التحصيل (516) .

- ولما قال يحيى بن معين: ((عَمرو بن الأسود العنسي أدرك عمر)) ، قال أبو زرعة العراقي:((ظاهره أنه لم يسمع منه)) ، تحفة التحصيل (377) ، وقال ذلك لأنه حمل (أدرك) على المعاصرة، واكتفاء ابن معين بقوله عنه: عاصر عُمر، فيه إشارة إلى أنه لا يصح له فوق المعاصرة شيءٌ، وإلا لقال:(سمع) أو حتى (روى) .

الحقيقيّة الكافية لاحتمال السماع. فليس من الإدراك البيّنِ تَوَهُّمُ الإدراك (أي المعاصرة) مع عدم وقوعها في الحقيقة، وليس من الإدراك البيّنِ معاصرة الرواوي لمن روى عنه زمنًا غيرَ كافٍ لاحتمال السماع، إذ من وُلد سنة (103هـ) وإن كان معاصرًا لمن توفي سنة (100هـ) أو (99) ونحوها، لكن هذه المعاصرة غير كافية لاحتمال السماع. وهذا هو سبب تقييد الداني للإدراك بوصفه أنه إدراكٌ بيّن، وليس في هذه العبارة إجمالٌ كما قال ابن رُشيد (2) ، ولا هي قريبةٌ من شرط طول الصحبة الذي نُقل عن السمعاني كما يُلمح إليه سياق كلام ابن الصلاح في هذه المسألة (3) .

وأقلّ ما يُقال في كلام الداني أن ظاهره على مذهب مسلم، وأنه ينقل الإجماعَ عليه. أمّا أنه مجمل، لا يظهر مقصوده منه: فهذا بعيدٌ جدًّا!

(1) الأصل في (الإدراك) عند إطلاقه في استخدامات أهل العلم: المعاصرة.

(2)

انظر الحاشية التي قبل السابقة.

(3)

علوم الحديث لابن الصلاح (65- 66) .

ص: 103

وإن تنزّلنا فوافقنا أن في كلام أبي عَمرو الداني السابقِ إجمالاً، فيبيّنه كلامه الآتي، الذي يصرّح ابنُ رشيد أنه يدل بظاهره على مذهب مسلم.

يقول أبو عَمرو الداني: ((المسند من الآثار الذي لا إشكالَ في اتّصاله: هو ما يرويه المحدّث عن شيخ يظهر سماعُه منه بسنٍّ يحتملها)) (1) .

وأذكر هنا عَرَضًا عبارةً لعالم آخر، ليس فيها نقلٌ للإجماع، ولكن أذكرها لقُرْبها من عبارة الداني في اللفظ، وحصل في فهمها اضطرابٌ كما حصل في فهم عبارة الداني.

فقد قال أبو الحسن القابسي (ت 403هـ) في مقدّمة كتابه (الملخِّص) : ((البَيِّنُ الاتصال: ما قال فيه ناقلوه: حدثنا، أو أخبرنا، أو أنبأنا، أو سمعنا منه قراءةً عليه، فهذا اتّصالٌ لا إشكال فيه. وكذلك ما قالوا فيه: عن، عن، فهو متصل، إذا عُرف أن ناقله أدرك المنقول عنه إدراكًا بيّنًا، ولم يكن ممن عُرف بالتدليس)) (2) .

وأكّد القابسي مقصوده عقب كلامه السابق بنحو صفحةٍ واحدة، عندما مثَّلَ للحديثِ المتّصل بقوله:((وكذا قولُ عروة: كذلك كان بشير ابن أبي مسعود يحدّث عن أبيه، لاستيقان إدراك عروة من هو أكبر من بشير، على أن في حديث غير مالك بيانَ اتّصال ذلك)) (3) .

(1) السنن الأبين (59) .

(2)

الموطأ برواية ابن القاسم وتلخيص القابسي (37- 38) .

(3)

الموطأ برواية ابن القاسم وتلخيص القابسي (39) .

ص: 104

ومع عدم مراعاة ابنُ رُشيد لدلالة كلام القابسي الأخير، إلا أنه قال بعد كلامه الأول:((أمّا لفظ القابسي فيُمكن أنه يريد به ثبوت المعاصرة البيّنة، وهو أظهر احتماليه فيه، ويمكن أن يريد طول الصحبة، فيكون موافقًا لما ذكره أبو المظفّر السمعاني)) (1) .

فهنا يعترف ابن رُشيد أن ظاهر كلام القابسي على مذهب مسلم، مفسِّرًا الإدراك البيّن (الذي جاء في كلام الداني أيضًا) : بالمعاصرة البيّنة.

فكيف لو لاحَظَ ابنُ رُشيد كلام القابسي الأخير؟! وكيف لو استحضر أن اشتراط طول الصحبة من قرائن بُعْد احتماله أنه قولٌ شاذٌ بمرّة؟!! وكيف لو علم ابنُ رشيد أن اشتراط طول الصحبة لا يصح أصلاً ولا عن أبي المظفر السمعاني (كما سبق) ؟!!!

وهنا أستغرب من ابن الصلاح، كيف ألمح إلى قُرْبِ مذهب القابسي من المذهب المذكور عن أبي المظفر السمعاني، وهو اشتراط طول الصحبة (2) ؟!

ورابعُ من نقل الإجماع أيضًا أبو بكر البيهقي (ت 458هـ) :

فبعد أن ذكر البيهقي في (معرفة السنن والآثار) كلامًا للطحاوي أعل به حديثًا بعدم العلم بالسماع، أجابه البيهقي بقوله: ((والذي يقتضيه مذهب أهل الحفظ والفقه في قبول الأخبار: أنه متى ما كان قيس بن

(1) السنن الأبين (61) .

(2)

علوم الحديث لابن الصلاح (66) .

ص: 105

سعد ثقةً والراوي عنه ثقةً، ثم يروي عن شيخ يحتمله سنُّهُ ولُقِيُّهُ، وكان غير معروف بالتدليس= كان ذلك مقبولاً.

وقيس بن سعد مكي وعَمرو بن دينار مكي.

وقد روى قيس عمّن هو أكبر سنًّا وأقدم موتًا من عَمرو: ابنِ أبي رباح، ومجاهد بن جبر. . . (إلى أن قال:) فمن أين جاء إنكار رواية قيس عن عَمرو)) (1) .

وأعجب بعد هذا من بعض المعاصرين الذين ادعوا أن البيهقي يشترط العلم باللقاء بدليل وصف البيهقي (أحيانًا) حديثَ التابعي عن المبهم من الصحابة بأنه مرسل، غافلين عن عدم تحقُّقِ المعاصرة أصلاً في هذه الصورة (في بعض الأحيان) .

وخامس من نقل الإجماع ابن عبد البر الأندلسي (ت 463هـ) :

قال ابن عبد البر: ((اعلم (وفقك الله) أني تأمّلت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيحَ في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك= إذا جمع شروطًا ثلاثة، وهي:

- عدالة المحدّثين في أحوالهم.

- لقاء بعضهم بعضًا مجالسةً ومشاهدَة.

(1) معرفة السنن والآثار للبيهقي (14/ 287 رقم 19969) .

ص: 106

- وأن يكونوا برآءَ من التدليس.

(ثم قال:) وقد أعلمتك أن المتأخرين من أئمة الحديث والمشترطين في تصنيفهم الصحيح قد أجمعوا على ماذكرت لك، وهو قول مالك وعامة أهل العلم (والحمد لله) . إلا أن يكون الرجل معروفًا بالتدليس، فلا يُقبل حديثه حتى يقول: حدثنا أو سمعت، فهذا ما لا أعلم فيه أيضًا خلافًا.

ومن الدليل على أن (عن) محمولة عند أهل العلم بالحديث على الاتصال حتى يتبيّن الانقطاع فيها، ما حكاه أبوبكر الأثرم عن أحمد بن حنبل [فذكر رواية أبدل فيها الوليد بن مسلم عبارة (حُدِّثْتُ) بـ (عن) فقال ابن عبد البر:] ألا ترى أن أحمد بن حنبل رحمه الله عاب على الوليد بن مسلم قوله (عن) في المنقطع، ليدخله في الاتصال؟! فهذا بيانُ أن (عن) ظاهرُها الاتصال، حتى يثبت غيرُ ذلك، ومثل هذا عن العلماء كثير)) (1) .

ومع وضوح كلام ابن عبد البر هذا، فقد احتج به بعضُ أهل العلم على أن ابن عبد البر مخالفٌ لمسلم، وأنه يشترط العلم باللقاء!!! لذكره في شروط قبول الحديث المعنعن اللقاءَ والمجالسةَ والمشاهدة.

لكن ابن عبد البر لا يرجِّحُ قولاً على قول حتى يصح هذا الفهم، فهو لا يقول إن اشتراط العلم باللقاء قولٌ أصح من قول من لم يشترطه، بل هو ينقل الإجماعَ وعدمَ وجودِ خلافٍ على الرأي الذي يعرضه!!!

(1) التمهيد لابن عبد البر (1/ 12- 14) .

ص: 107

فهل بلغ بابن عبد البر أن اعتبر قول مسلم قولاً شاذًّا، لا يؤثر في حصول الإجماع؟!! والحاصل أن أحدًا لم يقل ذلك، حتى ابن رجب الذي بالغ فزعم أن اشتراط العلم باللقاء رأي الجماهير، فقد نصّ على أن مسلمًا موافَقٌ من ابن حبان وغيره من المتأخرين (حسب وصف ابن رجب) .

إذن لا يمكن أن يكون هناك إجماعٌ على اشتراط العلم باللقاء، ولا يمكن أن يكون هذا مقصود ابن عبد البر.

ويزداد عدمُ قبول ذلك في فهم كلام ابن عبد البر أنه نصَّ على أنّ رأيه الذي يعرضه رأيٌ اتفق عليه المشترطون للصحّة والمصنفون في الصحيح.

ولا أحسب ابنَ عبد البر قد نسي صحيح مسلم بمقدّمته التي نقل فيها الإجماع على عدم اشتراط العلم باللقاء!! فإن نسبه، فماذا ذَكَرَ بالله عليكم؟!!

ثم لا تنسى أن من الموافقين لمسلم: ابنَ خزيمة وابنَ حبان والحاكم. وهؤلاء هم المصنّفون في الصحيح. فمن يقصد ابنُ عبد البر إن كان يقصد غير هؤلاء؟!

وعليه فإن كان هناك إجماعٌ ينقله ابن عبد البر فلا بُدَّ أن يكون إجماعًا موافقًا لرأي مسلم وغيره، بل التعبير الصحيح أن يقال: إنه لا إجماع إلا على ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع.

والنتيجة: أن كلام ابن عبد البر يستحيل أن يقصد به نقل الإجماع على اشتراط العلم باللقاء.

ص: 108

وهذه النتيجة خرجنا بها بيقين لا يُساوره شك.

فإن أردنا فَْم كلام ابن عبد البر، أُذكّر أولاً بأمور:

أن ابن عبد البر ذكر شرط اللقاء قائلاً: ((لقاء بعضهم بعضًا مجالسةً ومشاهدةً)) ، وسبق في أول المبحث بيان أن مسلمًا لا يُعارض في اشتراط اللقاء والسماع، إنما يعارض مسلم في اشتراط الوقوف على نصّ صريح دال على اللقاء أو السماع. وعليه فإن كلامَ ابن عبد البر لا يكون دالاًّ على اشتراط العلم باللقاء، بمجرّد اشتراط اللقاء، إذ لا يكون كلامُه دالاًّ على اشتراط العلم إلا إذا قال مثلاً: والعلم صراحةً أو تنصيصًا بلقاء بعضهم بعضًا. .

إذن ما هو مقصود ابن عبد البر من ذلك الشرط، فأقول: إن مقصوده به: المعاصرة مع وجودِ دلائلِ اللقاء وعدمِ وجودِ قرائنَ على عدمه، لأن هذا هو شرطُ مسلم كما تقدّم، فلا تكفي المعاصرةُ إلا مع عدم وجود ما يشهد لعدم اللقاء، وعند حصول ذلك تكون عنعنةُ ذلك الراوي محمولةً على اللقاء والسماع والمشاهدة بالإجماع.

إذن فكأن ابن عبد البر قال: إنه يقبل الحديث المعنعن بشرط ثقة رواته، وعدم قيام قرائن تغلِّبُ نَفْيَ اللقاء وتدل على عدم وقوعه، مع السلامة من التدليس.

ويؤكّد هذا المعنى قوله في كلامه السابق: ((ومن الدليل على أن (عن) محمولةٌ عند أهل العلم بالحديث على الاتّصال حتى يتبيّن الانقطاع فيها. . . (وذكر قصة الوليد بن مسلم، ثم قال) : فهذا بيان أن (عن) ظاهرها الاتصال، حتى يثبت فيها غير هذا)) .

ص: 109

فهذا النصّ بيّنَ ابن عبد البر فيه متى يتوقّف عن قبول (العنعنة) ، بأنّه إذا تبيّن الانقطاع وثبت.

فهل رواية المعاصر عمن لم يذكر سماعَه منه يتبيّن فيها الانقطاع ويثبت، حتى عند مشترط العلم باللقاء؟ أم أنها متوقّفٌ في الحكم عليها بالاتصال، وأنها -ولا شك- لاتبلغ درجة بيان الانقطاع وثبوته.

إذن فابن عبد البر إنما يحترز في الإسناد المعنعن من أن تأتي دلائل تدل أو تشهد على الانقطاع، ويدل على ذلك المثال الذي ذكره. فإن لم يأت ما يدل على الانقطاع، وبالتالي وُجدت قرائن تشهد على الاتصال، فعندها يحكم بالقبول، لأن هذا الإسناد المعنعن دلّ على المشاهدة واللقاء والمجالسة.

وأخيرًا نستمرّ في استجلاب ما يبلغ بنا بَرْدَ اليقين، بالنظر في تطبيقات ابن عبد البر، الدالة على اكتفائه بالمعاصرة، وهي بالغة الكثرة.

قال في التمهيد (16/ 219) : ((طاوس سماعه من صفوان بن أمية ممكن، لأنه أدرك زمن عثمان)) .

وذكر ابن عبد البر في التمهيد (16/ 328) حديثًا من رواية عُبيدالله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في العيدين، ثم قال:((قد زعم بعض أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث منقطع، لأن عبيد الله لم يلق عمر. وقال غيره: هو متصل مسند، ولقاء عبيد الله لأبي واقد الليثي غير مدفوع، وقد سمع عبيد الله من جماعة من الصحابة)) .

ص: 110

وقال (3/ 251) : ((قال قوم لم يسمع زيد بن أسلم من جابر بن عبد الله، وقال آخرون سمع منه، وسماعه من جابر غير مدفوع عندي، وقد سمع من ابن عمر، وتوفي ابن عمر قبل جابر بنحو أربعة أعوام)) .

وهناك مواطن أخرى كثيرة في كلام ابن عبد البر على هذا المنوال (1) .

وسادسُ من نقل الإجماع أبو محمد ابن حزم (ت 456هـ) :

قال ابن حزم (في الإحكام في أصول الأحكام) : ((وإذا علمنا أن الراوي العدل قد أدرك من روى عنه من العدول، فهو على اللقاء والسماع، لأن شرط العدل القبول، والقبول يضاد تكذيبه في أن يسند إلى غيره ما لم يسمعه، الغ أن يقوم دليل على ذلك من فعله. وسواء قال (حدثنا) أو (أنبأنا) ، أو قال (عن فلان) ، أو قال (قال فلان) = كل ذلك محمول على السماع منه. ولو علمنا أن أحدًا منهم يستجيز التلبيس بذلك كان ساقط العدالة، في حكم المدلس. وحكم العدل الذي قد ثبتت عدالته فهو على الورع والصدق، لا على الفسقِ والتهمةِ وسوءِ الظن المحرَّم بالنص، حتى يصحَّ خلافُ ذلك. ولا خلاف في هذه الجملة بين أحدٍ من المسلمين، وإنما تناقض من تناقض في تفريع المسائل)) (2) .

(1) انظر التمهيد (20/ 136)(21/ 93، 202)(22/ 263)(24/ 9) والاستذكار (الطبعة القديمة 1/ 323- 324) .

(2)

الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (2/ 21) .

ص: 111

الدليل السابع: أنّ أصحاب الكتب المتخصّصة في بيان شروط الأئمة الستة أو الخمسة لم يذكروا شرطَ العلم باللقاء عن البخاري أو غيره.

فقد أُلِّفَتْ في شروط الأئمة كتبٌ أقدمُها وأهمّها ثلاثة كتب، نحمد الله تعالى أنها أُلّفت قبل القاضي عياض ودعواه نسبة ذلك الشرط إلى البخاري وابن المديني.

فأول من ألف في شروط الأئمة: أبو عبد الله ابن منده (ت 395هـ) .

وتلاه محمد بن طاهر المقدسي (ت 507هـ) .

وجاء آخرهم أبوبكر محمد بن موسى الحازمي (ت 584هـ) .

ومع أن كتب هؤلاء الأئمة متخصّصةٌ في بيان شروط هؤلاء الأئمة، وخاصة الشيخين، ومعتنيةٌ خاصة بنقاط الاختلاف وبيان الفروق بينهما، ومع أهميّة مسألة العنعنة، ومع حَمْلَةِ مسلمٍ الشديدةِ على مشترط العلم باللقاء في مقدّمة صحيحه= هل يُتصوَّر أن يُغفل هؤلاء الأئمةُ ثلاثتُهم هذه المسألة تمامًا في كتبهم، لو كان المخالِفُ لمسلمٍ هو البخاريُّ وغيره من أئمة الحديث؟!!

والواقع أنهم أغفلوا هذه المسألة تمامًا. . بالفعل.

وازن بين ذلك وكتابٍ جاء بعد انتشار تلك الدعوى، كيف أن مسألة الحديث المعنعن أصبحت أكبرَ فرقٍ بالفعل بين الصحيحين. حتى في كتاب مختصر وغير متخصص في شروط الأئمة، كنزهة النظر.

كيف إذا علمت أن الأمر لم يقتصر على عدم ذكر شرط العلم

ص: 112

باللقاء بشيءٍ البتّة، بل تجاوز إلى نسبة نقيضه إلى البخاري!!! وهذا هو الدليل التالي.

الدليل الثامن: نسبةُ محمد بن طاهر المقدسي شرطَ الاكتفاء بالمعاصرة إلى البخاري ومسلم كليهما.

ولا تنسى أن ابن طاهرهو صاحب شروط الأئمة الستة.

يقول ابن طاهر في مقدّمة كتابه (الجمع بين رجال الصحيحين) : ((إن كُلَّ من أخرجا حديثه في هذين الكتابين -وإن تكلم فيه بعضُ الناس- يكون حديثُه حجةً، لروايتهما عنه في الصحيح. إذ كانا (رحمةُ الله عليهما) لم يُخرجا إلا عن ثقة عدل حافظ، يحتمل سِنُّهُ ومولدُه السماعَ مِمّن تقدّمه، على هذه الوتيرة، إلى أن يصل الإسنادُ إلى الصحابي المشهور)) (1) .

وهكذا لا يفرّق ابن طاهر بين الشيخين في شرط الحديث المعنعن، وينصّ على اكتفائهما بالمعاصرة.

ومعرفة ابن طاهر بالصحيحين عظيمة، حتى إن محمد بن عبد الواحد الدقاق لما طعن على ابن طاهر في كل شيء، لم يستطع إلا أن يعترف بمعرفته بالصحيحين وما يتعلق بهما.

(1) الجمع بين رجال الصحيحين لابن طاهر (1/ 3) .

ص: 113

الدليل التاسع: نصوصٌ للعلماء تدل على أنهم لا يشترطون في الحديث المعنعن العلمَ باللقاء.

أولاً: الإمام الشافعي (ت 204هـ) .

فمع أن الحافظ قد نقل كلام الشافعي مستدلاًّ به على أنه يشترط العلم باللقاء، إلا أنّنا سنقف عند كلامه، لنرى هل فيه دلالةٌ على ذلك، أم أنّه على نقيض ما ذكر؟!

قال الشافعي في الرسالة على لسان سائل: ((فقال: فما بالك قبلت ممن لم تعرفه بالتدليس أن يقول (عن) ، وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟

فقلت له: المسلمون العدولُ عدولٌ أصحّاءُ الأمر في أنفسهم. . . (إلى أن قال:) وقولُهم (عن) خبرُ (1) أنفسِهم، وتسميتُهم على الصحّة. حتى نستدلّ من فعلهم بما يخالف ذلك، فنحترسَ منهم في الموضع الذي خالف فعلُهم فيه ما يجب عليهم.

ولم نعرف بالتدليس ببلدنا، فيمن من مضى ولا من أدركنا من أصحابنا، إلا حديثًا، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيرًا له.

(1) ضبطها الشيخ أحمد شاكر بكسر الراء، على أنها مجرورة بعن.

وقد كنت أميل إلى تخطئة هذه القراءة، وأرى الصواب هو أن تكون بضم الراء، خبرًا لـ (قولهم) ، حتى وقفت على ما يؤكد هذا الظن، وهو نسخة خطية نفيسة، نسخت سنة (775هـ) من أصل الربيع بن سليمان، وقد ضبطت فيه الراء بالضمّ كما كنت أميل إليه (و47/ أ) ، فلله الحمد.

ص: 114

وكان قولُ الرجل (سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا) وقوله (حدثني فلان عن فلان) سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، ممن عناه بهذه الطريق، قبلنا منه (حدثني فلان عن فلان) -)) (1) .

أولاً: لا شك أن الشافعي لا يقبل الحديث المعنعن من غير المتعاصرين.

فالسائل إذن يقول للشافعي: ما بالك قبلت من المتعاصرين العنعنة إذا سلموا من التدليس؟

إذن فالسؤال عن مذهب مسلم عينِه.. حرفًا بحرف، ينسبه السائلُ إلى الشافعي.

فلم يقل له الشافعي أخطأتَ في ما نسبتَه إليّ، بل أقرّ ما تضمّنه سؤاله، وأخذ يجيب عن سؤاله مبيّنًا مسوّغات وأسباب ذلك المذهب.

وهذا أوّل ما دلّنا على أن الشافعي على مذهب مسلم في الحديث المعنعن!!!

ثم أخذ الشافعي يُوضّحُ لسائله سبب قبوله للحديث المعنعن بين المتعاصرين من غير المدلسين، قائلاً له: إن المسلم العدل غير المدلّس إذا قال (عن) فلان دلّ ذلك بظاهره على صحّة تلقّيه ممن سمّاه، إلا إذا جاء ما يدل على خلاف هذا الأصل، فيحترس منه في ذلك الإسناد المستثنى.

أمّا قول الشافعي الذي احتج به من نسب إليه اشتراط العلم باللقاء: ((لا يحدث واحدٌ منهم عن من لقي إلا ما سمع منه ممن عناه بهذه الطريق)) ،

(1) الرسالة للشافعي (رقم 1028- 1032) .

ص: 115

فإنما ورد هذا القول في سياق بيان أن (عن) من غير المدلس دالة على اللقاء، فهي دالة على نقيض ما أرادوا.

فهو يقول: [لمّا] كان قول الرجل (سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا) وقولُه (حدثني فلان عن فلان) سواءً عندهم، [بسبب أنه] لا يحدث واحدٌ منهم عن من لقي إلا ما سمع منه، ممن عناه [أي سمّاه] بهذه الطريق:[لذلك] قبلنا منه حدثني فلان عن فلان [أي قبلنا عنعنته] .

ثم انظر إلى استدلال الحافظ كيف قال: ((فذكر أنه إنما قبل العنعنة لما ثبت عنده أن المعنعِنَ غير المدلِّس وإنما يقول (عن) فيما سمع، فأشبه ما ذهب إليه البخاري)) (1) .

فلو حذف الحافظ واو العطف بعد كلمة (غير المدلس) ، لكان كلامه موافقًا لكلام الشافعي حقًّا، لكن حينها يكون كلام الشافعي لا يشبه. . بل يناقض ما نُسب إلى البخاري!!

فتأمّلْ ذلك طويلاً!! فقد بنيتُ هذا البحثَ على الاختصار.

ثانيًا: الإمام أبوبكر عبد الله بن الزبير الحميدي (ت 219هـ) .

أسند الخطيب إليه في (الكفاية) أنه قال بعد بيان شروط قبول الحديث: ((وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه سمعت أو حدثنا (2) حتى

(1) النكت لابن حجر (2/ 596) .

(2)

يعني: إذا لم يُصرّح الراوي بالسماع، فأتي بصيغة محتملة مثل (عن) .

ص: 116

ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّثِ عنه واحدٌ فأكثر، لأن ذلك عندي على السماع، لإدراك المحدِّث مَن حَدّث عنه، حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولازمٌ صحيحٌ يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا، إذا كان صادقًا مدركًا لمن روى ذلك عنه)) (1) .

وقال الحميدي في موطن آخر: ((قلت: لأن الموصول وإن لم يقل فيه: (سمعت) ، حتى ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ظاهره كظاهر السامع المُدْرِك، حتى يتبيّنَ فيه غير ذلك)) (2) .

فهنا يصرّح الحميدي أن الحديث الذي لم يُصرِّح رواته بالسماع، أي الحديث المعنعن، ظاهره يدل على الاتصال، وأن العمل على دلالة هذا الظاهر، حتى يأتي ما ينقض هذا الظاهر.

وبذلك نضيف الحُميديَّ شيخَ البخاري إلى مصافّ من كان على مذهب مسلم!!

ثالثًا: أبوبكر الخطيب البغدادي (ت 463هـ) :

للخطيب عبارةٌ استدلّ بها من نسب ذلك الشرط إلى البخاري على أن الخطيب موافقٌ للبخاري فيه!!

وقبل ذكر تلك العبارة أسوق عبارةً أخرى للخطيب، صريحةً في أن الخطيب على مذهب مسلم.

(1) الكفاية للخطيب (41) .

(2)

الكفاية للخطيب (429- 430) .

ص: 117

قال الخطيب في (الكفاية) : ((وأمّا قول المحدّث: (قال فلان) ، فإن كان المعروف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه= جُعل ذلك بمنزلة ما يقول فيه غيره (حدّثنا) . وإن كان قد يروي سماعًا وغير سماع= لم يُحْتَجَّ من رواياته إلا ما بيَّنَ الخبر فيه)) (1) .

فظاهرٌ من هذه العبارة أن الخطيب لا يشترط لقبول (قال) إلا انتفاء التدليس، وهذا هو مذهب مسلم.

ويؤكد الخطيبُ معنى كلامه، وأنه لا يشترط في (قال) إلا انتفاء التدليس، وأنه إنما أراد بقوله:((فإن كان المعروفُ من حاله. .)) عدمَ التدليس، لا أمرًا آخر= أنه قال عقب كلامه السابق:((قلت: والحكم الذي ذكرناه إنما فيمن روى غير سماع وكان ممن يجوز عليه التدليس وأَخْذُ الأحاديث من كل جهة. .)) ، ثم أورد أخبارًا تدل على أن (قال) لها دلالة عُرفيّة (مثل: عن) ، هذه الدلالة هي الاتّصال بالسماع ونحوه.

فإذا كان هذا هو حكم (قال) عند الخطيب، وهي في دلالتها العرفيّة على الاتّصال أضعف (أو قُل: أخفى) من دلالة (عن) عليه، فماذا سيكون حكم الخطيب في (عن) ؟

بعد أن انتهى الخطيب من حُكم (قال)، أورد بعده مباشرةً الكلام عن حكم (عن) . وأوّل ما بدأ به فيها: أن أسند إلى الرامهرمزي ما نقله في كتابه (المحدث الفاصل) عن بعض المتأخرين من الفقهاء (حسب تغبير الرامهرمزي) ، أنه لا يقبل العنعنة مطلقًا (2) .

(1) الكفاية للخطيب (326) .

(2)

المحدّث الفاصل للرامهرمزي (رقم 539) ، والكفاية للخطيب (327- 328) .

ص: 118

ثم بدأ الخطيبُ رَدَّه على هذا الرأي قائلاً: ((قلت: وأهل العلم بالحديث مُجْمِعون على أن قول المحدّث: (حدثنا فلان عن فلان) صحيحٌ معمولٌ به، إذا كان شيخه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدِّثُ ممن يُدَلِّس. . .)) (1) .

ثم أسند الخطيب إلى الإمام الشافعي، وأورد كلامه الذي نقلناه عنه آنفًا من كتابه (الرسالة) ، والذي هو نصٌّ صريح على أن الشافعي على مذهب مسلم. أورده الخطيب على طريقة المستدِلِّ به، لا المخالِفِ له ولا المتعقِّبِ عليه.

فهل كلام الخطيب هذا يدل على أنه على مذهب البخاري؟

فأوّل ما أبدأ به الإجابةَ: هو أن أقول تَنزُّلاً: إن كُلَّ الذي يدلّ عليه كلام الخطيب: أن الحديث المعنعن بين راويين عُرف لقاؤهما وسماعهما وسَلِمَ الراوي من التدليس أنه يكون صحيحًا معمولاً به، وهذا لا شك أنّه موطنُ إجماعٍ كما قال الخطيب، لا يُخالف فيه الإمامُ مسلمٌ ولا غيره ممن هو على رأي مسلم. وليس في كلام الخطيب أنّ ما سوى ذلك مردودٌ غير ومقبول، ولا يمكن أن يقول الخطيب ذلك!!

فأمّا أنَّ كلام الخطيب ليس فيه مخالفةٌ لمذهب مسلم: فهذا واضحٌ لمن تأمّل كلامه، كما أوضحناه آنفًا.

وأمّا أن الخطيب لا يمكن أن يكون كلامه السابق فيه مخالفةٌ لمذهب مسلم، فلأنّ الخطيب نقل الإجماعَ على الرأي الذي ذكره، ولا

(1) الكفاية للخطيب (328) .

ص: 119

أحسب أحدًا سيقول: إن الخطيب نقل الإجماع على خلاف ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع، إذن أين مذهب مسلمٌ (في أقل تقدير) ؟! بل أين مسلمٌ ومَنْ وافقه؟!! بل أين مسلم وكل العلماء معه؟!!!

ثم يأتي حُكمُ الخطيب في (قال) ، وموافقته لمذهب مسلم فيها، ويأتي استدلالُه بكلام الشافعي، الذي هو على مذهب مسلم= ليدلَّ ذلك على أن الخطيب لن ينقل الإجماعَ إلا عى ما نقل مسلمٌ والحاكمُ عليه الإجماع مِنْ قَبْل!!

لكن هنا ينقدحُ في الأذهان سؤال: فلمَ قال الخطيب إذن: ((إذا كان شيخُه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه. .)) ؟

فأقول: لذلك جوابان:

الأول: أن الخطيب لاحظَ في نَقْلِهِ الإجماعَ مَنْ ردّ عليه مسلمٌ، ذلك الجاهلَ الخاملَ الذكر، الذي انتحل الآثار والحديث، ولا يُعَدُّ من أهل الحديث، ولا تؤثِّرُ مخالفتُه في الإجماع الذي عليه أهل الحديث. فأراد الخطيب أن يبدأ في بيان حُكم (عن) بنقطة اتفاقٍ، يدخل في الموافقة عليها حتى ذلك الجاهل الخامل الذِّكر، وهي قبول الحديث المعنعن بشرط العلم باللقاء والسلامة من وصمة التدليس. ويُرشِّحُ هذا المعنى (ربّما) : أن الخطيب في سياق الردّ على من ردَّ العنعنةَ مطلقًا، وهو ذلك المتأخِّر من الفقهاء، كما سبق، فأراد الخطيبُ أن يقول لهذا الفقيه المتأخِّر: إن قولك بردّ العنعنة مطلقًا قولٌ لم يَسبِقْكَ إليه أحدٌ (لا عالمٌ ولا جاهلٌ خاملُ الذِّكر) . ثم إن الخطيب قد بيّن حكم (عن) عنده وفي مذهبه بما كان قد ذكره في حكم (قال) ، وبما استدلّ به من كلام الشافعي بعد ذلك.

ص: 120

الثاني (وهو عندي الأوجهُ والأقوى) : أن الخطيبَ في الحقيقة ينقل الإجماعَ على ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع سواء، وأنه لم يَقُم بذهن الخطيب اعتبارُ وُجُودِ خلافٍ في المسألةِ أصلاً. فجاء قولُه بعد ذلك ((إذا كان شيخه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه)) وصفًا كاشفًا لا قيدًا، وإنما جاء بيانًا لحال الغالب على عنعنات الرواة غير المدلِّسين.

كما لو قال قائل: ((المشركون كلُّهم في النار بإجماع، إذا سجدوا لصنم وطافوا على وثن وذبحوا لحجر أو شجر)) . فإنه لا يكون هناك غرابةٌ في هذا التعبير، ولا هناك ما يدعوا إلى وقفةٍ من هذه الأوصاف. ويكون قوله:((إذا سجدوات. . وطافوا. . وذبحوا)) ليس قيدًا، ولا يفهمه أحدٌ أنه قيد. ولكنه خرج مخرج الغالب، ومن المقرَّر في الأصول: أنه لا يُحتجُّ بمفهوم المخالفة إذا خرج الكلام مخرج الغالب.

وبذلك نُضيفُ الخطيب إلى الناقلين الإجماعَ على ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع، وإنما أخّرته هنا تلطُّفًا وتنزُّلاً، واكتفاءً ببعض الحجة عن جميعها.

فأمّا أن الخطيب على مذهب مسلم: فلا أحسب هناك من سيخالف في ذلك.

وأمّا أن الخطيب على مذهب البخاري: فليس هناك قول للخطيب يشهد له! فضلاً عن ادّعاء من ادعى أن الخطيب ينقل الإجماع على مذهب البخاري!! ليكون الخطيب -على رأي هذا المدّعي- قد ألغى مسلمًا ومن وافقه من الاعتبار!!!

ص: 121