الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أين ذهبت أقوال البخاري وتصرّفاته الدالة على نقض تلك الدعوى؟!
أين ذهبت أقوال وتصرّفات بقيّة العلماء الدالة على نَقْضِها أيضًا؟!
أين ذَهَبَ وَهاءُ المذهب نفسه وعدمُ تصوُّرِ صُدُورِهِ من إمامٍ من أئمة الحديث؟!
وأخيرًا: أين ذَهَبَ عَدَمُ صحّةِ تلك الدعوى، وأنه لا دليل لها أصلاً؟!
هذه كلّها لا تدلّ!!! إلا الاستقراء الذي ليس لصاحب هذه الشُّبهة من جُهْدٍ في المطالبة به إلا جُهْد النُّطْق بحروفه الثمانية!! متغافلاً عن استقراءٍ مُثْمِر، قمتُ به خلال زيادة عن عشر سنوات، خرجتُ بعد جُهْدِهِ بهاتيك الأدلّة الصحيحة!!!
أمّا
الشُّبْهَةُ الثانية
والأخيرة: فتتلخّصُ في سؤال يقول: مَنْ سبقك إلى هذا القول؟!
والسائل يقصد بذلك: أنني ما دُمْتُ غير مسبوق إليه فهو قول مبتدعٌ باطل.
والجواب الأول عن هذه الشبهة: أني مسبوق من الإمام مسلم والحاكم وابن عبد البر والبيهقي والخطيب وغيرهم، ومن ابن طاهر المقدسي الذي نص على نسبة الاكتفاء بالمعاصرة إلى البخاري ومسلم كليهما.
نعم. . الذي أعتزُّ به، ولا أتنازل عن الاعتزاز به، وأحمد الله تعالى عليه: أن هذه النتيجة التي توصّلتُ إليها لم يسبقني إليها أحدٌ من زمن القاضي عياض (544هـ) إلى حين أن توصّلتُ إليها في سنة (1411هـ) ، بل إلى هذه الساعة، حسب علمي.
والجواب الثاني: أنه ليس كل قول لا سلف له مردودًا، ولا كل رأي يجب أن يكون المرْءُ مسبوقًا إليه، إذ هذا هو القول الذي لا سلف له حقًّا!!
فالأقوال والآراء التي يصحّ أن تُردّ لمجرّد أنها مستحدثة، ويجب إنكارُها إذا لم يكن أصحابها مسبوقين إليها من سلف الأمّة= هي الأقوال المخالفة لثوابت الشرع من الاعتقادات والأحكام الشرعيّة، التي يلزم من مخالفة سلف الأمّة فيها تضليلُهم واعتقادُ أن الأمّة كلّها كانت جاهلةً بدين الله تعالى.
أمّا ما سوى ذلك:
- من فَهْمٍ يُؤتَاهُ رجلٌ في كتاب الله تعالى، تحتمله الآية، ولا يقتضي إبطال فَهْمِ سلف الأمّة.
- ومن استنباطٍ لفوائد من النصوص الشرعيّة لم يُسبق إليها صاحبُها.
- ومن استلالٍ جديد يصل إليه مُتَدبِّر.
- ومن تأصيلٍ وتنظير في علوم الآلات قائمٍ على منهجٍ قويمٍ من الاستقراء والدراسة.
= فهذا ونحوه هو مضمار التسابق الكبير بين قرائح الأفهام، وبه تميّزَ العلماءُ عن سائر الأنام، بل تميّز الأنام عن الأنعام!!!
وإلا فماذا يرجو ذووا الهِمَم العليّة والعقول الذكيّة والنفوس الزكيّة من تعلُّمِ العلوم، إذا كان دأبَهم اجترارُ ما قيل فقط؟!!
إن الردّ على كل قول لا سلف له بأنه لا سلف له، فوق أنه هو نفسه لا سلف له أيضًا= فهو طاعونُ العقول، وأغلال الأفكار، وصليبُ الابتكار. إذْ كان مِنَ الممكنِ أن يُوَاجَهَ عباقرةُ الأمّة وأئمّة الإسلام وصُنّاعُ
حضارته، ممّن ابتدعوا العلوم، وفجّروا المعارف، وأسّسوا وقعّدوا وبَنوا وتمّموا= بأنه لا سلف لكم في ذلك كُلّه. . وانتهى الأمر!!!
فمن سلف الشافعي في وضعه لأصول الفقه؟!
ومن سلف الخليل بن أحمد في اكتشافه لأوزان الشعر؟!
ومن سلف سيبويه في تأليفه النحو؟!
ومن سلف البخاري في تجريده الصحيح وفي جمعه التاريخ على حروف المعجم؟!
لقد قبلت الأُمّةُ منهم ذلك، وشكرت لهم فِعْلَهم هذا. . مع أنه لا سلف لهم فيه!!
لكن تأبى أمراضُ القلوب إلا أن تنضح بما فيها!!
واللهُ المستعان، عليه التكلان، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
وكتب
الشريف حاتم بن عارف العوني
تم تبييضه بمدينة الطائف
في 27/4/1421هـ