المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المسألة الرابعة: بيان صواب مذهب مسلم وقوة حجته فيه - إجماع المحدثين

[حاتم العوني]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌المسألة الأولى: تحرير شَرْطِ البخاري (المنسوب إليه) ، وشَرْطِ مسلم، وشَرْطِ أبي المظفّرِ السمعاني‌‌أولاً: تحرير الشرط المنسوب إلى البخاري:

- ‌أولاً: تحرير الشرط المنسوب إلى البخاري:

- ‌ثانيًا: تحرير شرط مسلم:

- ‌ملاحظة:

- ‌ثالثًا: تحريرُ شَرْطِ أبي المُظَفَّر السمعاني (ت 489ه

- ‌المسألة الثانية: نسبة القول باشتراط العلم بالسماع إلى البخاري: تاريخُها، ودليلُها، ومناقشة الدليل

- ‌المسألة الثالثة: الأدلّة على بطلان نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من العلماء

- ‌الدليل العاشر: صحيح البخاري نَفْسُه

- ‌الدليل الثاني عشر: اكتفاء البخاري بالمعاصرة، في نصوص صريحةٍ عنه

- ‌الدليل الثالث عشر: اكتفاءُ جمعٍ من الأئمة بالمعاصرة:

- ‌المسألة الرابعة: بيَانُ صَوَابِ مَذْهَبِ مُسْلِمٍ وقُوّةِ حُجّتِهِ فيه

- ‌المسألة الخامسة: أثر تحرير شرط الحديث المعنعن على السنة

- ‌المسألة السادسة: الردُّ على آخر شُبْهَتَيْنِ

- ‌الشُّبْهَةُ الأُولى:

- ‌ الشُّبْهَةُ الثانية

- ‌فهرس المصادر والمراجع

- ‌دليل الموضوعات

الفصل: ‌المسألة الرابعة: بيان صواب مذهب مسلم وقوة حجته فيه

‌المسألة الرابعة: بيَانُ صَوَابِ مَذْهَبِ مُسْلِمٍ وقُوّةِ حُجّتِهِ فيه

لقد كان الإمامُ مسلمٌ موفَّقًا في حِجَاجِه لذلك الخصم الجاهل الخامل الذكر، فقد خَصَمه وردّ عليه مذهبه من خلال دليلٍ نقليٍّ ودليلٍ تأصيليّ:

أمّا الدليل النقلي: فهو الإجماعُ المتضمّنُ إطباقَ أئمة الحديث على عدم اشتراط الوقوف على نصٍّ صريح على السماع بين كل متعاصِرَين.

وهو إجماعٌ وافقه على نقله جَمْعٌ من الأئمة، كما تقدّم.

وأمّا الدليل التأصيليّ، فينبني على أصلين:

الأصل الأول: أن (عن) في عُرْف المحدّثين دالّةٌ على الاتّصال، ومن نازع في ذلك، فلم يكن للعنعنة عنده دلالةٌ على الاتّصال= يلزمه أن لا يقبل العنعنة مطلقًا، سواءً ثبت السماع المطلق بين الراويين أو لم يثبت.

وأمّا الأدلّة على أن (عن) تدل على الاتّصال عُرْفًا، فأكثر من أن تُجْمَعَ في مختصرنا هذا، لكني أقول: لو لم تكن (عن) تدل على الاتّصال: لمَ إذن استثنى العلماءُ قِلّةً من الرواة وعددًا يسيرًا من ألوف النَّقلة (وهم من غلب عليهم التدليس) من أن تكون (عن) منهم دالّةً على الاتّصال؟ بل ولمَ عابوا على المدلسين فعلَهم هذا؟ أو ليس سبب ذلك

ص: 148

أنهم أوهموا السماع؟ وهل يحصل الإيهام إلا باستخدام ما كان يدل على السماع غالبًا؟!!

وأقوال العلماء في أن (عن) تدل على الاتصلا كثيرةٌ، سبق بعضها في هذا البحث.

ويكفي أن نقول لمن نازع في الدلالة العرفيّة لـ (عن) على الاتصال، نصْرةً للمذهب المنسوب إلى البخاري: على ماذا اعتمدت إذن في حَمْل (عن) على الاتصال بالشرط الذي ادّعيته؟ على الدلالة اللغويّة؟ أم العرفيّة؟ فإنه لا مناص له من أحد هذين الجوابين، وكل واحدٍ منهما كافٍ في الردّ عليه. وإن كان الجواب الأخير: وهو أن (عن) تدل عرفًا على الاتصال= هو الصواب، كما لا يخفى على من درس المسألة أدنى دراسة.

وهذا الأصلُ أصلٌ عظيمٌ في مسألة الحديث المعنعن، وهي كافيةٌ في دحض دعوى مشترط العلم باللقاء.

وبذلك ألزمَ مسلمٌ خَصْمه، لأنّ الخَصْمَ إما أن يعترف بالدلالة العرفيّة لـ (عن) ، وهي الدلالة على الاتصال، وحينها يلزمه إجراءُ هذه الدلالة بين كل راويين لم يقم دليلٌ أو قرينةٌ على عدم سماعهما، وهذا يتحقق في كُلِّ راويين متعاصرين لا يستحيل ولا يُستبعد لقاؤهما.

وهذه قاعدةٌ معروفة في كل لفظٍ له دلالةٌ عرفيةٌ، أن الأصلَ استخدامُهُ بالدلالة العرفيّة، ولا نخرجه عن ذلك إلى الدلالة اللغويّة إلا بدليل أو قرينة.

وعليه: فإما أن يعترف الخصم بهذه الدلالة العرفيّة لـ (عن) ، وحينها يلزمه أن يقول بقول مسلم، وإمّا أن ينفي دلالة (عن) على الاتصال،

ص: 149

وحينها يلزمه عدمُ قبولِ العنعنةِ مطلقًا، ليكون بذلك مُظْهِرًا بُطلانَ قولِهِ لنفسه، داعيًا لها للرجوع عن مذهبه، أو يكونَ فاضحًا سوءَ نيّته، مُعْلنًا خُبْثَ طويّته على السنة النبويّة.

أمّا أن يقول مَنْ ينسب شرط اللقاء إلى البخاري وينصره: إن (عن) تدل على الاتصال بذلك الشرط، ولا تدل عليه بغيره= فهذا تناقضٌ، وتحكُّمٌ لا وَجْه له، على ما شرحناه آنفًا.

وقد وَقَعَ ابنُ رُشيد في هذا التناقض!!

فانظر إليه وهو يستدلّ لمذهب من ردَّ العنعنة مطلقًا، فيقول:((وحُجّتُه أن (عن) لا تقتضي اتّصالاً، لا لغةً ولا عُرفًا، (ثم بيَّنَ عدم اقتضائها الاتصال لغةً، وقال عن العُرْف:) وليس فيها دليلٌ على اتّصال الراوي بالمرويّ عنه، وما عُلم أنّهم يأتون بـ (عن) في موضع الإرسال والانقطاع يَخْرُمُ ادّعاءَ العُرْف)) (1) .

وقال في ردّه على مذهب مسلم: ((ولا شكَّ أنه مذهبٌ مُتَسَاهَلٌ فيه. نعم. . لو علمنا من كل واحدٍ من رواة الحديث أنه لا يُطلق (عن) إلا في موضع الاتّصال، ولا يُجيز غير ذلك، أو صحَّ فيه إجماعٌ من الرواة كُلِّهم، وعُرْفٌ لا ينخرم ضبطه، ولكن ذلك لم يَثْبُت. نعم. . قد يُسلِّمُ المنصف أنه كثير، ولا يلزم من كثرته الحكمُ به مطلقًا، لوجود الاحتمال)) (2) .

(1) السنن الأبين (44- 45) .

(2)

السنن الأبين (70- 71) .

ص: 150

وقبل أن أُثبت لك تناقضَ ابن رُشيد، قِفْ مع كلامه الأخير هذا متأمّلاً، كيف أنه اعترف بأن (عن) مُسْتَخْدَمَةٌ بكثرة في الدلالة على الاتّصال، ولكنّه اشْتَرَط لحملها على الاتّصال في العُرْف إجماعًا على ذلك وعُرْفًا لا ينخرم، وهذا الشرط لا يصحُّ، إذ تكفي غلبة الاستعمال بمعنى معيَّنٍ ليكون ذلك الاستعمالُ عرفًا لا يُخْرَجُ عنه إلا بقرينة.

ثم انظر كيف اختلف موقفه كل الاختلاف، عندما جاء لتقرير صحّة المذهب الذي تبنّاه، والذي كان يعتقد أنه مذهب البخاري وعلي بن المديني= حيث قال في تقريره:((وأمّا من حيثُ النظر: فكان الأصل (كما قدّمنا) أن لا نقبل إلا ما عُلِم فيه السماعُ حديثًا حديثًا، عند من لا يقول بالمرسل، لاحتمال الانفصال. إلا أن علماءَ الحديث رَأَوْا أن تَتَبُّعَ طلبِ لفظٍ صريح في الاتّصال يعزُّ وجودُه، وأنه إذا ثبت اللقاء ظُنَّ معه السماع غالبًا، وأن الأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم فمن بعدهم استغنوا كثيرًا بلفظ (عن) في موضع (سمعت) و (حدثنا) وغيرهما من الألفاظ الصريحة في الاتّصال اختصارًا، ولما عُرِفَ من عُرْفِهم الغالب في ذلك، وأنه لا يضعُها في محلّ الانقطاع عَمَّن عُلِمَ سماعُهُ منه لغير ذلك الحديث بقَصْد الإيهام إلا مُدَلِّسٌ يُوهم أنه سمع ما لم يسمع. .)) (1) .

فانظر كيف اضطُّرَّ أن يرجع فيقول: ((ولما عُرِفَ من عُرفهم الغالب في ذلك)) !!!

فإن قيل: ألا يخرم هذا العُرْفَ روايةُ الراوي عَمّن عاصره ولم يلقه؟

فالجواب هو الأصل الثاني.

(1) السنن الأبين (62) .

ص: 151

والأصل الثاني هو: أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بالصيغة الموهمة تدليسٌ، وفاعلُ ذلك مكثرًا من فعله مدلِّسٌ.

وهذا ما كنتُ قرّرتُه بوضوح، وبرهنتُ عليه بجلاء، في كتابي (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) . ومن آثار ذلك التقرير العظيمة، ومن نتائجه المهمّة= ما نبحثه الآن، من بيان صحّة مذهب مسلم في الحديث المعنعن، وبيان بطلان المذهب المخالِفِ له.

وذاك الذي كنتُ قررته وبرهنت عليه، من أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه تدليسٌ، هو ما قرّره عمومُ أئمة الحديث: من أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري، إلى ابن عدي وابن حبان، إلى الحاكم والخطيب، إلى ابن الصلاح والنووي والبلقيني وابن الملقن، بل إلى السيوطي. . . وغيرهم من أهل طبقاتهم ومَنْ سواهم. . كُلُّهم على أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه تدليس. حتى جاء ابنُ رُشيد، مُشيرًا إلى عدم اعتبارها تدليسًا. ثم تلاه الحافظ ابن حجر، ليصرّح بذلك، مؤصِّلاً للمسألة، مُسْتَدِلاًّ لها، مفرّقًا بين رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه (حاصرًا لمُسمَّى التدليس في هذه الصورة من الرواية) وبين رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه (مطلقًا عليها اسمَ الإرسال الخفي، مُخرِجًا لها بذلك عن أن تكون تدليسًا) . وكنتُ قد بيّنتُ خطأ رأي ابن رشيد والحافظ ابن حجر في كتابي المشار إليه، ومخالفتهما لعامّة الأئمة متقدِّمهم ومتأخِّرهم، كل ذلك بالأدلّة الواضحات والحُجَج الباهرات.

فما دامت (رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه) : تدليسًا، وما دامَ أن مذهب مسلم قد تضمَّن صراحةً اشتراطَ أن لا يكون الراوي المعنعِنُ

ص: 152

مدلِّسًا، فلا يصحُّ إيراد احتمال أن يكون هذا الراوي غير المدلِّس عندما عنعن عمّن عاصره قد روى عنه مع عدم اللقاء، لأن روايته كذلك تدليسٌ، والأصلُ فيه عدمُ فعل ذلك، لكونه ليس مدلِّسًا.

أعدِ النظر في هذه الحُجَّة مَرّات، وقَلِّبْها ما شئت، فلن تخرج منها إلا باليقين المطمئن على صحّة نتيجتها، وأنّها دافعةٌ لأقوى شبهةٍ وقعت في ذهن المخالِف للإمام مسلم.

فمشكلة بعض العلماء الذين نصروا المذهب المنسوب إلى البخاري، كالحافظ ابن حجر ومن تبعه، أنهم أخرجوا رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه من مُسَمَّى التدليس، فلم يصحّ عندهم بناءً على ذلك إلزام مسلم خَصْمَه بردّ العنعنة مطلقًا، اطّرادًا مع مذهبهم في التدليس وتعريفه (كما سبق) .

فانظر إلى الحافظ ماذا يقول في (النزهة) عن الإمام مسلم: ((وما ألزمه به ليس بلازم، لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مَرّة، لا يجري في روايته احتمال أن لا يكون سمع منه، لأنه يلزم من جَرَيَانه أن يكون مدلّسًا، والمسألةُ مفروضةٌ في غير المدلِّس)) (1) .

فنقول للحافظ: إنما لا يلزم إلزامُ مسلم على تفريقك أنت بين الإرسال الخفي والتدليس، وإخراجِك المخالِفِ لجمهور المحدّثين روايةَ الراوي عمن عاصره ولم يلقه من مُسَمَّى التدليس.

إذ للإمام مسلم أن يردَّ على الحافظ قولَه بقوله: كما أنه لا يجري في رواية من يثبت له اللقاء احتمالُ أن لا يكون سمع منه، لأنه غير

(1) نزهة النظر (59- 60) ، وانظر موقف الإمامين لخالد الدريس (371- 374، 426- 429) .

ص: 153

مدلِّس. فكذلك لا يجري في رواية الراوي عمن عاصره احتمالُ أن لا يكون سمع منه، لأنه غير مدلِّس أيضًا، لشُمول اسم التدليس (رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه) و (رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه) . فباشتراط انتفاء التدليس، انتفى الاحتمالان كلاهما.

بل لقد أبلغ مسلم في الحُجّة وأَعْذَرَ في البيان عندما ضربَ لخصمه مثالاً من رواية هشام بن عروة عن أبيه، وهشام بن عروة مشهور السماع من أبيه، بل هو أشهر من روى عن أبيه. فذكر مسلمٌ حديثًا من رواية هشام بن عروة عن أبيه، دلّسه هشامٌ، إذ لم يكن قد سمعه من أبيه، وإنما سمعه من رجل عن أبيه. فيحتجُّ مسلمٌ بهذا الحديث وأمثاله، أنّه مع وقوع مثل ذلك من هشام بن عروة في روايته عن أبيه، إلا أن العلماء لم يتردّدوا في قبول رواية هشام عن أبيه بالعنعنة، بل عُدّت هذه النسخة من أصحّ الأسانيد. ذلك أن وقوعَ ذلك من هشام بن عروة قليلٌ جدًّا، وهو إن كان تدليسًا (بالإجماع: حتى عند الحافظ ابن حجر) ، إلا أنّه لم يستحقّ هشام بن عروة بوقوعه فيه في مَرّاتٍ نادرةٍ أن يكون مردودَ العنعنة، لأنّ الحكم للغالب، والغالب من عنعنات هشام أنها وقعت منه مع السماع والاتّصال.

فإن كان هذا هو حُكمُ من روى عمن سمع منه ما لم يسمعه قليلاً، وأنه لم يستحق بذلك أن يوصف بأنه مدلِّس، بمعنى أنه مردود العنعنة= فكذلك ليكن حكم من روى عمن عاصره ولم يلقه قليلاً، أن لا يوصف بردّ العنعنة بناءً على أنه دلّس.

وإن كان هذا هو حُكْمُ مَنْ دَلَّسَ قليلاً في جنب ما روى، سواء أكان قد دلَّس بروايته عمن سمع منه ما لم يسمعه أو بروايته عمن

ص: 154

عاصره ولم يلقه= فماذا سيكون حُكْمُ من روى عمن عاصره ولم يثبت قط أنه روى عَمّن عاصره ولم يلقه؟!!

وَوَجْهُ ردّ مسلم على خصمه بهذا المثال: هو أن خَصْم مسلم رأى أن شرط انتفاءِ كون الراوي مدلّسًا شرطٌ لا يكفي للقول بالاتّصال، لأن راوية الراوي عمن عاصره ولم يلقه تدليس، وقد وَجَدَ خَصْمُ مسلم أن هذا النوع من الرواية قد وقع من جماعةٍ من الرواة، ولم تُردَّ عنعنةُ بعضهم بالتدليس، فيبقى في رواية هؤلاء احتمال أن يكون الراوي قد روى عمن عاصره ولم يلقه.

فأجابه مسلم بمثال هشام بن عروة، أنه أيضًا قد وقع من جماعةٍ من الرواة أنهم رَوَوْا عمن سمعوا منه ما لم يسمعوه، ولم تُردَّ عنعنتهم بذلك أيضًا. فيلزم الخصم حينها ردّ العنعنة مطلقًا، حتى ممن عُلِم سماعه.

ذلك أن أئمة الحديث لا يردّون عنعنة كل من وقعت منه صورة التدليس، مع أنّهم قد يصفونه تجوُّزًا بأنه مُدَلِّس. إذ المدلِّس حقيقةً من غلبَ التدليسُ على معنعناته، وهذا هو الذي يستحق ردّ العنعنة. أمّا من كان تدليسه قليلاً أو نادرًا فلا تُردُّ عنعنته، وإن وُصف بأنه مدلّس. وأمّا المدلِّس الذي اشتُرِطَ عدمُ وجوده في الإسناد لقبول العنعنة فهو المدلِّس على الحقيقة، وهو مَن غلب عليه التدليس.

ولهذا فسواءٌ أكان الراوي المعنعِنُ ممن قد وقعت منه قليلاً روايةٌ عمّن سمع ما لم يسمعه، أو روايةٌ عمن عاصره ولم يلقه، فلا أثر لذلك في باقي عنعناته، لأن الحكم للغالب، والنادر لاحكم له. ولا يستحق لذلك أن يُوصف بأنه مدلس على الحقيقة، بمعنى أنه مدلِّسٌ مردودُ العنعنة.

ص: 155

فالنتيجة: أن اشتراط انتفاء التدليس في الحديث المعنعن بين المتعاصرين اشتراطٌ كافٍ للحكم بالاتّصال، واستبعادِ احتمالِ الانقطاع فيه، لأنه تضمّن احترازًا من قبول عنعنة من يستحق أن تُرَدَّ عنعنته، دون من لا يستحقّ ذلك من عامّة الرواة، الذين لم يثبت عنهم التدليس مطلقًا، أو ثبت لكنه قليلٌ في جنب ما رَوَوْهُ.

وبذلك جميعه، وبعد بيان الأصلين اللذين بنى مسلمٌ ردَّه عليهما: تَتّضح حقيقةً قوّةُ مذهب مسلم (بل مذهب جميع أئمة الحديث، بمن فيهم البخاري) ، ويظهر وَهَاءُ وهَلْهَلَةُ مذهب خصمِه، وبُطلانُ قوله، وسقوطِ حُجّته، ممّا يُنَزَّه معه البخاري وعلي بن المديني من أن يقعا فيه، وأن يُنسب إليهما مثلُ هذا المذهب المتهافت بحُجّته الواهية، وهُمَا مَنْ هُمَا في قِمّة علم الحديث. . بل على يديهما بلغ هذا العلم غايةَ مبلغه، ومنهما تفجّرت فنونُه أنهارًا وبحارًا.

لله درُّ مسلم!! لقد أجاب فأسكت خَصْمَه، وحاجَّ فأفحم، وبيَّنَ فأفهم، وردَّ فألزمَ.

وعفا الله عن مسلم، لقد تردّد في الردّ على ذلك الجاهل الخامل الذكر، خوفًا من أن يُشهر قوله أو أن يُرفع ذكره، وكان قد رأى أن عدم الرد عليه أخمل لذكره وأحرى بإماتة القول وقائله. وليته فعل، فإنه لمّا ردَّ على ذلك الجاهل الخامل الذكر، نُسب ذلك القول المردودُ عليه إلى البخاري وعلي بن المديني!! ثم المحققين!! ثم إلى الجماهير. .!!

لكن عُذْر مسلم أنه أبانَ الحقّ، وردّ على الباطل. . فأبلغ في العذر بذلك. وليته لمَّا ردَّ على ذلك الجاهل سمّاه وعيّنه، ليدفع عن أعراض العلماء المحققين والجماهير!!!

ص: 156

لكن عذره أنه نقل إجماع أهل العلم، وصرّح أن المخالف لا وزن له في العلم ولا اعتبار، فأنّى يَرِدُ في ذهن مسلم -بعد ذلك- أن يُنسب ذلك القول المبتدع إلى شيخه الأجلِّ لديه، العزيز عليه، ألا وهو الإمام البخاري، الذي ليس في الدنيا مثلُه (كما كان مسلمٌ يعتقد ذلك فيه) !!!

رحمَ الله البخاريَّ ومسلمًا وجميعَ أئمة المسلمين، المتقدّمين منهم والمتأخرين!!

ص: 157