الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن وظائف الملائكة قبض الأرواح التي ختم الله آجالها {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظةً حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} (الأنعام: 61)، {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وُكِّل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} (السجدة: 11).
والملائكة يحبون ما أحبه الله، فيحبون المؤمنين والاتقياء من عباد الله، ويستغفرون لهم، قال الله تعالى:{الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمةً وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} (غافر: 7).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((فإذا صلى [أي المؤمن] لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه)). (1)
ويتواصل استغفار الملائكة ليشمل جميع المؤمنين كما قال الله: {والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم} (الشورى: 5).
وأما من كفر وعصى فالملائكة تدعو عليه باللعنة {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} (البقرة: 161).
فإذا قامت القيامة استقبلت الملائكة المؤمنين في الجنات، وساقت المجرمين والكافرين إلى الدركات، فعن استقبالهم للمؤمنين وتهنئتهم إياهم يقول الله تعالى:{والملائكة يدخلون عليهم من كل بابٍ - سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} (الرعد: 23 - 24)، وأما الكافرون فتعذبهم الملائكة في نار {وقودها الناس والحجارة عليها ملائكةٌ غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} (التحريم:6).
الإيمان بالكتب
(1) أخرجه البخاري ح (647)، ومسلم ح (649)، واللفظ للبخاري.
ولما كانت وظيفة الرسل حمل الهداية الإلهية إلى البشرية فقد أنزل الله عليهم هديه ووحيه، ليستنقذ به البشرية من ضلالها وتيهها {كان الناس أمةً واحدةً فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} (البقرة: 213).
وهذه الكتب الإلهية تحمل رسالة الله إلى الإنسان، وتبعاً لذلك فهي تتصف بصفات منزلها، فهي الهدى والنور، وقد وصف الله توراته التي أنزلها على موسى بقوله:{إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} (المائدة: 44)، ومثله قال في وصف الإنجيل الذي أنزله على عيسى عليه السلام:{وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظةً للمتقين} (المائدة: 46)، وهكذا فالهدى والنور صفة لازمة لكل وحي يوحيه الله إلى نبي من أنبيائه.
والمسلم يؤمن بكل وحي لله امتثالاً لأمر الله وتصديقاً لكلامه: {يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً} (النساء: 136)، فالكفر بأحد كتب الله هو كفر بها جميعاً.
ويأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، فيقول:{قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} (البقرة: 136). (وانظر آل عمران: 84).
وقد أمر الله جل وعلا الأمم السابقة بحفظ ما أنزل الله إليهم من كتاب، كما قال سبحانه:{إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونورٌ يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء} (المائدة: 44)، فأضاعها الأولون، ولم يكونوا أمناء عليها، فصارت نهبة للتحريف والتبديل، فتعرضت للزيادة، حين أضيف إليها ما لم ينزله الله {وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من
الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} (آل عمران: 78).
وقد توعد الله بعذابه الذين فعلوا ذلك: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} (البقرة: 79).
كما تعرضت هذه الكتب للنقصان والضياع المتعمد الذي توعد الله أيضاً فاعله بأليم العذاب فقال: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناَ قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} (البقرة: 174).
ومما ضاع من الكتب السابقة؛ الإنجيل (1) الذي أنزله الله على المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به} (المائدة: 14).
ولتبيان الحقيقة الضائعة من الكتب السابقة أو المطموسة بالتحريف والتبديل فيها؛ أرسل الله محمداً برسالته الخاتمة، وأعطاه القرآن الذي جعله أيضاً نوراً وهدى ورحمة للناس جميعاً، فدعاهم الله إلى الإيمان به {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} (المائدة: 15).
وبهذا أصبح القرآن خاتمة وحي الله المصدق لما سبقه والمهيمن عليه بما خصه الله من الحفظ والبيان قال تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً} (المائدة: 48).
(1) ما نجده اليوم بين أيدي النصارى ليس إنجيل الله المنزل على عيسى، بل الأناجيل المنسوبة إلى تلاميذ المسيح وتلاميذهم، وتتضمن تأليفات شخصية لهم سجلوا فيها سيرة المسيح عليه السلام وأخبار دعوته ومعجزاته، ولا تخلو هذه المؤلفات البشرية من بعض وصايا الله لعيسى ووحيه إليه.
وتكاملت نعمة الله على عباده بهذا الكتاب الذي سماه الله القرآن العظيم، وبالرسول الذي يبلغ إلى العالمين، فلله في ذلك المِنَّة البالغة {لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران: 164).
وحتى تبقى كلمة الله شاهدة على خلقه جيلاً فجيل؛ تكفل الله جل وعلا بحفظ كتابه الأخير {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر: 9)، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم:{إن علينا جمعه وقرآنه - فإذا قرأناه فاتبع قرآنه - ثم إن علينا بيانه} (القيامة: 17 - 19)، وهكذا أضحى القرآنُ الكتابَ الإلهي الوحيد المحفوظ بحفظ الله له {وإنه لكتابٌ عزيزٌ - لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ} (فصلت: 41 - 42).
وحتى يحفظ الله كتابه يسَّره للحفظ، وأنزله في أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وإنما تعتمد الحفظ وسيلة للمحافظة على تراثها وتاريخها وأشعارها وأنسابها {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} (القمر: 17)، وأنزله منجماً مفرقاً على مدى ثلاث وعشرين سنة، ليسهل حفظه ومدارسته على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقد حفظ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وتعهده الله بمدارسته مع جبريل عليه السلام من كل عام في شهر رمضان، يقول ابن عباس:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة). (1)
ويخبرنا القرآن عن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على حفظ النص القرآني، فقد كان يردده حال سماعه له من جبريل عليه السلام، خشية أن ينسى بعضاً منه، فطمأن الله روعه، وأعلمه أن القرآن محفوظ بحفظ الله:{ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علماً} (طه: 114)، وقال له:{لا تحرك به لسانك لتعجل به - إن علينا جمعه وقرآنه} (القيامة: 16 - 17).
(1) أخرجه البخاري ح (1902)، ومسلم ح (2308).
وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم أصحابه القرآن، وكانوا يتعاهدون به من أسلم حديثاً، فيبادرون إلى تعليمه ما نزل من القرآن، يقول عبادة بن الصامت:(كان رسول الله يُشغَل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن). (1)
وكان الصحابة يتابعون باهتمام بالغ يومياً ما ينزل من القرآن، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد -وهي من عوالي المدينة -وكنا نتناوبُ النزولَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوماً، وأنزل يوماً، فإذا نزلتُ جئتهُ بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعلَ مثل ذلك. (2)
وحث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على تعلم القرآن، فقال مستحثاً لهممهم:((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) (3)، وأخبرهم أنه ((يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد، فيقرأ، ويصعد بكل آية درجة، حتى يقرأ آخر شيء معه)) (4)، فقراءة القرآن وحفظه من أفضل العبادات، و ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق؛ له أجران)). (5)
وقد سارع الصحابة إلى حفظ سور القرآن ومدارستها وتعلم ما فيها من معان وأحكام، فكان منهم مئات القراء، وقد أتم بعضهم حفظ كامل القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد سأل قتادة خادمَ النبي صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أنس: (أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد). (6)
وممن حفظه من نساء الصحابة أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري،
(1) أخرجه أحمد ح (22260).
(2)
أخرجه البخاري ح (89)، ومسلم ح (89)، واللفظ للبخاري.
(3)
أخرجه البخاري ح (5027).
(4)
أخرجه ابن ماجه ح (3780).
(5)
أخرجه البخاري ح (4937)، ومسلم ح (798)، واللفظ له.
(6)
أخرجه البخاري ح (5003)، ومسلم ح (2465).
فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن، فكانت تؤم أهل دارها. (1)
وقد نقل القرآن الكريم بحفظ الجموع عن الجموع في كل عصر، وكان القرآن كما وصفه الله لرسوله، حين قال له في الحديث القدسي الذي يرويه النبي عن ربه تبارك وتعالى:((ومنزل عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان)). (2)
يقول ابن الجزري: "الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة .. فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في صفة أمته: ((أناجيلهم في صدورهم)) ". (3)
وحتى نقف على كثرة هؤلاء القراء من الصحابة يكفينا أن نذكر أنه قد قتل منهم في يوم بئر معونة سبعون، يقول أنس:(جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة. فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون .. فبعثهم النبي إليهم، فعرضوا لهم، فقتلوهم). (4)
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قتل في وقعة اليمامة الكثير من القراء، حتى خشي عمر من ضياع شيء من القرآن، فقال لخليفة المسلمين أبي بكر:(إن القتل قد استحر [أي كثُر] يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن). (5) فكان هذا سبباً في مبادرة الصحابة إلى جمع القرآن في مصحف واحد مكتوب في عهد الخليفة أبي بكر الصديق.
(1) أخرجه أبو داود ح (591)، وأحمد ح (26739).
(2)
أخرجه مسلم ح (2865).
(3)
النشر: (1/ 6)، والحديث أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ح (9903)، والبيهقي في دلائل النبوة ح (343).
(4)
أخرجه مسلم ح (677).
(5)
أخرجه البخاري ح (4986).
وجمع القرآن في عهد الصديق إنما كان جمعاً للمكتوب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي حرص على جمع القرآن في عهده ليتكامل حفظ السطور إلى حفظ الصدور.
يقول عثمان بن عفان: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت عليه الآيات يدعو بعض من كان يكتب له، ويقول له:((ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا)). (1)
وكان الصحابة يكتبون كل ما نزل، بل ويسارعون إليه مهما كثر، ومثاله مسارعتهم إلى كتابة سورة الأنعام، وهي من أطول سور القرآن، نزلت دفعة واحدة في مكة زمن الاضطهاد، يقول ابن عباس رضي الله عنه:((نزلت جملة واحدة، نزلت ليلاً، وكتبوها من ليلتهم غير ست آيات؛ فإنها نزلت في المدينة)). (2)
وقد أولى النبي صلى الله عليه وسلم المكتوب بين يديه اهتماماً بالغاً، إذ كان يستوثق من دقة المكتوب بين يديه، يقول زيد بن ثابت كاتب الوحي: كنتُ أكتب الوحي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يملي عليَّ، فإذا فرغت، قال:((اقرأه))، فأقرأُه، فإن كان فيه سقط أقامه. (3)
وخوفاً من تداخل المكتوب من القرآن مع غيره من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه، فقال:((لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن، فمن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه)). (4)
ثم لحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى قبل أن يجمع هذا المكتوب بين يديه في مصحف واحد، يقول كاتب الوحي زيد بن ثابت: (قبض النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن
(1) أخرجه أبو داود ح (786)، والترمذي ح (3086)، واللفظ لأبي داود.
(2)
ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (3/ 1)، والقاسمي في محاسن التأويل (6/ 446).
(3)
أخرجه الطبراني في الأوسط ح (1985)، قال الهيثمي:"أخرجه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات". مجمع الزوائد (8/ 257).
(4)
أخرجه مسلم ح (3004).
القرآن جمع في شيء). (1)
قال الخطابي: "إنما لم يجمع صلى الله عليه وسلم القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته؛ ألهمَ الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر". (2)
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بدأت حروب المرتدين، وكان أشدها معركة اليمامة التي قتل فيها قرابة الألف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبينهم كثير من القراء.
فجاء عمر بن الخطاب إلى الخليفة أبي بكر الصديق، يقترح جمع القرآن في مصحف واحد، خشية ضياعه بوفاة المزيد من القراء، ووافق الخليفة على المقترح، وانتدب لجنة لذلك العمل العظيم برئاسة كاتب الوحي وحافظه الشاب زيد بن ثابت، الذي يروي لنا الخبر بتمامه فيقول: (أرسل إلي أبو بكر مقتلَ أهل اليمامة وعنده عمر، فقال: أبو بكر إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟ فقال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر.
فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله، فتتبع القرآن فاجمعه.
قال زيد: فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي؟ فقال أبو بكر: هو والله خير. فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر
(1) أخرجه الدير عاقولي بإسناده إلى زيد بن حارثة في فوائده، كما نقل السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (1/ 164).
(2)
الإتقان في علوم القرآن، السيوطي (1/ 164).
وعمر.
فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره:{لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم} (التوبة: 128) إلى آخرهما.
وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر). (1)
وتبين لنا رواية أخرى المنهج الذي اتبعه زيد في جمعه، إذ لم يعتمد على محفوظاته ومحفوظات الصحابة، بل بحث عن المكتوب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، والموثق بشهادة شاهدين يشهدان بكتابته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، يقول يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب:(قام عمر بن الخطاب في الناس فقال: من كان تلقى من رسول الله شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شهيدان). (2)
قال أبو شامة المقدسي: http://www.khayma.com/sharii/ch2/004.htm - (8) ( وكان غرضهم ألا يكتب إلا من عين ما كُتب بين يدي النبي، لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة: (لم أجدها مع غيره) أي لم أجدها مكتوبة مع غيره، لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة). (3)
وهكذا أكملت اللجنة عملها بجمع ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم موثقاً بشهادة شاهدين على الأقل، يشهدان أنه كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي عهد عثمان رضي الله عنه أمر الخليفة بتكوين لجنة تعيد نسخ المجموع في عهد أبي
(1) أخرجه البخاري ح (4679).
(2)
أخرجه ابن أبي داود في كتابه المصاحف ح (33).
(3)
انظر: الإتقان في علوم القرآن (1/ 167)، وفتح الباري (8/ 630).
بكر، كان عمادها أربعة من حفاظ القرآن (1)، وبدأت اللجنة بنسخ مصحف أبي بكر وكتابته وفق لسان قريش، يقول حذيفة: (فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف؛ ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان.
فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم). (2)
وفي رواية الترمذي أن الكتبة اختلفوا في كيفية كتابة كلمة واحدة، يقول حذيفة:(فاختلفوا في "التابوت" و" التابوة "، فقال القرشيون بالأول، وقال زيد بالثاني، فرفعوا اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه بالتابوت، فإنه نزل بلسان قريش). (3)
وتكامل الجمع العثماني بكتابة سبع نسخ من المصحف، أرسل كل واحد منها إلى قطر من أقطار المسلمين، ليكون إماماً للناس، يضبطون وفقه مصاحفهم، وأمر عثمان من كان عنده شيء من صحف القرآن أن يحرقها، يقول حذيفة:(حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق). (4)
والسبب الذي دعا الخليفة إلى طلب إحراق الناس لما بين أيديهم من الصحف
(1) وقد وصلت اللجنة فيما بعد إلى اثني عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يقول كثير بن أفلح:(لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار، فيهم أُبي بن كعب وزيد بن ثابت) أخرجه ابن أبي داود في كتابه المصاحف ح (89).
(2)
أخرجه البخاري ح (3506).
(3)
أخرجه الترمذي ح (3104).
(4)
أخرجه البخاري ح (4988).
والمصاحف أن بعضها قد كتب قبل العرضة الأخيرة للوحي في السنة الأخيرة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ففيها ما نسخت تلاوته، كما يمكن أن يقع في مصاحف الصحابة الخاصة نقص آية أو كلمة أو زيادة ناسخ لشرح كلمة وسواها، فيخشى أن يظن من يأتي بعد ناسخها أنه من القرآن، كما كانت مصاحف الصحابة مختلفة في ترتيب سورها، فمصحف علي رضي الله عنه مثلاً كان ترتيبه بحسب النزول، فلهذه الأسباب أمر عثمان بإحراق المصاحف.
وقد فعل الصحابة ذلك وامتثلوا أمر الخليفة، واتفقوا على صحة صنيعه، يقول علي رضي الله عنه:(يا أيها الناس، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيراً في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعاً .. والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل). (1)
ويقول مصعب بن سعد رضي الله عنه: (أدركت الناس حين شقق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعب ذلك أحد). (2)
وامتثال الصحابة وفعلهم؛ إقرار لعثمان على صحة ما فعله، لأن ما فعله عثمان هو إعادة نسخ مصحف أبي بكر وفق حرف قريش ولسانهم، ولو كان في فعله شائبة لثاروا عليه، كما ثار عليه من ثار لأمور أقل منها كتوليته بعض أقاربه على بعض مدائن المسلمين.
ومن المعلوم أن عثمان لم يأمر عماله بمتابعة الناس في بيوتهم ومعرفة من أحرق من المسلمين مصحفه ومن لم يحرق، فقد فعل المسلمون ذلك بمحض إرادتهم واختيارهم.
وهكذا وُثِّق النص القرآني كتابة، فاجتمع إلى توثيقه بحفظ الحفاظ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتناقلت الأمة في أجيالها نص القرآن الكريم، يحفظه في كل
(1) أخرجه أبو بكر بن أبي داود في كتابه المصاحف ح (77).
(2)
أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد ح (161)، والقاسم بن سلام في فضائل القرآن ح (460)، وقال السيوطي: إسناده جيد.