الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الركن الثاني: إقام الصلاة
الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي عمود الدين وركنه الركين.
وقد فرضها الله عز وجل على المسلمين، ومنها ما شرع وجوباً، وهو الصلوات الخمس، فهي أول حق الله على عباده، ومنها ما يؤديه المسلم تطوعاً وتحبباً إلى الله الذي خلقه وأنعم عليه بآلائه التي لا تحصى.
والصلاة لما لها من الأثر العظيم البالغ في تهذيب النفوس وتقويم السلوك وفي تقوية الإيمان؛ فرضها الله على الأنبياء والأمم السابقة، فلم تخل منها شريعة من الشرائع، وقد حكى القرآن وصاة الله بها لأنبيائه وأقوامهم، فقد دعا إبراهيم أبو الأنبياء ربه فقال:{ربّ اجعلني مقيم الصّلاة ومن ذرّيتي} (إبراهيم:40)، فاستجاب الله دعاءه فكان ابنه إسماعيل من المصلين {وكان يأمر أهله بالصّلاة والزّكاة وكان عند ربّه مرضيّاً} (مريم: 55).
ومن بعدهما خاطب الله نبيه موسى عليه السلام فقال: {إنّني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصّلاة لذكري} (طه: 14)، وأوصى العذراء البتول بالصلاة فقال:{يا مريم اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الركعين} (آل عمران: 42)، وبيَّن المسيح عليه السلام أمر الله تعالى له بالصلاة، فقال وهو في المهد:{إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً - وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيّاً} (مريم: 30 - 31).
وأخذ الله الميثاق على بني إسرائيل أن يحافظوا على الصلاة {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلاّ الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للنّاس حسناً وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة} (البقرة: 83).
ومن بعدهم جاء نبينا صلى الله عليه وسلم يدعو إلى ما دعا إليه إخوانه الأنبياء من تعظيم الله وعبادته والصلاة له، وقد أمره الله بها، فقال:{وأمُر أهلك بالصّلاة واصطبر عليها} (طه: 132)، وامتدح الله في وحيه إليه عباده المصلين فقال: {الّذين يقيمون
الصّلاة ويؤتون الزّكاة وهم بالآخرة هم يوقنون - أولئك على هدًى من ربهم وأولئك هم المفلحون} (لقمان: 4 - 5)، ووعدهم بالجنة جزاء عليها:{والذين هم على صلواتهم يحافظون - أولئك هم الوارثون - الّذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} (المؤمنون: 9 - 11).
وما زال النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بالصلاة لله وعبادته حتى فاضت روحه إلى باريها، يقول خادمه وصاحبه أنس: كان آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُغرغر بها في صدره، وما كان يفيض بها لسانه:((الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم)). (1)
وحين شرع الله الصلاة وغيرها من العبادات؛ فإنه تبارك وتعالى لم يكن يستكثر بها من قلة، ولا يستقوِ بها من ضعف، فهو عز وجل لا تزيده طاعة الطائعين، ولا تنقصه معصية العاصين، وإنما شرعها لمنفعة العباد وتزكية أنفسهم وتهذيب ضمائرهم وتقويم سلوكهم وصلاح دنياهم وأخراهم.
وأول ما تحققه الصلاة في المؤمن أنها تنير حياته وتؤنسها بذكر الله، فقد وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها نور، فقال:((من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة)). (2)
وقال: ((والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء)). (3)
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((والصلاة نور)) معناه: أنها تمنع المصلي من المعاصي، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وتهديه إلى الصواب كما النور الذي يستضاء به.
فأما اجتناب المسلم للكبائر من الذنوب والفواحش، فسببه أن الصلاة تذكره - فينة بعد فينة -بحق الله عليه وبمراقبته له، فيرعوي وينزجر عن محارمه،
(1) أخرجه أبو داود ح (5156)، وابن ماجه ح (2698)، وأحمد ح (586)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (2698).
(2)
أخرجه أحمد ح (6540)، وابن حبان في صحيحه ح (1467)، ووثق الهيثمي رجاله في مجمع الزوائد (1/ 292).
(3)
أخرجه مسلم ح (223).
قال تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} (العنكبوت: 45).
ولما أُخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق؛ قال عليه الصلاة والسلام:((إنه سينهاه ما يقول)). (1) أي في صلاته ما سيزجره ويقوِّم سلوكه.
وكما تبعد الصلاة المؤمن عن الكبائر والفواحش؛ فإنها سبب في مغفرة الله للصغائر من الذنوب التي يلم بها المرء عامداً أو جاهلاً، فيعود بصلاته قريباً من الله العفو الكريم، لأن الصلاة صلة بين العبد وربه، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول:((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ ما بينهنَّ؛ إذا اجتنب الكبائر)). (2)
وفي حديث آخر سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: ((أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يومٍ خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟)) فقالوا: لا يبقى من درنه شيء، فقال صلى الله عليه وسلم:((فذلك مثلُ الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)). (3)
والصلاة فرصة للمسلم للاستجمام من أتعاب الدنيا، فالمسلم حين يقوم للصلاة يناجي ربه ومولاه؛ يطمئن قلبه بهذه الصلة مع ربه {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد: 28)، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول لمؤذنه بلال:((يا بلال أرحنا بالصلاة)). (4) وكان يفزع إليها كلما حزبه أمر، ويقول:((جعلت قرة عيني في الصلاة)). (5)
وأخيراً؛ فلأهمية هذه العبادة سماها النبي صلى الله عليه وسلم عمود الدين، وأخبر أنها أول ما يحاسب الله الناس عليه يوم القيامة، فقال: ((إنّ أول ما يُحاسبُ به العبدُ يوم
(1) أخرجه أحمد ح (9486).
(2)
أخرجه مسلم ح (233).
(3)
أخرجه البخاري ح (528)، ومسلم ح (666).
(4)
أخرجه أبو داود ح (4985)، وأحمد في المسند ح (32578)، واللفظ له.
(5)
أخرجه النسائي ح (3939)، وأحمد في المسند ح (11884).