الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن أمثال هذه المواقف الرائعة دفع بطريك بيت المقدس في القرن التاسع للقول عن العرب في كتابه إلى بطريرك القسطنطينية: "إنهم يمتازون بالعدل، ولا يظلموننا البتة، وهم لا يستخدمون معنا أي عنف". (1)
ولو أنصف الزاعمون لرددوا مع جوستاف لوبون قوله: "الإسلام من أكثر الأديان ملاءمة لاكتشافات العلم، ومن أعظمها تهذيباً للنفوس وحملاً على العدل والإحسان والتسامح". (2)
وصدق الدكتور لويس يونغ في كتابه "العرب وأوروبا" حين قال: "إن أشياء كثيرة لا يزال على الغرب أن يتعلمها من الحضارة الإسلامية منها نظرة العرب المتسامحة وعدم تمييزهم فروق الدين والعرق واللون". (3)
وهكذا فالإسلام بريء بشهادة النصوص والتاريخ مما يزعمه القائلون بأن الإسلام رعى العنصرية الدينية، بل على العكس من ذلك، لقد قدم المسلمون نموذجاً حضارياً فريداً ما تزال البشرية ترنو إلى مثله، وهي أشد حاجة إليه اليوم في ظل تصاعد حملات الكراهية للمسلمين من أولئك الذي ما فتئوا يبشرون بصدام الحضارات والخطر المزعوم الذي تحمله الحضارة الإسلامية.
رابعاً: المسلمون والتحديات المعاصرة
إن نظرة سريعة في واقع المسلمين اليوم لن تخطئ في رؤية الكثير من التحديات التي تواجهها الأمة المسلمة في مطلع القرن الواحد والعشرين.
ولعل أول هذه التحديات قبوع الأمة التي قادت ركب الحضارة الإنسانية ثمانية قرون في ذيل القائمة في سلم الحضارة والعلم.
يستغل البعض هذا الواقع المرير للربط بين حال المسلمين ودينهم، متناسين أنه ليس من العدل والنصفة في شيء الحكم على دين بواقع أهله في برهة من الزمان،
(1) شمس العرب تسطع على الغرب (364).
(2)
حضارة العرب (126).
(3)
قالوا عن الإسلام، عماد الدين خليل (326).
فالإسلام دين العلم والحضارة، وحين تمسك المسلمون بدينهم كانوا أكثر الأمم عطاء في ركب الحضارة وأعظمها علماً وإبداعاً، لكنهم حين بعدوا عن دينهم واستبدلوه أو خلطوه بالغث الوافد عليهم من هنا وهناك تردوا عن السبق والحظوة التي منحها الله لهم بالعلم والمعرفة.
إن القرآن منذ نزلت أول آياته {اقرأ باسم ربك الذي خلق} (العلق: 1) ما فتئ يدعو المسلمين إلى التعلم، ويثني على العلماء ويمتدح صنيع العقلاء {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجاتٍ} (المجادلة: 11)، {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} (الزمر: 9).
لقد كرم الإسلام العلم، وأعطى لأهله من الفضل والمنزلة بوناً شاسعاً على سائر الناس، بما فيهم العُبّاد الذين نذروا أنفسهم لعبادة الله تعالى، يقول صلى الله عليه وسلم:((فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت؛ ليصلون على معلم الناس الخير)). (1)
وحين تمسك المسلمون بدينهم والتزموا شرائعه سبقوا أمم الدنيا، وحملوا مشعل العلم والحضارة، وأبدعوا حضارة فريدة، يكفينا عن العرض المسهب لإنجازاتها أن ننقل بعض اعتراف العلماء المنصفين بسبقنا وإبداعنا، فقد سجلت كلماتهم بالإعجاب بعضاً من مآثر حضارتنا، وكانوا شهود عدل على مآثرنا.
ومن ذلك قول الدكتور ستانلي لين بول في كتابه "تاريخ العالم": "لم يحدث في تاريخ المدنية حركة أكثر روعة من ذلك الشغف الفجائي بالثقافة الذي حدث في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فكان كل مسلم، من الخليفة إلى الصانع، يبدو كأنما قد اعتراه فجأة شوق إلى العلم وظمأ إلى السفر، وكان ذلك خير ما قدّمه الإسلام من جميع الجهات". (2)
(1) أخرجه الترمذي ح (2685).
(2)
قالوا عن الإسلام (396).
ويضيف المؤرخ جوليفيه كستلو في كتابه "قانون التاريخ" بأن "التقدم العربي بعد وفاة الرسول [صلى الله عليه وسلم] كان عظيماً، جرى على أسرع ما يكون، وكان الزمان مستعداً لانتشار الإسلام، فنشأت المدنية الإسلامية نشأة باهرة، قامت في كل مكان مع الفتوحات بذكاء غريب ظهر أثره في الفنون والآداب والشعر والعلوم. وقبض العرب بأيديهم - خلال عدة قرون - على مشعل النور العقلي، وتمثلوا جميع المعارف البشرية .. فأصبحوا سادة الفكر، مبدعين ومخترعين، لا بالمعنى المعروف، بل بما أحرزوه من أساليب العلم التي استخدموها بقريحة وقَّادة للغاية، وكانت المدنية العربية قصيرة العمر، إلا أنها باهرة الأثر، وليس لنا إلا إبداء الأسف على اضمحلالها". (1)
وإذا كان حال المسلمين فيما مضى كذلك، فكيف توارت الأمة المسلمة عن الشهود؟ ولم تقبع في ذيل الركب اليوم؟!
إن ما نشهده اليوم من ضعف حضاري للأمة المسلمة يرتبط بعاملين اثنين: أولهما هو بُعدُ المسلمين عن دينهم، فلئن كان تقدم أوربا مرهوناً بتخلصها من دينها المبدَّل؛ فإن نهضتنا لن تكون إلا بعودتنا إلى ديننا، فالمفارقة بين حالنا وحالهم، تنبع من الاختلاف بين خصائص أدياننا.
والعامل الثاني الذي أسهم في تردي أحوال الأمة المسلمة هو الاستعمار الغربي الذي غزا الشرق الإسلامي عقوداً من السنين، ولم يبرحها إلا وقد ترك فيها من العقد المستعصية ما تعجز عن حلها الأجيال، ليضمن بذلك استمرار تفوقه ورواج سلعه في الشعوب التي جعلها أسواقاً استهلاكية لبضائعه، فارتهن مقدراتها ليضمن تفوقه ودوام سيطرته.
وأما المظهر الثاني من المظاهر التي تزري بواقع المسلمين اليوم، فهو اختلافهم وتناحرهم بل واحتراب طوائفهم وتراميهم بالتكفير والتبديع، وهم في ذلك أيضاً قد خالفوا أمر ربهم وهو يدعوهم إلى الوحدة والاعتصام {واعتصموا بحبل الله
(1) المصدر السابق (389).
جميعاً ولاتفرقوا} (آل عمران: 103)، فقد خالفوه وهو يدعوهم إلى التوحد في أمة واحدة {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} (المؤمنون: 52).
إن تشرذم المسلمين وتناحرهم يرجع إلى عوامل كثيرة، لكن أهمها تدخل أياد خفية تكيد لإخوتهم، وتتربص بوحدتهم الدوائر، فالكثير من خلافات المذاهب الإسلامية لم تؤثر في وحدة المسلمين طوال تاريخهم؛ لأنها بقيت في منأى عن الهجمة الاستعمارية المغذية للنعرات المذهبية، كما هو الحال في العلاقة بين السنة والزيدية، أو بين أتباع المذاهب الفقهية الأربعة.
إن المسلمين حين افترقوا لم يفترقوا بسبب اختلافهم حول أصول دينهم، فهذا ما لم تخالف فيه طائفة من طوائفهم المعتبرة، فالكل يؤمن بالله الواحد وصفاته وكتبه وأنبيائه، وأصول شريعته وأركان دينه، وخلافهم بقي بعيداً عن أصول الدين التي لم يختلفوا فيها، فخلاف السنة مع الشيعة - وهو الخلاف الأقوى بين المسلمين اليوم - إنما هو خلاف حول الشخص الأحق باستحقاق الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فهو خلاف سياسي تاريخي في جذوره، ولم تمس امتداداته أصول الدين من قريب أو بعيد.
وافتراق المسلمين أيضاً قدر الله لكل الأمم، وفيه مصداق نبوءة نبوية لنبينا صلى الله عليه وسلم حين قال:((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين، فرقة واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار)) قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: ((الجماعة)). (1)
وهكذا فالتفرق ميراثنا من الأمم السابقة، وتناحر بعضنا واقتتالهم مذموم لنكوصه عن هدي الإسلام إلى سبل الضلال والكفر ((فإن دماءكم وأموالكم
(1) أخرجه ابن ماجه ح (3992).
عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم .. فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)). (1)
إن حاضر المسلمين لن يصلح إلا بما أصلح ماضيهم، إن الإسلام هو الذي جعل من أوزاع العرب وغيرهم أمة واحدة، وأحالهم من أمة أمية جاهلة إلى أمة قادت ركب الحضارة الإنسانية ثمانية قرون.
إن الرصيد الذي يمتلكه الإسلام في مبادئه وتصوراته ما يزال الأمل الذي يتطلع إليه العقلاء، فكل سؤدد وشرف وحضارة في الاستمساك بالإسلام، في حين أن مظاهر التخلف والتفرق نتاج قدري حتمي لبعدنا عن الإسلام، فما أحرانا أن نسارع في العود إليه والاستمساك بهديه القويم.
(1) أخرجه البخاري ح (1741)، ومسلم ح (1679).