الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَدَكَ (1) -بِكْرَكَ مِنَ الْوَلَدِ-فَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ (2) فَيَكُونُونَ فِيهَا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى تُطَهِّرَهُمْ وَتَأْكُلَ خَطَايَاهُمْ، ثُمَّ يُنَادِ مُنَادٍ (3) أَنْ أَخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِنْ وَلَدِ إِسْرَائِيلَ. فَأَخْرَجُوهُمْ (4) فَذَلِكَ قَوْلُهُمْ:{لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [آلِ عِمْرَانَ: 24]
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
(19) }
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: إِنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا (5) خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، الَّذِي لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ وَلَا رَسُولَ بَلْ هُوَ الْمُعَقِّبُ لِجَمِيعِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ:{عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} أَيْ: بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ مَا بَيْنَ إِرْسَالِهِ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ هَذِهِ الْفَتْرَةِ، كَمْ هِيَ؟ فَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْديّ وَقَتَادَةُ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-: كَانَتْ سِتَّمِائَةِ سَنَةً. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ. وَعَنْ قَتَادَةَ: خَمْسُمِائَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقَالَ مَعْمَر، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ: خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقَالَ: الضَّحَّاكُ: أَرْبَعُمِائَةٍ (6) وَبِضْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً.
وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى، عليه السلام (7) عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ومنْ رَفْعِ الْمَسِيحِ إِلَى هِجْرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تِسْعُمِائَةٍ وَثَلَاثٌ (8) وَثَلَاثُونَ سَنَةً.
وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّهُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سِتُّمِائَةٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْقَائِلَ الْأَوَّلَ أَرَادَ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ، وَالْآخَرَ أَرَادَ قَمَرِيَّةً، وَبَيْنَ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ وَبَيْنَ الْقَمَرِيَّةِ نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثِ (9) سِنِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ:{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الْكَهْفِ: 25] أَيْ: قَمَرِيَّةً، لِتَكْمِيلِ الثَّلَاثِمِائَةِ الشَّمْسِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ مَعْلُومَةً لِأَهْلِ (10) الْكِتَابِ. وَكَانَتِ الْفَتْرَةُ بَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، آخَرِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ [صلى الله عليه وسلم](11) خَاتَمِ النَّبِيِّينَ مِنْ بَنِيَ آدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ (12) أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ (13)(14) هَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ عِيسَى [عليه السلام](15) نَبِيٌّ، يُقَالُ لَهُ: خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ، كَمَا حَكَاهُ الْقُضَاعِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى](16) بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرسل، وطُمُوس من السبل،
(1) في أ: "ولدي".
(2)
كذا في جميع النسخ، ونص الطبري:"أن ولدا من ولدك أدخلهم النار"(6/106) .
(3)
في أ: "منادي".
(4)
في ر: "فأخرجهم".
(5)
في ر: "محمد".
(6)
في أ: "أربعمائة سنة".
(7)
تاريخ دمشق لابن عساكر (14/30 القسم المخطوط) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (20/86) .
(8)
في أ: "ثلاثة".
(9)
في أ: "ثلاثة".
(10)
في ر، أ:"عند أهل".
(11)
زيادة من أ.
(12)
في ر، أ:"أنا".
(13)
في ر: "لم يكن بيني وبينه نبي".
(14)
صحيح البخاري برقم (3442) .
(15)
زيادة من أ.
(16)
زيادة من أ.
وتَغَير الْأَدْيَانِ، وَكَثْرَةِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ وَالصُّلْبَانِ، فَكَانَتِ النِّعْمَةُ بِهِ أَتَمَّ النِّعَمَ، وَالْحَاجَةُ إِلَيْهِ أَمْرَ عَمَم، فَإِنَّ الْفَسَادَ كَانَ قَدْ عَمَّ (1) جَمِيعَ الْبِلَادِ، وَالطُّغْيَانَ وَالْجَهْلَ قَدْ ظَهَرَ فِي سَائِرِ الْعِبَادِ، إِلَّا قَلِيلًا مِنَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِبَقَايَا مِنْ دَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ، مِنْ بَعْضِ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَعِبَادِ النَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ مُطَّرَّف، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَار المُجَاشِعِيِّ، رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ:"وَإِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أعلِّمكم مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمني فِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْته عِبَادِي حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاء كلَّهم، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فأضَلَّتْهُم (2) عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وأمرَتْهم أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ، عز وجل، نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عجَمَهم وعَرَبَهُم، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (3) وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا ويَقْظان، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، إِذَنْ يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزة، فَقَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِك، وَأَنْفِقْ عَلَيْهِمْ فَسَنُنفق عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جُنْدًا نَبْعَثُ خَمْسَةَ أَمْثَالِهِ (4) وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتصدِّق مُوَفَّقٌ (5) وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ بِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ عَفِيف فَقِيرٌ (6) مُتَصَدِّقٌ، وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ (7) لَهُ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبْعًا أَوْ تُبعاء -شَكَّ يَحْيَى-لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا يُصْبِح وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ"، وَذَكَرَ الْبَخِيلَ (8) أَوِ الْكَذِبَ، "والشِّنْظير: الْفَاحِشُ". (9)
ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِيرِ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ (10) عَنْ قَتَادَةَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ قَتَادَةَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ مُطَرِّفٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: أَنَّ قَتَادَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ مُطَرِّفٍ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ أَرْبَعَةٍ، عَنْهُ. ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ، عَنْ رَوْحٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ حَكِيمٍ الْأَثْرَمِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حمَار، فَذَكَرَهُ. وَ [كَذَا](11) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ غُنْدَر، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ بِهِ. (12)
وَالْمَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: "وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: "مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ". وَكَانَ (13) الدِّينُ قَدِ التبس على أهل
(1) في ر: "عمم".
(2)
في أ: "فاحتالتهم".
(3)
في ر، أ:"إلا بقايا من بني إسرائيل أهل الكتاب".
(4)
في أ: "أمثالهم".
(5)
في أ: "موقن".
(6)
في أ: "فقير ذو عيال".
(7)
في أ: "رض".
(8)
في ر، أ:"البخل".
(9)
المسند (4/162) .
(10)
في ر، أ:"شعبة".
(11)
زيادة من ر، أ.
(12)
المسند (4/162) وصحيح مسلم برقم (2865) وسنن النسائي الكبرى برقم (8071) .
(13)
في ر، أ:"فكان"