الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ) 20: 22 يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ ضُمَّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَالْفَتْحُ أَجْوَدُ لِخِفَّتِهِ، وَالْكَسْرُ عَلَى الأصل. ويجوز الضم على الاتباع. وئد أَصْلُهَا يَدْيٌ عَلَى فَعْلٍ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْدٍ. وَتَصْغِيرُهَا يُدَيَّةُ. وَالْجَنَاحُ الْعَضُدُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ:" إِلى " بِمَعْنَى تَحْتَ. قُطْرُبٌ:" إِلى جَناحِكَ" إِلَى جَيْبِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
أَضُمُّهُ لِلصَّدْرِ وَالْجَنَاحِ
وَقِيلَ: إِلَى جَنْبِكَ فَعَبَّرَ عَنِ الْجَنْبِ بِالْجَنَاحِ. لِأَنَّهُ مَائِلٌ فِي مَحَلِّ الْجَنَاحِ. وَقِيلَ إِلَى عِنْدِكَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ" إِلى " بِمَعْنَى مَعَ أَيْ مَعَ جَنَاحِكَ. (تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) من غير برص نورا ساطعا، يضئ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَأَشَدُّ ضَوْءًا. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ: فَخَرَجَتْ نُورًا مُخَالِفَةً للونه. و" بَيْضاءَ" نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَلَا يَنْصَرِفُ لِأَنَّ فِيهَا أَلِفَيِ التَّأْنِيثِ لَا يُزَايِلَانِهَا فَكَأَنَّ لُزُومَهُمَا عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ فِي النَّكِرَةِ، وَخَالَفَتَا الْهَاءَ لِأَنَّ الْهَاءَ تُفَارِقُ الِاسْمَ. وَ" مِنْ غَيْرِ سُوءٍ"" مِنْ" صِلَةُ" بَيْضاءَ" كَمَا تَقُولُ: ابْيَضَّتْ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ. (آيَةً أُخْرَى) سِوَى الْعَصَا. فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ مِدْرَعَةٍ لَهُ مِصْرِيَّةٍ لَهَا شعاع مثل شعاع الشمس يعشي «1» البصر. و" آيَةً 10" مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ بَيْضَاءَ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ. النَّحَّاسُ: وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى آتَيْنَاكَ آيَةً أُخْرَى أَوْ «2» نُؤْتِيكَ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ:" تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ" دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ آتَاهُ آيَةً أُخْرَى. (لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى) يُرِيدُ الْعُظْمَى. وَكَانَ حَقُّهُ «3» أَنْ يَقُولَ الْكَبِيرَةَ وَإِنَّمَا قَالَ:" الْكُبْرى 20: 23" لِوِفَاقِ رُءُوسِ الْآيِ. وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، مَعْنَاهُ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْآيَةَ الْكُبْرَى دَلِيلُهُ قَوْلُ ابْنِ عباس يد موسى أكبر آياته.
[سورة طه (20): الآيات 24 الى 35]
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (24) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29) هارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33)
وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (35)
(1). في ب وز وك: يغشى. بالمعجمة.
(2)
. في ك: أي.
(3)
. هذه العبارة يجب اطراحها في كلام الباري فالكبرى معناها العظمى. محققه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى) لَمَّا آنَسَهُ بِالْعَصَا وَالْيَدِ، وَأَرَاهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَسُولٌ، أَمَرَهُ بِالذَّهَابِ إِلَى فِرْعَوْنَ، وأن يدعوه. و" طَغى 20: 24" مَعْنَاهُ عَصَى وَتَكَبَّرَ وَكَفَرَ وَتَجَبَّرَ وَجَاوَزَ الْحَدَّ. (قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي) 20: 30 - 25 طَلَبَ الْإِعَانَةَ لِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. وَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ أَعْلَمَهُ بِأَنَّهُ رَبَطَ عَلَى قَلْبِ فِرْعَوْنَ وَأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، فَقَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ آتِيَهُ وَقَدْ رَبَطْتَ عَلَى قَلْبِهِ، فَأَتَاهُ مَلَكٌ مِنْ خُزَّانِ الرِّيحِ فَقَالَ: يَا مُوسَى انْطَلِقْ إِلَى مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ. فَقَالَ مُوسَى عِنْدَ ذَلِكَ:" رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي 20: 25" أَيْ وَسِّعْهُ وَنَوِّرْهُ بِالْإِيمَانِ وَالنُّبُوَّةِ. (وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) 20: 26 أَيْ سَهِّلْ عَلَيَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ إِلَى فِرْعَوْنَ. (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي) 20: 27 يَعْنِي الْعُجْمَةَ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ مِنْ جَمْرَةِ النَّارِ الَّتِي أَطْفَأَهَا فِي فِيهِ وَهُوَ طِفْلٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ فِي لِسَانِهِ رُتَّةٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ طِفْلٌ فَلَطَمَهُ لَطْمَةً، وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَنَتَفَهَا فَقَالَ فِرْعَوْنُ لِآسِيَةَ: هَذَا عَدُوِّي فَهَاتِ الذَّبَّاحِينَ. فَقَالَتْ آسِيَةُ: عَلَى رِسْلِكَ فَإِنَّهُ صَبِيٌّ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ. ثُمَّ أَتَتْ بِطَسْتَيْنِ فَجَعَلَتْ فِي أَحَدِهِمَا جَمْرًا وَفِي الْآخَرِ جَوْهَرًا فَأَخَذَ جِبْرِيلُ بِيَدِ مُوسَى فَوَضَعَهَا عَلَى النَّارِ حَتَّى رَفَعَ جَمْرَةً وَوَضَعَهَا فِي فِيهِ عَلَى لِسَانِهِ، فَكَانَتْ تِلْكَ الرُّتَّةُ. وَرُوِيَ أَنَّ يَدَهُ احْتَرَقَتْ وَأَنَّ فِرْعَوْنَ اجْتَهَدَ فِي عِلَاجِهَا فَلَمْ تَبْرَأْ. وَلَمَّا دَعَاهُ قَالَ أَيَّ رَبٍّ تَدْعُونِي؟ قَالَ: إِلَى الَّذِي أَبْرَأَ يَدِي وَقَدْ عَجَزْتَ عَنْهَا. وَعَنْ بَعْضِهِمْ: إِنَّمَا لَمْ تَبْرَأْ يَدُهُ لِئَلَّا يُدْخِلَهَا مَعَ فِرْعَوْنَ فِي قَصْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَتَنْعَقِدَ بَيْنَهُمَا حُرْمَةُ الْمُؤَاكَلَةِ. ثُمَّ اخْتُلِفَ هَلْ زَالَتْ تِلْكَ الرُّتَّةُ، فَقِيلَ: زَالَتْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ" قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسى 20: 36" [طه: 36] وَقِيلَ: لَمْ تَزُلْ كُلُّهَا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ حِكَايَةً عن فرعون:" وَلا يَكادُ يُبِينُ" «1» [الزخرف: 52]. وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقُلِ: احْلُلْ كُلَّ لِسَانِي، فَدَلَّ على أنه بقي في لسانه شي مِنَ الِاسْتِمْسَاكِ. وَقِيلَ: زَالَتْ بِالْكُلِّيَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ" أُوتِيتَ سُؤْلَكَ 20: 36" [طه: 36] وإنما قال فرعون:" وَلا يَكادُ يُبِينُ" [الزخرف: 52] لِأَنَّهُ عَرَفَ مِنْهُ تِلْكَ الْعُقْدَةَ فِي التَّرْبِيَةِ، وما ثبت عنده أن الآفة زالت.
(1). راجع ج 16 ص 99.
قُلْتُ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ:" وَلا يَكادُ يُبِينُ" حِينَ كَلَّمَهُ مُوسَى بِلِسَانٍ ذَلِقٍ فَصِيحٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّ تِلْكَ الْعُقْدَةَ حَدَثَتْ بِلِسَانِهِ عِنْدَ مُنَاجَاةِ رَبِّهِ، حَتَّى لَا يُكَلِّمَ غَيْرَهُ إلا بإذنه. (يَفْقَهُوا قَوْلِي) 20: 28 أي يعملوا مَا أَقُولُهُ لَهُمْ وَيَفْهَمُوهُ «1» . وَالْفِقْهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْفَهْمُ. قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِعِيسَى بْنِ عُمَرَ: شَهِدْتُ عَلَيْكَ بِالْفِقْهِ. تَقُولُ مِنْهُ: فَقِهَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ. وَفُلَانٌ لَا يَفْقَهُ وَلَا يَنْقَهُ «2» . وَأَفْقَهْتُكَ الشَّيْءَ. ثُمَّ خُصَّ بِهِ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ، وَالْعَالِمُ بِهِ فَقِيهٌ. وَقَدْ فَقُهَ بِالضَّمِّ فَقَاهَةً وَفَقَّهَهُ اللَّهُ وَتَفَقَّهَ إِذَا تَعَاطَى ذَلِكَ. وَفَاقَهْتُهُ إِذَا بَاحَثْتُهُ فِي الْعِلْمِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَالْوَزِيرُ الْمُؤَازِرُ كالاكيل المؤاكل، لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَنِ السُّلْطَانِ وِزْرَهُ أَيْ ثِقَلَهُ. فِي كِتَابِ النَّسَائِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ عَمَّتِي «3» تَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ). وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: (مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَسَأَلَ مُوسَى اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُ وَزِيرًا، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى الْوَزَارَةِ حَتَّى لَا يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ فِي النُّبُوَّةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَسْتَوْزِرَهُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ. وَعَيَّنَ فَقَالَ" هارُونَ" وَانْتَصَبَ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ:" وَزِيراً". أو يكون مَنْصُوبًا ب"- اجْعَلْ" عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ: واجعل لي هرون أخي وزيرا. وكان هرون أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى بِسَنَةٍ، وَقِيلَ: بِثَلَاثٍ. (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) أَيْ ظَهْرِي. وَالْأَزْرُ الظَّهْرُ مِنْ مَوْضِعِ الْحَقْوَيْنِ، وَمَعْنَاهُ تَقْوَى بِهِ نَفْسِي، وَالْأَزْرُ الْقُوَّةُ وَآزَرَهُ قَوَّاهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ"«4» [الفتح: 29] وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: «5»
أَلَيْسَ أَبُونَا هَاشِمٌ شَدَّ أَزْرَهُ
…
وَأَوْصَى بَنِيهِ بِالطِّعَانِ وَبِالضَّرْبِ
وَقِيلَ: الْأَزْرُ الْعَوْنُ، أَيْ يَكُونُ عَوْنًا يَسْتَقِيمُ بِهِ أَمْرِي. قَالَ الشَّاعِرُ:
شَدَدْتُ بِهِ أَزْرِي وَأَيْقَنْتُ أَنَّهُ
…
أخو الفقر من ضاقت عليه مذاهبه
(1). في ج وز وك: يفقهوه.
(2)
. معناه لا يعلم ولا يفهم. ونقهت الحديث أنقهه إذا فهمته. [ ..... ]
(3)
. في ج وى: عمى.
(4)
. راجع ج 16 ص 295.
(5)
. هذا البيت من قصيدة له قالها في أمر الشعب والصحيفة.