الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأجيبوا عن ذلك بقوله: لكل أجل كتاب: أي لكل حادث وقتا معينا لا يتقدم عنه ولا يتأخر، فتأخر المواعيد لا يدل على ما تدّعون.
الإيضاح
(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي فيما نقصّه عليك صفة الجنة التي وعد الله المتقين وأعطاهم إياها كفاء إخباتهم له وإنابتهم إليه ودعائهم إياه مخلصين له الدين لا شريك له (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) سارحة فى أرجائها وجوانبها يصرّفونها كيف شاءوا وأين أرادوا.
(أُكُلُها دائِمٌ) أي فيها الفواكه والمطاعم والمشارب التي لا تنقطع عنهم ولا تبيد.
(وَظِلُّها) كذلك، فليس هناك حر ولا برد، ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة كما قال تعالى:«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» .
وبعد أن وصف الجنة بهذه الصفات الثلاث- بين أنها مآل المتقين ومنتهى أمرهم فقال:
(تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي هذه الجنة عاقبة من اتّقوا ربهم فأقلعوا عن الكفر والمعاصي واجتراح السيئات، وعنت وجوههم للحى القيوم، وخافوا يوما تشيب من هوله الولدان، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
ثم بين عاقبة الكافرين بعد ما بين عاقبة المتقين فقال:
(وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ) أي وعاقبة الكافرين بالله النار، بما اقترفوا من الذنوب ودنسوا به أنفسهم من الآثام.
وفى الآية فتح باب الطمع على مصراعيه للمتقين، وإقفاله بالرّتاج على الكافرين.
ثم بين أن أهل الكتاب انقسموا فئتين: فئة فرحت بنزول القرآن، وفرقة أنكرته وكفرت ببعضه فقال:
(وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) من القرآن لما فى كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به كما قال تعالى: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ» وهم جماعة ممن آمن من اليهود كعبد الله ابن سلام وأصحابه، ومن النصارى وهم ثمانون رجلا من الحبشة واليمن ونجران.
(وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) أي ومن جماعتهم الذين تحزّبوا وتألبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة ككعب بن الأشرف والسيد والعاقب أسقفّى نجران وأشياعهم- من أنكر بعض القرآن وهو مالم يوافق ما حرفوه من كتابهم وشرائعهم.
ولما ذكر سبحانه اختلاف أهل الكتاب فى شأنه صلى الله عليه وسلم بين بإيجاز ما يحتاج إليه المرء ليفوز بالسعادتين فقال:
(قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ) أي قل لهم صادعا بالحق ولا تكترث بمن ينكره إنى أمرت فيما أنزل إلىّ بأن أعبد الله وحده ولا أشرك به شيئا سواه، وذلك ما لا سبيل إلى إنكاره وأطبقت عليه الشرائع والكتب كما قال:«يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً» وذلك ما دلت الدلائل التي فى الآفاق والأنفس على وجوب الإذعان له والاعتراف به.
وفى كل شىء له آية
…
تدل على أنه واحد
(إِلَيْهِ أَدْعُوا) أي إلى طاعته وإخلاص العبادة له وحده أدعو الناس.
(وَإِلَيْهِ مَآبِ) أي وإليه وحده مرجعى ومصيرى ومصيركم للجزاء، ولا خلاف بيننا فى هذا، فالعجب لكم أن تنكروا المتفق عليه، وتختلفوا فيما لا محل للخلاف فيه.
وهذه الآية جامعة لشئون النشأة الأولى والآخرة، فقوله:«قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ» توحى إلى ما جاء به التكليف، وقوله «إِلَيْهِ أَدْعُوا» تشير إلى مهامّ الرسالة، وقوله:(وَإِلَيْهِ مَآبِ) تشير إلى البعث والجزاء للحساب يوم القيامة.
ثم بين سبحانه أنه أرسل رسوله بلغة قومه كما أرسل من قبله رسلا بلغات أقوامهم فقال:
(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا) أي وكما أرسلنا قبلك المرسلين وأنزلنا عليهم الكتب، أنزلنا عليك القرآن حكما عربيا بلسانك ولسان قومك ليسهل عليهم تفهم معناه واستظهاره. وسمى القرآن حكما: أي فصلا للأمر على وجه الحق- لأن فيه بيان الحلال والحرام وجميع ما يحتاج إليه المكلفون ليصلوا إلى السعادة فى الدنيا والآخرة.
وقد جاء بمعنى الآية قوله: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» .
ثم إن أهل مكة دعوه إلى أمور يشاركهم فيها فقال:
(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي ولئن اتبعت أهواء هؤلاء الأحزاب ابتغاء رضاهم، كالتوجه إلى قبلتهم وعدم مخالفتهم فى شىء مما يعتقدونه.
(ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ) أي ليس لك من دون الله ولىّ ولا ناصر ينصرك، فينقذك منه إن هو أراد عقابك، ولا واق يقيك عذابه إن شاء عذابك، فاحذر أن تتبع أهواءهم وتنهج نهجهم.
وقد تقدم أن مثل هذا من وادي قولهم: (إياك أعنى واسمعي يا جاره) فهو إنما جاء لقطع أطماع الكافرين وتهييج المؤمنين على الثبات فى الدين لا للنبى صلى الله عليه وسلم فهو بمكان لا يحتاج فيه إلى باعث ولا مهيّج.
ونزل: لما عابت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة النساء، فقالوا لو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً) أي وكما أرسلناك رسولا بشريا، كذلك بعثنا المرسلين قبلك بشرا يأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق ويأتون الزوجات ويولد لهم.
وفى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى» :
وقد كان من حكمة تعدد زوجاته أمهات المؤمنين أن اطلعن منه على الأحوال الخفيّة التي تكون بين الرجل والمرأة وعلمهن منه أحكامها ونشرنها بين المؤمنين، وناهيك بأم المؤمنين عائشة وفيها
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء»
ومن ثم كانت أكثر من حدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبى هريرة، وأكثر من حدث عن شمائله وأحلاقه فى السر والعلن، ومنها علم المسلمون كثيرا من أحكام دينهم، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يختلفون إليها للحديث والفتيا وكانت تحاجهم وتجادلهم، وتلزمهم الحجة ولا يجدون معدلا عن التسليم برأيها.
وروى أن المشركين طعنوا فى نبوته لعدم إتيانه بما يقترحونه من الآيات فنزل قوله:
(وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)
أي وما كان فى وسع رسول من الرسل أن يأتى من أرسل إليهم بمعجزة يقترحونها إلا متى شاء الله وعلم أن فى الإتيان بها حكما ومصالح لعباده، وقد جاء من الآيات بما فيه عبرة لمن اعتبر، وغناء لمن تفكر وتدبر، ولكنهم أبوا إلا التمادي فى الغواية والضلال كما تقدم من مقال عبد الله بن أبى أمية.
والآيات المقترحة لا تأتى إلا على مقتضى الحكمة فى أزمان يعلمها الله، وقد جعل لكل زمن من الأحكام ما فيه الصلاح والخير للناس، ولا صلاح فيما اقترحوه، وهل من الصلاح أن يرضع المراهق اللبن من ظئره، وأن يجعل له مهد ينام فيه؟
كذلك لا حكمة فى إنزال الآيات التي اقترحوها، وهذا إيضاح قوله:
(لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ) أي لكل كتاب أجل أي لكل أمر كتبه الله أجل معين ووقت معلوم، فلا آية من المقترحات بنازلة قبل أوانها، ولا عذاب مما خوّفوا به بحاصل فى غير وقته، ولا نبوة بحاصلة فى غير الزمان المقدر لها، فموسى وعيسى
ومحمد عليهم السلام جاءوا فى أزمنة رأى الله الصلاح فى وجودهم فيها لا يتقدمون عنها ولا يتأخرون، وهكذا انقضاء أعمار الناس ووقوع أعمالهم وآجالهم، كلها كتبت فى آجال ومدد معينة لا تقديم فيها ولا تأخير.
ونحو الآية قوله (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ) .
فما مثل الدنيا من كواكبها وشمسها وأرضها وزرعها إلا مثل مصنع رتّبت أعماله، ووضعت عماله. فى حجر معينة، ووزع بينهم العمل على نظم خاصة، فى أوقات معينة، ولهم مناهج يتبعونها، فتراهم كل يوم يعملون وينصرفون من أماكنهم ثم يعودون إليها على نهج لا يتغير ولا يتبدل، فالدنيا قد جعل الله لها نظاما على مقتضى الحقائق الثابتة التي تعلّق بها علمه، وعلى هذا النظام جرت الشمس والقمر والكواكب وظهر النبات والحيوان وتعاقب الموت والحياة، وظهرت نجوم وفنيت أخرى، ونبت زرع وحصد آخر ومات نبى وقام آخر، وامتد دين وانتشر، وتقلّص دين ونسخ.
وكل كوكب من الكواكب التي تصلح للحياة كأرضنا كأنه صحيفة يكتب فيها ويمحى، وذلك تابع لما فى المنهج الأصلى، ومن ثم تتعاقب الأمم والأجيال والدول والنظم على قطر كمصر، فيتعاقب عليه قدماء المصريين واليونان والرومان، ولا شك أن كل هذا محو وإثبات على مقتضى المنهج المرسوم، وهكذا تنسخ آية من القرآن ويؤتى بغيرها، كما ينسخ زرع بزرع، وليل بنهار، وقوم بقوم، ودين نبى بآخر فى ميقاته المعين فى علمه تعالى، وهذا ما عناه سبحانه بقوله:
(يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ) وقد أثر عن أئمة السلف فيها أقوال لا تناقض فيها بل هى داخلة فيما سلف:
(1)
قال الحسن: يمحو الله من جاء أجله ويثبت من بقي أجله.
(2)
وقال عكرمة: يمحو الله القمر ويثبت الشمس.
(3)
وقال الربيع: يقبض الله الأرواح حين النوم، فيميت من يشاء ويمحوه ويرجع من يشاء فيثبته (4) وقال السدى: يمحو الله القمر ويثبت الشمس.