الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير المفردات
الخلق: التقدير، يقال خلق الخياط الثوب: أي قدّره قبل قطعه، وخلق الله الخلق: أوجدهم على تقدير أوجبته الحكمة، والهبوط: الانحدار والسقوط من مكان إلى ما دونه أو من منزلة إلى ما دونها، فهو إما حسى وإما معنوى، والتكبر: جعل الإنسان نفسه أكبر مما هى عليه، والصغار: الذلة والهوان، وأنظره: أخره، والإغواء:
الإيقاع فى الغواية: وهى ضد الرشاد، وذأم الشيء: عابه، ودحر الجند العدو، طرده وأبعده.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه عباده فى الآية السابقة بنعمه عليهم بالتمكين فى الأرض وخلق أنواع المعايش فيها- قفّى على ذلك ببيان أنه خلق النوع الإنسانى مستعدا للكمال وأنه قد تعرض له وسوسة من الشيطان تحول بينه وبين هذا الكمال الذي يبتغيه.
الإيضاح
(وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) الخطاب لبنى آدم أي ولقد خلقنا مادة هذا النوع من الصلصال والحمأ المسنون أي من الماء والطين اللازب، فمنه خلق الإنسان الأول، ثم جعلنا من تلك المادة صورة بشر سوىّ قابل للحياة.
وقد يكون المعنى- إنا قدرنا إيجادكم تقديرا ثم صورنا مادتكم تصويرا، وذلك شامل لخلق آدم وخلق مجموع الناس، إذ أن كل فرد يقدر الله خلقه ثم يصور المادة التي يخلقه منها فى بطن أمه.
(ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) أي وبعد أن سويناه ونفخنا فيه من روحنا
وصار مستعدا لأن يكون خليفة فى الأرض، وعلمناه الأسماء كلها، قلنا لجماعة الملائكة اسجدوا لآدم.
(فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) أي فسجد الملائكة جميعا إلا إبليس فإنه أبي واستكبر، وهو من الجن لا منهم.
وهذا السجود سجود تكريم وتعظيم من الله لآدم لا سجود عبادة، فقد قامت الدلائل القاطعة على أنه لا معبود إلا الله وحده.
(قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) لا هنا مزيدة للتأكيد بدليل قوله فى آية أخرى: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ» أي قال له تعالى: ما منعك من امتثال أمرى، فرفضت أن تسجد لآدم مع الساجدين.
وقد تكون (لا) غير زائدة والمنع بمعنى الحمل والاضطرار، وعليه فالمعنى- ما حملك ودعاك إلى ألا تسجد.
وخلاصة ذلك- أي شىء عرض لك فحملك على ألا تكون مع الملائكة فى امتثال أمرى بالسجود؟.
ثم ذكر سببا يبرر به امتناعه عن السجود.
(قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) أي إن الذي حملنى على ذلك أنى خير منه إذ أنك خلقتنى من النار وخلقته من الطين، والنار خير من الطين وأشرف، والشريف لا يعظّم من دونه ولو أمره بذلك ربه.
ولا شك أن فى هذا ضروبا من الجهالة وأنواعا من الفسوق والعصيان تتجلى لك فيما يلى:
(ا) اعتراضه على مولاه وخالقه بما تضمنه جوابه.
(ب) احتجاجه عليه بما يؤيد به اعتراضه، والمؤمن المذعن لأمرر به يعلم أن لله الحجة البالغة، والحكمة الكاملة، فيما يفعل ويأمر وينهى.
(ح) إنه جعل امتثال الأمر موقوفا على استحسانه له وموافقته لهواه، وهذا رفض لطاعة الخالق وترفّع عن مرتبة العبودية، والمرءوس فى الدنيا إذا لم يطع أمر الرئيس إلا فيما يوافق هواه، صار الأمر فوضى والعاقبة وخيمة، فلا يصلح عمل ولا يتم الفوز والنجاح.
وقد روى أبو نعيم فى الحلية عن جعفر الصادق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له اسجد لآدم قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين» قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله يوم القيامة بإبليس.
(د) استدلاله على خيريته بالمادة التي منها التكوين، وخيرية الموادّ بعضها على بعض أمور اعتبارية تختلف فيها الآراء ولا تثبت بالبرهان، إلى أن كثيرا من الموادّ النفسية خسيسة الأصل، ألا ترى أن أصل المسك الدم، والماس من (الكربون) الذي هو أصل الفحم، إلى أن الملائكة خلقوا من النور وهو قد خلق من النار، والنور خير من النار، وهم قد سجدوا امتثالا لأمر ربهم.
(هـ) إن جميع الأحياء النباتية والحيوانية التي فى هذه الأرض إما من الطين مباشرة أو بالواسطة وهى خير ما فيها، وليس للنار شىء من هذه المزايا ولا ما يقرب منها.
(ز) إنه قد جهل ما خص به آدم من استعداده العلمي والعملي أكثر من سواه، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، فكان بذلك أفضل منهم، وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة وبالطاعة لربهم.
وكل ما قدمنا مبنى على أن الأمر بالسجود أمر تكليف، وأنه قد وقع حوار بين الله وإبليس.
ويرى كثير من العلماء أن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان، إذ جعل الملائكة وهم المدبرون لأمور الأرض بإذن ربهم- مسخرين لآدم وذريته، وجعل هذا النوع مستعدا للانتفاع بالأرض كلها بعلمه بسنن الله فيها وعمله بهذه السنن، فالانتفاع بمائها وهوائها ومعادنها ونباتها وحيوانها وكهربائها ونورها، وبذلك ظهرت
حكمة الله تعالى وآياته فيها كما اصطفى بعض أفراده وخصهم بوحيه ورسالته وجعلهم مبشرين بدينه وهديه، وجعل الشيطان عاصيا متمردا على الإنسان وعدوا له وجعل النفوس البشرية وسطا بين النفوس الملكية المفطورة على طاعة الله تعالى وإقامة سننه فى صلاح الخلق، وبين روح الجن الذين يغلب على شرارهم (وهم الشياطين) التمرد والعصيان.
كما أنه تعالى آتى الإنسان إرادة واختيارا إن شاء صعد إلى أفق الملائكة، وإن أراد هبط إلى أفق الشياطين.
(قالَ فَاهْبِطْ مِنْها) أي اهبط من الجنة التي خلقك الله فيها وكانت على مرتفع من الأرض حين كانت قريبة العهد بالظهور فى وسط الماء، فخير ما يصلح منها لسكنى الإنسان مرتفعاتها.
وقيل هى جنة الجزاء التي أسكنه الله فيها بعد خلقه فى الأرض، ويرشد إلى هذا ما جاء فى سورتى البقرة وطه من أمره بالهبوط وأمر آدم وزوجه بذلك بعد قوله:
«اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ» .
(فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها) أي فما ينبغى لك أن تتكبر فى هذا المكان المعدّ للكرامة والتعظيم.
(فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) أي فاخرج من هذا المكان، فإنك من ذوى الذلة والهوان، وقد أظهر حقيقتك الامتحان، ودل على أنك من الأشرار لا الأخيار.
وفى هذا إيماء إلى أنه تعالى جازاه بضد ما أراد، فقد أراد أن يرفع نفسه عن منزلتها فجوزى بالهبوط منها إلى ما دونها،
وجاء فى بعض الآثار: «إن الله تعالى يحشر المتكبرين يوم القيامة فى أحقر الصور، إذ يطؤهم الناس بأرجلهم، كما أنه يبغّضهم إلى الناس فى الدنيا، فيحتقرونهم ولو فى أنفسهم» .
(قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي قال رب أمهلنى إلى يوم يبعث آدم وذريته فأكون أنا وذريتى أحياء ما داموا أحياء، وأشهد انقراضهم وبعثهم.
وقد أراد بذلك أن يجد فسحة فى الإغواء فيأخذ بالثأر، ثم هو مع ذلك ينجو من الموت إذ لا موت بعد البعث.
(قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) أي قال سبحانه: إنى أجبتك إلى ما طلبت، لما فى ذلك من الحكمة التي أنا بها عليم.
وظاهر الآية يدل على أنه تعالى جعله من المنظرين إلى يوم يبعثون، لكن جاء فى سورة الحجر:«قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ» فهذا يدل على أن النظرة إلى وقت النفخة الأولى بالصور، وهى النفخة التي يموت فيها أهل الأرض جميعا دفعة واحدة، لا إلى وقت النفخة الثانية وهى التي بها يبعثون، وورد أن بينهما أربعين سنة.
والنفخة الأولى تسمى نفخة الفزع لقوله تعالى فى سورة النمل: «وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» ونفخة الصعق لقوله فى سورة الزمر: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ» .
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن هذه الآية:
من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم شهداء الله عز وجل،
أي هم حججه على خلقه بحسن سيرتهم واستقامتهم فى الدنيا وهم يشهدون فى الآخرة بضلال كل من خالف هديهم وسنتهم، ويدخل فى هؤلاء النبيون والصديقون، فكل نبى شهيد على قومه كما قال تعالى:«فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» وكذلك كل صدّيق شهيد.
والخلاصة- إن إبليس يموت عقب النفخة الأولى التي يتلوها حراب هذه الأرض كما قال فى سورة الحاقة: «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ. وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً» .
ولا يبقى إلى يوم البعث، إلا إذا قلنا إن يوم البعث ويوم القيامة يطلقان تارة على ما يشمل زمن مقدماتهما، وتارة أخرى على زمن الغاية وحدها.
(قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) صراط الله المستقيم: هو الطريق الذي يصل سالكه إلى السعادة التي أعدها سبحانه لمن زكّى نفسه بهدى الدين الحق الذي يكمّل الفطرة كما
جاء فى الخبر: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه» .
أي قال إبليس: فبإغوائك إياى من أجل آدم وذريته، أقسم لأقعدنّ لهم على صراطك المستقيم، فأصدنهم عنه وأقطعنّه عليهم بأن أزيّن لهم طرقا أخرى أشرعها لهم من جوانب هذا الطريق حتى يضلّوا عنه، وهذا ما عناه سبحانه بقوله:
(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) أي ثم لا أدع جهة من الجهات الأربع إلا هاجمتهم منها مترصّدا لهم كما يقعد قطّاع الطريق للسابلة.
وخلاصة ذلك- لأسوّلنّ لهم ولأصلنهم قدر المستطاع، وقد ضرب لذلك المثل بحال العدو يأتى عدوه من أي جهة أمكنته ويفترص الفرصة إذا سنحت له.
(وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) أي ولا تجد أكثرهم مطيعين لك، شاكرين لنعمك عليهم، فى عقولهم ومشاعرهم ومعايشهم وفى كل ما يهديهم إلى تكميل فطرتهم من تعاليم رسلك لهم، بل الأقلون منهم هم الذين يتبعون ذلك، وقد قال إبليس ذلك عن ظن فأصاب لقوله تعالى:«وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» .
وروى عن ابن عباس فى تفسير الجهات الأربع: من بين أيديهم أي أشككهم فى آخرتهم، ومن خلفهم أي أرغبهم فى دنياهم، وعن أيمانهم أي أشبه عليهم أمر دينهم، وعن شمائلهم أي أستنّ لهم المعاصي، ولا تجد أكثرهم شاكرين أي موحدين وفى رواية أخرى عنه من بين أيديهم- أي من قبل الدنيا، ومن خلفهم أي من قبل الآخرة، وعن أيمانهم أي من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم أي من قبل سيئاتهم.
والرواية الثانية تخالف الأولى فى تفسير ما بين الأيدى: هل المراد منه ما هو حاضر أو ما هو مستقبل، وفى تفسير الخلف: هل المراد منه ما يتركه المرء ويتخلف عنه وهو الدنيا، أو هو ما وراء حياته الحاضرة وهو الآخرة، واللفظ محتمل لكلا التأويلين.
روى أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات: «اللهم احفظني من بين يدىّ ومن خلفى وعن يمينى وعن شمالى ومن فوقى، وأعوذ بك أن أغتال من تحتى» .
(قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً) أي قال اخرج من الجنة وأنت مذموم مهان من الله وملائكته ومطرود من جنته.
(لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) أي أقسم إن من يتبعك من بنى آدم فيما تزيّنه له من الشرك والفجور، ويصدق ظنك عليه ليكونن معك فى جهنم دار العذاب، ولأملأنها منك وممن تبعك منهم أجمعين.
وفى قوله منهم إشارة إلى أن الملء يكون من بعضهم، فإن بعض من يتبعه فى بعض المعاصي من المؤمنين الموحدين يغفر الله لهم ويعفو عنهم.
ونحو الآية قوله فى سورة ص: «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ» .
وقد استثنى فى سورتى الحجر وص من إغوائه عباده المخلصين، فقال فى الأولى:
«إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ» وقال فى الثانية: «قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» .
وقد علمت أن المراد من هذا بيان طبيعة البشر وطبيعة الشيطان واستعدادهما واختيارهما فى أعمالهما كما هو رأى بعض العلماء، وأيد ذلك الحافظ ابن كثير.