المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب اللباس مقدِّمة لَبِسَ الثوبَ -من باب تعب- لُبْسًا، بضم اللام، وأما - توضيح الأحكام من بلوغ المرام - جـ ٣

[عبد الله البسام]

الفصل: ‌ ‌باب اللباس مقدِّمة لَبِسَ الثوبَ -من باب تعب- لُبْسًا، بضم اللام، وأما

‌باب اللباس

مقدِّمة

لَبِسَ الثوبَ -من باب تعب- لُبْسًا، بضم اللام، وأما اللَّبس، بكسر اللام، واللِّباس، فهو ما يلبس، وجمع اللباس: لُبس؛ مثل: كتاب وكُتب، وذكر اللباس بعد الصلاة؛ لأن ستر العورة أحد شروط الصلاة، ولذا قال تعالى:{يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا} [الأعراف: 31].

قال ابن كثير رحمه الله: ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة، ولاسيما يوم الجمعة، ويوم العيد، والطيب؛ لأنَّه من الزينة، والسواك؛ لأنَّه من تمام ذلك، ومن أفضل الثياب البياض.

والأصل في اللباس الحل كغيره من أنواع المباحات؛ كالمآكل والمشارب، والمراكب والمساكن وغيرها.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، وقال تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]، وروى البيهقي (3/ 271) عن عمران بن حصين؛ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ الله يحب إذا أنعم على عبده، أن يرى أثر نعمته عليه".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الأصل في المعاملات والعادات الإباحة؛ فلا يحرم منها، إلَاّ ما حرمه الله ورسوله.

وبهذا، فالشريعة الإسلامية السمحة تعطي المجال الواسع في الاستمتاع بما أباح الله تعالى من زينة الحياة الدنبا، بلا حرج ولا ضيق، أما المحرمات

ص: 106

فهي أشياء محدودة معدودة ترجع إلى ضوابط تحصرها وتحدها، وذلك مثل:

أولاً: الذهب والفضة والحرير للرجال، ورد في تحريمها النصوص، وظهرت الحكمة من منعهم منها.

ثانيًا: التشبه: إما بالكفار فيما اختصوا به، وصار سيما لهم، فالتشبه بهم محرمٌ، فمن تشبه بقوم فهو منهم، وإما تشبه الرجال بالنساء أو العكس، فإنَّ لكل جنس من الذكور والإناث لباسًا خاصًّا، وهيئةٌ خاصَّةٌ، يحرم على الجنس الآخر التشبه بها، وقد وردت النصوص في هذا، وظهرت آثار حكمة الله تعالى في ذلك.

ثالثًا: الإسراف والتبذير وإضاعة المال في ذلك، فهو محرم؛ فإنَّ الله تعالي ذمَّ أولئك؛ فقال:{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 27].

فهذه الضوابط وأمثالها هي التي تُخْرج العادات عن أصلها من الحل إلى الحرمة، ونصوص ما أشرنا إليه موجودة مشهورة، وما علينا إلَاّ الامتثال، والوقوف عند حدود ما أباح الله تعالى.

***

ص: 107

424 -

عَنْ أَبِي عَامِرٍ الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِر والحَرِيرَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيحٌ؛ أخرجه البخاري تعليقًا، قال ابن الصلاح في "علوم الحديث": التعليق في أحاديث البخاري قطع إسنادها، فصورته صور الانقطاع، وليس حكمه حكمه، فما وجد من ذلك فهو من قبيل الصحيح، لا من قبيل الضعيف، فما أخرجه من حديث أبي عامر الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير" -صحيحٌ، معروفُ الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك لغير الأسباب التي يصحبها خلل الانقطاع.

لذَا فقد صحح هذا الحديث البخاري؛ حيث أورده في صحيحه مجزومًا به، كما صححه ابن القيم، وابن الصلاح، والعراقي، وابن حجر، وابن عبد الهادي، والشوكاني.

* مفردات الحديث:

- ليكونن: مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد.

- أقوام: جمع "قوم"؛ وهم الجماعة من الرجال؛ قال تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} [الحجرات: 11]

وقال زهير:

(1) أبو داود (4039)، البخاري (5590).

ص: 108

وما أدري ولست إخال أدري

أَقَوْمٌ آل حصن أم نساءُ؟

قال في "المصباح": القوم جماعة الرجال، ليس فيهم امرأة، والجمع:"أقوام"؛ سُمّوا بذلك لقيامهم بالعظائم والمهمات.

- يستحلون: مستحلين لباس الحرير والخز.

- الحِر: -على الرواية الأخرى وهي الصحيحة- هو قُبُل المرأة.

قال في "المصباح": بالكسر وتشديد الراء.

قال ابن الأثير في "النهاية" نقلاً عن أبي موسى إنَّه بالتخفيف، قال: ومنهم من يشدد الراء وليس بجيد، والأصل "حرح"، فحذفت الحاء التي هي لام الكلمة، ثم عوض عنها راء، وأدغمت في عين الكلمة، وإنما قيل ذلك؛ لأنَّه يصغر على:"حريح"، ويجمع على:"أحراح"، والتصغير وجمع التكسير يردان الكلمة إلى أصلها، وقد يستعمل استعمالاً يدوم من غير تعويض، وإنما حذفت لامه اعتباطًا، أي: بدون إعلال ولا تعويض.

قال الشيخ أحمد محمد شاكر: وهذه الرواية الصحيحة في جميع نسخ البخاري وغيره، ورواه بعض الناقلين "الخز" -بالخاء والزاي المعجمتين-: نوع من الإبريسم، وهو تصحيف؛ كما قال الحافظ أبوبكر بن العربي. [انظر: فتح الباري (15/ 52)].

- الحرير: أي: الأصلي وهو خيط دقيق تفرزه دودة القز، أما الحرير الصناعي فهو ألياف تتخذ من عجينة الخشب، أو نسالة القطن.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

يخبر صلى الله عليه وسلم أنَّه سيكون من أمته من يأتون فاحشة الزنا مستحليها.

2 -

يخبر صلى الله عليه وسلم أنَّه سيكون من أمته من يلبس الحرير من الرجال مستحلين لبسه، ويبيح الزنا، وقد وقع ما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم فها هي أنظمة الدول التي تَدَّعِي الإسلام، تبيح الزنا، وتجعل له أسواقًا ومحالات خاصة، وتأخذ عليه

ص: 109

المومسات الضرائب، وتقرر لهن الأطباء، وتشملهن بعنايتها الصحية والاجتماعية، وها هم الرجال ممن يدَّعون الإسلام يلبسون الذهب، ويأكلون ويشربون في أواني الفضة في الفنادق الراقية، والحفلات الكبيرة، ويلبسون الحرير مستحلين كل ذلك.

3 -

أنَّ استحلال شيء من هذه الأمور التي علم تحريمها من الدين بالضرورة -هو تكذيب للنصوص الواردة في كتاب الله تعالى، والثابتة عن رسوله صلى الله عليه وسلم ومن كذَّب تلك النصوص- فهو كافر خارج عن الملة الإسلامية.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "من أمتي" يحتمل أحد أمرين:

(أ) إما أنه سمي من الأمة؛ باعتبار ما يسبق قبل استحلاله لهذه الأشياء، وهذا جائز لغةً؛ باعتبار ما كان؛ كقوله تعالى:{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2].

(ب) وإما أنَّه من أمة الدعوة فقط، وليس من أمة الإجابة.

4 -

الحديث فيه بيان معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّه صلى الله عليه وسلم قال: "سيكون من أمتي،، ولم يوجد إلَاّ في الأزمنة الأخيرة التي طغت فيها أخلاق الفرنج على أخلاق الأمة الإسلامية، فوجدت هذه الأمور في البلاد التي يدعي قادتها الإسلام، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون.

* فائدة:

حكم اللباس يكون على أربعة أنواع:

أحدها: التحريم العام؛ وذلك اللباس المصور والمغصوب ونحوه، فهذا تحريمه عام على الذكور والإناث.

الثاني: التحريم الخاص؛ وذلك الحرير على الرجال.

الثالث: التحريم الطارىء وهو المخيط على الرجل المُحْرِم.

الرابع: الحل؛ وهو الأصل في اللباس وغيره من العادات، وهذا هو الكثير،

ص: 110

ولهذا صار المحرَّم معدودًا، والمباح لا حدَّ له، ولا عد.

5 -

الخزّ: دودة تفرز خيوطًا تنسجها على بدنها، فإذا غطت نفسها بهذا النسيج ماتت، ونسجها هو حرير الخز، وهو المحرَّم على الذكور.

وفي زماننا هذا، وجد خز صناعي يشابه الخز الطبيعي من كل وجه، فهذا لا يدخل في التحريم؛ لأنَّ التحريم مرده إلى الله تعالى ورسوله، فما لم يحرماه ليس حرامًا، والأصل الإباحة، إلَاّ أَنَّه ينبغي اجتنابه لمحاذير أخر:

(أ) أنه مشابه للحرير الأصلي؛ فالجاهل باللباس يظنه حريرًا، فيقتدي به، فيفتح باب شر.

(ب) أنَّ من رعى حول الحمى، وقع فيه، فقد يستدرج من التقليد إلى الأصلي.

(ج) أنه يسبب ليونة، وميوعة في الرجال، والمطلوب في الرجل الصلابة، والرجولة.

(د) أنه يسبب غِيبته وتجريحه ممن يظن أنَّ ما عليه حرير طبيعي، فالابتعاد عنه أولى، وأبعد عن الشر.

6 -

ما يسمى ذهبًا، وليس بذهب أحمر؛ مثل: البلاتين، والماس -لا يأخذ حكم الذهب في التحريم.

***

ص: 111

425 -

وَعنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَشْرَبَ فِي آنيَةِ الذَّهَب وَالفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- الديباج: قَالَ في "المصباح": اختلف في الياء، فقيل زائدة، ووزنه: فيعال، ولهذا يجمع بالياء، فيقال:"ديابيج"، وقيل: هي أصل، والأصل:"دبَّاج" بالتضعيف، فأبدل من أحد المضعفين حرف العلة، ولهذا يرد إلى أصله في الجمع فيقال:"دبابيج"، بباء موحدة بعد الدال؛ وهو نوع من الثياب، سداه ولحمته من الحرير.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة.

2 -

النهي يقتضي تحريم ذلك، وتحريمه جاء على الأصل، فهو محرَّم على الرجال والنساء والأطفال، فليس في النساء حاجة إلى إباحة ذلك لهن، كما أبيح لهن لبس حلي الذهب والفضة.

3 -

النهي عن الجلوس على الحرير الديباج، والنهي يقتضي التحريم.

4 -

نهي الرجال عن لبس الحرير والديباج، والنهي يقتضي تحريم ذلك، أما النساء فمباح لهن لبسه؛ لحاجتهن إلى الزينة، فالإسلام فرَّق بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالزينة والتجمل؛ فأباح للمرأة أن تتحلى بما جرت العادة بلبسه من ذلك، وحرمه على الرجال؛ لأنَّه يخالف طبيعة الرجولة،

(1) البخاري (5837).

ص: 112

والخشونة المطلوبة في الرجل؛ ولذا جاء في الحديث: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أخذ حريرًا، فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا، وجعله في شماله، وقال: إنَّ هذين حرامٌ على ذكور أمتي، حلٌّ لنسائهم"[رواه ابن ماجه (3597)].

5 -

يستثنى من ذلك بعض الأشياء للحاجة إليها ومنها: إصلاح الإناء المنكسر بسلسلة من فضة، واتخاذ الأنف من الذهب أو الفضة، وتركيب الأسنان منهما عند الحاجة.

ويباح للرجال خاتم من فضة، وتحلية السلاح، وغيرها من أدوات الحرب، ولبس الحرير في الحرب، أو من أجل حِكَّة وحساسية، فهذه أمور أبيحت؛ لِما ورد فيها من النصوص، ولأنَّها لا تمس المعاني، التي نُهي فيها عن استعمال الذهب والفضة والحرير.

6 -

قال شيخ الإسلام: ما حرم لخبث جنسه أشد مما حرم لما فيه من الترف والخيلاء؛ فإنَّ هذا يباح للحاجة كما أبيح للنساء الحلي والحرير، وأبيح للرجال اليسير من الحرير؛ كالعَلم ونحو ذلك.

***

ص: 113

426 -

وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ إلَاّ مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ، أو ثَلَاثٍ، أو أرْبعٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (1).

427 -

وَعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، والزُّبيْرِ فِي قَمِيْصِ الحَرِيرِ فِي سَفَرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (2).

ــ

* مفردات الحديث:

- القميص: جمعه: "قمصان، وقمص" بضمتين: ما يفصل على هيئة البدن، ويلبس تحت الدثار.

- من حِكة: "من" سببية؛ أي: لأجل حكة حصلت بأبدانهما، فتكون دالة على العلة، والحِكة: -بكسر الحاء وتشديد الكاف- علة في الجلد، توجب الحكاك؛ كالجرب.

(1) البخاري (5829)، مسلم (2069).

(2)

البخاري (2919)، مسلم (2076).

ص: 114

428 -

وَعَنْ عَلِىٍّ رضي الله عنه قَالَ: "كَسَانِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حُلَّةَ سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

كساني: أي: ألبسني، وأعطاني.

حُلَّة: -بضم الحاء المهملة وتشديد اللام-: ثوبان: إزارٌ، ورداءٌ.

سِيراء: -بكسر السين المهملة ثم ياء تحتية مثناة مفتوحة بالمد:- نوع من البرود فيه خطوط صفر.

و"سيراء" منصوبة صفة لـ"الحلة"، أو بالجر، لكونها مضافةٌ إليها "الحلة".

فشققتها: أي: قطعتها، ففرقتها وقسمتها.

نسائي: أي: النسوة اللاتي في بيته؛ مثل زوجته، وأمه، وبنت عمه حمزة، وامرأة أخيه عقيل، واسم كل واحدة منهن: فاطمة، فقد جاء في بعض الروايات:"فشققتها خُمُرًا بين الفواطم".

(1) البخاري (5840)، مسلم (2071).

ص: 115

429 -

وَعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهِم". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد، وقال الترمذي: حسن صحيح. ورجاله ثقات، فمنهم رجال الشيخين، غير أنَّه منقطع؛ لأنَّ سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئًا، كما قال ذلك الدارقطني والحافظ وغيرهما، وله شواهد أسانيدها ضعيفة.

قال الشيخ الألباني: وهذه الطرق متعاضدة بكثرتها، ينجبر بها الضعف.

* ما يؤخذ من الأحاديث:

1 -

الحديث رقم (426): يدل على تحريم لبس الحرير للرجال، جاء هذا القيد من أدلة أُخر، والتحريم وتقييده إجماع العلماء.

2 -

يستثنى من التحريم العَلَم البسيط الذي يقدر بإصبعين إلى أربعة أصابع؛ فهذا مباح إجماعًا.

3 -

قوله: "موضع أصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربع" ليس هذا شكًّا من أحد الرواة، وإنَّما هو للتشريع، والمراد به التخيير، كما جاء في فديه الأذى قوله تعالى:{فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].

4 -

أما الحديث رقم (427): فيدل على تحريم لبس الحرير على الرجال.

(1) أحمد (4/ 394)، النسائي (5148)، الترمذي (1720).

ص: 116

5 -

ويدل على الرخصة في لبسه للحاجة إليه؛ كالعلاج به من مرض الحكة والحساسية.

6 -

قال شيخ الإسلام: ما حرم لأجل خبثه، أشد تحريمًا مما حرم للسرف ونحوه.

7 -

وأما الحديث رقم (428): فإنَّه يدل على تحريم لبس الحرير على الرجال؛ فإنَّ الحُلَّة المذكورة حرير خالص.

8 -

إباحة الحرير للنساء؛ فإنَّ عليًّا رضي الله عنه شقها خُمُرًا للفواطم، وهي زوجته: فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وأمه وهي فاطمة بنت أسد، وابنة عمه فاطمة بنت حمزة، وفاطمة بنت شيبة بن ربيعة امرأة أخيه عقيل بن أبي طالب.

9 -

وأما الحديث رقم (429): فيدل على تحريم الذهب والحرير على الرجال، وإباحته للنساء، فهو محرم على الرجال لبسًا، وافتراشًا، واستعمالاً، ومباح للنساء لبسًا فقط؛ للحاجة إلى الزينة، وما عدا ذلك من الاستعمالات، فيبقى على أصل التحريم، والله أعلم.

10 -

قوله: "رخص" تقدم لنا أن الرخصة: لغة: الانتقال من صعوبة إلى سهولة، وأنَّها شرعًا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح.

فإن قيل: الشريعة الإسلامية كلها يسرٌ وسهولةٌ، فكيف سميت هذه رخصة؟

الجواب: أن نقول: إنَّ هذه رخصة جاءت لسبب؛ لتخرج بعض الناس من حكم الإيجاب، أو التحريم إلى الإباحة.

11 -

تقدم أنَّ حِل الحرير والذهب لعموم النساء، الكبار والصغار، وقلنا: إنَّ العلة هي حاجتهن إلى الزينة.

فيرد علينا؛ أنَّ الطفلة ليست بحاجة إلى الزينة.

والجواب: أنَّ العلة إذا لم يُنصَّ عليها من الشارع، وإنما استنبطت استنباطًا -فإنَّها لا تخصص العموم؛ فإنَّه من الجائز أن يكون هناك علة أخرى غير معلومة لنا.

ص: 117

430 -

وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إنَّ اللهَ -يُحِبُّ إِذَا أنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً، أنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ". رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسنٌ بشواهده منها:

1 -

حديث عبد الله بن عمرو، أخرجه الترمذي (2819) وحسنه، والحاكم (4/ 15).

2 -

حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد (8045) والبيهقي في "الشعب"(5/ 163).

3 -

حديث أبي الأحوص عن أبيه، أخرجه أبو داود (4063) والنسائي (5224)؛ فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا، فيصير حسنًا.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

استحباب إظهار نعمة الله على العبد، إذا أعطاه الله، ووسَّع عليه، وليظهر ذلك في لباسه، وطعامه، وشرابه، ومسكنه، وكل مظهر من المظاهر المباحة في الحياة.

2 -

أنَّ المراد بإظهار نعمة الله تعالى على العبد: أن يكون بغير قصد الخيلاء والفخر، وكسر قلوب الفقراء واحتقارهم.

وهذا هو المراد من الحديث، فهو مقيَّد بنصوص هذه المعاني.

3 -

أمَّا الذي ليس عنده سعة من المال، فلا ينبغي أن يظهر بمظهر الكاذبين في أفعالهم، بل يلبس ويطعم ونحوه بقدر ما أعطاه الله تعالى {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ

(1) البيهقي (3/ 271).

ص: 118

رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 7]

4 -

أنَّ إظهار نعمة الله على العبد أمر محبوب إلى الله تعالى؛ لأنَّه من شُكْرِ الله على نعمه؛ قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)} [الضحى].

5 -

إثبات صفة المحبة لله تعالى، إثباتاً حقيقيًّا، يليق بجلالته وعظمته، فلا تعطيل ولا تمثيل، وإنما إثبات لحقيقة الصفة وتفويض لكيفيتها، وهكذا جميع صفات الله تعالى الفعلية والذاتية، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، الذي سَلِمُوا به من نفي المعطلين، وإثبات المشبهين.

6 -

قوله: "على عبده" عبودية الله تعالى قسمان:

أحدهما: عبودية عامة تشمل جميع خلقه؛ قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)} [مريم].

الثاني: عبودية خاصة بعباده المؤمنين، الموصوفين بقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا

} [الفرقان: 63]، إلى آخر الآيات.

***

ص: 119

431 -

وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ والمُعَصْفَرِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- القسي -بفتح القاف وتشديد المهملة بعدها ياء-: نسب ثياب مضلعة فيها حريرٌ، تنسب إلى قرية في مصر بالقرب من دمياط، كان ينسج فيها الثياب.

قال العيني: والآن خربة.

قال أبو عبيد: أصحاب الحديث يقولون "القِسي" بكسر القاف، وأهل مصر يفتحونها.

- المعصفر: بصيغة اسم المفعول من الرباعي هو المصبوغ بالعصفر، نبت صيفي من الفصيلة المركبة، وهي أنبوبية الزهر، يخرج منه صبغ أحمر، يصبغ به الحرير ونحوه.

(1) مسلم (2078).

ص: 120

432 -

وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو رضي الله عنهما قَالَ: "رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ثوْبَينِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: أُمُّكَ أمَرَتْكَ بهَذَا"؟! رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).

ــ

* المفردات:

- رَأى عليَّ: -بتشديد الياء-: حرف جر مع ياء المتكلم.

- أُمُّك أمرتْكَ: استفهام إنكاري بهمزة محذوفة، تقديره: أأمك أمرتك بهذا؟!. قاله تغليظًا، وإظهارًا لشدة كراهته.

(1) مسلم (2077).

ص: 121

433 -

وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما "أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، مَكْفُوفَةَ الجَيْبِ وَالكُمَّيْنِ وَالفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (1).

وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، وَزَادَ:"كَانَتْ عِنْدَ عَائشِةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَقَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يلْبسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا".

وَزَادَ البُخَارِيُّ في "الأدَبِ المُفْرد": "وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ والجُمُعَةِ"(2).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

هذا الحديث قطعة منه في صحيح مسلم، فعن أسماء بنت أبي بكر: أنَّها أخرجت جبة طيالسية سروانية، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان بالديباج، وقالت:"هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عند عائشة، فلما قبضت قبضتها، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يُسْتَشْفَى بها".

* مفردات الحديث:

- للوفد: -بفتح الواو وسكون الفاء- مفرده: "وافد"، وأما جمع الوفد فهو: وفود وأوفاد، والوفد: جماعة كريمة تذهب إلى أمير أو كريم.

- جُبَّة: -بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة-: ثوب سابغ واسع الكمين مشقوق المقدَّم، يلبس فوق الثياب.

(1) أبو داود (4054).

(2)

مسلم (2080).

ص: 122

- مكفوفة: يكف جوانبها ويعطف عليها، والكف يكون في الذيل والفرجين والكمين.

- الجيْب: بفتح فسكون، جمعه: أجياب وجيوب، وجيب القميص: هو ما يشق، ويفتح علي النحر.

- الفرجين: بفتح فسكون-: تثنية "فرج"، وهو في الأصل: انفتاح في الشيء، ومنه: شق الثوب الذي يكون على الصدر، يبتدىء من عند النحر، وربما ينتهي إلى القدمين، ثم أطلق الفرجان على حافتي الفتحة.

- الديباج: هو الثوب الذي سداه ولحمته حرير، معرب من الفارسية، جمعه:"دبابيج".

* ما يؤخذ من الأحاديث:

1 -

الحديث رقم (431): نهي عن لبس القَسِّي والمعصفر، والنهي يقتضي التحريم، والحكمة في ذلك: أنَّ القسِّي نوع من الحرير، وأما المعصفر: فالثوب المصبوغ بالعصفر المعروف.

2 -

وفيه استحباب التجمل للوفود والحفلات، والاجتماعات العامة، ففيه مظهر حَسن للمسلمين.

3 -

النهي عن ذلك خاص بالرجال دون النساء، لأنَّ الحديث مخصص بأحاديث أخر.

4 -

المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ المعصفر مكروه، وأما جمهور العلماء: فيرون إباحة لبسه؛ لما في البخاري (5851)، ومسلم (1187) من حديث ابن عمر قال:"رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة"، وهي الرواية الثانية عن أحمد، اختارها الموفق، قال في "الفروع": وهو أظهر، وكذا في "الإنصاف".

5 -

أما الحديث رقم (432): فيدل على تحريم لبس الثوب المعصفر على الرجال، وأنَّه خاصٌّ بالنساء، وتقدم الخلاف في ذلك.

ص: 123

ولا تعارض بين حديث ابن عمر في الصحيحين، وبين هذين الحديثين رقم (431، 432)؛ فإنَّ هذين الحديثين بيَّنا حكم الثياب الحُمر المصبوغة بالعصفر.

أما حديث ابن عمر: فهو صبغ لحيته بالصفرة، وهذا مستحب.

6 -

أما الحديث رقم (433): فيدل على إباحة لبس ما فيه عرض أربع أصابع، فما دونه من الحرير.

7 -

ويدل على جواز التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم حتى بعد وفاته، ولكنه لا يلحقه أحد في ذلك؛ فلا يجوز التبرك بآثار أحد، مهما سمت منزلته بالعلم والصلاح.

8 -

قولها: "جبة النبي-صلى الله عليه وسلم مكفوفة الكُمِّين والفرجين بالديباج" -فيه دلالة على جواز تحلية هذه الأماكن بالديباج في الجبة والعباءة، ونحو ذلك من ألبسة الرجال.

قال شيخ الإسلام: باب الذهب والحرير واحد، فالعباءة التي تعمل بالزري والذهب لا بأس به، لأنَّها تابعة، وليست مستقلة.

* فوائد:

الأولى: أجمع العلماء على تحريم التشبه بالكفار؛ فإنَّ مخالفتهم أمر مقصود للشارع، وليس من التشبه اتخاذ اللباس الذي يلبسونه ويلبسه المسلمون، وليس خاصًّا بهم؛ فإنَّ هذا لا يعتبر شعارًا خاصًا بهم، ولا يعتبر لابسه مقلدًا، أو متبعًا لهيئاتهم وأزيائهم.

الثانية: اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في التصوير والصور، ولو عرضنا أدلتهم، لطال البحث، ولكن نلخص منها ما تيسر في الفقرات الآتية:

- أجمع العلماء على تحريم الصور المجسمة لذوات الأرواح؛ للنصوص الصحيحة الصريحة في ذلك.

- اختلفوا في الصور الشمسية: فذهب بعضهم إلى دخولها في التحريم؛ مستدلاًّ بعموم النصوص.

ص: 124

وذهب بعضهم إلى: إباحتها؛ وأنها لا تدخل في عموم النصوص، وأنه ليس تصويرًا، وإنما هو إمساك للصورة بمواد خاصة، وأنه أشبه بمقابلة المرآة، وبروز صورة الإنسان أمامه، إلَاّ أنَّ هذه حُبِسَت، والأخرى زالت.

وجمهور العلماء يخصصون من عموم النصوص لعب الأطفال؛ لقصة عائشة، وليتدرب الصغيرات بهن على تربية الأطفال، ولكن على ألا يتوسع في هذه اللعب التي صارت الآن كأنها تماثيل لصور مجسَّمة ذات أرواح.

الثالثة: الإسبال:

(أ) جاء في البخاري (5784)، ومسلم (2085):"من جرَّ ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة".

(ب) وجاء في البخاري (5783)، ومسلم:(2085) عن أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بطرًا".

(ج) وجاء في صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم

" وذكر منهم: "المسبل إزاره".

(د) وروى أبو داود (4048) بإسناد حسن عن جابر بن سليم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إيَّاك وإسبال الإزار؛ فإنَّها من المخيلة، وإنَّ الله لا يحب المخيلة".

(هـ) وجاء في البخاري (3465) عن ابن عمر: "أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله، إن إزاري يسترخي، إلَاّ أن أتعاهده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لست ممن يفعله خيلاء".

(و) وجاء في البخاري (5787) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أسفل من الكعبين من الإزار، ففي النار".

هذه غالبية الأحاديث الواردة في الإسبال.

وإذا تأملها القارىء وجد أنَّ بعضها مطلقٌ، وبعضها مقيَّدٌ بقصد الخيلاء،

ص: 125

والقاعدة الأصولية هي "حمل المطلق على المقيد"، فيكون الذي لم يُرِد الخيلاء غير داخل في الوعيد، الذي يقتضي تحريم الإسبال، ولذا قال الإمام النووي في "شرح مسلم" ما يأتي:

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "المسبل إزاره" فمعناه: المرخي له، الجارّ له خيلاء، وهذا يخصص عموم المسبل إزاره، ويدل على أنَّ المراد بالوعيد: من جره خيلاء، وقد رخَّص النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لأبي بكر الصديق رضي الله عنه قال:"لستَ منهم"؛ إذ كان جره لغير الخيلاء.

وظواهر الأحاديث في تقييده بالجر خيلاء -تدل على أنَّ التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نص الشافعي على هذا الفرق كما ذكرنا.

وأما القدر المستحب فيما ينزل إليه طرف القميص والإزار-: فنصف الساقين، والجائز بلا كراهة إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلَاّ فمنع تنزيه.

وأما الأحاديث المطلقة: بأنَّ ما تحت الكعبين ففي النار، فالمراد بها: ما كان للخيلاء، لأَنَّه مطلق فوجب حمله عى المقيد. اهـ كلام النووي، والله أعلم.

وبعضهم: لا يرون حمل مطلق أحاديث الإسبال على مقيدها، وإنما جعلوا هذا من باب اختلاف السبب والحكم في الدليلين، وإذن فلا يُحْمل أحدهما على الآخرة؛ ذلك أنَّ الوعيد فيمن جرَّ ثوبه خيلاء، هو أنَّ الله لا ينظر إليه، نظرَ رحمةٍ وعطفٍ.

وأما الوعيد فيمن أنزل ثوبه عن كعبيه أنَّ النار لهما وحدهما، فالعقوبة الأولى عامة، والعقوبة الثانية جزئية، وكذلك السبب مختلف فيهما، فأحدهما: جر إزاره خيلاء، والثانى: أنزله إلى أسفل من كعبه بلا خيلاء.

وهذا القول أحوط، وأما القول الأول فهو أصح من حيث الدليل، وأجود من حيث التأصيل، والله أعلم.

ص: 126