المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الزكاة مقدمة الزكاة لغة: النَّماء والزيادة، وسمِّي المُخْرَج زكاة؛ لأنَّه يزيد - توضيح الأحكام من بلوغ المرام - جـ ٣

[عبد الله البسام]

الفصل: ‌ ‌كتاب الزكاة مقدمة الزكاة لغة: النَّماء والزيادة، وسمِّي المُخْرَج زكاة؛ لأنَّه يزيد

‌كتاب الزكاة

مقدمة

الزكاة لغة: النَّماء والزيادة، وسمِّي المُخْرَج زكاة؛ لأنَّه يزيد المخرَج، منه وينمِّيه.

قال ابن قتيبة: سُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّها تثمر المال، وتنمِّيه.

قال الشيخ تقي الدين: لفظ الزكاة في اللغة يدل على النمو، فيقال: زكى إذا نما، فسمِّيت: زكاة؛ للمعنى اللغوي، وسمِّيت: صدقة؛ لأنَّها دليل لصحة إيمان مؤدِّيها، وتصديقه.

وشرعًا: حق واجب في مال خاص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص.

وتجب الزكاة في خمسة أشياء من المال، هي:

1 -

سائمة بهيمة الأنعام.

2 -

الخارج من الأرض.

3 -

العسل.

4 -

الأثمان.

5 -

عروض التجارة.

وفرضت في السنة الثانية من الهجرة.

ص: 281

وشُرعت طهرةً للمال، وطُهرةً للنفس، وعبوديةً للرب، وإحسانًا إلى الخلق.

والزكاة أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، كما تظاهرت بذلك دلائل الكتاب والسنة، وقرنها الله تعالى بالصلاة في كتابه في اثنين وثمانين موضعًا.

وأجمع المسلمون على أنَّها ركن من أركان الإسلام، ومستند الإجماع نصوص الكتاب والسنة، ومن جحد وجوبها كفر، ومن منعها فسق، وقد قاتل الصحابة مانعي الزكاة، واستحلوا دماءهم وأموالهم؛ لأنَّهم منعوا شعيرة كبيرة من شعائر الإسلام.

وهي من محاسن الإسلام، الذي جاء بالمساواة، والتراحم، والتعاطف، والتعاون، وقطع دابر كل شر، يهدد الفضيلة والأمن والرخاء، وغير ذلك من مقوِّمات الحياة السعيده في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، فقد جعلها الله طُهرةً لصاحبها من رذيلة البخل، وتنميةً حسيةً ومعنويةً، ومساواةً بين خلقه، وإعانةً من الأغنياء لإخوانهم المستحقين لها، وجمعًا للكلمة، حينما يجود الأغنياء على أهلها بنصيب من أموالهم.

وبمثل هذه الفريضة الكريمة الرشيدة، يُعلم أنَّ الإسلام دين التكافل الاجتماعي، يكفل للفقير العاجز عن العيش ما يعينه على حياته، وأنَّه دين الحرية الذي أعطى الغنيَّ حرية التملك مقابل كده وسعيه، وفرض عليه الزكاة مساواةً لإخوانه المعوزين، فهو الدين الوسط، فلا شيوعية مؤمِّمة حارمة، ولا رأسمالية ممسكةً محتكرةً شاحَّةً، وقد حذَّر الله تبارك وتعالى من منع الزكاة، وتوعد عليها بالعقوبة العاجلة والآجلة، وبالله التوفيق.

***

ص: 282

492 -

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ -فَذَكَرَ الحَديثَ- وَفِيهِ: إِنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفظُ لِلْبُخَارِيِّ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- بعث معاذًا إلى اليمن: أي: أرسله قاضيًا، أو واليًا عليها، قيل: في السنة العاشرة، ولم يزل هناك حتى قدم في خلافة أبي بكر، رضي الله عنهما.

- افْتَرَض: يعني: أوجب عليهم؛ فإنَّ الفرض يراد به: الواجب.

- صدقة: مشتقة من: الصِّدق، فهي تدل على صدق إيمان المزكِّي؛ لأنَّ المال محبوب إلى النفوس، ولا يخرجه إلَاّ صدق الإيمان، فهو دليل على إيمان باذله.

وأطلق لفظ الصدقة على الزكاة؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ

} الآية [التوبة: 60]. والمراد بها: الزكاة.

- تؤخذ: مبني للمجهول، والجملة محلها النصب، صفةً لـ"صدقة".

- تُردّ: مبني للمجهول، معطوف على "تؤخذ".

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

معاذ بن جبل الأنصاري من علماء الصحابة رضي الله عنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن سنة عشر، فقال له صلى الله عليه وسلم: "إنَّك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم اليه، شهادة أن لا إله إلَاّ الله، وأني رسول الله، فإن هم

(1) البخاري (1395)، مسلم (19).

ص: 283

أطاعوك لذلك، فأعلمهم أنَّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أنَّ الله افترض عليهم صدقةً، تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإيَّاك وكرائم أموالهم، واتَّق دعوة المظلوم؛ فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب" [متَّفق عليه].

2 -

هذه الوصايا من تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم للدعاة الذين يبعثهم في أطراف الأرض؛ لينشروا دين الله تعالى، ويبثوا دعوته، ويعلِّموا الناس ما يَخْرجون به من ظلام الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان.

3 -

اختار صلى الله عليه وسلم للدعوة العلماء الفضلاء، ثم زوَّدهم بالعلوم الجليلة، والنصائح الثمينة، وأمرهم أن يدعو الناس إلى الأهم من أمور الدين.

4 -

أول ما دعاهم إلى توحيد الله تعالى، والإيمان برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ هذا أصل الدين وأساسه، الذي لا يقبل الله من عبد عبادة إلَاّ بعد تحقيقه.

5 -

ثم تأتي الصلوات الخمس المكتوبات، فهي أعظم فريضة بعد الشهادتين، ثم تأتي فريضة الزكاة، التي يأتي ذكرها مقرونة مع الصلاة في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز، والسنة المطهَّرة.

6 -

ثم أخبره عن مصرف الزكاة، وأنَّها تُؤخذ من الأغنياء، فتعطى الفقراء، مواساةً وعدلاً بينهم في مال الله الذي آتاهم.

7 -

قوله: "صدقة في أموالهم" يدل على آمرين:

الأول: أنَّ الزكاة تجب في المال، لا في الذمة، وهذا مأخذ وجوبها، في أموال غير المكلفين: من الصغار والمجانين.

لكن العلماء مع وإذا قالوا: إنَّ لها تعلُّقًا بالذمة، فلو تلفت بعد وجوبها لم تسقط، ولو أخرجت من غير عين المال -ولكن من نوعه- أجزأت.

الثاني: يدل الحديث على وجوب الزكاة في عموم الأموال، وهو مطلقٌ في كثيره وقليله، ومُجملٌ في قدر ما يُخرج منه، لكن جاءت النصوص الأخر،

ص: 284

فخصَّصت عمومه، وقيَّدت مطلقه، وبيَّنت مجمَله.

8 -

ثم حذَّره من أن يستغل نفوذه وسلطته؛ فيظلم أصحاب الأموال، فقال: أحذِّرك أن تأخذ للزكاة كرائم الأموال وجيدها، فإنَّه لا يجب عليهم إلَاّ النَّوع الوسط، الذي لا ظلم فيه على الغني، ولا هضم في حق الفقير.

9 -

ثم بيَّن له أنَّ دعاء المظلوم مستجاب؛ لأنَّ الله تعالى ينتصر للمظلوم، وينتقم له من ظالمه.

10 -

وقد زوَّده صلى الله عليه وسلم بنصيحة غالية، وهي إخباره بانَّه يقدم على أناس علماء من أهل كتاب، فليتَّخذ العُدَّة بالعلم الواسع، حتى إذا ألقَوا عليه المسائل والشُّبه وجادلوه، قابلهم بعلمٍ صحيحٍ، وأدلةٍ مقنعةٍ، وحجةٍ ظاهرةٍ.

أما الجاهل الذي لا يعرف دفع الشُّبَه ورد الباطل، فإنَّه يكون نقصًا على دينه، وحجةً عليه، لا له.

11 -

وبمثل هذا التوجيه الحكيم ينبغي للمسئولين أن يوجِّهوا الدعاة، ويزودوهم بالعلم النافع، والتوجيه الحسن؛ ليعطوا عن الإسلام صورة حسنةً، وسُمعة طيبة، والله ولي التوفيق.

12 -

هذا الحديث لم يذكر فيه من أركان الإسلام الخمسة إلَاّ ثلاثة، مع أنَّها مفروضة وقت بعث معاذ.

وأحسن جواب: هو أنَّ النَّبىَّ صلى الله عليه وسلم أراد من معاذ أن يتدرج بهم في تعاليم الإسلام، ويأخذهم بها شيئًا فشيئًا، فالثلاثة المذكورة حان وقتها، وقت بعثه إليهم، والاثنان الباقيان لم يأتِ وقت أدائهما، فإنَّ النَّبىَّ صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا في ربيع الآخر من سنة عشر، كما جاء في "فتح الباري" عن ابن مسعود.

13 -

مشروعية بعث السعاة لقبض الزكاة، وأنَّ الذمة تبرأ بدفعها للإمام، أو سُعاته.

14 -

أنَّ الزكاة مواساة بين الأغنياء والفقراء، فهي تؤخذ من هؤلاء لهؤلاء

ص: 285

على سبيل العدل.

15 -

جواز صرف الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية من أهل الزكاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "في فقرائهم"

16 -

استدل بالحديث بعضُ العلماء على عدم جواز نقل الزكاة من البلد الذي فيه المال إلى بدلد آخر؛ قصرًا لقوله صلى الله عليه وسلم "في فقرائهم" على فقراء البلد الذي بُعث إليه.

والصحيح جواز نقلها للمصلحة، كأن يكون للمزكي أقارب في بلد غير بلده، أو تكون الحاجة في البلد الآخر أشد.

وكان صلى الله عليه وسلم يبعث السُّعاة لقبض الزكاة، فيأتون بها إلى المدينة، فتُفرَّق فيها، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.

والمشهور من مذهبه: أنَّه لا يجوز نقلها، وسياتي للبحث تكملة إن شاء الله تعالى.

17 -

أنَّ الداعية والواعظ يتدرَّج في دعوته من أهم الأمور إلى التي دونها، وكذلك جاء التشريع من الله تعالى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تمت الدعو، وكَمُل الدين.

18 -

فيه أنَّه لا يجب من الصلاة إلَاّ الصلوات الخمس، أما الوتر وغيره فلا يجب.

* فوائد:

الأولى: والزكاة لوجوبها شروطٌ، أهمها:

1 -

الإسلام: فلا تؤخذ من كافرٍ، ولو خوطب بها، وعذِّب على تركها.

2 -

ملك النصاب: ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

3 -

مضي الحول: وحول الخارج من الأرض حصوله.

الثانية: الدَّين يمنعُ وجوب الزكاة في الأموال الباطنة، وهي التي لا تُرى، وإنما هي مخفية في الصناديق والأحراز.

ص: 286

وهذا القول رواية واحدة في مذهب الإمام أحمد، فيسقط من المال بقدر الدين، فكأنه غير مالكٍ له، ثم يزكي ما بقي إن بلغ نصابًا.

وأما الأموال الظاهرة: وهي السائمة والخارج من الأرض-: فهي ظاهرة ترى أمام العيون، فالصحيح أنَّ الدين لايمنع وجوب الزكاة فيها؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعث السعاة إلى أصحابها، ولم يستفصل.

الثالثة: المشهور من مذهب الإمام أحمد أنَّ من له دين زكَّاه إذا قبضه مطلقًا؛ سواء كان عند مليء باذل، أو عند معسر، أو مماطل، ومثله المغصوب، والمسروق، والضال.

والرواية الأخرى: أنَّ الدَّين لا تجب فيه الزكاة، إلَاّ إذا كان عند مليء باذل، وأما الدين على المعسر، أو المماطل، أو المغصوب، أو المسروق، أو الضال، ونحوها -فلا زكاة فيه، فإذا قبضه ابتدأ به عامًا جديدًا، وهو مذهب الأئمة الثلاثة.

قال الشيخ: هو أقرب الأقوال، واختاره طائفة من أصحاب أحمد، وقدَّمه في "الفروع"، واختاره شيخنا عبد الرحمن السعدي وكثير من المحققين؛ لأنَّ المال الذي لا يقدر عليه لا زكاة فيه، فالزكاة مواساة، فلا يكلف بها المسلم فيما ليس عنده.

* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن زكاة الديون:

(قرار رقم: 1):

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فإنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي

ص: 287

في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من (10 - 16 ربيع الثاني 1406 هـ)(22 - 28 ديسمبر 1985 م).

بعد أن نظر في الدراسات المعروضة حول "زكاة الديون"، وبعد المناقشة المستفيضة التي تناولت الموضوع من جوانبه المختلفة، تبيَّن:

1 -

أنَّه لم يرد نص من كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يُفصل زكاة الديون.

2 -

أنَّه قد تعدد ما أثر عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، من وجهات نظر في طريقة إخراج زكاة الديون.

3 -

أنَّه قد اختلفت المذاهب الإسلامية، بناءً على ذلك اختلافًا بيِّنًا.

4 -

أنَّ الخلاف قد انبنى على الاختلاف في قاعدة: "هل يعطى المال الممكن من الحصول عليه صفة الحاصل؟ "

وبناءً على ذلك قرَّر:

1 -

أنَّه تجب زكاة الدين على رب الدين عن كل سنة، إذا كان المدين مليئًا باذلاً.

2 -

أنه تجب الزكاة على رب الدين بعد دوران الحول من يوم القبض، إذا كان المدين معسرًا أو مماطلاً. اهـ. والله أعلم.

الرابعة: لا تجب الزكاة في الوقف الذي على غير معين، وإنما هو على الجهات العامة؛ كالمساجد والربط والمساكين، وإنما تجب في الوقف على معيَّنين؛ كأولاده إذا بلغت حصة كل واحد منهم نصابًا.

الخامسة:

* اختلاف العلماء متى فرضت الزكاة؟

أرجح الأقوال أنَّها فرضت تدريجيًّا، على ثلاث مراحل:

1 -

الوجوب على الإطلاق بلا تحديد ولا تفصيل، وإنما أمرٌ بالإعطاء، والإطعام والإحسان، وهذا قبل الهجرة، قال تعالى في السورة المكية

ص: 288

الأولى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)} [الذاريات]، وقال في سورة فصلت:{الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 7]، وقال في المدثر:{وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)} [المدثر].

2 -

في السنة الثانية من الهجرة بُيِّنت أحكام الزكاة التفصيلية على أنواع الأموال المزكاة، وقدر النصاب، وقدر المخرَج منه.

3 -

في السنة التاسعة من الهجرة لما دخل الناس في دين الله أفواجًا، وتوسعت دائرة الإسلام، بعث النبي صلى الله عليه وسلم السُّعاة والجباة إلى الأطراف لجبايتها.

السادسة: قرار المجمع الفقهي في الرابطة في زكاة أجور العقار، وهذا نصه:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد:

فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرَّمة في الفترة من يوم الأحد 13 رجب 1409 هـ الموافق 19 فبراير 1989م إلى يوم الأحد 20 رجب 1409هـ 26 فبراير 1989م، قد نظر في موضوع زكاة أجور العقار، وبعد المناقشة وتداول الرأي، قرَّر بالأكثرية ما يلي:

أولًا: العقار المُعَدُّ للسكنى هو من أموال القُنْية، فلا تجب فيه الزكاة إطلاقًا، لا في رقبته، ولا في قدر أجرته.

ثانيًا: العقار المُعَدُّ للتجارة هو من عروض التجارة، فتجب الزكاة في رقبته، وتقدر قيمته عند مضي الحول عليه.

ثالثًا: العقار المُعَدُّ للإيجار تجب الزكاة في أجرته فقط دون رقبته.

رابعًا: قدر زكاة رقبة العقار إن كان للتجارة، وقدر زكاة غلته إن كان للإجارة هو

ص: 289

ربع العشر، إلحاقًا له بالنقدين.

وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.

السابعة: قرار المجمع الفقهي بشأن زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية:

(قرار رقم:2)

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد:

فإنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني، من 10 - 16 ربيع الثاني 1406 هـ 22 - 28 ديسمبر 1985 م.

بعد أن استمع المجلس لما أعدَّ من دراسات في موضوع: "زكاة العقارات والأراضي الماجورة غير الزراعية".

وبعد أن ناقش الموضوع مناقشة وافية ومعمقة، تبيَّن:

أولًا: أنَّه لم يؤثر نص واضح يوجب الزكاة في العقارات، والأراضي المأجورة.

ثانيًا: أنه لم يؤثر نص كذلك يوجب الزكاة الفورية في غلة العقارات، والأراضي المأجورة غير الزراعية.

ولذلك قرر:

أولًا: أنَّ الزكاة غير واجبة في أصول العقارات والأراضي المأجورة.

ثانيًا: أنَّ الزكاة تجب في الغلة، وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم القبض، مع اعتبار توافر شروط الزكاة، وانتفاء الموانع.

والله أعلم.

ص: 290

الثامنة: قرار المجمع الفقهي بشأن توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع، بلا تمليك فردي للمستحق.

(قرار رقم: 15):

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دروة مؤتمره الثالث بعَمَّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8 - 13 صفر 1407 هـ/ 11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.

بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع: "توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك فردي المستحق"، وبعد استماعه لآراء الأعضاء والخبراء فيه.

قرَّر:

يجوز من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشاريع استثمارية، تنتهي بتمليك أصحاب الاستحقاق للزكاة، أو تكون تابعة للجهة الشرعية المسؤولة عن جمع الزكاة وتوزيعها، على أن تكون بعد تلبية الحاجة الماسَّة الفورية للمستحقين، وتوافر الضمانات الكافية للبعد عن الخسائر. والله أعلم.

***

ص: 291

493 -

وَعَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه كَتَبَ لَهُ: "هَذِهِ فَرِيْضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بهَا رَسُولَهُ: فِي كُلِّ أرْبعٍ وَعِشْرِيْنَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الغَنَمُ، فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِيْنَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِيْنَ، فَفِيْهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِذَا بلَغَتْ سِتًّا وَثلَاثِيْنَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ، فَفِيْهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بلَغَتْ سِتًّا وَأرْبَعِيْنَ إلَى سِتِّينَ فَفِيْهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإذَا بلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّيْنَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ فَفِيْهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِيْنَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بلغَتْ إِحْدَى وَتسْعِيْنَ إِلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ فَفِيْهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَت عَلَى عِشْرِيْن وَمائَةٍ فَفِي كُلِّ أرْبَعِيْنَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِيْنَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَم يَكُنْ مَعَهُ إِلَاّ أرْبعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيْهَا صَدَقَةٌ، إِلَاّ أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أرْبَعِيْنَ إلَى عِشْرِيْنَ وَمائَةٍ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ، فَفِيْهَا شَاتَانَ، فَإِذَا زَادَتْ عَلى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيْهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً عَنْ أرْبَعِيْنَ شَاةٍ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيْهَا صَدَقةٌ، إِلَاّ أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَلَا يُجْمَعُ بيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بمنَ مُجْتَمعٍ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كانَ مِنْ خَلِيْطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا

ص: 292

يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إلَاّ أنْ يَشَاءَ المُصَدِّقُ، وفِي الرِّقَةِ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ رُبع العُشْرِ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ إِلَاّ تِسْعِيْنَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَاّ أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بلغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ -فَإِنَّهَا تُقْبلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أوْ عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ -فَإِنَّهَا تُقْبلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصدِّقُ عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا اوْ شَاتَيْنِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- فريضة بوزن فضيلة، بمعنى: مفروضة، والفريضة: ما أوجبه الله وفرضه عى عباده من أحكام، والمراد هنا: فريضة الزكاة.

- بنت مخاض: بفتحتين آخره ضاد معجمة، والمخاض -بفتح الميم وكسرها-: وجع الولادة، فالمخاض هي الحامل التي دنت ولادتها، وبنت المخاض من النوق هي التي أتمَّت السنة الأولى ودخلت في الثانية، سميت بذلك، لأنَّ أمها غالبًا قد حملت.

- فرضها: فَرَضَ أي: بَيَّنَ وفصَّل.

- في كل أربع

إلخ الحديث: استئناف بيان لقوله: "هذه فريضة الصدقة"، فكأنه أشار بهذه إلى ما في الذهن، ثم أتى به بيانًا له.

(1) البخاري (1448)، (1454).

ص: 293

- ابن لبون -بفتح اللام وضم الباء الموحدة-: وهو ما أتم سنتين، سمي بذلك؛ لأنَّ أمه غالبًا ذات لبن بعد وضع حملها.

- حقة -بكسر الحاء المهملة وتشديد القاف-: وهي ما استكملت السنة الثالثة، ودخلت في الرابعة، سميت بذلك؛ لاستحقاقها أن يحمل عليها ويركبها الفحل، والحقة تُجمع على: حقاق وحقائق وحِقق.

- طرُوقَة الجمل: بفتح الطاء بوزن فعولة، بمعنى مفعولة؛ أي: مطروقة الجمل، وأصل الطرق: أن يأتي الرجل أهله ليلاً، والمراد من شأن التي في هذه السن أن تقبل طرق الفحل، وإن لم يحصل ذلك.

- جذعة: بفتح الجيم والذال، من: أجذع وجذع، والجمع: جذعات وجذاع، والأنثى جذعة، والجمع: جذعات، وهي التي أتمت السنة الرابعة ودخلت في الخامسة، سمِّيت بذلك؛ لإسقاطها سنها فتجذع عنده.

وقال بعض علماء اللغة: الإجذاع ليس بسن ثبت ولا يسقط، وإنَّما هو اسم للزمن، فالمعز تجذع لسنة، والضأن لستة أشهر.

- وفي صدقة الغنم .. شاة: "شاة" مبتدأ، و"في صدقة الغنم" خبره.

- الغنم: بفتحتين، قال ابن جني في "المخصص": جمعٌ لا واحد له من لفظه، وجمع الغنم: أغنام وغنوم؛ وقال في "الصحاح": موضوع للجنس، يقع على الذكر والأنثى، وعليهما جميعًا.

- سائمة الرجل: من سامت تسوم؛ أي: ترعى، فالسائمة هي التي ترعى في المباح، والسوم هو إرسال الماشية في الأرض ترعى فيها، وجمع السائمة: سوائم.

- مجتمع: بضم الميم الأولى وكسر الثانية.

- متفرِّق: بتقديم التاء على الفاء وتشديد الراء، وفي رواية: بتقديم الفاء من: الافتراق.

ص: 294

- خشية الصدقة: إعرابه أنَّه مفعول لأجله، وقد تنازع فيه قوله:"ولا يجمع ولا يفرق" فإذا نسب إلى الساعي، قيل: خشية أن يقل، وإذا نسب إلى المالك قيل: خشية أن يكثر.

- إلَاّ أن يشاء ربها -أو- إلَاّ أن يشاء المصدق: أي: إلَاّ أن يتبرع ويتطوع بها صاحبها، وهذا مبالغة في نفي الوجوب.

- خشية الصدقة: الخشية: الخوف، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذا خصَّ بها العلماء في قوله:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] ، وهنا المتصدق يعلم ما سيترتب على تفريق السائمة وجمعها.

- خليطين: الخليطان هم الشريكان في السائمة خاصة، والخلطة -بضم الخاء- هي اجتماع الماشية السائمة حولاً كاملًا في المراح (مكان المبيت)، والمسرح، ومكان الحلب، والفحل، والمرعى، وهي إما شركة أوصاف: بأن يتميَّز شريك عن شريكه بصفة أو صفات، أو شركة أعيان، بأن يملكا نصابًا من الماشية مشاعًا.

- يتراجعان بالسوية: بتشديد الياء؛ أي: بالمساواة، ومعنى التراجع: أن المصدق إذا أخذ صدقة الخليطين من مال أحدهما، فإنَّه يرجع على صاحبه، فيأخذ منه القدر الذي كان قد وجب عليه.

- هرِمَة: -بفتح الهاء وكسر الراء- وهي المسنة التي سقطت أسنانها من الكبر.

- ذات عور: بفتح العين المهملة وضمها، وهي عوراء العين، والمريضة البين مرضها، وقيل: بالفتح العيب، وبالضم: عوراء العين.

- تَيْس: هو الذكر من الماعز؛ لنتنه وفساد لحمه، هذا إذا كان رديئًا، أما إذا كان طيبًا فهو فحل لا يجوز أخذه إلَاّ إذا شاء باذل الصدقة.

- الرقة: -بكسر المهملة المخففة وفتح القاف المخففة آخرها تاء مربوطة- هي الفضة الخالصة، والهاء عوض عن الواو المحذوفة، كما في "عدة"،

ص: 295

وأصلها: الوَرِق، ويجمع على: رقين؛ مثل: بتة وبتين، وعزة وعزين.

- المصدِّق: أصله المتصدق، قلبت التاء صادًا فأدغمت، وقد جاءت هاذه اللفظة في الحديث مرتين:

الأولى: "إلَاّ أن يشاء المصدق".

والثانية: "ويعطيه المصدق" إلخ. فالمراد به في الأولى: "المعطي"، والمراد به في الثانية "عامل الزكاة"، فإن أريد بلفظ المصدق المعنى الأول لُفظت بكسر الصاد، وإن أريد المعنى الثاني فبفتحها.

- درهمًا: قطعة من فضة مضروبة للمعاملة، جمعها:"دراهم"، والدرهم الإسلامي وزنه (2.975 غرامًا).

***

ص: 296

494 -

وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِيْنَ بَقَرَةٍ تبيعًا أوْ تَبيعَةً، وَمنْ كُلِّ أرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمنْ كُلِّ حَالِمٍ دِيْنَارًا، أوْ عَدْلَهُ مَعَافِرِيًّا". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وأَشَار إِلَى اخْتِلَافٍ فِي وَصْلِهِ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والدارمي (1569)، وابن أبي شيبة (9920)، وابن الجارود (1104)، والحاكم، والبيهقي من طريق أبي وائل عن مسروق عن معاذ، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقد أعله بعض المحدثين بأنَّه جاء من طريق مسروق به، وأنَّ مسروقًا لم يسمع من معاذ، فيكو غير متصل، ولكن قال ابن عبد البر: هاذا حديث ثابت متصل، كما أثبت لقاء مسروق لمعاذ، وقال ابن القطان: حكمه الاتصال عند الجمهور.

* مفردات الحديث:

- بقرة: البقر اسم جنس، والبقرة تقع على الذكر والأنثى، وإنما دخلته الهاء على أنَّه واحد من جنس، والجمع: بقرات.

وقال علماء الأحياء: البقر جنس من فصيلة البقريات، يشمل الثور والجاموس، ويطلق على الذكر والأنثى، ومنه المستأنس، ومنه الوحشي.

(1) أحمد (1027)، أبو داود (1576)، الترمذي (623)، النسائي (2450) ابن ماجه (1803) ابن حبان (4886)، الحاكم (1449).

ص: 297

- تبيعًا -بفتح التاء وكسر الباء الموحدة بعده ياء ثم عين مهملة-: هو الذي أتمَّ الحول الأول ودخل في الثاني، والأنثى "تبيعة"، سمي تبيعًا؛ لأنَّه لا يزال يتبع أمه.

- مُسِنَّة -بضم الميم وكسر السين المهملة ثم نون مشددة-: وهي التي أتمَّت السنة الثانية، ودخلت في الثالثة.

- حالم: اسم فاعل أي: محتلم، وهو الذي قد بلغ سن الاحتلام، والاحتلام هو إنزال المني، ولو لم ينزله.

- عدله: بفتح العين المهملة وسكون الدال المهملة؛ أي: قيمته ومقداره من غير النقد.

- معافريًا: بفتح الميم والعين وكسر الفاء والراء، نسبة إلى:"معافِر" بوزن "مساجد"، وهو حي من همدان في اليمن، تُنسب إليهم الثياب المعافرية

وهي بُرد معروفة عندهم.

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

حديث (493): كتبه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يُخرجه إلى العمال حتى توفي، فلما ولي أبو بكر الخلافة، أخرجه مختومًا بختم النبي صلى الله عليه وسلم "محمَّد رسول الله"، ولما وجه أبو بكر أنس بن مالك عاملاً على صدقات البحرين، أعطاه هذا الكتاب الذي بيَّن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فروض الصدقة، التي فرضت على المسلمين.

قال الإمام أحمد: "ولا أعلم في الصدقة أحسن منه".

وقال ابن حزم: "وإذا كتاب في نهاية الصحة، عمل به الصديق بحضرة العلماء من الصحابة، ولم يُعلم أنَّه خالفه أحد".

وقد رواه الإمام البخاري في "صحيحه"، وفرَّقه في عشرة مواضع من "أبواب زكاة الماشية" بسند واحد، وهو أصل عظيم يعتمد عليه.

ص: 298

وقال ابن عبد البر: "إنَّه أشبه بالمتواتر؛ لتلقي الناس له بالقبول".

قوله: "فرض رسول الله" معناه: أوجب وقدَّر، فهاذا فرضها في السُّنَّة مع فرضها في القرآن، وهذا تقدير أنصبتها.

2 -

في الحديثين وجوب الزكاة في سائمة بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم.

3 -

فيهما بيان فروض زكاة السائمة، وأنَّ الإبل ابتداءُ نصابها من خمس، وأما الغنم فابتداء نصابها من أربعين، وهذا -والله أعلم- راجع إلى العدل والمواساة في الزكاة؛ ذلك أنَّ الإبل لما كانت غالية، صار نصابها قليلاً، وأما الغنم فإنَّها رخيصة، فصار نصابها كثيرًا، وهذا فيه مراعاة حق الغني، وحق الفقير.

4 -

وفيهما أنَّه لابد في وجوب زكاة بهيمة الأنعام من السوم، وهو الرعي في المباح الحول أو أكثره، وأن تتخذ للدر والنسل، فإن لم ترع المباح، أو رعته ولكنها معدة للعمل، فلا زكاة فيها.

5 -

أنصبة الإبل والبقر والغنم مبينة في نص الحديثين، كما بيَّن ما فيها من وقص، وهو ما بين الفريضتين.

6 -

أول نصاب الإبل خمس، واستقرار النصاب فيها إذا زادت على عشرين ومائة، فحينئذ تكونا في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حِقَّة.

7 -

أول نصاب الغنم أربعون، وقد أجمع العلماء على هذا، واستقرت فريضتها إذا زادت على ثلاثمائة؛ فحينئذ يكيون في كل مائة شاة شاة، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.

8 -

الأصل في زكاة البقر السنة والإجماع، وأما نصابها: فقال شيخ الإسلام: قد ثبت عن معاذ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن، أمره أن يأخذ صدقة البقر من ثلاثين تبيعًا، ومن أربعين مسنة.

وحكى أبو عبيد والموفق وغيرهما: الإجماع عليه.

ص: 299

9 -

قال شيخ الإسلام: إنَّما لم يذكر زكاة البقر في كتاب أبي بكر، والكتاب الذي عند آل عمر؛ لقلة البقر في الحجاز، فلما بعث معاذًا إلى اليمن، ذكر له حكم البقر؛ لوجودها عندهم، مع أنَّ وجوب الزكاة في البقر مُجمع عليه، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنَّ السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ، وأنَّه النصاب المجمع عليه.

10 -

قال في "الروض وحاشيته": وإن كان النصاب نوعين ضأنًا ومعزًا، أخذت الفريضة من أحدهما على قدر قيمة المالين، بلا خلاف بين العلماء.

قال الشيخ تقي الدين: لا نعلم خلافًا في ضم أنواع الجنس بعضها إلى بعض.

11 -

قوله: "وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم يكن إلَاّ تسعين ومائة فليس فيها صدقة".

قال ابن عبد البر: فيه إيجاب الصدقة في هذا المقدار، ونفيها عما دونه.

وقال شيخ الإسلام: هو نصٌّ على العفو فيما دونها، وإيجاب لها فيما فوقها، وعليه أكثر العلماء، وذكره مذهب الأئمة الثلاثة.

12 -

قال في "الروض وغيره": والاعتبار بالدرهم الإسلامي، واختاره الشيخ وغيره؛ أنَّه لا حد للدرهم والدينار، فنصاب الأثمان هو المتعارف في كل زمن من خالص ومشوب، وصغير وكبير، ولا قاعدة في ذلك.

قال في "الفروع": ومعناه: أنَّ الشارع والخلفاء الراشدين رتبوا على الدراهم أحكامًا، فمحال أن ينصرف كلامهم إلى غير موجود ببلادهم أو زمنهم؛ لأنَّهم لا يعرفونها.

13 -

قال الشيخ وغيره: دلَّ الكتاب والسنة على وجوب الزكاة في الذهب، وحكى الإجماع غير واحد.

14 -

قال في "الروض وحاشيته": تجب الزكاة في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالًا

ص: 300

باتفاق الأئمة الأربعة؛ لما روى ابن ماجه من حديث عائشة وابن عمر مرفوعًا: "أنَّه كان يأخذ من كل عشرين مثقالًا نصف مثقال".

قال النووي: المعول فيه على الإجماع، وليس في الأحاديث الصحيحة تحديد، ولكن جميع من يعتد به في الإجماع على ذلك.

قال الشيخ: ما دون العشرين، فلا زكاة فيه بالإجماع.

15 -

قوله: "فإن لم تكن إلَاّ تسعين ومائة" هذا الكلام يوهم إذا زادت على ذلك شيئًا قبل أن يتم مئتين كانت فيها الصدقة، وليس الأمر كذلك، فإنَّها لا تجب إلَاّ بتمام مئتي درهم، وإنما ذكر التسعين؛ لأنَّه آخر فصل من فصول المائة، والحساب إذا جاوز المائة بالفصول كالعشرات والمئات والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين.

16 -

قوله: "ولا يخرج في الصدقة هرِمَة

" دليل على أنَّه ينبغي للإمام أن يزود الجباة والسعاة بمعلومات شرعية، أو يرسل معهم بعض طلبة العلم؛ ليفقهوهم في أحكام الزكاة، لتكون أعمالهم على بصيرة.

17 -

الجبران في زكاة الإبل بأن يدفع صاحب المال عشرين درهمًا إذا وجب عليه جذعة، وليست عنده فدفع عنها حقَّة، أو يدفع جذعة والواجب عليه حقة، ويأخذ من الساعي عشرين درهمًا -يدل على جواز دفع القيمة في الزكاة عند الحاجة إلى ذلك، وهو أعدل الأقول الثلاثة، واختاره تقي الدين.

18 -

قوله: "ولا يُجْمع بين متفرق، ولا يُفرَّق بين مجتمع؛ خشية الصدقة" فيه دليل على تحريم الحيل التي منها إسقاط واجب، أو فيها فعل محرم، قال صلى الله عليه وسلم:"قاتل الله اليهود؛ إنَّ الله لما حرَّم عليهم شحومها جمَّلوه، ثم باعوه، فأكوا ثمنه"

قال الإمام أحمد: لا يجوز شيء من الحيل لإبطال حق مسلم.

وقال ابن القيم: من له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله لم يشك في

ص: 301

تحريم الحيل وإبطالها، ومنافاتها للدين، وهذا الحديث نص في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة، أو تنقيصها بسبب الجمع والتفويق، كما هي معلومة صوره.

قوله: "ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع؛ خشية الصدقة" في هذا أربع صور:

الأولى: نهى المالك عن جمع النصابين المتباعدين؛ ليكونا نصابًا واحدًا، فتقل الزكاة المخرجة.

الثانية: نهى المالك عن تفريق النصاب الواحد بين مسافات متباعدة؛ لتسقط الزكاة.

الثالثة: نهى عامل الزكاة عن تفريق مال المزكي لتعدد الأنصبة.

الرابعة: نهى العامل أيضًا عن جمع العدد الناقص عن النصاب من مسافات متباعدة ليكون منها نصاب، كما قصدت بعض هذه الحيل على المالين المخلوطين في الجمع والتفريق.

19 -

فيه أنَّه ليس فيما بين الفريضتين شيء؛ لأنَّ ما بينهما يسمى "وقْصًا"، وهو معفو عنه، ولا يكون الوقص إلَاّ في بهيمة الأنعام، أما ما عداها من الأثمان والعروض والخارج من الأرض -فما زاد فهو بحسابه من الزكاة.

20 -

فيه أنَّه لا يجوز أن يخرج القيمة؛ سواء كان لحاجة أو مصلحة أو لا، وفيه خلاف قال شيخ الإسلام: في إخراج القيمة ثلاثة أقوال:

الأول: الإجزاء بكل حال، وهو مذهب أبي حنيفة.

الثاني: عدم الإجزاء مطلقًا عند الحاجة وعدمها، وهو مذهب مالك والشافعي.

الثالث: الإجزاء عند الحاجة، وهذا المنصوص عن أحمد صريحًا.

وهو أعدل الأقوال.

وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: ولا يجوز إخراج القيمة في

ص: 302

سائمة، أو غيرها عند الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد.

لما رواه أبو داود: "خذ الحب من الحب، والإبل من الإبل، والبقر من البقر، والغنم من الغنم".

21 -

فيه أنَّ الساعي يأخذ الزكاة من الوسط، فلا يأخذ من أطيب المال؛ فيظلم المزكي، ولا يأخذ الرديء فيظلم المستحقين، إلَاّ أن يشاء صاحب المال أن يدفع من الجيد، فذاك إليه.

22 -

فيه أنه لا يجوز أن يخرج مسنة، ولا هرمة، ولا معيبة، إلَاّ أن يكون النصاب كله هكذا؛ لأنَّ وإذا لا يجزىء في الزكاة، وفيه ظلم لمستحقيها.

23 -

فيه أنَّه لا يخرج تيسًا، ولا طروقة الفحل، ولا الحامل، ولا الأكولة، إلَاّ أن يشاء صاحب المال.

24 -

لا يجزىء إخراج ذكر في الزكاة إلَاّ في ثلاث مسائل:

الأولى: في زكاة البقر، فإنَّه يجزىء التبيع عن التبيعة؛ لورود النص فيه، ويجزىء المسن عنه؛ لأنَّه خير منه.

الثانية: ابن اللبون والحِق والجذع وما فوقه، فإنَّه يجزىء عن بنت مخاض عند عدمها.

الثالثة: أن يكون النصاب من الإبل أو البقر أو الغنم كله ذكورًا، فإنَّه يجزىء؛ لأنَّ الزكاة مبنية على المواساة، فلا يُكَلِّفُهَا المخرج من غير ماله.

25 -

فيه إثبات الخلطة في المواشي دون غيرها من الأموال، وأنَّ لها تأثيرًا في الزكاة إيجابًا، وإسقاطًا، وتغليظًا، وتخفيفًا؛ لأنَّها تجعل الأموال كالمال الواحد.

26 -

إذا اختلط شخصان أو أكثر من أهل الزكاة في نصاب من الماشية حولاً كاملًا -فحكمهما في الزكاة حكم الشخص الواحد؛ سواء كانت خلطة أعيان: بأن يملكا نصابًا مشاعًا بإرث أو شراء أو غيرهما، أو خلطة

ص: 303

أوصاف: بأن يكون كل منهما له عين ماله، ولكنه متميز بصفة أو بصفات عن مال خليطه.

27 -

ويشترط في تأثير خلطة الأوصاف اشتراكهما في مراح (وهو المبيت) ومسرح (وهو مكان اجتماعهما لذهاب إلى المرعى)، ومرعى في زمانه ومكانه، ومشرب (وهو مكان الشرب)، ومحلب (وهو موضع حلب)، وفحل وهو عدم اختصاصه في طرقه أحد المالين إن اتَّحد النوع؛ كالضأن والمعز، ولا يضر إن اختلف النوع لاختلاف النوعين، ولا تعتبر النية في الخلطة في كلا الخلطتين: الأوصاف والأعيان.

28 -

ويحرم الجمع بين المالين، أو التفريق بينهما؟ إذا قُصد بذلك الفرار من الزكاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"وَلا يُجمع بين متفرق، ولا يُفرَّقُ بين مجتمع؟ خشية الصدقة".

29 -

والخلطة تصيِّر المالين فأكثر كالمال الواحد إن كانا نصابًا، وكان الخليطان من أهل وجوبها؛ سواء كانت خلطة أعيان أو أوصاف، وما وجب عليهما فإنَّه على قدر ماليهما، فلو كان لإنسان شاة واحدة ولآخر تسعة وثلاثون فعليهما شاة واحدة على حسب ملكهما، ويتراجعان بينهما بالسوية.

30 -

أما الرقة: وهي الفضة الخالصة فنصابها مئتا درهم، ويخرج منها ربع العشر إذا تمَّ حولها.

31 -

أما الذمي: فلا تؤخذ منه الزكاة؛ لأنَّ الزكاة لا تصح منه قبل إسلامه، ولكن تؤخذ منه الجزية، فتؤخذ من الرجال البالغين دينار، أو مقداره من غير النقد، كالثياب.

32 -

قوله: "فإنَّها تقبل منه، ويجعل معها شاتين"، وقوله:"فإنَّه تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين" -فيه دليل على جواز النزول والصعود من السن الواجب عند فقده إلى سن آخر يليه، وعلى أن

ص: 304

جبر كل مرتبة بشاتين، أو عشرين درهمًا، وعلى أنَّ المعطي مخير بينهما.

* فوائد:

الأولى: قال النووي: مدار أنصبة زكاة الماشية على حديث أنس عن أبي بكر، وحديث ابن عمر.

وقال ابن عبد البر عن حديث عمرو بن حزم: إنَّه أشبه بالمتواتر؛ لتلقي الناس له بالقبول.

فهذه الكتب الثلاثة كتاب أبي بكر، وكتاب عمر، وكتاب عمرو بن حزم -أصول من أصول الإسلام عليها المعتمد عند المسلمين.

الثانية: قال شيخ الإسلام: الإمام أحمد وأهل الحديث متبعون لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في الزكاة، فلقد أخذوا بأحسن الأقوال الثلاثة، فأخذوا في أوقاص الإبل بكتاب أبي بكر؛ لأنَّه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي المعشرات توسطوا بين أهل الحجاز وأهل العراق، فأهل الحجاز لا يوجبون العشر في الثمار إلَاّ في التمر والزبيب، وفي الحب فيما يقتات، وأهل العراق يوجبونها في كل ما أخرجت الأرض، وأما أحمد والمحدثون فيوافقون أهل الحجاز بالنصاب لصحته، ويخالفونهم في الحبوب والثمار، فيوجبونها في حب وثمر يُدَّخر.

الثالثة: قرار المجمع الفقهي بشأن زكاة الأسهم في الشركات:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.

* قرار بشأن زكاة الأسهم في الشركات:

(قرار رقم: 28)

إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمر، الرابع بجدة

ص: 305

في المملكة العربية السعودية من 18 - 23 جمادى الآخرة 1408 هـ الموافق 6 - 11 فبراير 1988 م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "زكاة أسهم الشركات".

قرر ما يلي:

أولًا: تجب زكاة الأسهم على أصحابها، وتخرجها إدارة الشركة نيابة عنهم إذا نصَّ في نظامها الأساسي على ذلك، أو صدر به قرار من الجمعية العمومية، أو كان قانون الدولة يلزم الشركات بإخراج الزكاة، أو حصل تفويض من صاحب الأسهم لإخراج إدارة الشركة زكاة أسهمه.

ثانيًا: تخرج إدارة الشركة زكاة الأسهم كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله؛ بمعنى: أن تعتبر جميع أموال المساهمين بمثابة أموال شخص واحد، وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار من لمجط نوع المال الذي تجب فيه الزكاة، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي، وذلك أخذًا بمبدأ الخلطة عند من عممه من الفقهاء في جميع الأموال.

ويطرح نصيب الأسهم التي لا تجب فيها الزكاة، ومنها: أسهم الخزانة العامة، وأسهم الوقف الخيري، وأسهم الجهات الخيرية، وكذلك أسهم غير المسلمين.

ثالثًا: إذا لم تزك الشركة أموالها لأي سبب من الأسباب، فالواجب على المساهمين زكاة أسهمهم، فإذا استطاع المساهم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الزكاة لو زكت الشركة أموالها على النحو المشار إليه، زكى أسهمه على هذا الاعتبار؛ لأنَّه الأصل في كيفية زكاة الأسهم، وإن لم يستطع المساهم معرفة ذلك:

ص: 306

فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي، وليس بقصد التجارة؛ لأنَّه يزكيها زكاة المستغلات، وتمشيًا مع ما قرَّره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية -فإنَّ صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم، وإنما تجب الزكاة في الريع، وهي ربع العشر بدوران الحول من يوم قبض الريع مع اعتبار توافر شروط الزكاة وانتفاء الموانع.

وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد التجارة، زكاها زكاة عروض التجارة، فإذا جاء حول زكاته وهي في ملكه، زكى قيمتها السوقية، وإذا لم يكن لها سوق، زكى قيمتها بتقويم أهل الخبرة، فيخرج ربع العشر (2.5 %) من تلك القيمة، ومن الربح إذا كان للأسهم ربح.

رابعًا: إذا باع المساهم أسهمه في أثناء الحول، ضم ثمنها إلى ماله وزكاه معه عندما يجيء حول زكاته، أما المشتري فيزكى الأسهم التي اشتراها على النحو السابق. والله أعلم.

***

ص: 307

495 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ رضي الله عنهم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ المُسْلِمِينَ عَلى مِيَاهِهِمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَلأَبِي دَاوُدَ: "لَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إلَاّ فِي دُورِهِمْ"(1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

رواه أحمد وأبو داود من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد تُكلم فيه.

فقال الآجري: قلتُ لأبي دواد: عمرو عندك حجة، قال: لا، ولا نصف حجة.

وقال ابن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه.

وقال أبو زرعة: إنما تكلم فيه بسبب كتاب عنده، وما أقل ما نصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده من المنكر.

وقال الإمام أحمد: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده، وإذا شاؤوا تركوه.

وقال البخاري: رأيتُ أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

(1) أحمد (6442)، أبو داود (1591).

ص: 308

وللحديث شاهد من حديث عائشة رواه ابن الجارود والطبراني.

* مفردات الحديث:

- مياههم: المياه جمع: ماء، والمراد به: مواردهم التي ينزلون عليها، ويقطنون فيها بالصيف، حينما تحتاج المواشي إلى شرب الماء.

- دُورهم: منازلهم التي يسكنون فيها؛ لئلا يتكلفون نقل زكاتهم إلى مقر الإمام.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

فيه أنَّ الزكاة لا تجب في المال، إلَاّ في السنة مرة واحدة، ووجوبها على تمام حوله عند مالكه.

2 -

البادية أيام الشتاء وأيام الربيع منتشرة في البر والخلاء، يتبعون مواقع المطر ومكان الحيا والخصب؛ لرعي مواشيهم، فإذا جاء فصل الصيف نزلوا على الموارد والمياه، واجتمعوا فيسهل أخذ الزكاة منهم، فمِن باب الرفق بعمَّال الزكاة، ومن باب التقصي في تحصيل الزكاة من كل مسلم -أمر صلى الله عليه وسلم أن تؤخذ منهم الزكاة على مياههم ومواردهم.

3 -

فيه أنَّ ولي أمر المسلمين هو الذي يبعث السعاة والجباة لقبض الزكاة، وأنَّه لا يكلف صاحب المال أن يأتي بصدقته إلى بيت المال.

4 -

فيه إحياء هذه الشعيرة العظيمة التي هي أحد أركان الإسلام، ببعث العمَّال إليها وجبايتها، ثم تفريقها على أصحابها من أهل الزكاة.

5 -

فيه دليل على جواز نقل الزكاة من بلدها الذي فيه المال إلى بلد آخر؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر بقبضها، ولم يأمر بتوزيعها على فقراء المكان الذي فيه الأموال المزكاة.

6 -

فيه وجوب مراعاة الرفق بالرعية، وعدم تكليفهم ما يشق عليهم من الأمور، حتى فيما هو واجب عليهم أداؤه.

ص: 309

* خلاف العلماء:

اختلف العلماء في جواز نقل الزكاة من البلد الذي فيه المال إلى بلد آخر.

فذهب الشافعية والحنابلة إلى: منع نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة، وهو عندهم مرحلتان تقدران بنحو (48 ميلًا).

ودليلهم: حديث معاذ حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم: "فأعلمهم أنَّ عليهم صدقةً، تؤخذ من أغنيائهم: فترد في فقرائهم" فالفقراء هنا أهل البلد الذي فيه المال، وفيه الأغنياء.

وذهب المالكية إلى: المنع إلى مسافة القصر فأكثر، إلَاّ لمن هو أحوج إليها في غير بلد المال.

وتتفق المذاهب الثلاثة على جوازه فيما دون مسافة القصر؛ لأنَّ ما كان كذلك فهو في حكم الحاضر.

وذهب الحنفية: إلى كراهة النقل فقط، ما لم يكن في نقلها مصلحة كأقارب.

وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنَّه يجيز نقلها لمصلحة شرعية.

ودليل المجيزين: أنَّ ذكر الفقراء في حديث معاذ ليس خاصًّا بأهل تلك البلد، وإنَّما هو عام لعموم الفقراء.

والدليل الثاني: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم-كان يبعث الجباة، فيأتون بالصدقات من الأطراف البعيدة إلى المدينة؛ حيث توزع على فقرائها.

وجمهور العلماء -حتى الذين لا يجيزون نقلها- يقولون: لو نقلها أجزأت عنه، وأدت الواجب.

حكى ذلك الإمام الموفق في كتابه "المغني"، والله أعلم.

ص: 310

496 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وَلِمُسْلِمٍ: "لَيْسَ فِي العَبْدِ صَدَقَةٌ، إِلَاّ صَدَقَةَ الفِطْرِ"(1).

ــ

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

يدل الحديث على أنَّ الزكاة لا تجب إلَاّ في الأموال النامية، أو المعدة للنماء، أما الأموال المعدة للقنية والاستعمال، فلا زكاة فيها.

2 -

مثَّل الشارع الحكيم لأموال القنية التي لا زكاة فيها بالعبد المُعَدِّ للخدمة، والفرس المعدّ للركوب.

3 -

وإذا دليل على مبدأ الزكاة، وأنَّها إنما فرضت مواساةً بين الأغنياء والفقراء، وأنَّها لا تجب إلَاّ في مالٍ نامٍ.

4 -

هذا الحديث أحد الأدلة على عدم وجوب الزكاة في الحلي، المعد للاستعمال أو العارية؛ لأنَّه داخل تحت هذا الضابط من ضوابط الزكاة.

5 -

قال شيخ الإسلام: الشارع عني ببيان ما تجب فيه الزكاة؛ لأنَّه خارج عن الأصل، فيحتاج إلى بيان، وما لا تجب فيه لا يحتاج إلى بيان بأصل عدم الوجوب.

ففي الصحيحين: "ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقة".

قال النووي وغيره: وإذا الحديث أصل في أنَّ أموال القنية لا زكاة فيها، وهو قول العلماء من السلف والخلف.

وقال الوزير: أجمعوا على أنَّه ليس في دور السكنى، وثياب البذلة،

(1) البخاري (1464) مسلم (982).

ص: 311

وأثاث المنزل، ودواب الخدمة، وعبيد الخدمة، وسلاح الاستعمال زكاة؛ لما في الصحيحين:"ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة".

قلتُ: هذه أمثلة لضابط الزكاة، وهي أنَّها لا تجب إلَاّ فيما أعد للنماء، أما ما قطع عن النماء لاستعمالٍ، فلا تجب فيه.

6 -

أما زكاة الفطر: فإنَّها تجب على العبد؛ سواء كان للخدمة أو للتجارة. ويأتي إن شاء الله تعالى.

***

ص: 312

497 -

وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيْم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبلٍ فِي أرْبَعِيْنَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إِبلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أعْطَاهَا مُؤتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا، فَإنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيءٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ القَوْلَ بِهِ عَلَى ثُبُوتهِ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

قال في "التلخيص الحبير": رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي (7182) من طريق بهز بن حكيم، قال يحيى بن معين: إسناده صحيح، إذا كان مَنْ دون بهز ثقة، وبيَّن ابن حجر من تكلَّم في بهز، وأنه ليس بحجة، لكنه قال: وقد وثَّقه خلق من الأئمة، وقد استوفيت ذلك في "تلخيص التهذيب"، وقال عنه في "التقريب": صدوق، وعلى هذا يكون الحديث حسنًا، والله أعلم.

ووافق الذهبي الحاكم؛ أنَّه صحيح الإسناد، وصححه صاحب "المحرر" وابن القيم، وسئل عنه أحمد، فقال: ما أدري ما وجهه، فسئل عن إسناده، فقال: صالح الإسناد، وقال البيهقي: حديث منسوخ، وتعقبه النووي بعدم نسخه، والجواب عن ذلك ما أجاب به إبراهيم الحربي، فقال: في لفظه وهم،

(1) أحمد (20030)، أبو داود (1575)، النسائي (2445)، الحاكم (144).

ص: 313

وإنما هو: "فإنا آخذوها من شطر ماله"، أي: يجعل ماله شطرين، فيتخير عليه المصدق، وينظر تمامه في "التلخيص الحبير".

واحتجَّ بحديث بهز كل من: أحمد، وإسحاق، والبخاري، والنووي، وابن الملقن.

* مفردات الحديث:

- لا تفرق إبل عن حسابها: يعني: أنَّ الخليطين لا يفرقان مالَيْهما خشية الصدقة، إذا كانت الخلطة أحظ للفقراء.

- مُؤتَجِرًا بها: أي: قاصدًا الأجر من الله تعالى بإعطاء زكاته.

- شطر ماله: بفتح الشين المعجمة وسكون الطاء المهملة آخره راء مهملة -هو النصف، ويستعمل في الجزء والبعض منه، ولعله المراد هنا.

- عَزْمَة: بفتح العين المهملة وسكون الزاي ثم ميم مفتوحة ثم تاء التأنيث، منصوب على المصدرية، والناصب له فعل محذوف يدل عليه جملة:"فإنَّا آخذوها"، والمراد به: العزيمة والجد في الأمر الواجب المتحتم.

- آل محمد: هم بنو هاشم الذين منهم آل أبي طالب، وآل العبَّاس، وآل الحارث، وآل أبا لهب بنو عبد المطلب بن هاشم، فأبو طالب والعباس والحارث وأبو لهب هم أعمام النبي صلى الله عليه وسلم الذين صارت لهم ذرية، وأما من عداهم من أعمامه فلم يخلفوا عقبًا.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

يدل الحديث كما يدل سابقه "حديث أنس" على أنَّ في كل أربعين من سائمة الإبل بنت لبون، وبنت اللبون هي: ما تمَّ لها سنتان، سميت بذلك؛ لأنَّ أمها بعد ولادتها إياها قد ولدت غالبًا مرَّة أخرى، فصارت ذات لبن.

2 -

يدل على أنَّ المالين الخليطين من الماشية لا يجوز التفريق بينهما فرارًا من الزكاة، بل فيهما الزكاة على قدر حسابهما، فلا يفرق بين مجتمع، ولا

ص: 314

يجمع بين متفرق خشية الصدقة.

3 -

أمر الله تعالى بإخراج الزكاة؛ فقال: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] والأمر يقتضي الفورية، وذلك مع القدرة على إخراجها، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد.

4 -

أما مع الحاجة إلى تأخيرها، فإنَّه يجوز تأخيرها، كأشد حاجةٍ مرتقبةٍ أو حضور قريبٍ، أو جارٍ غائب، أو لعذر غيبة المال ونحو ذلك.

5 -

قال في "الشرح الكبير": لا يختلف المذهب أن دفعها للإمام جائز؛ سواء كان عدلاً أو غير عدل، وسواء كانت الأموال ظاهرةً أو باطنةً، ويبرأ بدفعها، تلفت يزيد الإمام أم لا، صرَفها في مصارفها أم لا.

6 -

يدل على أنَّ من أدى الزكاة طيبة بها نفسه، بدافع طلب الثواب والأجر -فقد قام بركن من أركان الإسلام العظام، وله على ذلك الأجر العظيم.

7 -

من مَنعها، فقد هدم ركنًا من أركان الإسلام، وترك واجبًا هامًا من أمور دينه، فعليه وزر ذلك وإثمه العظيم.

8 -

أنَّ على الإمام تعزير مانع الزكاة، وأنَّ من التعزير أخذ الزكاة قسرًا منه، وأخذ نصف ماله تعزيرًا ونكالاً له، وردعًا لأمثاله.

9 -

جواز التعزير بأخذ المال، فالتعزير باب واسع يختلف باختلاف الأحوال.

10 -

قوله: "عَزْمَة من عزمات ربنا" يعني: حدَّ الله في الجد، وعدم التواني في القيام به.

11 -

أنَّ الزكاة لا تحل لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، ولا لآله، وهم بنو هاشم؛ لأنَّها أوساخ الناس، وهم أرفع من ذلك، وسيأتي بأتمَّ من هذا إن شاء الله.

12 -

قال شيخ الإسلام: إنَّ العقوبات المالية ثلاثة أقسام:

أولًا: الإتلاف: هو إتلاف محل المنكرات تبعًا لها؛ مثل: الأصنام بتكسيرها وإحراقها، وتحطيم آلات اللهو، وتمزيق أوعية الخمور،

ص: 315

وتحريق الحوانيت التي يباع فيها الخمر، وإتلاف كتب الزندقة والإلحاد، والأفلام الخليعة، والصور المجسمة، ونحو ذلك.

ثانيًا: التغيير: مثل تكسير العملة المزيفة، والستائر التي فيها التصاوير، وجعله وسادة ونحو ذلك.

ثالثًا: التمليك: مثل: سرقة التمر المعلَّق، والتصدق بالزعفران المغشوش، فمصادرة مثل هذه الأشياء والصدقة بها، أو بأثمانها.

* خلاف العلماء:

ذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة- إلى أنَّ التعزير بأخذ المال لا يجوز.

وأجاب بعضهم عن القضايا التي وردت في العقوبة بأخذ المال-: بأنَّها منسوخة؛ إذ كان مشروعًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وعللوا عدم جواز التعزير بأخذ المال، بأنَّ هذا النوع من العقوبة يكون ذريعة إلى أخذ ظلمة الحكام والولاة أموال الناس بغير حق.

وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى: جواز التعزير بأخذ المال، إذا رأى الولاة أنَّ هذا يحقق المصلحة، ويردع الظلمة، ويكف الشر؛ لأنَّ التعزير باب واسع، فأوله التوبيخ بالكلام، وأعلاه التعزير بالقتل، إذا لم ينكف الشر إلَاّ بالقتل، وأخذ المال نوع من أنواع التعزير الذي يحصل به ردع المعتدين.

وقد ردَّ الشيخان دعوى النسخ ونفياها نفيًا باتًّا، ودلَّلا على ذلك بما ورد من القضايا العديدة المؤيدة لوجود العقوبات المالية.

قال الشيخ: مدَّعو النسخ ليس معهم حجةٌ شرعيةٌ، لا من كتابٍ، ولا من سنةٍ، وهو جائز على أصل أحمد؛ لأنَّه لم يختلف أصحابه أنَّ العقوبات في المال غير منسوخة كلها.

ص: 316

ومن أدلة التعزير بأخذ المال ما يأتي:

1 -

أباح النبي صلى الله عليه وسلم سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن يجده، [رواه أحمد (1381)].

2 -

أمر بكسر دِنان الخمر، وشق ظروفه، [رواه أحمد (11744)]

3 -

أمر عبد الله بن عمرو بحرق الثوبين المعصفرين، [رواه أبو داود (3546)].

4 -

أضعف الغرامة على من سرق من غير حرز، [رواه أبو داود (3816)].

5 -

هدم مسجد الضرار.

6 -

حرَم القاتل من الميراث والوصية، [رواه الترمذي (2035)].

***

ص: 317

498 -

وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا كَانَتْ لَكَ مِائتًا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ، فَفِيْها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ، حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِيْنَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِيْنَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذلِكَ، وَلَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ، حَتَّى يَحُولَ علَيْهِ الحَوْلُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

رواه أبو داود، وابن ماجه (1790)، وأحمد (1200)، والبيهقي (7325) عن علي رضي الله عنه وصحح الدارقطني وقفه (2/ 91)، لكن ابن حجر قال: حديث علي لا بأس بإسناده، والآثار تعضده فيصلح للحجة، وحسَّنه في "الفتح"، وصححه البخاري، وقال النووي: صحيح أو حسن، وقوَّاه الزيلعي في "نصب الراية".

وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: كلاهما -أي: طريقاه- صحيح.

* مفردات الحديث:

- مئتا درهم: تقدم أنَّ الدرهم الإسلامي وزنه (2.975) غرام.

- حال عليها الحول: حال الحول: مضى، والحول اسم للعام، والجمع

(1) أبو داود (1573).

ص: 318

أحوال، سمي حولاً؛ لأنَّ الشخص يحول فيه من حال إلى حال أخرى.

- دينار: هو المثقال من الذهب، ووزنه أربع غرامات وربع (4.25 جم).

- زكاة: أصلها "زكوة" بوزن فَعلَة كـ"صدقة"، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها، انقلبت الواو ألفًا، فصارت "زكاة"، وهي من الأسماء المشتركة بين المخرَج والفعل، ويطلق على المعين، فهي الطائفة من المال المزكى بها، وعلى المعنى وهي التزكية.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

نصاب الفضة -سواء كانت مسكوكةً، أو تبرًا، أو حليًا -هو مئتا درهم، وهو إجماع، وإنما الخلاف في قدر الدرهم، والتحرير أنَّ مئتي الدرهم تعادل "خمسمائة وخمسة وتسعين" غرامًا، وهي قدر "ستة وخمسين" ريالاً سعوديًّا.

2 -

ونصاب الذهب "عشرون" دينارًا، والدينار بزنة المثقال، وهو ما يعادل "خمسة وثمانين" غرامًا، وهو قدر "أحد عشر وثلاثة أسباع" جنيهًا سعوديًّا.

3 -

قال في "الروض المربع وغيره": ويُضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، فلو ملك عشرة مثاقيل ومائة درهم، فكل منهما نصف نصاب، ومجموعها نصاب، ويجزىء إخراج زكاة أحدهما عن الآخر؛ لأنَّ مقاصدهما وزكاتهما متفقة، فهما كنوعي جنس.

4 -

والآن بعد أن اختفى النقدان من الذهب والفضة من أيدي الناس، وحل محلهما في التعامل والثمنية "الورق النقدي" -أجمعت المجامع الفقهية على أنَّ الحكم منوط "بالورق النقدي"، بجامع الثمنية بينهما، فصار الحكم للعُملة الحاضرة "الورق النقدي" بكل ما يقوم به النقدان: من الزكاة، والديات، وأثمان المبيعات، وأحكام الربا، والمصارفة وغير ذلك، وسيأتي في "باب الربا" الحديث عن هذا بأوسع من هنا إن شاء الله.

ص: 319

5 -

النقدان ليس فيهما وقص في الزكاة، فكل شيء بحسابه، فإذا بلغ النقد نصابه في الزكاة، وجبت فيه الزكاة، وما زاد فبحسابه، قليلاً كان الزائد أو كثيرًا، فقد حكى النووي وغيره إجماع المسلمين على وجوب الزكاة فيما زاد على الأنصاب؛ للأخبار.

6 -

أنَّ حلول الحول شرط لوجوب الزكاة، فلا تجب حتى يحول على النصاب حول كامل.

قال الوزير: اتفقوا على أنَّ المستفاد لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول.

7 -

أما نتاج السائمة وربح التجارة: فحَوْله حول أصله، ولو لم يبلغ النتاج، أو الربح نصابًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.

* فائدة:

أقسام الأموال من حيث حولان الحول ثلاثة:

الأول: أن يكون المستفاد نتاج السائمة، أو ربح التجارة، فهذا حوله حول أصله، ولو لم يبلغ الربح والنتاج نصابًا، أو يحول عليه الحول.

الثاني: أن يكون المستفاد من جنس المال الذي عنده، ولكنه. ليس نتاجًا له، ولا ربحًا له، فهذا يضم إلى ما عنده لكن إن كان الأول دون النصاب، فكمَّله الأخير نصابًا فحولهما واحد، وإن كان الأول نصابًا كاملًا قبل حصول الثاني، فلكل منهما حوله الخاص.

الثالث: أن يكون من غير جنس ما عنده، فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، ولا يضم إلى ما عنده في تكميل النصاب، إلَاّ ما كان -من الذهب والفضة.

***

ص: 320

499 -

وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: "مَنِ اسْتَفَادَ مَالاً، فَلَا زَكاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُوْلَ الحَوْلُ". وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث ضعيف مرفوعًا.

قال في "التلخيص": رواه الترمذي والدارقطني (2/ 92)، والبيهقي عن ابن عمر، وصحَّح الترمذي وقفه على ابن عمر، وكذا البيهقي وابن الجوزي وغيرهما، وضعَّفه السيوطي في "الجامع الصغير".

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

الزكاة لا تجب إلَاّ بعد مضي عامٍ كاملٍ عليها، والحول هو اثنا عشر شهرًا هلاليًّا، هذا هو أحد شروط وجوب الزكاة.

2 -

قال البيهقي: المعتمد في اشتراط الحول على الآثار الصحيحة عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم.

وقال شيخ الإسلام: الحول شرطٌ في وجوب الزكاة في العين والماشية، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عمَّاله على الصدقة كل عام، وعَمِل بذلك الخلفاء؛ لما علموه من سنته.

قال ابن عبد البر؛ وعليه جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا، ولأن النماء لا يتكامل قبل الحول، ولأن الزكاة تتكرر في الأموال فلابد لها من ضابط؛ لئلا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن المتقارب، فيفنى المال، والمقصود المواساة.

(1) الترمذي (631).

ص: 321

3 -

فمن استفاد مالًا من غير ربح التجارة التي يديرها، ومن غير نتاج السائمة التي أعدها للدرّ والنسل، وإنما استفاده من طريق آخر كميراث، أو هدية، أو أجر عقار، أو راتب على وظيفة -وهو المراد بهذا الحديث- فحوله مستقل، ولا دخل له بما لديه من مال؟ لأنه ليس تابعًا له، فلم يربط به.

4 -

أما من استفاد مالًا من ربح التجارة، ولو قبيل حلول الأصل بشيء يسير -وجبت فيه الزكاة كأصله، أو لم تنتج بهيمة الأنعام قبل الحول إلَاّ بوقت يسير، وجبت فيه الزكاة كأصله، فحوله حول أصله.

5 -

إذا كان المال المكتسب لا علاقة له بتجارته وسائمته، فكل مال يزكيه وحده، إذا حال عليه حوله.

وإذا أراد أن يجعل له شهرًا معلومًا -كرمضان- لإخراج زكاته كلها، فيخرج عما حال عليه الحول، ويجوز إخراج الزكاة عما لم يحل حوله، من باب تعجيل الزكاة عنه فجائز، وهذا فيه راحة له، وتيسير لأمره.

***

ص: 322

500 -

وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: "لَيْسَ فِي البَقَرِ العَوَامِلِ صَدَقَةٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارقُطْنِيُّ، والرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحَّحه ابن القطان، وقال: كل من يرويه ثقة معروف، والحديث روي من طريق أبي إسحاق عن الحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة عن علي مرفوعًا وموقوفًا:"ليس في البقر العوامل شيء".

قال البيهقي: رواه النفيلي عن زهير بالشك في رفعه ووقفه.

وقال الحافظ في "التخليص": ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس، وفيه سوار بن مصعب، وهو متروك عن ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، ورواه ابن ماجه عن ابن عباس أيضًا، وفيه الصقر بن حبيب وهو ضعيف.

ورواه البيهقي عن جابر موقوفًا، وضعَّف إسناده.

* مفردات الحديث:

- البقر العوامل: جمع: "عاملة": التي تعمل للحرث، والدوس، ونزع الماء، وجر الأثقال، وأمثال ذلك.

* ما يؤخذ من الحديث:.

1 -

تقدم أنَّ الزكاة مبنية على المساواة بين الأغنياء والفقراء، وبناء على هذا المبدأ العادل، فإنَّها لا تجب إلَاّ في أموال نامية، أما الأموال المعدة للاستعمال، فلا زكاة فيها.

2 -

من الأموال المعدة للاستعمال البقر العوامل في حرث الزرع أو سقيه، فهذه

(1) أبو داود (1573)، الدارقطني (2/ 103).

ص: 323

لا زكاة فيها؛ لأنَّها آلة عمل، وإنما الزكاة في ثمرة عملها وإنتاجه وهو الخارج من الأرض.

3 -

يقاس على ذلك جميع الأموال التي أعدت للاشتغال والبقاء، ولم تجعل للنماء التجاري، وإنما نماؤها فيما ينتج منها، مثل سيارات النقل، ومثل مواتير الزراعة، ومثل أدوات الحراثة، ونحو ذلك، فكلها لا زكاة فيها.

4 -

ومثل ذلك ما تقدم من أدوات القنية، والاستعمالات الشخصية، والمنزلية: من مراكبٍ، وفرشٍ، وأوانٍ، وأثاث منزلٍ، ونحو ذلك؛ فإنَّها أموال مجمدة عن النماء لإعدادها للاستعمال؛ فلا زكاة فيها.

وتقدم أنَّ هذا هو مأخذ عدم وجوب زكاة الحلي المعد للاستعمال، كما تقدمت كلمة شيخ الإسلام التي قال فيها: إنَّ الشارع إنَّما عني ببيان ما تجب فيه الزكاة، أما الذي لا تجب فيه فلم يبيِّن، بناء على العفو فيما سكت عنه.

5 -

الأثر وإن لم يكن له حكم الرفع، إلَاّ أنَّه حجة؛ لكونه قول صحابي من الخلفاء الراشدين، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم:"ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة"[رواه مسلم (1631)].

***

ص: 324

501 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو رضي الله عنهم أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وإِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ (1)، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (2).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث ضعيف، فقد سئل عنه الإمام أحمد، فقال: ليس بصحيح. قال الترمذي: في إسناده مقال؛ لأنَّ المثنى بن الصباح يضعف في الحديث. وقد تابعه محمد بن عبد الله بن عمر، أخرجه الدارقطني، وتابعه أيضًا عبد الله بن علي الإفريقي أخرجه الجرجاني، وهو ضعيف، وتابعه أبو إسحاق الشيباني، وهو ثقة لكن الراوي عنه مندل، وهو ضعيف أيضًا، فالحديث بجميع طرقه هذه ضعيف.

وللحديث شاهد عن عمر موقوفًا، صححه البيهقي.

* مفردات الحديث:

- من ولي يتيمًا: مِنْ: وليت على الصبي أليه ولاية، والفاعل يقال له: والٍ، والجمع: ولاة، والصبي مولى عليه.

- يتيمًا: اليتيم هو من مات والده ولم يبلغ، والجمع: يتامى وأيتام، والصغيرة يتيمة، وجمعها: يتامى، فإن ماتت أمه فقط، قيل له: عجي، فإن مات أبواه سمي: لطيمًا.

(1) الترمذي (641)، الدارقطني (2/ 109).

(2)

الشافعي (1/ 92).

ص: 325

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

وجوب الزكاة في مال اليتيم، ومثله المجنون والسفيه؛ ذلك أنَّ الزكاة منوطة بسببها، فتتعلَّق بعين المال، وإن كان لها تعلق بالذمة، ولتعلقها بعين المال وإناطتها بسببها فإنَّه لا يشترط لوجوبها تكليف المزكي، فهي عبادة مالية، بخلاف الصلاة والصيام، فهما عبادتان بدنيتان محضة.

2 -

يُخرج الزكاةَ عنه وليُّه في المال؛ لأنَّ التصرفات المالية منوطة به.

3 -

أما الجنين: فلا تجب الزكاة في المال المنسوب إليه؛ لأنَّه مال له ما دام حملاً.

4 -

استحباب تنمية مال اليتيم بالتجارة وغيرها، مما يظن الولي أنَّه يحقق له ربحًا وفائدة، وزيادة في ماله، وإنَّ هذا من الإصلاح المأمور به لليتيم.

5 -

الحرص على أموال اليتامى بعدم إنفاقها، إلَاّ فيما هو خير لهم، وصلاح لأحوالهم، عملاً بقوله تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [المائدة: 152] والشارع هنا احتاط من نقص مال اليتيم من الصدقة الواجبة، وهي الزكاة، فكيف إنفاقه فيما لا صلاح له في دينه، ولا فى دنياه؟!.

6 -

ثبوت الولاية على اليتيم، وأنَّها ولاية شرعية تقتضي عمل الأصلح في شؤونهم وأموالهم، وقد وعد الله تعالى بالخير في الإصلاح لهم، وتوعد على الإساءة إليهم، وأكل أموالهم بأشد عقوبات الآخرة.

7 -

رحمة الله تعالى ولطفه باليتامى؛ حيث وصى عليهم، وجعل عليهم ولاية أميتة، تحفظ أموالهم وتنميها، وتصلح شؤونهم.

* خلاف العلماء:

أجمع العلماء على وجوب الزكاة في مال المسلم البالغ العاقل، واختلفوا في وجوبها في مال الصبي والمجنون:

فذهب الإمام أبو حنيفة إلى: عدم وجوبها في مال الصبي والمجنون، إلَاّ

ص: 326

في زرعه وثمره، فتجب فيه؛ لأنَّه من الأموال الظاهرة.

وذهب الأئمة الثلاثة إلى: وجوبها في مال الصبي والمجنون مطلقًا: الظاهر والباطن، وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

استدل القائلون بعدم وجوبها بأدلة، منها:

1 -

قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، والصبي والمجنون لا ذنوب عليهما، حتى يحتاجا إلى التطهير والتزكية.

2 -

جاء في سنن أبي داود (4402)، والنسائي بإسناد صحيح عن علي بن أبي طالب؛ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق"، والذي رفع عنه القلم غير مكلف بالشرائع، ولا يتناوله خطاب الشارع بالأمر والنهي.

3 -

إنَّ الزكاة عبادة محضة؛ كالصلاة والعبادات، يناط الأمر بها بالمكلفين، أما غير المكلفين فلا تجب عليهم التكاليف الشرعية.

4 -

الإسلام يراعي أموال الضعفاء، ويحرص على نمائها، وعدم مسها، إلَاّ بالتي هي أحسن، وأخذ الزكاة منها عامًا بعد عام، يعرضها للانقراض، فيتعرضان للحاجة والفقر.

أما أدلة القائلين بالوجوب فما يأتي:

1 -

عموم النصوص من الآيات والأحاديث الصحيحة التي دلَّت على وجوب الزكاة في مال الأغنياء وجوبًا مطلقًا، لم تستثن صبيًّا ولا مجنونًا؛ فالصغار والمجانين داخلون تحت قوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]، وقوله:"افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم"؛ فعموم هذه النصوص وأمثالها تشمل الصغار والمجانين إذا كانوا أغنياء.

2 -

ما رواه الترمذي (641) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن

ص: 327

النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ولي يتيمًا له مال، فليتجر له، ولا يتركه؛ حتى تأكله الصدقة" وهو حديث الباب.

3 -

ما رواه الشافعي (1/ 92)؛ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ابتغوا في مال اليتيم، لا تُذهبه الصدقة".

4 -

ما رواه الطبراني في "الأوسط"(4152) عن أنس قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اتَّجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة"، وإسناده صحيح.

وذهب إلى وجوبها في مال الصبي: عمر، وعلي، وابن عمر، وعائشة، وجابر رضي الله عنهم ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، فكان كالإجماع.

5 -

المقصود من الزكاة هو سد خلة الفقراء من مال الأغنياء، ومال الصبي والمجنون قابل لذلك.

6 -

الصبي والمجنون أهل لأداء حقوق العباد من مالهما بالاتفاق، فتجب الزكاة في مالهما كسائر الحقوق.

الجواب على أدلة الذين لم يوجبوها:

(أ) التطهير في الآية ليس خاصًّا بالذنوب لينحصر في المكلفين، وإنما هو عام في تربية الخُلق، وتزكية النفس، وتعويدها على الفضائل.

(ب) أما حديث: "رفع القلم عن ثلاثة" فالمراد به: رفع الإثم، والوجوب عليهما، والزكاة لا تجب عليهما، وإنما تجب في مالهما.

ولذا فإنَّ رفع القلم لا يشمل ما يجب عليهما من الحقوق المالية للعباد.

(ج) أما أنَّ الزكاة عبادة محضة كالصلاة، فالجواب: أنَّها عبادة مالية لها طابعها الخاص، وتجري فيها النيابة.

والخلاصة: أنَّ الزكاة عبادة مالية تجري فيها النيابة، والولي نائب الصغير فيها، فيقوم مقامه في أداء هذا الواجب، بخلاف العبادات البدنية، كالصلاة والصيام، فإنَّها عبادات بدنية، لا تدخلها النيابة.

ص: 328

502 -

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- اللَّهمَّ: هي بمعنى: "يا الله"، فالميم عوض عن ياء النداء، ولهذا لا يجمع بينهما؛ فإنَّه لا يجمع بين العوض والمعوَّض.

-صلِّ عليهم: أصل الصلاة في اللغة: الدعاء، إلَاّ أنَّ الدعاء يختلف بحسب حال المدعو له، فلا يتعيَّن لفظ خاص، بل يكون الدعاء بلفظ يؤدي معنى الثناء، ويناسب المقام.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

أمر الله تعالى نبيه ورسوله محمَّدًا صلى الله عليه وسلم أن يقبض الزكاة من المسلمين، وأن يصلي عليهم حين يقبضها منهم، فقال تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)} [التوبة]، فكان صلى الله عليه وسلم امتثالاً لأمر ربه إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال:"اللَّهمَّ صل عليهم".

2 -

ينبغي لقابض الزكاة -سواء قبضها للمسلمين كالسعاة والجباة، أو قبضها لنفسه كالفقير- أن يدعو لمُخْرجها، فكان مما ورد من الدعاء:"آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا".

3 -

استحباب مكافأة المحسن على إحسانه، ولو بالدعاء؛ لحديث: "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تظنوا أنَّكم

(1) البخاري (1497)، مسلم (1078).

ص: 329

قد كافأتموه" ففي الدعاء مع مكافأته تشجيعه، وتشجيع غيره على البذل.

4 -

قال البخاري: قال أبو العالية: الصلاة من الله تعالى على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.

قال الأزهري: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين التضرع والدعاء.

5 -

أنَّ دَفْعَ الزكاة إلى ولي أمر المسلمين تارةً يكون ببعثه الجباة إلى أصحاب الأموال في مياههم وحقولهم، وتارةً يأتون بها إليه، وكل ذلك جائز.

***

ص: 330

503 -

وَعنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه "أَنَّ العَبَّاسَ رضي الله عنه سَأَلَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فِي تَعْجِيلِ صَدقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ في ذلِكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

قال في "التلخيص": رواه أحمد (781) وأصحاب السنن والحاكم والدارقطني (2/ 123)، والبيهقي (7157) عن علي رضي الله عنه ويعضده حديث أبي البحتري عن علي، ورجاله ثقات إلَاّ أنَّ فيه انقطاعًا.

قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

وذكر الحافظ طرقًا متعددة لهذا الحديث في "فتح الباري"، وقال: ليس ثبوت قصة العباس في تعجيل صدقته ببعيد؛ لمجموع هذه الطرق.

* مفردات الحديث:

- تعجيل صدقته: تعجيل الصدقة هو: إخراجها قبل تمام حولها، وسيأتي إن شاء الله.

- صدقته: المراد بها: زكاة ماله، فالصدقة تطلق شرعًا وعرفًا على الزكاة.

-فرخَّص له: بالتشديد من: الترخيص، والرخصة معناها: اليسر والسهولة، وشرعًا: ما ثبت على خلاف دليلٍ شرعيٍّ لمعارضٍ راجحٍ.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم، سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخَّص له في ذلك، فعجَّل صدقته عامين.

(1) الترمذي (678)، الحاكم (5431).

ص: 331

2 -

فيجوز تعجيل إخراج الزكاة لعامين فقط؛ اقتصارًا على الوارد، ولا يجوز أكثر من هذا.

3 -

أجمع العلماء على أنَّه لا يعجلها، إلَاّ إذا كمل النصاب؛ لأنَّ النصاب هو سبب وجوبها، فلا يجوز تقديمها عليه.

قال شيخ الإسلام: يجوز تعجيل الزكاة قبل وجوبها سبب الوجوب عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد، فيجوز تعجيل زكاة الماشية، والنقدين، وعروض التجارة إذا ملك النصاب، ويجوز تعجيل المعشَّرات قبل وجوبها، إذا كان قد طلع الثمر قبل بدو صلاحه، ونبت الزرع قبل اشتداد حبه.

4 -

لا يستحب تعجيل الزكاة، إلَاّ إذا كان هناك مصلحة؛ كأن يوجد مجاعة، أو يحدث للمسلمين حاجة إلى تعجيل الزكاة.

* خلاف العلماء:

أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز تعجيل الزكاة قبل تمام النصاب؛ لانَّه لم يوجد سبب الوجوب، فلم يجز تقديمها عليه.

وذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة إلى: جواز تعجيلها بعد انعقاد سبب وجوبها بملك النصاب، وحديث العباس صحيح صريح في جواز التعجيل.

وذهب المالكية وداود إلى: عدم جواز تقديمها قبل حلول الحول؛ سواء ملك النصاب أو لا، وحجتهم: أنَّ الحول أحد شرطي وجوب الزكاة، فلم يجز تقديمه عليه، كما لا يجوز قبل ملك النصاب إجماعًا.

قال ابن رشد في "بداية المجتهد": وسبب الخلاف: أنَّ الزكاة هل هي عبادة، أو حق واجب للمساكين؟ فمن قال: إنَّها عبادة، لم يُجِز إخراجها قبل الوقت، ومن شبهها بالحقوق الواجبة المؤجلة أجاز إخراجها قبل الأجل على

ص: 332

جهة التطوع، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.

* فائدة:

ذهب الحنفية إلى: جواز تأخير إخراج الزكاة بعد وجوبها بحلول الحول، وقالوا: إنَّها تجب وجوبًا موسعًا.

وذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة- إلى: عدم جواز تأخيرها بعد حلول حولها.

قال في "المغني": إنَّ الأمر يقتضي الفورية على الصحيح، كما في الأصول، ولذلك يستحق المؤخر للامتثال العقاب.

والمبادرة بإخراجها مبادرة إلى الطاعة، ومسارعة إلى أدائها، قال تعالى:{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148].

***

ص: 333

504 -

وَعَنْ جَابرٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم-قالَ: "لَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ مِن التَّمْرِ صَدَقَةٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- أواقٍ: بدون الياء، برواية أبي داود (1558)، ووقع في مسلم بالياء المخففة، وبدونها. قال النووي: وكلاهما صحيح، وهي جمع:"أوقية" بتشديد الياء، وجمعها:"أواقي" بتشديد الياء.

قال العيني: والجمهور يقولون في الواحدة:"وقية"بحذف الهمزة، وجمعها:"وقايا"، مثل: ضحية وضحايا، وأجمع أهل الحديث والفقه واللغة على أنَّ الأوقية الشرعية أربعون درهمًا، فخمس أواق هي مئتا درهم، وهذا نصاب الفضة، ونصاب الفضة في المعايير الحاضرة هو (595) غرامًا من الفضة.

- الورق: بفتح الواو وكسر الراء المخففة، قال العيني وغيره: هي الدراهم المضروبة، فما كان من الفضة غير مضروب، فلا يسمى: ورِقًا.

- ذَود: -بفتح الذال المعجمة وسكون الواو- هي ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل، لا واحد له من لفظه، ويجمع على:"أذواد"، وهو اسم جمع يطلق على المذكر والمؤنث، والقليل والكثير، ولذا صحَّ إضافة "الخمس" إليه.

- دون: في المواضع الأربعة كلها، هي بمعنى "أقل"؛ أي لا تجب الزكاة في

(1) مسلم (980)

ص: 334

أقل من هذه المقادير لهذه الأشياء.

- الإبل: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، وهي مؤنث.

- أوسق: مفرده:"وسْق"، بفتح الواو وسكون السين، وحكي كسر الواو، والفتح أوضح، وبعد السين قاف، والوسق: ستون صاعًا، فيكون نصاب الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع، والصاع في الموازين الحاضرة هي "3 كيلو"، وهذا تقدير تقريبي احتياطي بالحنطة الرزينة، فيكون الثلاثمائة الصاع هي "900 تسعمائة كيلو غرام".

وقد بحث مجلس هيئة كبار العلماء في قدر الصاع النبوي بالنسبة للمكاييل الحديثة، فلم يصلوا إلى تحديد متيقن حاسم؛ وذلك لعدم وجود صاع نبوي متيقن، فكان رأي غالب الأعضاء تقديره بثلاثة آلاف غرام، وهذا احتياط لصدقة الفطر ونحوها.

***

ص: 335

505 -

وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه: "لَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ، وَلا حَبٍّ صَدَقَةٌ" وَأَصْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- أوساق: جمع: "وسق"، قال في "المصباح": حكى بعضهم "الوسق" بكسر الواو لغةً، وجمعه "أوساق" مثل: حمل وأحمال، وأصل الوسق: الحمل لكل شيء، يقال: وسقته؛ أي: حملته.

- حب: -بفتح الحاء، وتشديد الباء-: البذر؛ مثل: القمح، أو الشعير.

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

الزكاة مبناها المواساة؛ لذا فإنَّها لا تجب في المال القليل الذي لا يفي بضرورات صاحبه، فهو أحق بهذا القليل من غيره.

2 -

فليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر، أو الحب صدقة، فهذه مكاسب قليلة، ومحصول ضئيل، لا تجب فيها الزكاة.

3 -

فنصاب الفضة مئتا درهم، وقدرها:(595) غرامًا، ونصاب الإبل خمس، وما دونها ليس فيه زكاة، ونصاب الثمار والحبوب هو (300) صاع نبوي، والصاع النبوي هو (3000) ثلاثة آلاف غرام.

4 -

هذا كله من العدل الرباني بين عباده؛ فإنَّ الزكاة هي مواساة ومساواة، فلا تجب إلَاّ في أموال الأغنياء، أما الفقراء فلا تجب عليهم.

(1) البخاري (1447)، مسلم (979).

ص: 336

فالبدوي الذي لا يملك إلَاّ أربعة أبعرة، والفلاح الذي لا يحصل إلَاّ أقل من ثلاثمائة صاع، والتاجر الذي تقل أثمانه وعروضه عن مئتي درهم -هؤلاء هم مستحقون لإعطائهم من الزكاة لتكميل نفقاتهم.

5 -

قال ابن عبد البر والخطابي والنووي وغيرهم: هذا الحديث أصل في مقادير ما تتحمله الأموال من الموأساة، وإيجاب الصدقة فيها، وإسقاطها عن القليل الذي لا يتحملها؛ لئلا يجحف بأرباب الأموال، ولا يبخس الفقراء حقوقهم، فإذا بلغه النصاب وجب الحق، ولا يجب فيما دونه، وهو مذهب جماهير العلماء، ومنهم الأئمة: مالك والشافعي وأحمد.

6 -

في الحديث أنَّ تقدير النصاب والمخرج مردَّه إلى الشرع، لا إلى العرف، ولو رد إلى العرف لانفرط زمام الأمر؛ نظرًا لاختلاف الناس، من بخيل يمنع القليل من الكثير.

7 -

قال الخطابي وغيره: يستدل بحديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"-: أنَّها لا تجب في شيء من الخضراوات، وعليه عامة أهل العلم، وتركها صلى الله عليه وسلم-وخلفاؤه من بعده، وهي تزرع بجوارهم، يدل على عدم وجوبها فيها، وأنَّ تركها هي السنة المتبعة.

8 -

قوله:"ليس دون خمس أواق من الورق صدقة" قال شيخ الإسلام وغيره: هو نصٌّ على العفو فيما دونها، وإيجاب لها في الخمس فما فوقها، وعليه أكثر العلماء.

وفي الصحيح: "فإن لم يكن إلَاّ تسعين ومائة، فليس فيها شيء"، وفي رواية:"وليس فيما دون المئتين زكاة" قال البخاري: كلاهما عندي صحيح، والزيادة فيهما بحسابه.

***

ص: 337

506 -

وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ أبِيهِ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ، أوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وَلأَبِي دَاوُدَ: "إِذَا كَانَ بَعْلاً العُشْرُ، وَفِيْمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي أوِ النَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ"(1).

ــ

* مفردات الحديث:

- سقتِ السماء: أي: "المطر"، لأنَّه ينزل من السماء، وتطلق السماء على كل ما علاك.

- العيون: جمع: "عين"، هي الينابيع التي تنبع من الأرض، أو من سفوح الجبال.

- عثريًا: -بفتح العين المهملة وفتح المثلثة وكسر الراء وتشديد الياء المثناة التحتية -هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، فهو من: عثر على الشيء عثورًا؛ لأنَّه تهجم على الماء، فتعثر عليه بلا عمل من صاحبه.

-العُشْر: بضم العين مبتدأ، وخبره "فيما سقت السماء"، وتقديره: العشر واجب فيما سقت السماء.

-النَّضح: بفتح النون وسكون الضاد المعجمة فحاء مهملة، وأصل النضح: رش الماء وإساحته، وأريد به السقي، والدابة الناضحة هي التي تسقي الزرع، قال في "المصباح": ونضح البعير الماء: حمله من نهرٍ، أو بئرٍ؛ لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى: ناضحة بالهاء، والجمع: نواضح، سمي: ناضحًا؛ لأنَّه ينضح العطش، أي: يبله بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم

(1) البخاري (1483)، أبو داود (1596).

ص: 338

استعمل في كل بعير، وإن لم يحمل الماء؛ كحديث:"أطعِمه ناضِحَك"؛ أي: بعيرك.

- أو كان: الضمير فيه يرجع إلى لفظ "مسقي"، وتقديره: أو كان المسقي عثَرِيًّا.

-بَعْلاً: -بفتح فسكون- هو الشجر، أو الزرع الذي ينبت بماء السماء من غير سقي، وهو مقاربٌ لمعنى العثري، أو مرادفٌ له.

- السواني: جمع "سانية"، هي الدابة من الإبل، والبقر، أو الحمر، ذاهبة وآيبة، تخرج الماء من البئر بالغرْبِ وأدواته، فالسانية التي يسقى بها، سميت سانية؛ لرفعها الماء ليسقي به الشجر والنبات

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

قال شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام النووي: قد اتَّفق العلماء على المقدار المأخوذ من المعشرات، للخبر الصحيح عن ابن عمر مرفوعًا.

2 -

أنَّ الواجب في الحبوب والثمار التي سقيت بلا مؤنة، وإنما سقتْها الأمطار، أو العيون الجارية، أو البعل الشارب بعروقه العُشر، وهو الواحد من عشرة، ذلك أنَّه حصلت ثمرته بلا كلفة، ولا مؤنة؛ لأنَّ أهم الكلفة والمؤنة هي الماء.

3 -

أنَّ ما سقي بكلفة ومؤنة؛ كالنواضح والدولاب تديره البقر، أو الخيل، أو البغال، وكل آلة يحتاج إليها في إخراج الماء من بطن الأرض إلى ظاهرها، كالمواتير التي ترفع الماء من باطن الأرض إلى ظاهرها بالبنزين، أو الديزيل، أو الكهرباء -فيه نصف العشر، وذلك إجماع أهل العلم؛ للخبر الصحيح في ذلك.

4 -

ما سُقِي بالطريقتين إحداهما: بكلفة ومؤنة، والأخرى: بلا كلفة ولا مؤنة، ففيه ثلاثة أرباع العُشر، حكى الإجماع على ذلك غير واحد، ولأنَّ كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وجد نصفه أوجب نصفه.

5 -

هذا التقسيم في الأحكام مراعًى فيها حالة المزكي، وهو أساس العدل

ص: 339

والمساواة، في أحكام الله تعالى.

6 -

ظاهر الحديث وجوب الزكاة في القليل والكثير، في الخارج من الأرض، ولكن الحديث مخصص بالحديث السابق في البخاري عن ابن عمر مرفوعًا، فإنَّه إذا تعارض العمل بالعام والخاص، كان العمل بالخاص في أظهر أقوال الأصوليين.

7 -

ظاهر الحديث أنَّ الدَّين لا يمنع وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة، وهي المواشي والحبوب والثمار؛ لأمرين:

الأول: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر السُّعاة والجباة أن يسألوا صاحب المال، هل هو مدين أو لا؟ والغالب أنَّهم مدينون.

الثاني: أنَّ الأموال الظاهرة يشاهدها الفقراء والمستحقون، فأنفسهم متعلقة بها، فمِن المواساة ألا يُحرموا منها، وهذا القول أعدل الأقوال الثلاثة: في منع الدين من وجوب الزكاة، أو عدمه.

***

ص: 340

507 -

وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ وَمُعَاذٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُمَا: "لَا تَأْخُذُوا فِي الصَّدَقَةِ، إِلَّا مِنْ هَذِهِ الأَصْنافِ الأرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ وَالحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالحَاكِمُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

وقد أخرجه الدارقطني (2/ 98)، والحاكم، وقال: إسناده صحيح، ووافقه الذهبي، وأقرَّه الزيلعي، قال الشيخ الألباني: وأخرجه أبو عبيد في "الأموال" من طُرُقٍ عن عمر بن عثمان قال: سمعت موسى بن طلحة يقول: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير، والنخل والعنب" وهذا سندٌ صحيح مرسل، وهو صريح في الرفع، ولا يضر إرساله؛ لأنَّه صحَّ موصولاً عن معاذ.

قال في "التلخيص": رواه الحاكم والبيهقي من حديث أبي موسى ومعاذ.

قال البيهقي (7242): ورواته ثقات، وهو متصل.

* مفردات الحديث:

- الشعير: نبات عشبي حبي من الفصيلة النجلية، وهو دون البر في الغذاء، فيقال:"فلان كالشعير يؤكل ويذم".

- الحنطة: -بكسر الحاء-: القمح، جمعه:"حنط".

- الزبيب: جمع: "زبيبة"، وهو ما جفِّف من العنب.

(1) الحاكم (1459).

ص: 341

508 -

وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه قَالَ: "فَأَمَّا القِثَّاءُ، وَالبِطِّيخُ، وَالرُّمَّانُ، وَالقَصَبُ، فَقَدْ عَفَا عَنْهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. وإِسْنَادُهُ ضعيف (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث ضعيف.

قال في "التلخيص": رواه الدارقطني والحاكم (1458) والبيهقي (7268) من حديث معاذ، وفيه ضعف. اهـ. وفيه انقطاع بين موسى بن طلحة ومعاذ بن جبل، ولكنه انقطاع مغتفر؛ ذلك أنَّه موسى يرويه عن كتاب معاذ، وهو حجة عند علماء أصول الحديث، ولذا صححه بعض العلماء.

* مفردات الحديث:

- قِثَّاء: بكسر القاف وضمها ممدود، واحدته: قثاءة؛ نوع من الخيار، لكنه أطول.

- البطيخ -بكسر الباء-: نبات عشبي حولي ينبت في المناطق المعتدلة والدافئة، وهو من الفصيلة القرعية، وثمرته كبيرة كروية، أو مستطيلة، وهو أصناف وأنواع.

- الرُّمَّان: بضم الراء وتشديد الميم، واحدته: رمَّانة، ثمر معروف، وشجره من الفصيلة الأتنية.

- القصب: كل نبات كانت سوقه أنابيب وكعوب، ومنه قصب السكر، وقصب الذرة وغيرها.

(1) الدارقطني (2/ 97).

ص: 342

- عفا عنه رسول الله: قال القرطبي: العفو بمعنى الترك، أي تركها، ولم يعرف بها فهو معفو عنها، فلا تبحثوا عنها، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها" فهذا معنى العفو عنها.

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

حديث (507) فيه دليل على أنَّ الزكاة تجب في الحبوب كلها، وتجب في الثمار التي تُكال وتُدَّخر، ومثَّل لذلك بالشَّعير والحنطة والزبيب والتمر؛ لأنَّ ما يقتات ضروري في الحياة، فأوجب فيه الشارع الزكاة نصيبًا مفروضًا لأصحاب الضرورات.

أما الحبوب فشُرِط لوجوب الزكاة فيها الكيل؛ لأنَّه يدل على صحة إناطة الحكم به، كما شُرط للوجوب فيها صلاحيتها للادخار، فما لا يدخر لم تكمل فيه النعمة لعدم الانتفاع به.

2 -

قال شيخ الإسلام: أما أحمد وغيره من فقهاء الحديث فيوجبون الزكاة في الحبوب، كالثمار التي تدخر، وإن لم تكن تمرًا ولا زبيبًا، جُعِلا للبقاء في المعشرات بمنزلة الحول، ويفرقون بين الخضراوات وبين المدخرات؛ لما في ذلك من الآثار عن الصحابة، فرجح شيخ الإسلام أن المعتبر لوجوب زكاة الخارج من الأرض هو الادخار، لا غير؛ لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه، بخلاف الكيل؛ فإنَّه تقدير محض، فالوزن في معناه.

3 -

أما الفواكه والخضراوات والبقول فلا تجب فيها الزكاة؛ لأَنَّها ليست مدخرة، وليست مكيلة، ومثل هذه الأشياء إنَّما هي ذات منفعة عاجلة، والحاجة إليها مؤقتة، وليست من الغذاء الضروري، وإنما هي للتنعم والتفكه، فهي من مأكولات الأغنياء دون الفقراء:{وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} [النحل: 71] فلذا لم تجب فيها الزكاة، على قول جمهور العلماء.

ص: 343

4 -

الحديث المتقدم الذي رواه البخاري (1366)"ليس فيما دون خمسة أوسق من حب صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من الثمر -بالثاء المثلثة- صدقة" -دليل على أنَّ الزكاة تجب في عموم الثمار المعدة للادخار والكيل، وأنَّها تجب في كل الحبوب؛ لأنَّه أطلق اسم الحب والثمر، فهو يشمل كل حب وثمر، وقيد الثمر بما صلح للادخار، وضبط بالكيل.

5 -

قال في "الفروع": ولو ملك ثمرة قبل صلاحها، ثم صلحت بيده -لزمته زكاتها؛ لوجود السبب في ملكه، ومتى صلحت بيد من لا زكاة عليه، فلا زكاة فيها.

6 -

قال غير واحد من أهل العلم: لا تجب زكاة المعشرات بعد الحول الأول، ولو ادخرها للتجارة؛ لأنَّها لا تصير لها إلَاّ بعد البيع، كعرض القنية.

* خلاف العلماء:

اختلف العلماء فيما تجب فيه الزكاة من الخارج من الأرض:

فذهب الإمام أبو حنيفة إلى: أنَّها تجب في القليل والكثير، مما أخرجته الأرض من الحبوب كلها، والثمار كلها، والفواكه، والخضراوات، والبقول، والزهور.

واستدلَّ على ذلك: بحديث ابن عمر أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عَثَرِيًا العُشر

" إلخ

[رواه البخاري (1412)] فعمم الواجب في كل خارج من الأرض.

وذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّها تجب فيما يدخله الكيل، ولو لم يكن قوتًا؛ كحب الكمون، وحب الكرات، وحب اللوز، ونحوه، ودليلهم ما تقدم من حديث:"ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من حب صدقة".

والحديث يدل على وجوبها في الثمار والحبوب فقط.

ص: 344

أما الخارج من الأرض من غير الحبوب والثمار: فهي حاصلات عاجلة، ومنافعها حاضرة، وخارجها غالبًا قليل، وهي تراد للتنعّم، مع ما في هذا من النص: "فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب، فقد عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث وإن كان ضعيفًا إلَاّ أنَّه جاء على وفق الأصل، في عدم الوجوب في المسكوت عنه، فهو من المعفو عنه.

قال صلى الله عليه وسلم: "وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان، فلا تسألوا عنها"[رواه الطبراني في "الأوسط" (8938)، والدارقطني (4/ 298)]. وقد حسَّنه النووي والسمعاني وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وله شواهد في لفظه ومعناه.

وقد قُدِّرت ما تجب فيه الزكاة من الخارج من الأرض بمكيالها الشرعي، أما الفواكه والخضروات والبقول ونحوها، فهي من المعدودات فلا تكون داخلة فيما تجب فيه الزكاة.

قال الخطابي: يستدل بالحديث (508) على أنَّها لا تجب في شيء من الخضراوات والفواكه ونحوها، وعليه عامة أهل العمل، فتركه صلى الله عليه وسلم إياها، وتَرك خلفائه، وهي تزرع بجوارهم، ولا تؤدى زكاتها لهم -يدل على عدم وجوبها فيها، وإن تركها لهو السنة المتبعة.

ذهب الإمامان: مالك والشافعي إلى: أنَّها لا تجب في الثمار، إلَاّ في التمر والزبيب، ولا تجب في الحب إلَاّ ما كان قوتًا.

أما الإمام أحمد: فذهب إلى وجوبها في الثمار التي تكال وتدخر، وإلى وجوبها في جميع الحبوب، ولو لم تكن قوتًا.

وتقدم قول شيخ الإسلام: إنَّ المعتبر لوجوب زكاة الخارج من الأرض هو الادخار؛ لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه، بخلاف الكيل فإنَّه تقدير محض، فالوزن في معناه.

ص: 345

* قرار هيئة كبار العلماء بشأن إخراج زكاة الحبوب والثمار نقدًا:

(قرار رقم: 98، وتاريخ 6/ 11/ 1402 هـ):

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه، وبعد:

فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء في دورته العشرين المنعقدة في مدينة الطائف في الفترة التي بين يوم 24/ 10/ 1452 هـ ويوم 7/ 11/ 1402 هـ ، قد اطَّلع على كتاب صاحب السمو الملكي نائب رئيس مجلس الوزراء، رقم (22848)، وتاريخ 27/ 9/ 1402 هـ، الذي طلب فيه سموه إبداء الرأي الشرعي في جواز دفع زكاة الحبوب والثمار نقدًا، بدل دفعها من عين المال أو جنسه، كما اطَّلع المجلس على كتاب سمو نائب وزير الداخلية رقم (42234)، وتاريخ 22/ 9/ 1402 هـ، حول ما أفتى به فضيلة قاضي الغاط من جواز أخذ النقود عن زكاة الحبوب والثمار، واطَّلع أيضًا على كتاب معالي وزير العدل رقم (258/ 1/ ف)، وتاريخ 26/ 6/ 1402 هـ، المتعلق بالمعاملة المحالة إلى معاليه من فضيلة رئيس محاكم القصيم بشأن الموضوع.

وبعد اطلاع المجلس على ما ذكر، وعلى بعض النقول من كلام أهل العلم، والنظر إلى أن الزكاة شرعت لمصالح كثيرة، منها مواساة الفقراء، وسد حاجتهم، وتطهير الأغنياء وتزكيتهم، وبعد تداول الرأي، وتأمل ما كان عليه العمل في صدر الأمة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين رضي الله عنهم وأتباعهم، ووجود حالات أخذت فيها بعض قيم الزكاة عند فقد الواجب في الزكاة -فإن مجلس هيئة كبار العلماء يقرر بالإجماع:

أن الأصل أن تدفع الزكاة من عين المال حسب ما جاءت به النصوص عن الرسول صلى الله عليه وسلم في تفصيل الأموال الزكوية، وبيان مقدار الواجب فيها ما أمكن ذلك.

ص: 346

كما يقرر بالأكثرية جواز دفع القيمة في الزكاة إذا شق على المالك إخراجها من عين المال، ولم يكن على الفقراء مضرة في ذلك، كمن وجبت عليه زكاة الغنم في الإبل وليس عنده غنم، ويشق عليه طلبها، وهكذا إذا اقتضت مصلحة الفقراء إخراج القيمة؛ كأن يشق عليهم أخذها من عين المال لكونهم في مكان يشق عليهم أخذها فيه، وكما لو باع الفلاح ثمرته كلها، فإنه يجوز أن يعطي الزكاة من الثمن. هذا وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

***

ص: 347

509 -

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رضي الله عنه قَالَ: "أمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا خَرَصْتُمْ فَخذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبعُ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَاّ ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صححه الحاكم وابن حبَّان.

قال في "التلخيص": رواه أحمد وأصحاب السنن الثلاث، وابن حبان، والحاكم من حديث ابن أبي حَثْمَة، وفي إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن سهل، قال البزّار: وقد تفرد به، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، قال الحاكم: وله شاهد بإسناده متفق على صحته أن عمر بن الخطاب أمر به.

* مفردات الحديث:

-إذا خَرَصْتُم: أيها السعاة والعمَّال.

-خرصْتُم: بفتح الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة وبعدها صاد مهملة ساكنة، من باب نصر ينصر، وضرب يضرب -هو تقدير الشيء وخرصه بالظن والتخمين والحزر.

يقال: خرص النخل والكرم: حزر ما عليهما من الرطب تمرًا، ومن العنب زبيبًا.

إذا خَرَصْتُم: "إذا" شرطية، "خرصتم" فعل الشرط، وجوابه "فخذوا"، و"دعوا" عطف عليه.

- دعُوا الثُّلُث: اتركوا لأهل المال الثلث بقدر ما خرصتم.

(1) أحمد (15511)، أبو داود (1605)، الترمذي (643)، النسائي (2491)، ابن حبان (3280) الحاكم (1464).

ص: 348

510 -

وَعَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: "أمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُخْرَصُ العِنَبُ؛ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ زَبِيْبًا". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الراجح أن الحديث مرسل.

قال في "التلخيص": رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والدارقطني من حديث عتاب بن أسيد، ومداره على سعيد بن المسيب عن عتاب، فقد قال أبو داود: لم يسمع منه، وقال المنذري: انقطاعه ظاهر؛ لأن مَوْلد سعيد في خلافة عمر، ومات عتاب في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق.

قال أبو حاتم: الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عتابًا؛ مرسل.

قال النووي: هذا الحديث وإن كان مرسلاً، لكنه اعتضد بقبول الأئمة له.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا الحديث جاء على قواعد الشريعة ومحاسنها.

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

الحديثان يدلان على أنه على الإمام أن يبعث جباة الزكاة وسعاتها لجبي زكاة الحبوب والثمار؛ وذلك إظهارًا لهذه الشعيرة العظيمة، فإن الزكاة من شعائر الإسلام الظاهرة.

2 -

ويدلان على أنه يكفي لمعرفة قدر الثمرة والحب خَرْصُه وتقدير ما يحصل

(1) أبو داود (1603)، الترمذي (644)، النسائي (2618)، ابن ماجه (1819) وعزوه لأحمد وهم، إنما رواه الإمام أحمد عن معاذ نحوه (20985).

ص: 349

منه؛ إذ في جذاذه وحصاده وتقدير ذلك بالمكيال الشرعي مشقة كبيرة، فاكتفى بتقديره وخرصه.

فتقوى الله تعالى وتكاليفه الشرعية تكون بقدر الاستطاعة والقدرة.

والقاعدة الشرعية أنه إذا تعذر الوصول إلى اليقين، أو تعسر، اكتفى بغلبة الظن وأمثلته في الشرع كثيرة.

3 -

ويدل الحديث رقم (509) أن على خارص الثمرة والحب والجابي ألا يستقصي بأخذ كل الزكاة، وإنما عليه أن يدفع لأصحاب الأموال ثلث الزكاة أو ربعها؛ ليخرجها صاحبُها على أقاربه وجيرانه ونحوهم ممن تعلقت نفوسهم بهذه الثمرة والحب، وتخيير الخارص بين الثلث والربع راجع إلى نظر الخارص واجتهاده في تحقيق المصلحة في ذلك، من سخاء صاحب الثمار وعدمه، وكثرة أتباعه وقلبتهم.

4 -

قال شيخ الإسلام: إن الحديث -حديث سهل- جار على قواعد الشريعة ومحاسنها، موافق لقوله صلى الله عليه وسلم:"ليس في الخضراوات صدقة"[رواه الترمذي (638)]، لأنه قد جرت العادة أنه لابد لرب المال بعد كمال الصلاح أن يأكل هو وعياله، ويطعم الناس ما لا يدخر ولا يبقى مما جرى العرف بإطعامه وأكله، بمنزلة الخضراوات التي لا تدخر. يوضح ذلك بأن هذا العرف الجاري بمنزلة ما لا يمكن تركه، فإنه لابد للنفس من الأكل من الثمار الرطبة، ولابد أن يشاركه في هذه الثمار الرطبة من قريب وجار وقائم على صلاح الثمرة.

5 -

قوله: "دعوا الثلث أو الربع" فيه الأخذ بمراعاة الأحوال، من أنه يجب في وقت ما لا يجب في وقت غيره، ويجب على شخص ما لا يجب على الشخص الآخر، وهذا ومثله راجع إلى مراعاة المصالح والأحوال.

6 -

تقدم في الحديث رقم (507) حصر ما تؤخذ منه الزكاة في أربعة: "الشعير،

ص: 350

والحنطة، والزبيب، والتمر"؛ بمعنى: أنَّ الزكاة لا تجب إلَاّ في هذه الأربعة. ولكن هل هذا الحصر هو حصر عين، بمعنى أنَّها لا تجب إلَاّ في هذه الأربعة الأصناف فقط، أم أنَّه حصر وصف، بمعنى أنَّه فيها، وفيما يماثلها من الحبوب والثمار؟

قد تقدم خلاف العلماء أنَّ الراجح أنَّ هذا حصر وصف، وأنَّها تجب في كل الحبوب والثمار المدخرة، وهو مذهب جمهور العلماء على اختلاف بينهم؛ فيما يدخل، وما يخرج من هذه الأصناف الموصوفة، وقد اعتمدوا في هذا العموم على آثار من الصحابة رضي الله عنهم كما اعتمدوا في حصرها بالمعشّرات المدخرات على التعليل، وقالوا: إنَّ غير المدخر لم تكمل فيه النعمة، فلا تجب الزكاة فيه، ويستدلون بقول معاذة "فأما الفثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم[رواه الدراقطني (2/ 97) والحاكم (1/ 145)].

وقد أخذ بحصر العين جماعة من السلف، منهم الحسن والثوري والشعبي، فحصروا ما تؤخذ منه الزكاة في الأصناف الأربعة في الحديث.

قال في "سبل السلام": قال في "المنار": إنَّ ما عدا الأربعة محل احتياط أخذًا وتركًا، والأصل حرمة مال المسلم، كما أنَّ الأصل براءة الذمة، وهذان الأصلان لم يدفعهما دليل يقاومهما.

* قرار هيئة كبار العلماء بشأن جباية الزكاة:

قال مجلس هيئة كبار العلماء في قرار رقم: (133)، وتاريخ 17/ 6/ 1406 هـ ما خلاصته:

أولاً: فرض جباية الأموال الظاهرة مظهر شرعي، درج عليه المسلمون منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين إلى يومنا؛ عملاً بقوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] فينبغي للدولة الاستمرار في

ص: 351

القيام به، وإيصال كل ذي حق حقه.

ثانيًا: إبقاء الأمر على ما هو عليه من تشكيل لجان خَرْص الزروع والثمار التي تجب فيها الزكاة، وجباية زكاتها وتوزيعها.

ثالثاً: لا مانع من الاكتفاء بلجان محلية، تتولى خَرْص وجباية وتوزيع الزكاة.

رابعًا: أما أخذ الزكاة نقدًا، فالأصل أن تدفع الزكاة من عين المال، حسبما جاءت به النصوص، كما يقرر المجلس بالأكثرية جواز دفع القيمة عن الزكاة إذا شقَّ على المالك إخراجها من عين المال، ولم يكن على الفقراء مضرة في ذلك.

* فوائد:

الأولى: يحرم على المزكي شراء زكاته أو صدقته، ولا يصح ذلك بأن يشتريها بعد دفعها، ولو من غير من أخذها منه؛ لحديث عمر:"حملت على فرس في سبيل الله، وأردت أن أشتريه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تشتره، ولا تعُد في صدقتك؛ فإنَّ العائد في صدقته كالعائد في قيئه"[رواه البخاري (1419) ومسلم (1620)].

الثانية: يُزكى كل نوع من الثمار والحبوب على حدته، فمن التمر يخرج -مثلاً- عن السكري منه، وعن البرني منه، وعن الشقر منه، وهكذا.

ويخرج عن الحنطة منها، وعن اللقيمي منه، وهكذا.

وإن أخرج الوسط من نوع واحد، كفاه ذلك.

وقد اختار الموفق وغيره: أنَّه يجمع ويخرج من الوسط بين الأعلى والأدنى؛ لأنَّ كل شيء على حدته يشق، وقد رفعت المشقة والحرج شرعًا، وإن أخرج من الأعلى فهو أكمل وأفضل، قال تعالى:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

ص: 352

آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267].

الثالثة: تجب الزكاة في الثمار إذا بدا صلاحها وظهر نضجها، وتجب في الحب إذا اشتد حبه في سنبله، ولكنه لا يستقر الوجوب إلَاّ بجعلها في بيادرها، وهو المكان المعد لتشميسها وتجفيفها، والبيادر هي الجرن، وبناء عليه فإنَّه لو قطعها، أو جزَّها، أو باعها، أو تلفت بغير تعدٍّ منه قبل وضعها في البيدر -سقطت عنه الزكاة، إن لم يقصد بالبيع والقطع الفرار من الزكاة، وذلك لزوال ملكه عنها قبل الاستقرار، وإن كان ذلك بعد وضعها في البيدر لم تسقط؛ لاستقرارها بذلك، فالزكاة وإن وجبت في المال، إلَاّ أنَّ لها تعلقًا في الذمة.

الرابعة: قال شيخ الإسلام: العنب الذي لا يصير زبيبًا إذا أخرج عنه زبيبًا بقدر عُشره لو صار زبيبًا جاز وأجزأ بلا ريب، وأما العنب الذي يصير زبيبًا لكنه قطعه قبل أن يصير زبيبًا، فهنا يخرج زبيبًا بلا ريب، فإن أخرج العُشْر عنبًا فقولان في مذهب أحمد:

أحدهما: لا يجزئه، وهو المشهور من المذهب.

الثاني: يجزئه، وهذا قول أكثر العلماء، وهو أظهر.

أما الشيخ عبد الله بن محمَّد فيقول: ما أكله أهل العنب رطبًا لا زكاة فيه، وأما الباقي فإن بلغ نصابًا وجبت فيه الزكاة.

الخامسة: روى الإمام أبو داود (3410) عن عائشة: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رَوَاحَةَ يخرص نخيل خيبر، حين يبدو صلاحه، وقبل أن يؤكل منه" وله شواهد تدل على مشروعية بعث الإمام خارصًا وقت بدو صلاح الثمر، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وجماهير أهل العلم.

وفائدة الخرص أمن الخيانة من رب المال.

ص: 353

قال ابن القيم: الصحيح الاكتفاء بخارص واحد، كالمؤذن، والمخبِر عن القِبلة ونحوه.

قال الأصحاب: ويشترط أن يكون عالمًا بالخرص، عدلاً، ويجب أن يترك من الخرص الثلاث أو الربع؛ لحديث:"إذا خرصتم، فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع"[رواه أحمد وغيره]، وترك هذا القدر توسعة للمالك، أختاره الشيخ وغيره.

السادسة: قال شيخ الإسلام: أوجب الإمام أحمد الزكاة في العسل؛ لِما فيه من الآثار التي جمعها، وإن كان غيره لم تبلغه إلَاّ من طريق ضعيف.

***

ص: 354

511 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه "أنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسْكَتَانِ مِنْ ذَهبٍ، فَقَالَ لَهَا: أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: أَيَسُرُّكِ أنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بِهِمَا يَوْمَ القِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ فَأَلْقَتْهُمَا". روَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ (1)، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (2).

ــ

* مفردات الحديث:

- امرأة: هي: أسماء بنت يزيد بن السكن، الأنصارية الأوسية الأشهلية.

- مسكتان: -بفتح الميم وسكون السين المهملة- تثنية: مَسْكة، وهما سوران، والمسكة السوار؛ سواء كان من فضة أو ذهب.

- أيسرك: الهمزة للاستفهام، والفعل مضارع من: السرور، والخطاب للتأنيث، أي: أيعجبكِ.

- أن يسوِّرك: أن يجعل لك سوارًا من نار يوم القيامة.

- فألقتهما: طرحتهما في الأرض.

(1) أبو داود (1563)، الترمذي (637)، النسائي (2479).

(2)

الحاكم (1/ 389).

ص: 355

512 -

وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: "أنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أكَنْزٌ هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أدَّيْتِ زَكَاتَهُ، فَلَيْسَ بِكَنْزٍ". رَواهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

هذان الحديثان وما جاء في بابهما في زكاة الحلي، اختلف المحدثون والفقهاء في صحة أحاديث المسألة: فأيَّدها قوم، وضعَّفها آخرون، فرأيتُ أن أرجىء البحث في قبول هذين الحديثين إلى بحث اختلاف العلماء، وهناك إن شاء الله تعالى سنعطي الموضوع حقه من البحث والتَّحقيق.

* مفردات الحديث:

- أوضاحًا: واحدها: وضَح، سميت بذلك؛ لوضحها ولمعانها، وهو نوع من الحلي يُعمل من الفضة، سمي أوضاحًا لبياضها، ويكون أساورة في اليدين، وخلاخل في الرجلين.

- أكنز هو؟: الهمزة للاستفهام الإخباري؛ أي: أهذا داخل في وعيد الكنز المذكور في الآية، فكان الظاهر أن يكون الجواب بنعم، أو لا، لكنه صلى الله عليه وسلم عرف الكنز بما هو معروف من أنَّه ما جمع من النقدين حتى بلغ نصابًا، ولم تؤد زكاته، فانظري إن كان كذلك فهو كنز، وإن تزينت به كما شرعه الله، وأباحه للنساء، فليس بكنز.

قال الراغب: أصل الكنز من: كنزت الثمر في الوعاء، فهو جعل المال بعضه على بعض، وحفظه.

(1) أبو داود (1564)، الدارقطني (2/ 105) الحاكم (1438).

ص: 356

قال القرطبي: الكنز أصله في اللغة: الضم والجمع.

* ما يؤخذ من الحديثين:

يدل الحديثان على وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال؛ سواء كان قليلاً أو كثيرًا؛ لأنَّ المسكتين من الذهب، والأوضاح من الفضة، لا تبلغان نصابي زكاة النقدين، والمسألة خلافية، وهذا بسط الخلاف فيها:

أجمع العلماء على وجوب الزكاة في الذهب والفضة؛ سواء كان نقودًا، أو حليًّا، أو تبرًا، أو غير ذلك، ما لم يكن حليًّا معدًّا للاستعمال أو العارية.

واختلفوا في حلي الذهب والفضة إذا أعد للاستعمال أو العارية: فذهب إلى وجوب الزكاة فيه الإمام أبو حنيفة وأتباعه.

وصحَّ عن عدد من التابعين، منهم عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والنخعي.

وذهب إلى عدم وجوب الزكاة فيه جمهور العلماء: من الصحابة، والتابعين، والأئمة وأتباعهم.

فممن صرح بعدم الوجوب من الصحابة: ابن عمر، وأنس، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر، وباقي الصحابة لم يرو عنهم القول به، ومنهم الخلفاء الراشدون الذين تولوا جباية زكاة المسلمين، أما التابعون فمنهم سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وقتادة، وطاوس، وعمرة بنت سعد الأنصارية. كما هو مذهب الأئمة الثلاثة وأتباعهم من أجلة علماء المسلمين.

أدلة الموجبين:

استدلَّ الموجبون: بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34].

وبما في صحيح مسلم (987) عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "ما من

ص: 357

صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها، إلَاّ إذا كان يوم القيامة صفِّحت له صفائح من النار، فأحمي عليها في نار جنهم، فيكوى بها جبينه وظهره

" الحديث.

فعموم الآية والحديث شامل لجميع أنواع الذهب والفضة، ومنه حلي الاستعمال والإعارة.

كما استدلوا بحديثي الباب، وهما حديث عمرو بن شعيب، وحديث أم سلمة، فهما نصٌّ في المسالة.

الجواب الأول: عن هذه الأدلة:

الآية عامة في كل ذهب وفضة، قليلاً كان أو كثيرًا، نقودًا كان أو غيره، كما أنَّ الحديث عام في قليل الذهب والفضة، وكثيره، وفي الماشية القليلة والكثيرة، السائمة والمعلوفة، ولهذا العموم أدلة تخصص معناه، وتقيَّد إطلاقه، وإلَاّ فلو أخذنا بهذا العموم، لزكَّينا من هذه الأموال قليلها وكثيرها، سائمتها ومعلوفتها، كما أننا لو أخذنا بعموم زكاة الخارج من الأرض، لزكينا القليل والكثير، ولزكينا مع الحبوب والثمار الفواكه والبقول والخضراوات، ولكن الأحاديث الأخر خصصت هذه العمومات، وبيَّنت المراد من هذه المعلومات.

فمخصصات عموم الذهب والفضة بنصاب معين قوله عليه الصلاة والسلام: "ليس فيما أقل من عشرين مثقالاً من الذهب، ولا فيما أقل من مئتي درهم صدقة"، وقال صلى الله عليه وسلم عن الإبل:"في كل خمس من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمس صدقة"[رواه النسائي (2476)، وابن ماجه (1799)].

وقال-صلى الله عليه وسلم عن البقر: "في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مُسِنَّة"[رواه الترمذي (622)].

وقال صلى الله عليه وسلم عن الغنم: "إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة" [رواه

ص: 358

البخاري (1362)].

فهذه الأحاديث خصصت عموم حديث أبي هريرة في الصحيحين في زكاة الذهب والفضة والماشية.

وقال صلى الله عليه وسلم عن الخارج من الأرض: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق في حب صدقة"[رواه مسلم (979)].

فهذه الأحاديث وأمثالها خصصت العمومات، وقيدتها بقدر النصاب، وقدْر المخرَج.

وهناك أحاديث أُخر خصصت تلك العمومات بصفاتها وقيدتها، وبيَّنت مجملها؛ وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون"[رواه البخارى (1386)].

وقال صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العُشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر"[رواه البخاري (1388)].

وحديث: "لا تؤخذ الصدقة، إلَاّ من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر".

وحديث: "فأما القِثاء والبطيخ والرمان والقصب، فقد عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم".

فهذه كلها مخصصاتٌ لعمومات الذهب والفضة، وبهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، ومقيدةٌ لمطلقة، ومبيناتٌ لمجمَله.

الجواب الثاني:

النظرة الثابتة في هذه الأدلة أنَّ الآية الكريمة توعدت الذين يكنزون الذهب والفضة، فما هو الكنز لغة وشرعًا؟

قال ابن جرير: الكنز: كل شيء جُمع بعضه إلى بعض.

قال القرطبي: ولا يختص ذلك بالذهب والفضة.

ص: 359

قال الأصفهاني: الكنز: جعْل المال بعضه على بعض وحفظه.

قال محمد رشيد: الكنز: ما خزن في الصناديق من الدنانير والدراهم المضروبة، لا جنس الذهب والفضة، الذي يصدق بالحلي المباح، فإنَّ الدنانير هي المعدة للإنفاق، ولا فائدة بها إلَاّ في إنفاقها، فكنزها إبطال لمنافعها.

وأما حديثا الباب: فقد تكلَّم العلماء فيهما إسنادًا ومتنًا:

فحديث عمرو بن شعيب: جاء من طريق ابن لهيعة والمثنى بن الصباح وهما ضعيفان، وأحاديث عمرو بن شعيب اختلف العلماء في قبولها، وأحسن ما قيل فيها: إنَّ ما رواه عن أبيه عن جده فهو ضعيف -كهذا الحديث- وما رواه عن غيرهما فمقبول.

وأما حديث أم سلمة: ففي سنده انقطاع بين عطاء وأم سلمة، فإنَّه لم يسمع منها، كما أنَّ في سنده عتاب بن بشير، وثابت بن عجلان متكلَّم فيهما.

أقوال العلماء عن هذين الحديثين:

قال الترمذي: لم يصح في هذا الباب شيءٌ.

ورجَّح النسائي إرسال حديث عمرو بن شعيب.

وقال أبو عبيد: حديث اليمانية لا نعلمه روي إلَاّ من طريق واحد، بإسناد متكلم فيه.

وقال ابن عبد البر: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في الذهب.

وقال ابن حزم: ما احتجَّ به على إيجاب الزكاة في الحلي آثار واهية، لا وجه للاشتغال بها.

* أدلة القائلين بعدم الوجوب:

أولاً: جاء البخاري (1395)، ومسلم (982) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقة".

قال النووي: هذا الحديث يدل على انَّ أموال القنية لا زكاة فيها،

ص: 360

وهو قول علماء السلف والخلف.

ثانيًا: الزكاة لا تجب إلَاّ في الأموال النامية، أما أموال القنية فلا زكاة فيها؛ هذا هو ضابط الإسلام فيما تجب فيه الزكاة، وما لا تجب.

ثالثًا: ما رواه البيهقي (7328)، وابن الجوزي في"التحقيق" (2/ 43) من حديث جابر؛ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"ليس في الحلي زكاة" صححه كثير من المحدثين المحققين، منهم: أبو زرعة، وابن الجوزي، والمنذري، وابن دقيق العيد، وابن حجر العسقلاني.

رابعًا: كُتُب النبي صلى الله عليه وسلم التي اسْتُقْصِي بِهَا أحكام الزكاة، وبُيِّنَ فِيها الأموال التي تجب فيها الزكاة، والتي بلَّغها بعده خلفاؤه الراشدون وعملوا بها، ليس فيها ذكر للحلي، ولا زكاته، وإنما فيها النقدان المضروبان، اللذان هم العملتان في التجارة.

خامسًا: قال شيخ الإسلام: إنَّ الشارع عني ببيان ما تجب فيه الزكاة؛ لأنَّه خارج عن الأصل، فيحتاج إلى بيان، بخلاف ما لا تجب فيه، فإنَّه لا يحتاج إلى بيان بأصل عدم الوجوب.

سادسًا: كيف يصح عن عائشة حديث الوعيد بالنار من النبي صلى الله عليه وسلم في حديث فتخاتها، ثم لا تخرج زكاة الحلي التي تحت يدها وتصرفها، مع أنَّها تخرج زكاة غيره من المال؟!.

سابعًا: هذا قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث والفقه؛ كمالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان، وأبي عبيد، وابن المنذر، وابن جرير، وأتباعهم من كبار علماء المسلمين سلفًا وخلفًا.

* الخلاصة:

أحسن الأقوال وأعدلها في هذه المسالة هو أنَّ الحلي المعد للاستعمال أو العارية لا زكاة فيه، ما دام أنَّه حلي مباح، أما المحرم فتجب فيه الزكاة.

ص: 361

والمحرم هو ما زاد عن العادة من تجميع الذهب والفضة وتكديسها، بصورة خارجة عن العادة والمألوف، والحامل على ذلك قد يكون واحد من هذه الأمور:

1 -

الفخر والخيلاء.

2 -

السرف والتبذير في النفقات.

3 -

الهرب من الزكاة.

4 -

الترف المفسد للأخلاق.

فهَذه مقاصد محرمة، فإذا كان الحامل على جمع الذهب والفضة بصورة حلي، واحدًا من هذه المقاصد المحرَّمة، فإنَّ هذا المصاغ محرَّم، وما كان منه محرَّما تجب فيه الزكاة؛ لأَنَّه ليس مأذونًا فيه، ولا مباح الاتخاذ.

أما الحلي الذي بقدر الحاجة، والناس يختلفون بين غني وفقير في ذلك، فهذا حلي مباح الاتخاذ والاستعمال، وهو من أموال القنية المقطوعة عن النماء؛ فإنَّه لا زكاة فيه بحال من الأحوال، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.

***

ص: 362

513 -

وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا أنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الذِي نَعُدُّهُ لِلْبَيْعِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ لَيِّنٌ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

رواه أبو داود بإسناد لين؛ لأنَّه من رواية سليمان بن سمرة، وهو مجهول.

قال في "التلخيص": رواه أبو داود والدارقطني والبزَّار من حديث سليمان ابن سمرة عن أبيه، وفي إسناده جهالة.

وقال الذهبي: هذا إسنادٌ مظلمٌ لا ينهض بحكم.

لكن حسَّنه ابن عبد البر وقال عبد الغني المقدسي: إسناده حسن غريب.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

وجوب الزكاة في الذي يُعد للبيع، يعني: عروض التجارة، والأصل فيها عموم قوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]، وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24)} [المعارج: 24] ، ومال التجارة أعم الأموال، فكانت أولى بالدخول، وأما النَّص فيها فحديث الباب:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأمرنا أن نخرج الزكاة من الذي نعده للبيع".

وقوله:"قد احتبس أدراعه وأعتاده" قال النووي: فيه وجوب زكاة التجارة.

2 -

قال ابن المنذر والوزير وغيرهما: أجمع أهل العلم أنَّ في العروض الزكاة،

(1) أبو داود (1562).

ص: 363

وقال المجد: هو إجماع، وقال شَيْخُ الإسلام: الأئمةُ الأربعةُ، وسائر الأئمة -إلَاّ من شذَّ- متفقون على وجوبها في عروض التجارة.

3 -

الحديث دليل على وجوب الزكاة في كل ما أعد للبيع والشراء، من أي نوع من أنواع التجارة؛ سواء في الأطعمة، أو الألبسة، أو المجوهرات، أو الأواني، أو العقار، أو الحيوانات، أو أسهم الشركات، أو في غير ذلك مما أعدَّ للبيع والربح.

4 -

مفهومه أنَّ الأشياء التي لا تعد للتجارة، وإنما أعدت للقنية والاستعمال: من مَسْكنٍ، ومركبٍ، وملبسٍ، وأثاثٍ، وحليٍّ -أنَّه لا زكاة فيه؛ لأنَّها قطعت عن النماء.

5 -

المؤلف لم يسق هذا الحديث بعد حديثي عمرو بن شعيب، وأم سلمة، إلَاّ ليقيد به إطلاقهما في وجوب زكاة الحلي.

6 -

قدر زكاة العروض ربع العشر، كالنقدين.

7 -

لا تجب في المال إلَاّ إذا حال عليه الحول، ما لم يكن ربح عروض التجارة، فحولها حول أصلها، فإنَّها تزكى، ولو لم يحل عليها الحول.

8 -

تقدر عند الحول بالأحظ للفقراء من ذهب أو فضة، فإذا بلغت قيمتها نصابها بأحد النقدين دون الآخر، اعتبر ما تبلغ به نصابًا.

9 -

جاء في البخاري (1395)، ومسلم (982) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"ليس على المسلم في عبده، وفرسه صدقة" قال النووي وغيره: هذا الحديث أصل في أنَّ أموال القنية لا زكاة فيها، وهو قول العلماء.

10 -

قال في "الروض وغيره": ولا زكاة في قيمة ما أعد للكراء، من عقارٍ، وحيوانٍ، وغيرهما؛ لأنَّه ليس بمال تجارة، وإنما الزكاة فى غلته إذا بلغت نصابًا، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.

***

ص: 364

514 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (1).

515 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جدِّهِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "فِي كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ فِي خَرِبةٍ: إنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (2).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن، فله شواهد صحيحةٌ، منها:

ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبىَّ قالَ: "وفي الركاز الخمس".

قال الحافظ: رواته ثقات، وله شاهد قوي مرسل جاء من طريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

* مفردات الحديث:

- خَرِبَه: -بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء وتخفيفها ثم باء موحدة تحتية ثم تاء التأنيث-: الدار الخراب التي غير عامرة، جمعها خرب.

- فعرِّفْهُ: أمر من: التعريف؛ أي: أعلن في الناس، وبين لهم حتى يجيء مالكه، أو يمضي عليه سنة.

(1) البخاري (1499)، مسلم (1710).

(2)

الشافعي (1/ 248)، وفي عزوه لابن ماجه وهمٌ.

ص: 365

- الرِّكاز: -بكسر الراء المهملة، وفتح الكاف المخففة ثم ألف وآخره زاي معجمة-: هو الكنز الجاهلي، يوجد في بطن الأرض، فالركاز خاص لما يكون مدفونًا.

- وفي الركاز: خبر مقدم، والمبتدأ "الخمس".

- الخُمُس: بضمتين وإسكان الميم لغة، والجمع: أخماس، والخمس جزء واحد من خمسة أجزاء من الشيء.

***

ص: 366

516 -

وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الحَارِثِ رضي الله عنه: "أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَخَذَ مِنَ المَعَادِنِ القَبَلِيَّةِ الصَّدَقَةَ". رَوَاهُ أَبُو داوُدَ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث ضعيف.

قال في "التلخيص": رواه أبو داود والطبراني والحاكم (1467) والبيهقي (7425) موصولًا.

قال المنذري: إنَّه مرسل.

وأما الزكاة في المعادن، فقد قال الشافعي: ليس هذا ما يثبته أهل الحديث، ولم يكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم لانقطاعه.

وقد جاء في "مستدرك الحاكم" أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القبلية الصدقة. ولم يعقب عليه الذهبي بشيء.

* مفردات الحديث:

- بلال: هو ابن الحارث المزني من قبيلة مزينة، والآن تحولت مزينة، فصارت منازلها في الشمال الغربي من القصيم، ودخلت مع قبيلة حرب، وشيوخهم آل نحيت.

- المعادن: مفرده: "معدِن" بكسر الدال، وسمي "معدنًا"؛ لإقامته الطويلة، يقال: عدن بالمكان: إذا لزمه فلم يبرح، ومنه سميت: جنات عدن.

والمعدن: هو ما كان في الأرض من غير جنسها؛ كالذهب، والفضة، والحديد، والبترول، وغير ذلك.

(1) أبو داود (3061).

ص: 367

وقال علماء الكيمياء الحديثة: المعادن مادة عضوية توجد في الطبيعة، لها تركيب كيمائي معين، وخواص طبيعية معيَّنة، وتتكوَّن المعادن من العناصر الكيميائية نفسها؛ كالذهب، والحديد، الزئبق.

- القَبَليَّة -بفتح القاف والباء-: وهو موضع بناحية ساحل الأحمر، من منطقة الفرع في بلاد مزينة، بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب.

* ما يؤخذ من الأحاديث:

1 -

الركاز هو ما وجد من زمن الجاهلية، وهم مَن كانوا قبل الإسلام، أو ما وجد من دَفْن مَنْ تقدَّم من الكفار، وإن لم يكونوا في الجاهلية، بأن كان عليه، أو على بعضه علامة كفر، كأسمائهم وأسماء ملوكهم، أو صورهم، أو صور أصنامهم، وكذا يملِكه واجده، وإن لم يكن عليه علامة كفار.

2 -

الركاز ملك لواجده؛ لأنَّه أحق به، ولفعل عمر وعلي رضي الله عنهما فإنَّهما دفعا باقي الركاز لواجده.

3 -

يُخرج واجدُهُ خُمُسَه، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف في ذلك، ولأنَّه حصل لصاحبه بلا كلفة ولا مشقة، فكان الواجب فيه أكثر مما فيه كلفة.

4 -

ليس له نصاب، فيزكي قليله وكثيره، ويخرج زكاته الإمام، أو واجده.

5 -

وقت إخراج زكاته من حين العثور عليه، فلا ينتظر دوران الحول عليه.

6 -

يخرج زكاته منه، ولو كان غير نقد، بأن كان حديدًا أو رصاصًا، أو غير ذلك، ويجوز إخراج زكاته من غيره.

7 -

تجب زكاته ولو كان واجده ذميًّا، أو مستأمنًا إذا كان بدار الإسلام.

8 -

مصرفه يكون لمصالح المسلمين العامة، ولا يخص به الأقسام الثمانية، وبهذا فزكاة الركاز أشبه شيء بالفيء المطلق.

فتجب على الكافر، وتجب في قليل المال وكثيره، وليس له حول، ويجب فيه الخمس، ويخرج من نوعه ولو كان عرضًا، ومصرفه مصرف

ص: 368

الفيء، لا يخص به الأصناف الثمانية.

9 -

وأما الحديث رقم (515) فيدل على ما يلي:

إن وجد الركاز في أرض موات، أو مشاعة، أو أرض لا يُعلم مالكها، أو على وجه الأرض التي لا يعلم مالكها، أو على طريق غير مسلوك، أو قرية خربة -فهو له في جميع هذه الصور، وكذا إن أعلم مالك الأرض، وكانت منتقلة إليه؛ فله أيضًا إن لم يدّعه المالك، فإن ادَّعاه بلا بيِّنة تشهد له، ولا وصفٍ يصفه -فالركاز لمالك الأرض مع يمينه؛ لأنَّ يد مالك الأرض على الركاز، فرجح بها.

وكذا لو ادَّعاه من انتقلت عنه الأرض؛ لأنَّ يده كانت عليها.

10 -

أما الحديث رقم (516): فيدل على وجوب الزكاة في المعادن، والمعادن هي مادة عضوية توجد في الطبيعة، لها تركيب كيميائي معين، وخواص طبيعية معيَّنة، وتتكون المعادن من العناصر الكيميائية نفسها؛ كذهبٍ، وحديدٍ، وصُفرٍ، وزئبقٍ، فهي مواد مولدة من الأرض من غير جنسها.

11 -

يدل الحديث على أنَّ الزكاة في المعادن لا تجب إلَاّ إذا بلغ نصاب الزكاة المعروف، فإذا بلغ نصابًا: عشرين مثقالاً من الذهب، أو من الفضة مائتي درهم، أو قيمة ذلك من غيرها؛ كالحديد والنحاس والرصاص والبلور والعقيق وغيرها -ففيه الزكاة فورًا؛ لعموم قوله تعالى:{وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267].

12 -

فيه رُبع العُشرة لما في إخراجه من الكلفة والمؤنة.

13 -

لا يضم جنس إلى آخر في تكميل النصاب، ولو كانت المعادن متقاربة؛ كقارٍ، ونفطٍ، وحديدٍ، ونحاسٍ.

14 -

إخراج زكاته حين حصوله باتفاق الأئمة الأربعة؛ لأنَّه، له مال مستفاد من الأرض، فلم يعتبر له حول، فإن استخرج أقل من نصاب، فلا زكاة فيه.

ص: 369

* خلاف العلماء:

ذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ المعدن شيء غير الركاز، كما تقدم.

وذهب الحنفية إلى: أنَّ المعدن هو الركاز.

واختلف الثلاثة في المعدن:

فذهب المالكية والشافعية إلى: أنَّ المعدن هو الذهب والفضة.

وذهب الحنابلة إلى: أنَّ المعدن كل متولد من الأرض من غير جنسها، ليس نباتًا، سواء كان جاريًا؛ كالنفط والقار، أو جامدًا؛ كالحديد والنحاس والذهب والفضة.

والحق ما ذهب إليه الحنابلة، كما تقدم تعريفه عن علماء الكيمياء، الذين هم أصحاب الاختصاص والخبرة.

والمعادن ثلاثة أنواع:

1 -

جامد: وينطبع بالنار؛ كالذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والرصاص، والزئبق.

2 -

جامد: لا ينطبع ولا يذوب بالنار؛ كالجص، والنورة، والكحل، وسائر الأحجار، كالياقوت والملح.

3 -

مائع: كالنفط "البترول"، وقار وهو الزفت.

***

ص: 370