الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب صدقة التطوع
مقدمة
الأصل في التطوع: فعل الطاعة، وشرعًا وعرفًا: طاعة غير واجبة.
قال شيخ الإسلام: التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة، إن لم يكن أتمها.
وصدقة التطوع مستحبة كل وقت إجماعًا؛ فقد حثَّ عليها الله تعالى، وأمر بها، ورغَّب فيها؛ فقال تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245]
وروى الترمذي (664)، عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:"إنَّ الصدقة لتطفىء غضب الرب، وتدفع مِيْتة السوء"
وإخفاء صدقة التطوع أفضل؛ لما جاء في البخاري (629)، ومسلم (1031 عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَاّ ظله
…
"، وذكر منهم: "رجلاً تصدَّق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تُنْفق يمينه".
والصدقة في الصحة أفضل منها في غيرها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "تصدق وأنت صحيح شحيح"[رواه البخاري (1353)].
وفي رمضان أفضل منها في غيره؛ لما في البخاري (6) ومسلم (2308) عن ابن عباس قال: "إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان".
وهي في وقت الحاجة أفضل منها في غيرها؛ لقوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي
يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14)} [البلد].
والصدقة على ذي الرحم أفضل من غيره مع تساوي الحاجة؛ لأنَّها صدقة وصِلة رحم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الصدقة على ذي رحم اثنتان: صدقة، وصلة"[رواه أحمد (15644)]، وتستحب الصدقة بالفاضل عن كفايته، وكفاية من يمونه، فإن تصدق بما ينقص مؤنة مَن تلزمه نفقته أثِم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت"[رواه مسلم (996)].
ووفاء الدين مقدَّم على الصدقة؛ لوجوبه.
وتجوز صدقة التطوع على: الكافر، والغني، وبني هاشم، وغيرهم ممن مُنع الزكاة، ولهم أخذها؛ لقوله تعالى:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)} [الإنسان: 8] والأسير لا يكون إلَاّ كافرًا.
ولا تستقلَّ الصدقة فيستحب الصدقة بما تيسر؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)} [الزلزلة].
ولما في البخاري (1351)، ومسلم (1516) من حديث عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتَّقوا النار، ولو بشق تمرة".
ويحرم المنّ بالصدقة، ويحبطها ويمنع ثوابها؛ لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264].
ويكره تعمد التصدق بالرديء؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267].
ويستحب تعمد أجود ماله وأحبه إليه؛ لقوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92].
520 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَاّ ظلُّهُ
…
" فَذَكَرَ الحَديثَ.
وفِيه: "وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنه". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).
ــ
* مفردات الحديث:
- سبعة: أي: سبعة أشخاص، وإنما قدر هكذا؛ ليشمل النساء، فالأصوليون ذكروا أنَّ أحكام الشرع عامة لجميع المكلفين.
سبعة: التنصيص بالعدد في شيء لا ينفي ما عداه.
- يظلهم الله: جملة محلها الرفع على أنَّها خبر للمبتدأ، الذي هو "سبعة"، وجاء في رواية سعيد بن منصور بإسناد حسن:"سبعة يظلهم الله في ظل عرشه"، ومعنى "يظلهم": يسترهم.
- حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه: هكذا روايات البخاري وغيره، ولكن جاء في مسلم مقلوبًا، وهو:"حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله".
قال القاضي عياض: جميع النسخ التي وصلت إلينا من صحيح مسلم جاء فيها الترتيب مقلوبًا، والصواب الأول؛ لأنَّ السنة المعهودة إعطاء الصدقة باليمين.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
فيه إثبات البعث والجزاء الأخروي، وهو مما علم من الدين بالضرورة.
2 -
فيه إثبات نزول الشمس يوم القيامة، وقربها من العباد في المحشر، حتى
(1) البخاري (660)، مسلم (1031).
يبلغ بهم العرق، كلٌّ على حسب عمله.
3 -
فيه فضل الصدقة، وأنَّها سبب السعادة في الدار الآخرة.
4 -
فيه فضل السر فيها، والحرص على إخفائها؛ ليكون صاحبها من السبعة السعداء، الذين يستظلون بظل الله تعالى يوم القيامة، يوم لا ظل يقيهم من ألسنة الشمس المحرقة إلَاّ ظل الله تعالى؛ قال تعالى:{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271].
يعني: إخفاء الصدقة أفضل من إعلانها، إلَاّ إذا كان هناك مصلحة راجحة في إعلانها، كأن يكون قدوة لغيره في الخير، ووثِقَ من نفسه من مخالطة الرياء.
5 -
الحِكمة في إخفائها: بُعدها عن الرياء، الذي هو من أسباب حبوط العمل، وردَّه على صاحبه، ولعلَّ في هذا احترامًا لشعور الفقير، بلحوق الذل والانكسار إليه.
6 -
قوله: "ورجل تصدق" لا مفهوم له؛ فإن المرأة كذلك.
7 -
قال في "الشرح": واعلم أنَّه لا مفهوم للعدد، فقد ورد خصال أُخر تقتضي الظل بلغ بها في "فتح الباري" إلى ثمان وعشرين خصلة، وبلغ بها السيوطي إلى سبعين.
* فائدة:
عبادات الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: كف عن محبوب؛ وذلك مثل الصلاة، والصيام، وترك الشهوات.
الثاني: بذل لمحبوب؛ وذلك مثل الزكاة، والصدقات، والحج.
وحديث السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلَاّ ظله جاء على هذا التقسيم، فهو إمَّا كف عن محبوب، كالذي يرابط في المساجد، ويدع
محبوباته، وكالذي اعتصم عن محبوبته ومعشوقته، والشاب الذي كف عن نزوات الشباب ومغرياته، وكالإمام العادل الذي تنزه عن الأثرة والسلطة المطلقة.
وأما البذل فهو المتصدق الذي بذل صدقته وأخفاها، حتى لا يذوق حلاوة الثناء والدعاء.
***
521 -
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "كُلُّ امْرِىءً فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ، حَتَّى يُفْصَلَ بيْنَ النَّاسِ". رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (1).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
رواه الإمام أحمد (16695)، وابن خزيمة (2431)، وابن حبان في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وأقرَّه الذهبي على ذلك، قال المنذري: الحديث صحيح، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وقال في "المهذب": إسناده قوي، وصححه السيوطي.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
استحباب صدقة التطوع، وفضلها، والحث عليها، وأنَّها من أسباب تخفيف أهوال يوم القيامة.
2 -
أنَّ صاحبها يكون في ظلها يوم القيامة، حتى يقضى بين الناس في ذلك الموقف، الذي فيه ما جاء في صحيح مسلم (2864) عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كان يوم القيامة، أُدْنِيت الشمس من العِباد، حتى تكون على قدر ميل أو ميلين، فتصهرهم، ويكون العرق على قدر أعمالهم، منهم من يأخذه على عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا".
3 -
في الحديث إثبات يوم القيامة، والحساب، والفصل بين العباد، وهذا من
(1) ابن حبان (3310)، الحاكم (1517).
أمور العقيدة التي يجب الإيمان بها، كما جاءت عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.
* فائدة:
الزكاة والنفقة الواجبة أفضل من صدقة التطوع، فقد وصف الله تعالى الزكاة بقوله:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103].
فهي مزكية للنفوس، ومطهرة من الذنوب.
وقد جاء في الحديث القدسي ما رواه البخاري (6137) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال تعالى: "وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترَضْتُهُ علَيهِ".
***
522 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ، أطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأٍ، سَقَاهُ اللهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتومِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِهِ لِينٌ (1).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
فيه يزيد بن عبد الرحمن "أبو خالد الدالاني"، قال المنذري: أثنى عليه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد. اهـ.
وتقدم أنَّ ابن حجر قال: في إسناده لين، بينما حسَّنه السيوطي في الجامع الصغير.
قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(2/ 66): روي موقوفًا على أبي سعيد، وهو أصح وأشبه. اهـ.
لكن هذا الموقوف مما لا مجال للرأي فيه.
وقال النووي: إسناده جيد، وحسَّنه المنذري.
* مفردات الحديث:
- أيما: "أي" اسم مبهم متضمن معنى الشرط، وهي معربة بالحركات؛ لملازمتها الإضافة إلى المفرد، نحو "أي امريء
…
" وقد يحذف المضاف إليه فيلحقها التنوين عوضًا منه؛ نحو {أَيًّا مَا تَدْعُوا} وقد تلحقها "ما" الزائدة
(1) أبو داود (1682).
-كما في هذا الحديث- فتكون للتوكيد.
وفعل الشرط "كسا"، وجوابه "كساه الله".
- عُري: مصدر: عَرِي الرجل من ثيابه يعرى عُرْيًا وعُرية، من باب علم، نقيض لبس، فهو عارٍ وعريان، والمرأة عارية وعريانة، وقوم عراة، ونساء عاريات.
- ظمأ: من ظمىء الرجل يظمأ ظمأً: اشتد به العطش، فهو ظامىء وظمآن، والظمأ: شدة العطش.
- خُضر الجنة: جمع "أخضر"؛ أي: من ثيابها الخضر، فهو من إقامة الصفة مقام الموصوف، كما ذكره الطيبي.
- الرَّحيق: بفتح الراء المهملة بعدها حاء مهملة مكسورة، وبعدها ياء مثناة تحتية ثم قاف.
قال أهل اللغة: هو من الخمر ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده، فهو أجود الخمر، مما عتق وصفًا.
- المختوم: يقال: ختم الإناء يختمه ختمًا -من باب ضرب-: سدَّ فاه، فختم الإناء: سدَّه بالطين ونحوه؛ لحفظه من التلويث، والمعنى: آنية مختومة مصونة من أي تلوث، وختامها الذي سدت به هو المسك، فهذا كله لكمال نفاستها.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
في الحديث فضل صدقة التطوع، والحث عليها، وأنَّها من أسباب الحصول على نعيم الجنة.
2 -
أنَّ أفضل ما تكون الصدقة إذا وافقت حاجة في المتصدق عليه، كأن يُكسى على عري، وأن يُطعم على جوع، وأن يسقى على ظمأ، فإنَّ النفع يكون أعظم.
3 -
في الحديث إثبات نعيم الجنة وأنواعه وأشكاله؛ وأنَّ الجزاء من جنس
العمل، فمن كسا كُسِيَ، ومن أطعم أُطْعم، ومن سَقَى سُقِي، وَمَا يُكسى وَيُطعم، ويُسقَى خير مما أعطاه في الدنيا، فما ذكر من النعيم إلَاّ أسماؤه، أما النعيم حقيقة فنعيم الجنة لم تره عين بشر، ولم تسمعه إذنه، ولم يخطر على قلبه.
4 -
قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان: 8]، فهذا أفضل الصدقة، وأجل الإيثار حينما تكون القلوب إلى المال طامحة، والنفوس فيه راغبة، ثم جاء الوارد الإلهي، والرغبة الصادقة فيما عند الله تعالى، فتقوى على الشهوات النفسية، والغرائز الجسدية، فيُؤْثِر المؤمن غيرَه بما عنده على نفسه المحتاجة.
قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} [الحشر: 9].
والإيثار معناه: تقديم الناس المحتاجين على أنفسهم، في حالٍ هم محتاجون إلى ذلك، وهي درجة أعلى من درجة الذي أنفقوا من أموالهم الشيء الذي ليس لهم به حاجةٌ، ولا ضرورةٌ.
***
523 -
وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (1).
ــ
* مفردات الحديث:
- اليد العليا واليد السفلى: جاء في الصحيحين: أنَّ اليد العليا هي المنفِقة، والسفلى هي السائلة، قال النووي: المنفِقَة أعلى من الآخذة، والمنفقة أعلى من السائلة.
- ابدأ بمن تعول: فتشمل صدقة التطوع، والواجب، والإنفاق على العيال.
- تعُولُ: العيلة: الفاقة والحاجة، يقال: عال عيالة عولاً: كفاهم معاشهم ومؤنهم، وعال اليتيم: كفله وقام به.
- عن ظهر غِنًى: تعبير يراد منه التمكن من الشيء والاستواء عليه، وجاء التنكير فيه للتعميم؛ أي: ما كان عفوًا قد فضل عن غنًى، وعما زاد عن نفقة العيال، "والظهر" هنا: لفظة زائدة، جاءت اتساعًا، وتمكينًا للسياق.
- من يستعفِف: يطلب العفة، فـ"من" شرطيةٌ، تجزم فعلين:"يستعفف" فعل الشرط، وجوابه "يعفه"، والتعفف: هو الكف عن الحرام، وسؤال الناس.
- يُعْفه الله؛ يُقال: عف عن المسألة، واستعف أي: كف، فهو عف، وعفيف، ويعفه الله؛ أي: يصير عفيفًا، فيرزقه الله العفة، ويوفقه لها، ويغنيه عما في أيدي الناس.
(1) البخاري (1427)، مسلم (1034).
- من يستغن: يظهر الغنى.
- يغنه الله: أَي: يرزقه الغنى عن الناس، فلا يحتاج إلى أحد.
- الصدقة: استعيرت الصدقة هنا للحث على الإنفاق، وللمسارعة فيما يرجى ثوابه.
***
524 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: "قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟ قَالَ: جُهْدُ المُقِلِّ، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (1).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح، صححه ابن خزيمة وابن حبان الحاكم، ووافقه الذهبي.
* مفردات الحديث:
- أي: من أدوات الاستفهام، فهي اسم مبهم يستفهم به عن الشيء، فيطلب بها تعيين الشيء؛ نحو: أي الصدقة أفضل؟.
- جُهد: بضم الجيم المعجمة وسكون الهاء؛ أي: الطاقة والوُسع، قدر طاقته، ووسعه، وأما بالفتح فهو المشقة.
- المُقِل: بضم الميم وكسر القاف آخره لام، والمُقِلّ: من كان قليل المال.
* ما يؤخذ من الحديثين:
1 -
اليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي المعطاة، فاليد العليا خير من السفلى؛ لأَنَّها المحسنة، وتلك المحسَن إليها، ولأنَّها المنفِقة، وتلك المنفق عليها، فالمتفضلة بالخير هي المعطية.
2 -
في هذا حثٌّ للأغنياء على الإحسان، وإعطاء المحتاجين، ومواساة إخوانهم الفقراء بشيء من فضول أموالهم، بسد حاجتهم، وبرفْد فاقتهم.
(1) أحمد (8348)، أبو داود (1677)، ابن خزيمة (2444)، ابن حبان (3346)، الحاكم (1509).
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا، ومن أبلغها أنَّ الله جعل الصدقة على الفقراء إقراضًا له، فقال تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)} [الحديد: 11].
3 -
صدقة التطوع لا تكون إلَاّ بما زاد عن حاجة الإنسان، وحاجة من يمونه ممن تجب عليه نفقته؛ فقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم (996) قال رسول صلى الله عليه وسلم:"كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يقوت" فإن تصدق بما ينقص مؤنتهم وحاجتهم أثم، لأنَّه عدل عما خوطب به، ووجب عليه إلى ما لم يخاطب به، فأضاع من تلزمه مؤنتهم.
4 -
أنَّ الصدقة الواقعة موقعها هي التي يؤديها صاحبها عن غنًى، وفي شيء زائد عن الضرورات، والحاجات الخاصة به، وبمن يمونه.
قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] والعفو هو ما فضل وزاد عن الحاجة.
5 -
فيه استحباب التعفف حتى مع الحاجة، فلا يسأل ولا يستشرف إلى ما في أيدي الناس، قال تعالى:{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة: 273] والتعفف معناه طلب العفة لنفسه عما في أيدي الناس، وكفّها عن سؤالهم.
6 -
يستحب إظهار الغنى، والصبر رضا بأمر الله تعالى، وقناعةً بما عنده، وإن قلَّ، فيعف عما في أيدي الناس.
كما أنَّ من كان غنيًّا، فسأل الناس، أو أظهر الفاقة؛ ليحتال على الإعطاء -فهذا قد غش وكذب، وأخَذَ حرامًا.
أما من استغنى وعفَّ عما في أيدي الناس، فإنَّ الله تعالى يغنيه بأن يسد حاجته وخلته، ويجعل في قلبه القناعة والغنى، فليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس.
7 -
أفضل الصدقة جهد المُقل، وذلك بأن يتصدق بالفاضل عن حاجته وحاجة عياله، ولو لم يكن صاحب مال وافر، وبهذا فإنَّ هذه الجملة لا تعارض الحديث الصحيح، الذي رواه البخاري (1361) ومسلم (1034):"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" فلكل منهما محمل ومعنى، فلابد من تقييد جهد المقل بما زاد عن كفايته، وكفاية من يمونه.
8 -
أنَّ من لم يطلب العفاف والغنى لم يُوفَّق لذلك، بل يبقى قلبه متعلقًا فيما حرَّم الله تعالى من الشهوات، ويفتح له أبوابًا إلى المحرَّمات، وهذا هو مفهوم قوله:"ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله".
* فوائد:
الأولى: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- حديث: "سبق الفقراء بخمسمائة عام" لا يدل على فضلهم على الأغنياء، بل بعض الأغنياء الذين يدخلون بعدهم يكونون أرفع درجة منهم.
وهذا له شواهد كثيرة من أنَّ الفضيلة الخاصة لا تدل على الفضيلة العامة.
الثانية: وفاء الدين مقدم على صدقة التطوع؛ لأنَّ وفاء الدين واجب، وحقوق العباد عظيمة؛ ولذا جاء في الحديث الصحيح: أن الشهادة في سبيل الله تكفر الذنوب إلَاّ الدَّين.
وقال شيخ الإسلام: ومثل الدَّين جميع حقوق العباد، ومظالمهم.
الثالثة: صدقة التطوع يجوز إعطاؤها الكافر، والغني، وبني هاشم، وغيرهم ممن مُنع الزكاة.
الرابعة: المنُّ بالصدقة كبيرة من كبائر الذنوب، ويبطلِ ثوابها، لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264].
الخامسة: قال أبو قلابة: أي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار،
يعفهم ويغنيهم؟ فقد جاء في صحيح مسلم (994): "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله".
السادسة: قال شيخ الإسلام: إعطاء السائل فرض كفاية إن صدق في مسألته.
وقال القرطبي: اتَّفق العلماء على أنَّه إذا نزل بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة، فإنَّه يجب الصرف إليها.
قال في "الإقناع": وليس في المال حقٌّ واجبٌ سوى الزكاة اتفاقًا، مع أنَّه يجب إطعام الجائع ونحوه إجماعًا، وهذا مما يجب عند وجود سببه.
***
525 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تَصَدَّقُوا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، عِنْدِي دِيْنارٌ؟ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: أنْتَ أَبْصَرُ بِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (1).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في "التلخيص": رواه الشافعي وأحمد (9705) والنسائي وأبو داود وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة. اهـ.
وقد صححه ابن حبان، والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وأقرَّه الذهبي.
قال الألباني: كونه على شرط مسلم فيه نظر، فإنَّ فيه محمَّد بن عجلان، وهو حسن الحديث.
* مفردات الحديث:
- تصدق به على نفسك: أي: أنفِقه على نفسك، عبر عن الإنفاق بالتصدق؛ إشارة إلى أنَّ الإنفاق على أهل الحقوق له مثل الصدقة في الأجر.
- أنت أبصر به: أي: أدرى بحالك، وشأنك به.
(1) أبو داود (1691)، النسائي (2535)، ابن حبان (4235)، الحاكم (1514).
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
مشروعية صدقة التطوع؛ فقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، والصارف للأمر عن الوجوب ما روى الترمذي (618) وابن ماجه (1778) عن ابن عباس؛ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إذا أديت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك".
وقال في "الإقناع وشرحه": وليس في المال حق سوى الزكاة اتفاقًا، وما جاء حمل على الندب.
2 -
يبدأ الإنسان بالنفقة الواجبة قبل صدقة التطوع، فإذا كان ما عنده بقدر نفقة نفسه، بدأ بها على غيره، فإذا زاد ما عنده على نفقته، أنفق على ولده، ذكره وأنثاه، وتكون النفقة بقدر حاجة كل منهم، فإذا زاد عن ذلك، أنفق على خادمه، فإذا زاد عن ذلك، فهو مخير بين من ينفق عليه، لأنَّ النفقات الواجبة قضيت، ولم يبق إلَاّ نفقة التطوع.
3 -
التمييز هنا ليس تمييز هوى وأثرة، وإنما هو تمييز مصلحة، فيقدِّم في صدقته الطريق الأفضل والأحسن.
4 -
أفضل طرق الخير والإحسان هو أن ينفق على جهات خيرية: من تعليم علم، أو نشر دعوة الله تعالى، أو إنقاذ متضرري المسلمين، أو قريب محتاج، أو جار ملاصق، فينظر إلى المصالح أيها أرجح، فيقدمها لتكون صدقته كبيرة الفائدة، وواقعة في محلها، الذي يحبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
5 -
في الحديث لم يذكر إلَاّ النفس، والولد، والخادم، ومثل ذلك الزوجة، فالنفقة عليها واجبة، ومثل هذا الوالدان، لاسيَّما في حال كِبرهما وضعفِهمَا، ولعلَّ السائل ليس عنده إلَاّ ابنة وخادمة.
6 -
في الحديث دليل على أنَّ النفقة على النفس، وعلى الولد، وعلى الخادم، وعلى كل من يمونه الإنسان -تكون صدقة، وأنَّ صاحبها مأجور عليها، إذا كان معها حضور النية الصالحة، إلَاّ أنَّ مثل هذه النفقات تكون غالبًا بدافع
المودة، والشفقة، والدافع الغريزي.
ولكن الموفَّق الفِطن لا يغفل عن استحضار النية الصالحة عند الإنفاق، والقيام بالواجب الذي أمر الله به، ونهى عن إضاعته؛ امتثالًا لأمر الله تعالى ورغبةً فيما عنده، واحتسابًا لثوابه، فإذا أنفق بهذه النية الصالحة الخالصة نال الفائدتين.
***
526 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ طَعَامِ بيْتِهَا غَيْرَ مُفسِدةٍ، كَانَ لَهَا أجْرُهَا بِمَا أنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أجْرُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذلكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ مِن أجْرِ بَعْضٍ شَيْئًا". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (1).
ــ
* مفردات الحديث:
- غير مُفسدة: أي: من إسراف أو تبذير، ومن غير أن تنقص من مؤنة أهل بيتها.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
فيه أنَّه يجوز للمرأة أن تنفق من طعام بيتها، ولو لم تستأذن زوجها في ذلك، ولكن قيَّده العلماء بما يأتي:
(أ) ألا يمنعها الزوج من ذلك، أو يكون بخيلاً فتشك في رضاه، ففي هذه الحال يحرم.
(ب) أن تتصدق بما جرت العادة بالسماح به؛ مثل الرغيف، وزائد الطعام المطهي.
2 -
مثل المرأة الخادم القائم على مال مخدومه، فله التصدق بما جرت العادة السماح به، ما لم يعلم الشح من صاحب المال، أو يمنعه من ذلك، فيحرم حينئذٍ.
3 -
مثل المرأة والخادم من يقوم في بيت الرجل: من بنتٍ، أو أختٍ، أو ولدٍ، أو أخٍ؛ فحكمهم حكم المرأة والخادم المذكورين في الحديث.
4 -
فمن أنفق من هؤلاء بهذه الصورة الجائزة، فكل واحد منهم له أجر خاص به، وهذا الأجر لا ينقص من أجر الآخرين شيئًا، ففضل الله أوسع.
(1) البخاري (1425)، مسلم (1024).
527 -
وَعنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: "جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّكَ أمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أنْ أَتَصَدَّقُ بهِ، فَزَعَمَ ابنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ أتصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: صَدَقَ ابن مَسْعُودٍ، زوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ". روَاهُ البُخَارِيُّ (1).
ــ
* مفردات الحديث:
- امرأة ابن مسعود: هي زينب بنت عبد الله بن معاوية، من قبيلة ثقيف.
- حُلِي: -بضم الحاء وكسرها مع كسر اللام وتشديد الياء، جمع حَلْي بالفتح فالسكون فالتخفيف-: هو ما تتزيَّن به المرأة من مصوغ الذهب والفضة، والحجارة الكريمة وأمثالها.
- زعم: يقال: زعم يزعم زعمًا؛ أي: قال قولاً باطلاً أو حقًّا، فهي تستعمل للضربين، وأكثر ما تقال فيما يشك في حقيقته، وهو المراد هنا.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
فضل صدقة التطوع.
2 -
استحبابها للأقربين من زوج وأولاد محتالمين، ولو لم تكن نفقتهم واجبة على المتصدق، فهي صدقة وصلة.
3 -
أنَّ للمرأة أن تتصدق بمالها، وتتصرف فيه بغير إذن زوجها.
(1) البخاري (1462).
4 -
مبادرة نساء الصحابة رضي الله عنهن إلى فعل الخير عند سماع الموعظة.
5 -
أن للإنسان أن يتصدق ولو من أشيائه الخاصة، فيؤثر غيره على حاجته، ولكنه مقيد بما لا يخل، أو بما ينقص مؤنته ومؤنة من يعول، فإن فعله فإنه آثم.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز للزوج أن يدفع زكاته لزوجته، قال إبن المنذر: أجمع أهل العلم أنَّ الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة، وذلك أنَّ نفقتها واجبة عليه، مستغنية بها عن أخذ الزكاة، فلم يجز دفعها إليها، كما أنَّ الزوج إذا دفع زكاته إلى زوجته يوفر على نفسه النفقة، فكأنَّ زكاته عادت إليه فلم يخرجها.
واختلفوا في دفع الزوجة زكاتها إلى زوجها:
فذهب الحنفية والحنابلة إلى: أنَّه لا يجوز؛ لأن الزكاة تعود إليها بإنفاقه عليها.
وذهب المالكية والشافعية إلى: أنَّه يجوز، وهو قول في مذهب الإمام أحمد، واختاره القاضي وأصحابه، والشيخ تقي الدين وغيرهم.
فَمَن قال: إنَّه لا يجوز، حَمَلَ هذا الحديث على صدقة التطوع، وليس الصدقة الواجبة وهي الزكاة، والدليل على ذلك قولها:"كان عندي حلي لي، فأردتُ أن أتصدق به"، ولم تقل:"أتصدق منه، أو أزكيه".
وأيضًا: فإنَّ هذا كان منها بعد أن سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يحث على عموم الصدقة، فبادرت رضي الله عنها بما عندها، أما الزكاة فهي شعيرة إسلامية كبيرة، وهي أحد أركان الإسلام، ولا تحتاج المبادرة إليها من النساء الفاضلات الصحابيات إلى حث واستنهاض.
أما قولها: "أيجزيء عني" فلا ينافي ذلك صدقة التطوع؛ لأنَّ المعروف
أنَّ الصدقة تكون على البعيد، أما مَن تحت يد لإنسان فالنفقة عليه يدعو الدافع الغريزي للقيام بها، فهي تريد أن تثبت: هل الإنفاق عليهم منها واقع موقعه من الصدقة، أم أنَّه من النفقات العادية التي تدعو إليها الصلات العائلية؟.
وأما من حمل القصة على الزكاة فقال: إنَّ الصدقة عند الإطلاق تنصرف إلى الواجبة.
وقولها: "أيجزيء" دليل على أنَّ المراد: الصدقة الواجبة، فهي التي يسأل عن إجزائها، وبراءة الذمة منها.
أما التطوع فلا يحتاج إلى هذا السؤال، وليضعها المتصدق حيث شاء من جهات البر.
ولكن الراجح هو القول الأول، وأنَّ المراد به هنا: صدقة التطوع.
قال في "عون الباري": السياق يرجح النيل.
ويدل عليه الرواية الأخرى: "تصدَّقن، ولو من حُليكن"؛ فإنَّها تدل على إرادة التطوع، وبه جزم النووي.
كما يدل على صحة هذا القول قوله عليه الصلاة والسلام: "زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم"؛ لأنَّ الولد يُعطى من الزكاة الواجبة إجماعًا، فتعين إرادة صدقة التطوع.
528 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْألُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).
ــ
* مفردات الحديث:
- مُزْعة: -بضم الميم وسكون الزاي المعجمة ثم عين مهملة فتاء تأنيث- هي القطعة اليسيرة تكون بقدر المضغة.
قال الخطابي: يحتمل أنَّه يأتي ساقطًا لا قدر له ولا جاه، أو يعذب في وجهه؛ حتى يسقط لحمه؛ لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء.
وفي بعض النسخ: "مضغة"، والمضغة بالضم أيضًا، وكلاهما بمعنى: القطعة.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
الحديث محمول على من سأل الناس تكثرًا للمال، وليس من حاجة به إليه، والذي قيَّده النصوص الكثيرة التي أقرَّت السائل عند الحاجة، ومنها قوله تعالى:{وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)} [الضحى].
2 -
الحديث يدل على تحريم المسألة من دون حاجة إليها، وإنما هو من غنًى عنها.
3 -
الغنى يكون بالمال المعد، ويكون بغلة عقار، يُدِرّ عليه ما يكفيه، ويكون بصنعة تقوم بكفايته وتغنيه، فحينئذ يحرم عليه السؤال.
4 -
الجزاء من جنس العمل؛ فحيث كان وجهه هو الذي يسأل، ويقابل الناس
(1) البخاري (1474)، مسلم (1040).
عند السؤال، صار العذاب يوم القيامة منصبًّا عليه، وقال الخطابي: يحتمل أن يكون ساقط القدر، ويحتمل أن يعذب حتى يسقط لحمه، عقوبةً له في موضع الجناية؛ لكونه أذلَّ وجهه بالسؤال.
5 -
في الحديث تشبيه حاله في الآخرة بحاله في الدنيا عند السؤال؛ فإنَّ السائل يسأل بوجهٍ ذليل منكسير متعبٍ مجهدٍ، يتصيب عرقًا عند ذل المسألة، فيأتي يوم القيامة بذلك الوجه الذي تعب فيه بالسؤال.
6 -
قال العلماء: إنَّ تحريم المسألة بدون حاجة مقيد بسؤاله السلطان، فإنَّه لا يحرم ولو بلا حاجة؛ لما سيأتي في حديث رقم (531) من استثناء السلطان، فإنَّ سؤاله لا مذمة فيه؛ لأنَّ السائل يسال مما له حق فيه، وهو بيت مال المسلمين، ولا منة للسلطان على السائل.
7 -
إذا أُنفق على الإنسان، أو أُهدي إليه مال، أو ورثه، وغير ذلك من مال حرام وحلال -فإن كان المأكول والمهدي هو عينا المال المكتسب من حرام، فإنَّه لا يحل، وإن لم يكن عينه، فإنَّه لا يحرم، فلك غُنْمه، وعلى صاحبه إثمه، والأولى التنزه عنه، إلَاّ للمحتاج فلا بأس.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن ذمّ المسألة:
جاء في قرار مجلس هيئة كبار العلماء (123) وتاريخ 24/ 10/ 1404 هـ ما خلاصته:
بعد استعراضه لأحوال المتسولين، وأنَّ منهم من هو محتاج فعلاً، ومنهم من اتَّخذ من التسول مهنة وحرفة، مع قدرته على الكسب بالطرق المشروعة، ومنهم المحتال والمستكثر.
وبعد المناقشة والتبادل، قرر المجلس ما يلي:
أولاً: أنَّ المسالة لا تحل إلَاّ لمن تحقَّقت فيه صفة من الصفات الثلات، المذكورة في الحديث الذي أخرجه مسلم عن قبيصة بن مُخارق [وسيأتي برقم
(534)
] فمن وجدت فيه صفة من هذه الصفات الثلاث، فإنَّه يتعيَّن النظر في وضعه، ومساعدته حتى تزول حاجته، فإن لم تزل حاجته، وتندفع ضرورته، فلا مانع -والحال بما ذكر- من سؤاله إخوانه المسلمين حتى تزول ضرورته.
أما من سأل تكثرًا، أو اتَّخذ من التسول مهنةً وحرفةً، وهو قادرٌ على الكسب بالطرق المشروعة -فإنَّ ذلك لا يحل ولا يجوز، وقد تضافرت الأحاديث الصحيحة على ذم فاعله.
ثانيًا: لِما لمسه المجلس من أثر طيب لمخصصات الضمان الاجتماعي، فإنَّه يوصي بزيادة هَذه المخصصات؛ لتصبح ملائمة لسد حاجات المستفيدين منه، نظرًا لكثرة متطلبات المعيشة في الوقت الحاضر.
ثالثًا: المزيد من دعم جمعيات البر والعناية بها، فهي جديرة بذلك؛ لِمَا لَها من خدمات جليلة، وفوائد متعددة في سبيل تفقد أحوال المحتاجين، ومد يد العون، والمساعدة لهم.
***
529 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتكْثِرْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).
ــ
* مفردات الحديث:
- أموالهم: بدل اشتمال من "الناس"، وقد تقرر عند العلماء أن البدل هو المقصود بالذات، وأن الكلام سيق لأجله، فيكون القصد من هذا السؤال هو نفس المال.
- تكثُّرًا: مفعول لأجله أي: طالبًا لكثرة المال لا لدفع الحاجة والفقر.
- جمرًا: أي: نارًا متَّقدة يأكلها في جوفه.
- فليَستقلّ أو ليستكثر: إن شاء أخذ قليلاً، وإن شاء أخذ كثيرًا، وهذا أمر قصد به التهديد والوعيد بالعذاب الشديد.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
الحديث يدل على تحريم المسألة بدون حاجة إليها، وإنما يريد أن يتكثر بجمع المال.
2 -
فالسائل الذي يسأل تكثرًا للمال، وجمعًا بدون حاجة له، إنما يجمع جمرًا يوقد عليه في نار جهنم؛ لأنَّه جمع مالاً حرامًا، فالمال المجموع بهذه الطريق حرام، والوسيلة في جمعه محرمة.
قال في "شرح الإقناع": ويحرم سؤال الزكاة، وصدقة التطوع، أو الكفارة، ونحوها وله ما يكفيه.
(1) مسلم (1041).
3 -
مفهوم الحديث أنَّ من سأل من حاجة لا تكثرًا، فإنَّه حلال، والمسالة في الحصول عليه جائزة.
قال في "شرح الإقناع": ومن أبيح له أخذ شيء من زكاة، وصدقة تطوع، وكفارةٍ، وغير ذلك أبيح له سؤاله وطلبه؛ لأنَّه يطلب حقه الذي أبيح له.
4 -
قوله: "فليقل أو ليستكثر": تهديد له على سؤاله بدون حاجة، بأنَّ ما أخذ بهذه الطريق فهو جمر من نار جهنم، فليأخذ منه قليلاً أو كثيرًا، على قدر ما سأل في الدنيا.
***
530 -
وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لأَنْ يَأْخذَ أحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةٍ مِنَ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ بِهَا وَجْهَهُ -خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أعْطَوْهُ أوْ مَنَعُوهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (1).
ــ
* مفردات الحديث:
- لأن يأخذ: "اللام" لام الابتداء، وهو للتوكيد، والفعل منصوب بأن المصدرية.
- حبْلَه: -بفتح الحاء وسكون الباء-: ما فتل من ليف ونحوه ليربط به أو يقاد به، والجمع حبال، مثل سهم وسهام، وعند البخاري "أُحْبله" بضم الباء الموحدة، جمع قلة.
- حُزْمَة: بضم الحاء المهملة وسكون الزاي، من حزمت الشيء: جعلته حزمة، والجمع حُزَم، مثل غرفة وغرف.
- فكيف بها وجهه: أي: فيمنع بها وجهه، من أن يريق ماءه بالسؤال من الناس.
- خير: مرفوع؛ لأنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو خير له، أو أنَّ المبتدأ المصدر المؤول، المكون من "أنَّ" وما دخلت عليه.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
في الحديث دليل على تحريم السؤال، مع القدرة على الكسب.
2 -
قوله: "خير له" ليست هذه أفعل تفضيل على أصلها؛ إذ ليس في السؤال مع القدرة خير، ولعلها جاءت بحسب اعتقاد السائل، وتسمية الذي يعطاه خيرًا.
(1) البخاري (1471).
3 -
ليس الاحتطاب مرادًا، وإنما المراد هو: طلب الكسب بأي طريق مباحة، فهي أفضل من سؤال الناس، أما أنواع المكاسب فكلٌّ ميسَّر لما خُلقَ له.
4 -
في الحديث الحث على الكسب والاستغناء به عن أن يكون المسلم القادر عالة على المجتمع، وعضوًا عاطلاً لا يفيد ولا يستفيد، بقدر ما أعطاه الله من قوة وموهبة.
5 -
في الحديث الحث على التعفف عن المسألة والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشقة في ذلك.
6 -
سؤال الوالدين، أو الولد، أو أحد الزوجين الآخر لا يعد من ذلك، فليس فيه مِنَّةٌ، قال تعالى:{وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ..} [النور: 61].
قال ابن عبد البر: مكْسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس، أعطوه أو منعوه.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء أي الأعمال أفضل في الاكتساب؟:
فذهب الشافعي إلى: التجارة.
وقال الماوردي: الأشبه عندي أنَّ الزراعة أجلب؛ لأنَّها أقرب إلى التوكل.
وقال النووي: أفضلها ما نصَّ عليه الحديث: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده"[رواه البخاري (1696)].
فإن كان عمل الرجل بيده بالزراعة، فهو أطيب المكاسب وأفضلها، لأنَّه عمل يده، ولأنَّ فيه توكلاً، ولأنَّ فيه نفعًا عامًّا للمسلمين والدواب، ولأنَّه لابد عادة أن يُؤكل منه بغير عوض، فيحصل له أجره، وسيأتي في باب الأطعمة إن شاء الله تعالى.
***
531 -
وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المَسْأَلَةُ كَدٌّ يَكُدُّ الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَاّ أنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أوْ فِي أمْرٍ لَابُدَّ مِنْهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (1).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه أبو داود (1639) والنسائي (2600) والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قال الشوكاني: "كد" هذا لفظ الترمذي وابن حبان، ولفظ أبي داود "كدح".
* مفردات الحديث:
- المسألة: سؤال الناس أموالهم.
- كدُّ: بفتح الكاف وتشديد الدال المهملة.
قال في "النهاية": الكدُّ: الاتعاب.
- وجهه: قال في "النهاية": أراد بالوجه: ماءه ورونقه.
- أمر لابُدَّ منه: كما في الحمالة، والجائحة، والفاقة.
- لابُدَّ: أي: لا محيص، ولا معدل، ولا مناص، وليس لك من ذلك بُدّ: يريدون به الإطلاق على أي وجه كان، و"بُد" لا يعرف استعمالها إلَاّ مع النفي.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
في الحديث ذم المسالة، وأنَّها كد وجُهد يلبسها الرجل وجهه أمام الناس،
(1) الترمذي (681).
حين يسألهم أموالهم، فتصيبه الخدوش والندوب، المعنوية والحسية، فأما المعنوية فهو الذل والصَّغار أمام المسؤول، وأما الحسية فإنَّه يحدث بوجه السائل تقبض وتغير عند المسألة.
2 -
في الحديث تحريم المسألة مع الغنى بالمال الموجود، أو المقدور عليه بالكسب والصنعة، ونحو ذلك.
3 -
فيه استحباب العفة عن المسألة، والعفة عنها مع الحاجة إليها، وإيثار الصبر عنها.
4 -
في الحديث استثناء مسألة السلطان، وهو إمام المسلمين؛ فإنَّها جائزة لا إثم فيها، ولا دناءة، ذلك أنَّ السلطان هو أمين المسلمين على بيت مالهم، وكل مسلم له حق في بيت المال، فكأنَّ السائل حينما يسأل الإمام إنَّما يسأله من حقه، الذي هو أمين عليه.
5 -
يستحب ألا يكثر من سؤال السلطان، ويديم الطلب، لاسيَّما أهل العلم وأهل الفضل، ففي هذا إسقاط لوقارهم، وجلال العلم فيهم، وانهماك في جمع المال، والحرص عليه؛ لما جاء في البخاري أنَّ حكيم بن حزام قال:"سألتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم، إنَّ هذا المال خضرة حلوة، من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع. قال حكيم: والذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا، فكان أبو بكر يدعوه إلى عطائه، فيأبى أن يأخذه، ودعاه عمر فأبى، فقال عمر: أشهدكم أني أدعو حكيمًا إلى عطائه، فيأبى أن يأخذه، فما سأل أحدًا شيئًا حتى فارق الدنيا".
***