المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب ما جاء في بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم - جمع الوسائل في شرح الشمائل - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعَطُّرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابٌ كَيْفَ كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَحِكِ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مُزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الشِّعْرِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّمْرِ)

- ‌(بَابٌ فِي صِفَةِ نَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى)

- ‌(بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي بُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَوَاضُعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌بَابُ مَا جَاءَ فِي خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حَيَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حِجَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي سِنِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ)

الفصل: ‌(باب ما جاء في بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ هُوَ الْحُجْرَةُ نَفْسُهَا أَيْ: يُسْمِعُ مَنْ فِي الْحُجْرَةِ، وَهُوَ فِيهَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْأَزْهَارِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْحُجْرَةُ أَخَصُّ مِنَ الْبَيْتِ انْتَهَى.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قِرَاءَتَهُ كَانَتْ مُتَوَسِّطَةً لَا فِي نِهَايَةِ الْجَهْرِ، وَلَا فِي غَايَةِ الْإِخْفَاءِ.

‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي بُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

-)

هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورًا خُرُوجُ الدَّمْعِ مَعَ الْحُزْنِ، وَمَمْدُودًا خُرُوجُهُ مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ بَيْنِ الشُّرَّاحِ، وَأَطْلَقَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ حَيْثُ قَالَ: بَكَى يَبْكِي بُكَاءً وَبُكًا (حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ) وَفِي نُسْخَةٍ ابْنُ النَّصْرِ (أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ حَدَّثَنَا (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ مُطَرِّفٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) بِكَسْرِ الشِّينِ، وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ (عَنْ أَبِيهِ) وَهُوَ صَحَابِيٌّ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ (قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ) بِالزَّائَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ أَيْ: غَلَيَانٌ، وَقِيلَ صَوْتٌ وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: خَنِينٌ مِنَ الْخَوْفِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ صَوْتُ الْبُكَاءِ، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَجِيشَ جَوْفُهُ، وَيَغْلِيَ بِالْبُكَاءِ (كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْجِيمِ الْقِدْرُ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَوِ الْقِدْرُ مُطْلَقًا كَمَا اخْتَارَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ.

(مِنَ الْبُكَاءِ) أَيْ: مِنْ أَجْلِهِ أَوْ بِسَبَبِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ خَوْفِهِ، وَخَشْيَتِهِ وَخُضُوعِهِ فِي عُبُودِيَّتِهِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ صلى الله عليه وسلم لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً، رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.

وَرَوَى مُسْلِمٌ: وَالَّذِي نَفْسِ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ

اللَّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ.

فَجَمَعَ لَهُ تَعَالَى بَيْنَ عِلْمِ الْيَقِينِ، وَعَيْنِ الْيَقِينِ بَلْ جَمَعَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ حَقَّ الْيَقِينِ.

وَالْخَشْيَةُ أَخَصُّ مِنَ الْخَوْفِ إِذْ هِيَ خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِتَعْظِيمِ شَيْءٍ عَنْ مَعْرِفَةٍ كَامِلَةٍ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ تَعَالَى إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وَمَعْنَى الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ إِنَّمَا يُعَظِّمُ اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى طَرِيقِ التَّجْرِيدِ.

(حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ

ص: 116

عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ) بِفَتْحِ عَيْنٍ فَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قَالَ: قَالَ) أَيْ: لِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اقْرَأْ عَلَيَّ) أَيْ: وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ لَكِنْ قَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ الظَّفَرِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُوَ فِي بَنِي ظَفَرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَتَاهُمْ فِي بَنِي ظَفَرٍ، وَمَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَمَرَ قَارِئًا فَقَرَأَ فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا فَبَكَى حَتَّى ضَرَبَ لَحْيَاهُ، وَوَجْنَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَبِّ هَذَا شَهِدْتُ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَيْنَ ظَهْرَانَيْ فَكَيْفَ لِمَنْ لَمْ أَرَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا يُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَدْوَةً وَعَشِيَّةً فَيَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَأَعْمَالِهِمْ فَلِذَلِكَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، فَفِي هَذَا الْمُرْسَلِ مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ الَّذِي تَضَمَّنَ حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ انْتَهَى.

وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقَارِئَ فِي بَنِي ظَفَرٍ أَيْضًا هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِكَوْنِهِ مَوْجُودًا فِيهِمْ لَكِنَّهُ خِلَافَ الْمُتَبَادَرِ مِنَ التَّنْكِيرِ فِي قَوْلِهِ فَأَمَرَ قَارِئًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ) أَيْ: وَأَقْرَأُ (عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ) أَيِ: الْقُرْآنُ مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ عَلَى لِسَانِ رَسُولٍ كَرِيمٍ (قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) أَيْ: كَمَا أُحِبُّ أَنْ أُسْمِعَهُ غَيْرِي، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ سَمَاعَ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِهِ لِيَكُونَ عَرْضُ الْقُرْآنِ سُنَّةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكَيْ يَتَدَبَّرَهُ، وَيَفْهَمَهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ أَقْوَى عَلَى التَّدَبُّرِ، وَأَنْشَطُ عَلَى التَّفَكُّرِ مِنَ الْقَارِئِ لِذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ بِالْقُرْآنِ (فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ) أَيْ: أَنَا وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَيْ: عَلَى أُمَّتِكَ أَوْ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ شَهِيدًا أَيْ: مُزَكِّيًا أَوْ مُثْنِيًا أَوْ شَاهِدًا وَحَاضِرًا (قَالَ) أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (فَرَأَيْتُ عَيْنَيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَهْمِلَانِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ

ص: 117

الْمِيمِ وَضَمِّهَا أَيْ: تَسِيلَانِ دُمُوعًا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ

حَتَّى أَتَيْتُ هَذِهِ الْآيَةَ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا قَالَ: حَسْبُكَ الْآنَ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.

وَذَرَفَتِ الْعَيْنُ سَالَ دَمْعُهَا مِنْ حَدِّ ضَرَبَ، قَالَ الْمُظْهِرُ: مَعْنَى الْآيَةِ كَيْفَ حَالُ النَّاسِ فِي يَوْمٍ تَحْضُرُ أُمَّةُ كُلِّ نَبِيٍّ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمْ شَهِيدًا بِمَا فَعَلُوا مِنْ قَبُولِهِمُ النَّبِيَّ أَوْ رَدِّهِمْ إِيَّاهُ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكَ وَبِأُمَّتِكَ انْتَهَى.

وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ عِنْدَ ذَوِي النُّهَى، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا بَكَى صلى الله عليه وسلم عِنْدَ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ مَثَّلَ لِنَفْسِهِ أَهْوَالَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَشِدَّةِ الْحَالِ الدَّاعِيَةِ إِلَى شَهَادَتِهِ لِأُمَّتِهِ بِالتَّصْدِيقِ، وَسُؤَالِهِ الشَّفَاعَةَ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ، وَهُوَ أَمْرٌ يَحِقُّ لَهُ طُولُ الْبُكَاءِ انْتَهَى.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ بَكَى رَحْمَةً لِأُمَّتِهِ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ بِعَمَلِهِمْ، وَعَمَلُهُمْ قَدْ لَا يَكُونُ مُسْتَقِيمًا فَقَدْ يُفْضِي إِلَى تَعْذِيبِهِمْ ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَظْهَرُ مَعَ أَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْحَنَفِيُّ مِنْ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بُكَاؤُهُ لِلسُّرُورِ مِنْ خِطَابِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأَنَّكَ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ فَكَلَامٌ مَرْدُودٌ لَا يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ عَلَى مَا قَالَهُ مِيرَكُ شَاهْ.

وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْحَنَفِيِّ يُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ الْقِرَاءَةِ فِي مَجْلِسِ الْوَعْظِ وَالْوَاعِظِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَحِلُّ اسْتِمَاعِ الْعَالِي لِقِرَاءَةِ السَّافِلِ فَبَاطِلٌ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ هَذَا الْكَلَامَ لِابْنِ مَسْعُودٍ فِي أَثْنَاءِ الْوَعْظِ، وَالنَّصِيحَةِ لِلصَّحَابَةِ، وَمُجَرَّدُ الْجُلُوسِ عَلَى الْمِنْبَرِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوَعْظِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَى كَمَا أَفَادَهُ مِيرَكُ شَاهْ، نَعَمْ فِيهِ جَوَازُ أَمْرِ السَّامِعِ لِلْقَارِئِ بِقَطْعِ الْقِرَاءَةِ إِذَا عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَيِ: ابْنِ الْعَاصِ (قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ) أَيْ: ذَهَبَ نُورُ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، يُقَالُ كَسَفَتْ بِفَتْحِ الْكَافِ وَانْكَسَفَتْ

بِمَعْنَى وَأَنْكَرَ الْفَرَّاءُ انْكَسَفَ، وَكَذَا الْجَوْهَرِيُّ حَيْثُ نَسَبَهُ إِلَى الْعَامَّةِ، وَالْحَدِيثُ يُرَدُّ عَلَيْهِمَا، وَحَكَى كُسِفَتْ بِضَمِّ الْكَافِ، وَهُوَ نَادِرٌ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُقَالُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا، وَانْكَسَفَا وَخَسَفَا بِفَتْحِ الْخَاءِ وَضَمِّهَا وَانْخَسَفَا، وَالْكُلُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقِيلَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ بِالْكَافِ، وَخَسَفَ الْقَمَرُ بِالْخَاءِ ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُمَا يَكُونَانِ لِذَهَابِ ضَوْئِهِمَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَلِذَهَابِ بَعْضِهِ أَيْضًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْخُسُوفُ فِي الْجَمْعِ، وَالْكُسُوفُ فِي الْبَعْضِ وَقِيلَ الْخُسُوفُ ذَهَابُ اللَّوْنِ، وَالْكُسُوفُ التَّغَيُّرُ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْمَشْهُورُ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْكُسُوفَ لِلشَّمْسِ وَالْخُسُوفَ لِلْقَمَرِ، وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّهُ أَفْصَحُ، وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ عَكْسَهُ، وَغُلِّطَ لِثُبُوتِهِ بِالْخَاءِ لِلْقَمَرِ فِي الْقُرْآنِ، وَقِيلَ يُقَالُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَبِهِ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ، وَقِيلَ بِالْكَافِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَبِالْخَاءِ فِي الِانْتِهَاءِ (يَوْمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وَهُوَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَلَدُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَلَدُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي حَتَّى لَمْ يَكَدْ) أَيْ: لَمْ يَقْرُبْ (يَرْكَعُ) بِلَا لَفْظَةِ (أَنْ) وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ طُولِ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ ; فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَرَأَ قَدْرَ الْبَقَرَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى (ثُمَّ رَكَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) كَذَلِكَ بِدُونِ أَنْ بِخِلَافِ الْبَاقِي مِمَّا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَلَمْ يَكَدْ أَنْ يَسْجُدَ ثُمَّ سَجَدَ) ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ سَجَدَ (فَلَمْ يَكَدْ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَلَمْ يَكَدْ أَنْ يَسْجُدَ) وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَالثَّوْرِيُّ سُمِعَ مِنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ، فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَلَى تَطْوِيلِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ إِلَّا فِي هَذَا، وَقَدْ نَقَلَ الْغَزَّالِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى تَرْكِ إِطَالَتِهِ، فَإِنْ أَرَادَ الِاتِّفَاقَ الْمَذْهَبِيَّ فَلَا كَلَامَ، وَإِلَّا فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ (ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ

ص: 118

فَجَعَلَ يَنْفُخُ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ فَمِهِ حَرْفَانِ (وَيَبْكِي) قَالَ مِيرَكُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ: وَجَعَلَ يَنْفُخُ فِي الْأَرْضِ وَيَبْكِي وَهُوَ سَاجِدٌ وَذَلِكَ

فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (وَيَقُولُ رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ) أَيْ: بِقَوْلِكَ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ الْآيَةَ (رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) أَيْ: بِقَوْلِكَ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ) فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَحْقِيقِ الْمَوْعُودِينَ مَعَ زِيَادَةٍ وَهِيَ اسْتِغْفَارُهُ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ وَذَكَرَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْكُسُوفَ رُبَّمَا دَلَّ عَلَى وُقُوعِ عَذَابٍ فَخَشِيَ صلى الله عليه وسلم مِنْ وُقُوعِهِ وَعُمُومِهِ، وَمِنْ ثَمَّةَ رَوَى الْبُخَارِيُّ فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ.

وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْأُمَّةِ مِنْ ذِكْرِ وَعْدِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي مَقَامِ طَلَبِ دَفْعِ الْبَلَاءِ، وَكَأَنَّ فَائِدَةَ الدُّعَاءِ بِعَدَمِ تَعْذِيبِهِمْ مَعَ الْوَعْدِ بِهِ الَّذِي لَا يُخْلَفُ تَجْوِيزُ أَنَّ ذَلِكَ الْوَعْدَ مَنُوطٌ بِشَرْطٍ أَوْ قَيْدٍ اخْتَلَّ (فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ) أَيِ: انْكَشَفَتْ وَرَوَى النَّسَائِيُّ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلُّونَ وَرَوَى المص كَمَا تَرَى أَنَّهُ رَكَعَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعًا.

وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ صِلَاتِكُمْ.

وَبِهَذَا أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا مَا قَالَ جَمْعٌ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُصَلِّ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ فَيَرُدُّهُ عَلَيْهِمْ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَتَأْوِيلُ صَلَّى بِأَمْرٍ بَاطِلٍ إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَيِّمِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِيهِ جَمَاعَةً فَيَرُدُّهُ قَوْلُ ابْنُ حِبَّانَ فِي سِيرَتِهِ أَنَّهُ خُسِفَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ فَصَلَّى صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَكَانَتْ أَوَّلَ صَلَاةِ كُسُوفٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَجَزَمَ بِهِ مُغَلْطَايُ: وَالزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إِنَّ مُرَادَ ابْنِ الْقَيِّمِ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ نَقْلًا صَحِيحًا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ فِي سِيرَتِهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِيهِ جَمَاعَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ رَكَعَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ، وَفِي بَعْضِهَا ثَلَاثًا، وَفِي بَعْضِهَا أَرْبَعًا، وَفِي بَعْضِهَا سِتًّا فَحَمَلَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الرِّوَايَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ جَائِزٌ، وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ أَنَّ صِحَّةَ تَعَدُّدِ الْكُسُوفِ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ ثَابِتٍ لَا بِمُجَرَّدِ جَمْعِ الرِّوَايَاتِ يُقَالُ بِالتَّعَدُّدِ خُصُوصًا أَنَّهُ نَقَلَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُصَلِّهَا بِالْمَدِينَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَ الزِّيَادَةَ عَلَى الرُّكُوعَيْنِ غَلَطًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ طُرُقِ الْحَدِيثِ يُمْكِنُ رَدُّ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيَجْمَعُهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، وَإِذَا اتَّحَدَتِ الْقَضِيَّةُ بَطَلَتْ دَعْوَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ رِوَايَةِ الثَّلَاثِ وَمَا فَوْقَهَا لَا تَخْلُو عَنْ عِلَّةٍ.

وَأَمَّا تَعَيُّنِ الْأَخْذِ بِالرَّاجِحِ، وَهُوَ رُكُوعَانِ عَلَى مَا ذَكَرُهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فَمَحَلُّ بَحْثٍ ; فَإِنَّهُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالرُّكُوعَيْنِ يَنْبَغِي الْحَمْلُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ صِلَاتِهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَّ الزِّيَادَةَ سَاقِطَةٌ لِاعْتِبَارِهَا مَحْمُولَةً عَلَى وَهْمِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا: إِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَطَالَ الرُّكُوعَ رَفَعَ بَعْضُ الصُّفُوفِ رُءُوسَهُمْ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ عليه السلام رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَرَفَعَ مَنْ خَلْفَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَاكِعًا رَكَعُوا فَرَكَعَ مَنْ خَلْفَهُمْ فَمَنْ كَانَ خَلْفَ خَلْفِهِمْ ظَنَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَكْثَرَ مِنْ رُكُوعٍ فَرَوَى عَلَى حَسَبِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الِاشْتِبَاهِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُصَلِّهَا بِالْمَدِينَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَرْبَابِ السِّيَرِ عَلَى خِلَافٍ فِي تَعْيِينِ سَنَةِ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَجُمْهُورُ أَهْلِ السِّيرَةِ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ فَقِيلَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَلَمْ يَصِحَّ الْأَخِيرُ ; لِأَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ شُهِدَ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ الْحُدَيْبِيَةِ.

(فَقَامَ) أَيْ: فِي مَحَلِّهِ أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ (فَحَمِدَ اللَّهَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِنَا مِنْ تَعْيِينِ لَفْظِ ح م د فِي الْخُطْبَةِ انْتَهَى وَفِي اسْتِدْلَالِهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ أَوِ الْمَعْنَى شَكَرَهُ عَلَى إِنْعَامَاتِهِ، وَأَثْنَى عَلَى ذَاتِهِ

ص: 119

وَصِفَاتِهِ وَزَادَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) أَيِ: الدَّالَّانِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ الْآيَةَ أَيْ: عَلَامَتَيْنِ تَدُلَّانِ عَلَى الْقَادِرِ الْحَكِيمِ بِتَعَاقُبِهِمَا عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ مَعَ إِمْكَانِ غَيْرِهِ أَوْ عَلَى تَخْوِيفِ الْعِبَادِ مِنْ بَأْسِهِ، وَسَطْوَتِهِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا وَزَادَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ الْمُخْرَجَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ زِيَادَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَهِيَ (لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ) وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَيْضًا بَيَانُ سَبَبِ هَذَا الْقَوْلِ وَلَفْظُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنًا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ مَاتَ فَقِيلَ إِنَّمَا كَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى حَتَّى انْجَلَتْ فَلَمَّا انْجَلَتْ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنَ الْعُظَمَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَى آخِرِهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ.

(فَإِنِ انْكَسَفَا) فِيهِ تَغْلِيبُ الْقَمَرِ فِي التَّذْكِيرِ، وَتَغْلِيبُ الشَّمْسِ فِي الْفِعْلِ عَلَى الشَّهِيرِ، وَفِي نُسْخَةٍ فَإِذَا انْكَسَفَا (فَافْزَعُوا) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ: خَافُوا وَتَضَرَّعُوا، وَالْتَجِئُوا وَبَادِرُوا، وَتَوَجَّهُوا (إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا وَادْعُوا فَسُمِّيَتِ الصَّلَاةُ ذِكْرًا لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ، وَمَدَارِهَا إِلَيْهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: إِنَّمَا هَذِهِ الْآيَاتُ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ فَإِذَا

رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا وَتَذَكَّرُوا الْخَوْفَ.

وَفِي أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم بِالصَّلَاةِ فَقَطْ دُونَ الْخُطْبَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً، وَلَوْ كَانَتْ لِنَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا أَبْحَاثًا مِنْهَا مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامًا وَاحِدًا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ.

قُلْتُ دَلَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَإِنْكَارُهُ مُكَابَرَةٌ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا هُوَ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ، قُلْتُ: قَدْ رَدَّهُ ابْنُ الْهُمَامِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: عَلَى أَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِهِ، فَإِنَّا نُجَوِّزُ قِيَامًا وَقِيَامَيْنِ، فَلَمْ نُخَالِفِ السُّنَّةَ بِخِلَافِ مَنْ أَنْكَرَ تَعَدُّدَ الْقِيَامِ ; فَإِنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ الصَّرِيحَةَ بِلَا مُسْتَنَدٍ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ لَمْ يَبْلُغْهُ ذَلِكَ، قُلْتُ: قَدْ بَلَغَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ مَعَ تَأْوِيلِهِ، وَأَجَابُوا بِالْمُعَارَضَةِ، وَمُسْتَنَدُهُمُ الرِّوَايَاتُ الْمُصَرِّحَةُ بِأَنَّهُ كَانَ قِيَامًا وَاحِدًا مَعَ أَنَّ تَجْوِيزَ الْقِيَامِ وَالْقِيَامَيْنِ إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ صَحَّ تَعَدُّدُ الْوَاقِعَةِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْهَيْئَةِ زَعَمُوا أَنَّ الْكُسُوفَ أَمْرٌ عَادِيٌّ لَا يَتَقَدَّمُ، وَلَا يَتَأَخَّرُ وَرُدَّ قَوْلُهُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالْحِسَابِ لَمْ يَقَعْ فَزَعٌ، وَلَا أُمِرْنَا بِنَحْوِ الْعِتْقِ، وَالصَّلَاةِ كَمَا فِي خَبَرِ الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا، وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَنْدَفِعُ بِهِ مَا يُخْشَى مِنْ أَثَرِ الْكُسُوفِ الْمُوجِبِ

ص: 120

لِلْفَزَعِ، وَبِمَا صَحَّ مِنْ خَبَرِ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ.

فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ سَبَبَ الْكُسُوفِ خُشُوعُهُمَا لِلَّهِ تَعَالَى.

وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ النُّورَ مِنْ عَالَمِ الْجَمَالِ الْحِسِّيِّ، فَإِذَا تَجَلَّتْ صِفَةُ الْجَلَالِ انْطَمَسَتِ الْأَنْوَارُ لِهَيْبَتِهِ، وَظُهُورِ عَظَمَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ طَاوُسٌ: لَمَّا نَظَرَ لِلشَّمْسِ، وَهِيَ كَاسِفَةٌ فَبَكَى حَتَّى كَادَ أَنْ يَمُوتَ، وَقَالَ هِيَ أَخْوَفُ لِلَّهِ مِنَّا.

وَبِمَا تَقَرَّرَ مِنْ صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَظُهُورِ مَعْنَاهُ انْدَفَعَ قَوْلُ الْغَزَّالِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فَيَجِبُ تَكْذِيبُ نَاقِلِهِ، وَلَوْ صَحَّ كَانَ تَأْوِيلُهُ سَهُلَ مِنْ مُكَابَرَةِ أُمُورٍ قَطْعِيَّةٍ لَا تُصَادَمُ مِنْ أَصْلِ الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ انْتَهَى.

لَكِنْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْحَدِيثِ، وَبَيْنَ مَا قَالُوا: فَإِنَّ لِلَّهِ أَفْعَالًا عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ وَاقِعَةٌ لَا خَارِجَةٌ عَنْهَا وَقُدْرَتُهُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ سَبَبٍ يَقْطَعُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ، وَحِينَئِذٍ فَالْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ لِقُوَّةِ اعْتِقَادِهِمْ فِي عُمُومِ قُدْرَتِهِ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ، وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَإِذَا وَقَعَ شَيْءٌ غَرِيبٌ حَدَثَ عِنْدَهُمُ الْخَوْفُ لِقُوَّةِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنَّ ثَمَّةَ أَسْبَابًا تَجْرِي عَلَيْهَا بِالْعَادَةِ إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ خَرْقَهَا.

وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إِنْ كَانَ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يُنَافِي كَوْنُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لِعِبَادِهِ، هَذَا وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.

وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِبْطَالُ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ تَأْثِيرِ الْكَوَاكِبِ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْكُسُوفَ يُوجِبُ حُدُوثَ تَغَيُّرٍ فِي الْأَرْضِ مَوْتًا أَوْ ضَرَرًا فَأَعْلَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ اعْتِقَادٌ بَاطِلٌ، وَأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ خَلْقَانِ مُسَخَّرَانِ لِلَّهِ لَيْسَ لَهُمَا سُلْطَانٌ فِي غَيْرِهِمَا، وَلَا قُدْرَةٌ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا.

وَفِيهِ بَيَانُ

مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ وَشَدَّةِ الْخَوْفِ مِنْ رَبِّهِ.

(حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أَيِ: الثَّوْرِيُّ ذَكَرَهُ مِيرَكُ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ابْنَةً لَهُ تَقْضِي) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ أَيْ: تُرِيدُ أَنْ تَمُوتَ مِنَ الْقَضَاءِ بِمَعْنَى الْمَوْتِ، وَقِيلَ أَصْلُ قَضَى مَاتَ فَاسْتِعْمَالُهُ هُنَا لِلْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ مَجَازٌ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقَضَاءُ مَرْجِعُهُ إِلَى انْقِطَاعِ الشَّيْءِ وَتَمَامِهِ (فَاحْتَضَنَهَا) أَيْ: جَعَلَهَا فِي حِضْنِهِ بِالْكَسْرِ أَيْ: جَنْبِهِ، وَهُوَ مَا دُونَ الْإِبِطِ إِلَى الْكَشْحِ، وَبِهِ سُمِّيَتِ الْحَاضِنَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُرَبِّي الطِّفْلَ، لِأَنَّ الْمُرَبِّيَ وَالْكَافِلَ يَضُمُّ الطِّفْلَ إِلَى حِضْنِهِ، وَالْحَضَانَةُ بِالْفَتْحِ فِعْلُهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ (فَوَضَعَهَا) أَيْ: بَعْدَ سَاعَةٍ (بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَاتَتْ وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَصَاحَتْ) مِنَ الصَّيْحَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَصَاحَتْ (أُمُّ أَيْمَنَ) وَهِيَ حَاضِنَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَوْلَاتُهُ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ وَأَعْتَقَهَا حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ، وَزَوَّجَهَا لِزَيْدٍ مَوْلَاهُ فَوَلَدَتْ لَهُ أُسَامَةَ، وَتُوُفِّيَتْ بَعْدَ عُمَرَ بِعِشْرِينَ يَوْمًا، وَقَدْ شَهِدَتْ أُحُدًا وَكَانَتْ تَسْقِي الْمَاءَ، وَتُدَاوِي الْجَرْحَى، وَشَهِدَتْ خَيْبَرَ وَتَفْصِيلُ تَرْجَمَتِهَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ بُكَاؤُهَا بِصِيَاحِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ مَعَ إِشْعَارِهِ بِالْجَزَعِ حَرَامًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنْكَرَ عَلَيْهَا (فَقَالَ: يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنَ التَّابِعِيِّ، وَالضَّمِيرُ فِي يَعْنِي رَاجِعٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (أَتَبْكِينَ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وَعَدَلَ إِلَيْهِ عَنْ عِنْدِي ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ (فَقَالَتْ) أَيْ: أُمُّ أَيْمَنَ ظَنًّا بِأَنَّ مُطْلَقَ الْبُكَاءِ جَائِزٌ (أَلَسْتُ أَرَاكَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: أُبْصِرُكَ وَأُشَاهِدُكَ (تَبْكِي) حَالٌ (قَالَ: إِنِّي لَسْتُ أَبْكِي) أَيْ: بُكَاءً عَلَى سَبِيلِ الْجَزَعِ، وَعَدَمِ الصَّبْرِ، وَلَا يَصْدُرُ عَنِّي مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْوَيْلِ، وَالثُّبُورِ وَالصِّيَاحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (إِنَّمَا هِيَ) أَيِ: الْبُكَاءُ وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الدَّمْعَةِ أَوْ قَطْرَةِ الدَّمْعِ أَوِ الْخَبَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (رَحْمَةً) أَيْ: أَثَرُهَا وَزَادَ فِي الصَّحِيحَيْنِ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ

ص: 121

الرُّحَمَاءِ.

وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَ عَائِشَةَ مَا بَكَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَيِّتٍ قَطُّ، وَإِنَّمَا غَايَةُ حُزْنِهِ أَنْ يُمْسِكَ لِحْيَتَهُ

لِأَنَّ مُرَادَهَا مَا بَكَى عَلَى مَيِّتٍ أَسَفًا عَلَيْهِ بَلْ رَحْمَةً لَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا عَلَى فِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ (إِنَّ الْمُؤْمِنَ) أَيِ: الْكَامِلَ (بِكُلِّ خَيْرٍ) الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ (عَلَى كُلِّ حَالٍ) ; لِأَنَّهُ يَشْهَدُ الْمِحْنَةَ عَيْنَ الْمِحْنَةِ، فَيَحْمَدُ عَلَى الْمِنَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ (إِنَّ نَفْسَهُ) أَيْ: رُوحَهُ (تُنْزَعُ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: تُقْبَضُ (مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ وَهُوَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ (يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى) ; فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ حِينَئِذٍ بِالْحَقِّ، وَعِبَادَتِهِ بِالرِّضَاءِ عَلَى قَضَائِهِ، وَإِرَادَتِهِ وَالْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكَامِلُ مُلَابِسًا بِكُلِّ خَيْرٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ حَتَّى إِنَّهُ فِي نَزْعِ رُوحِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَرَاهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ رَحْمَةً لَهُ، وَكَرَامَةً وَخَيْرًا لَهُ مِنْ حَيَاتِهِ، فَإِنَّ الْمَوْتَ تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ وَهَدِيَّةُ الْمُوقِنِ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ رِوَايَةَ النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمَّا حُضِرَتْ بِنْتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَغِيرَةٌ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَضَمَّهَا إِلَى صَدْرِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَقُبِضَتْ وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبَكَتْ أُمُّ أَيْمَنَ، الْحَدِيثَ.

قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَخْلُو عَنْ إِشْكَالٍ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ ابْنَةٌ لَهُ، وَبِنْتٌ لَهُ صَغِيرَةٌ إِمَّا بِنْتُهُ حَقِيقَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، فَهُوَ مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ أَرْبَابَ السِّيَرِ، وَالْحَدِيثِ وَالتَّوَارِيخِ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ بَنَاتَهُ صلى الله عليه وسلم كُلُّهُنَّ مُتْنَ فِي حَالَةِ الْكِبَرِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ إِحْدَى بَنَاتِهِ، وَيَكُونُ إِضَافَتُهَا إِلَيْهِ مَجَازِيَّةً، فَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ ابْنَةَ إِحْدَى بَنَاتِهِ مَاتَتْ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ إِلَّا مَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ فِي النَّزْعِ لَكِنَّهُ أُشْكِلَ مِنْ حَيْثُ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أُمَامَةَ عَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ ثُمَّ عَاشَتْ عِنْدَ عَلِيٍّ حَتَّى قُتِلَ عَنْهَا، وَلِذَا حَمَلُوا رِوَايَةَ أَحْمَدَ أَنَّهَا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْتِ ثُمَّ عَافَاهَا اللَّهُ تَعَالَى بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ وَقَعَ وَهْمٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِمَّا فِي قَوْلِهِ تَقْضِي وَقَوْلِهِ، وَهُوَ يَمُوتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالصَّوَابُ ابْنُهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَحَدُ بَنِيهِ إِمَّا الْقَاسِمُ، وَإِمَّا عَبْدُ اللَّهِ وَإِمَّا إِبْرَاهِيمُ ; فَإِنَّهُمْ مَاتُوا صِغَارًا فِي حَيَاتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ ابْنَ بَعْضِ بَنَاتِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فَفِي الْأَسْبَابِ الْمِيلَادِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ مِنْ رُقَيَّةَ بِنْتِهِ صلى الله عليه وسلم مَاتَ فِي حِجْرِهِ فَبَكَى، وَقَالَ: إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ.

وَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ثَقُلَ ابْنٌ لِفَاطِمَةَ فَبُعِثَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْحَدِيثَ، وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي الْبُكَاءِ، وَالِابْنُ الْمَذْكُورُ هُوَ مُحْسِنُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ أَنَّهُ مَاتَ صَغِيرًا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَذَا غَايَةُ التَّحَقُّقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا، وَهُوَ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أَيِ: الثَّوْرِيُّ

(عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: وَجْهَهُ أَوْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ (وَهُوَ مَيِّتٌ) وَهُوَ أَخُوهُ رَضَاعًا قُرَشِيٌّ أَسْلَمَ بَعْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ

ص: 122

بَدْرًا، وَكَانَ حَرَّمَ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَلَمَّا دُفِنَ قَالَ نِعْمَ السَّلَفُ هُوَ لَنَا وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ كَانَ عَابِدًا مُجْتَهِدًا مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ (وَهُوَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم (يَبْكِي) أَيْ: حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى وَجْهِ عُثْمَانَ عَلَى مَا فِي الْمُشْكَلَةِ قَالَ مِيرَكُ: وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، وَهُوَ مَيِّتٌ قَالَتْ: فَرَأَيْتُ دُمُوعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَسِيلُ عَلَى خَدِّ عُثْمَانَ.

وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَبِي النَّضْرِ قَالَ: لَمَّا مُرَّ بِجِنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلْبَسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ يَعْنِي مِنَ الدُّنْيَا، وَهَذَا مُرْسَلٌ لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ كَشَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ بَكَى طَوِيلًا فَلَمَّا رُفِعَ عَنِ السَّرِيرِ قَالَ: طُوبَى لَكَ يَا عُثْمَانُ لَمْ تَلْبَسْكَ الدُّنْيَا، وَلَمْ تَلْبَسْهَا (أَوْ قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي كَمَا قَالَهُ الْكَاشَانِيُّ وَهُوَ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ (عَيْنَاهُ) وَفِي نُسْخَةٍ، وَعَيْنَاهُ (تُهْرَاقَانِ) بِضَمِّ التَّاءِ، وَفَتْحِ الْهَاءِ، وَسُكُونِهَا أَيْضًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِحَذْفِ الْأَلِفِ تَصُبَّانِ الدَّمْعَ أَوْ تَصُبَّانِ دُمُوعَهُمَا قَالَ الْعِصَامُ: فِيهِ لُغَتَانِ فَتْحُ الْهَاءِ عَلَى أَنَّهَا عِوَضٌ عَنِ الْهَمْزَةِ، وَحِينَئِذٍ مَاضِيهِ هَرَاقَ، وَسُكُونُ الْهَاءِ عَلَى أَنَّهَا زِيدَتْ، وَالْمَاضِي أَهْرَاقَ رِوَايَةُ الْكِتَابِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَالتَّرْكِيبُ مِنْ قَبِيلِ جَرَى النَّهْرُ انْتَهَى.

وَفِي التَّاجِ لِلْبَيْهَقِيِّ الْإِرَاقَةُ صَبُّ الْمَائِعِ، وَالْمَاضِي أَرَاقَ وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى هَرَاقَ الْمَاءَ يُهَرِيقُهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ هِرَاقَةً، وَالشَّيْءُ مُهَرَاقٌ بِالتَّحْرِيكِ، وَالْهَاءُ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ بَدَلٌ عَنِ الْهَمْزَةِ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ أَهْرَقَ الْمَاءَ يَهْرَقُ إِهْرَاقًا عَلَى أَفْعَلَ يَفْعَلُ إِفْعَالًا لُغَةٌ وَلُغَةٌ أُخْرَى أَهْرَاقَ يُهْرِيقُ إِهْرَاقَةً فَهُوَ مُهْرِيقٌ وَمِهْرَاقٌ، وَالْهَاءُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ زِيدَتْ عِوَضًا مِنْ ذَهَابِ الْحَرَكَةِ مِنْ نَفْسِ الْعَيْنِ لَا مِنْ ذَهَابِهَا أَصْلًا، لِأَنَّ أَصْلَ أَرَاقَ أَرْوَقَ أَوْ أُرِيقَ فَكَأَنَّهُمْ لَمَّا نَقَلُوا الْحَرَكَةَ مِنَ الْعَيْنِ فَحَرَّكُوا بِهَا الْفَاءَ السَّاكِنَةَ، وَقَلَبُوا الْعَيْنَ أَلِفًا، فَلَحِقَ الْكَلِمَةَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ التَّغْيِيرِ جَعَلُوا هَذِهِ الْهَاءَ عِوَضًا مِنَ الْوَهَنِ الَّذِي لَحِقَهَا، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي اسْطَاعَ لُغَةٌ فِي أَطَاعَ يُطِيعُ فَاعْرِفْهُ، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الْهَاءُ فِي هَرَاقَ بَدَلٌ مِنْ هَمْزَةِ أَرَاقَ، وَيُقَالُ أَهْرَاقُهُ إِهْرَاقًا فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْبَدَلِ، وَالْمُبْدَلِ.

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بِضَمِّ فَاءٍ، وَفَتْحِ لَامٍ، وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ فَمُهْمَلَةٍ (وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: شَهِدْنَا) أَيْ: حَضَرْنَا (ابْنَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وَهِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ زَوْجَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ كَمَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ فِي تَرْجَمَةِ أُمِّ كُلْثُومٍ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا رُقَيَّةُ ; لِأَنَّهَا مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا (وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ) أَيْ: عَلَى طَرَفِهِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَأَغْرَبَ شَارِحٌ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ (فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ) أَيْ: يَسِيلُ دَمْعُهُمَا (فَقَالَ: أَفِيكُمُ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ) أَيِ: الْبَارِحَةَ.

فِي جَامِعِ الْأُصُولِ لَمْ يُقَارِفْ أَيْ: لَمْ يُذْنِبْ ذَنْبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْجِمَاعُ فَكَنَّى عَنْهُ، وَقِيلَ هُوَ الْمَعْنِيُّ فِي الْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي النِّهَايَةِ قَارَفَ الذَّنْبَ إِذَا دَانَاهُ، وَقَارَفَ امْرَأَتَهُ إِذَا جَاءَهَا، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي دَفْنِ أُمِّ كُلْثُومٍ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَمْ يُقَارِفْ أَهْلَهُ اللَّيْلَةَ فَلْيَدْخُلْ قَبْرَهَا.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُقَارِفْ بِالْقَافِ وَالرَّاءِ وَالْفَاءِ مِنَ الْمُقَارَفَةِ عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ، وَأَنَّ الْمَفْعُولَ هُنَا مَحْذُوفٌ وَهُوَ الذَّنْبُ أَوِ امْرَأُتُهُ، وَأَهْلُهُ، وَقَدْ زَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ فُلَيْحٍ أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَحَكَى عَنِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يُقَارِفْ تَصْحِيفٌ، وَالصَّوَابُ لَمْ يُقَاوِلْ أَيْ: لَمْ يُنَازِعْ غَيْرَهُ فِي الْكَلَامِ ;

ص: 123