المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم - جمع الوسائل في شرح الشمائل - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعَطُّرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابٌ كَيْفَ كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَحِكِ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مُزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الشِّعْرِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّمْرِ)

- ‌(بَابٌ فِي صِفَةِ نَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى)

- ‌(بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي بُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَوَاضُعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌بَابُ مَا جَاءَ فِي خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حَيَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حِجَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي سِنِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ)

الفصل: ‌باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم

وسلم - فِي بَيْتِهِ قَالَتْ: كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ) أَيْ: فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهِ يَعْمَلُ عَمَلَ أَمْثَالِهِ (يَفْلِي) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ التَّفْلِيَةِ فَفِي الْقَامُوسِ: فَلَّى رَأْسَهُ بَحَثَهُ عَنِ الْقَمْلِ كَفَلَاهُ أَيْ: يُفَتِّشُ (ثَوْبَهُ) وَيُقَلِّبُهُ وَيَلْتَقِطُ الْقَمْلَ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا قَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْقَمْلُ يُؤْذِيهِ

تَعْظِيمًا لَهُ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَر فِي قَوْلِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ التَّفْلِيَةَ مِنْ وَسَخٍ وَنَحْوِهِ (وَيَحْلُبُ شَاتَهُ) بِضَمِّ اللَّامِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا (وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ) بِضَمِّ الدَّالِ وَيُكْسَرُ فَهَذَا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَفُسِّرَ بِصَبِّ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهَا أَيْضًا (كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ.

وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَيَرْفَعُ دَلْوَهُ، وَقَالَ شَارِحُ قَوْلِهَا رضي الله عنها: كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ تَمْهِيدًا لِمَا بَعْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا رَأَتْ مِنِ اعْتِقَادِ الْكُفَّارِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ غَيْرُهُ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ وَجَعَلُوهُ كَالْمُلُوكِ فَإِنَّهُمْ يَتَرَفَّعُونَ عَنِ الْأَفْعَالِ الْعَادِيَّةِ الدَّنِيَّةِ تَكَبُّرًا كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ فَقَالَتْ: إِنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَاحِدًا مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ شَرَّفَهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ وَكَرَّمَهُ بِالرِّسَالَةِ وَكَانَ يَعِيشُ مَعَ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ وَمَعَ الْحَقِّ بِالصِّدْقِ؛ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا وَيُعِينُهُمْ فِي أَفْعَالِهِمْ تَوَاضُعًا وَإِرْشَادًا لَهُمْ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَرَفَعَ التَّرَفُّعَ، وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْخَلْقِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

-

فِي النِّهَايَةِ الْخُلُقُ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ، وَبِضَمَّتَيْنِ: السَّجِيَّةُ وَالطَّبِيعِيَّةُ وَالْمُرُوءَةُ وَالدِّينُ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ لِصُورَةِ الْإِنْسَانِ الْبَاطِنَةِ، وَهِيَ نَفْسُهُ وَأَوْصَافُهَا وَمَعَانِيهَا الْمُخْتَصَّةُ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الْخُلُقِ لِصُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ وَأَوْصَافِهَا وَمَعَانِيهَا وَلَهُمَا أَوْصَافٌ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلِهَذَا تَكَرَّرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي مَدْحِ حُسْنِ الْخُلُقِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ انْتَهَى، وَعَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ حُسْنُ

ص: 149

الْخُلُقِ تَحْصِيلُ الْفَضَائِلِ وَتَرْكُ الرَّذَائِلِ وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: (كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ يَغْضَبُ بِغَضَبِهِ وَيَرْضَى بِرِضَاهُ.

وَتَفْصِيلُهُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَّصِفُ بِكُلِّ صِفَةٍ حَمِيدَةٍ مَذْكُورَةٍ فِيهِ وَيَجْتَنِبُ عَنْ كُلِّ خَصْلَةٍ ذَمِيمَةٍ مَسْطُورَةٍ فِيهِ، كَمَا قَالَ الشَّاطِبِيُّ رحمه الله فِي وَصْفِ الْقُرَّاءِ: أُولُو الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَالصَّبْرِ وَالتُّقَى حُلَاهُمْ بِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ مُفَصَّلًا عَلَيْكَ بِهَا مَا عِشْتَ فِيهَا مُنَافَسًا وَبِعْ نَفْسَكَ الدُّنْيَا بِأَنْفَاسِهَا الْعُلَى وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقِ الْعِلْمِ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ، وَالتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ بِمَا فِيهِ مِنْ جَانِبِ الرَّحْمَنِ ثُمَّ الْإِخْلَاصِ الْمَقْرُونِ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ بِالْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كَمَالَ حُسْنِ الْخُلُقِ فِيمَا بَيْنَ الْخَلْقِ عَلَى قَدْرِ سَعَةِ الْقَلْبِ وَشَرْحِ الصَّدْرِ وَمِنْ ثَمَّةَ وَرَدَ أَنَّ قَلْبَهُ صلى الله عليه وسلم أَوْسَعُ قَلْبٍ اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى قَلْبِهِ وَإِنْ كَانَ مُقَرَّبًا عِنْدَ اللَّهِ وَلَدَيْهِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ حُسْنُ الْخُلُقِ غَرِيزِيَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ أَوْ مُكْتَسَبَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ فَقِيلَ بِالْأَوَّلِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ اللَّهَ قَسَّمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ كَمَا قَسَّمَ أَرْزَاقَكُمْ.

، وَقِيلَ: بَعْضُهُ مُكْتَسَبٌ لِمَا صَحَّ فِي خَبَرِ الْأَشَجِّ (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِيمًا كَانَ فِيَّ أَوْ حَدِيثًا، قَالَ: قَدِيمًا، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَتَرْدِيدُ السُّؤَالِ عَلَيْهِ وَتَقْرِيرُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ جِبِلِّيٌّ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُكْتَسَبٌ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ جِبِلَّةٌ فِي نَوْعِ الْإِنْسَانِ وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِيهِ فَمَنْ غَلَبَهُ حُسْنُهُ فَهُوَ الْمَحْمُودُ وَإِلَّا أُمِرَ بِالْمُجَاهَدَةِ حَتَّى يَصِيرَ حَسَنًا وَبِالرِّيَاضَةِ حَتَّى يَزِيدَ حُسْنُهُ، قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَخْلَاقَ كُلَّهَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِهَا جِبِلِّيَّةٌ قَابِلَةٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ بِالرِّيَاضَاتِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعِبَارَاتُ النَّبَوِيَّةُ وَالْإِشَارَاتُ الصُّوفِيَّةُ.

مِنْهَا حَدِيثُ (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ.

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ (مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ) .

وَمِنْهَا مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ (وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ) .

وَمِنْهَا مَا صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي.

فَالْمُرَادُ: زِيَادَةُ تَحْسِينِ الْخُلُقِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ عَلَى طِبْقِ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا.

وَمِنْهَا حَدِيثُ (حُسْنُ الْخُلُقِ نِصْفُ الدِّينِ) رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ.

وَمِنْهَا (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا) .

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهَذَا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ الْعَارِفِينَ أَنَّ الْكَمَالَ فِي الْخُلُقِ هُوَ حَسْنُ الْخُلُقِ، وَهُوَ التَّخَلُّقُ بِالْأَخْلَاقِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْأَوْصَافِ الصَّمَدَانِيَّةِ مَا عَدَا اسْمَ الْجَلَالَةِ، فَإِنَّهُ لِلتَّعَلُّقِ لَا لِلتَّخَلُّقِ، قَالَ الْعَارِفُ السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها (كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ) : رَمْزٌ غَامِضٌ وَإِيمَاءٌ خَفِيٌّ إِلَى الْأَخْلَاقِ الرَّبَّانِيَّةِ فَاحْتَشَمَتِ الْحَضْرَةُ الْإِلَهِيَّةُ أَنْ تَقُولَ: كَانَ مُتَخَلِّقًا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَبَّرَتْ عَنْ هَذَا بِأَنَّ خُلُقَهُ الْقُرْآنُ اسْتِحْيَاءً مِنْ سَبَحَاتِ الْجَلَالِ وَسَتْرًا لِلْجَمَالِ بِلَطِيفِ الْمَقَالِ لِوُفُورِ عَقْلِهَا وَكَمَالِ أَدَبِهَا وَفَضْلِهَا انْتَهَى، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ أَوْصَافَ خُلُقِهِ الْعَظِيمِ لَا تَتَنَاهَى كَمَا أَنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ لَا تَتَقَاضَى، وَهَذَا غَايَةٌ فِي الِاتِّسَاعِ وَنِهَايَةٌ فِي الِابْتِدَاعِ لَا يُهْتَدَى لِانْتِهَائِهَا بَلْ كُلُّ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ انْتِهَاؤُهَا فَهُوَ مِنِ ابْتِدَائِهَا وَمِنْ ثَمَّةَ وَسِعَتْ أَخْلَاقُهُ أَخْلَاقَ أَفْرَادِ أَصْنَافِ بَنِي آدَمَ بَلْ أَنْوَاعَ أَجْنَاسِ مَخْلُوقَاتِ الْعَالَمِ، وَلِذَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَسَائِرِ الْأُمَمِ بَلْ وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالْجَمَادَاتِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (بُعِثْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً) .

(حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِقْرَاءِ، وَهُوَ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ (حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَارِجَةَ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ دَخَلَ نَفَرٌ) يَقَعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ عَلَى

مَا فِي الصِّحَاحِ (عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَقَالُوا لَهُ: حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَاذَا أُحَدِّثُكُمْ)

ص: 150

أَيَّ شَيْءٍ أُحَدِّثُكُمْ، وَكَأَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ الْإِحَاطَةَ بِأَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ صلى الله عليه وسلم فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَنْكَرَ الْوُقُوفَ عَلَى مَا هُنَالِكَ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ أَفَادَهُمْ بَعْضُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يُشِيرُ إِلَى غَايَةِ ضَبْطِهِ وَيُشْعِرُ إِلَى نِهَايَةِ حِفْظِهِ حَيْثُ قَالَ:(كُنْتُ جَارَهُ) أَيْ: فَلِي خِبْرَةٌ بِهِ أَتَمُّ مِنْ غَيْرِي فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى قُرْبِهِ الصُّورِيِّ، وَأَمَّا الشَّاهِدُ عَلَى دُنُوِّهِ الْمَعْنَوِيِّ فَقَوْلُهُ (فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَى) أَيْ: أَرْسَلَ أَحَدًا إِلَيَّ يَطْلُبُنِي لِكِتَابَةِ الْوَحْيِ غَالِبًا فَإِنَّهُ مِنْ أَجَلِّ الْكَتَبَةِ وَأَكْثَرِهِمْ فِي الْمُبَاشَرَةِ (فَكَتَبْتُهُ لَهُ) أَيِ: الْوَحْيَ (فَكُنَّا) أَيْ: مَعْشَرَ الصَّحَابَةِ (إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا) أَيْ: ذَمًّا أَوْ مَدْحًا لِكَوْنِهَا مَزْرَعَةَ الْآخِرَةِ وَمَحَلَّ الِاعْتِبَارِ لِأَرْبَابِ الْمَعْرِفَةِ (ذَكَرَهَا مَعَنَا) وَالْمُرَادُ: بِذِكْرِ الدُّنْيَا ذِكْرُ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيَا الْمُعِينَةِ عَلَى أَحْوَالِ الْعُقْبَى كَالْجِهَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ فِي أُمُورِهِ وَالتَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِهِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ مَصَالِحِهِ وَآلَاتِهِ وَسِلَاحِهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ (وَإِذَا ذَكَرْنَا الْآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا) أَيْ: وَبَيَّنَ لَنَا تَفَاصِيلَ أَحْوَالِهَا أَوْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُرَغِّبَةِ وَالْمُرَهِّبَةِ وَغَيْرِهَا (وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ) أَيْ: ضَرَرَهُ وَنَفْعَهُ وَآدَابَ أَكْلِهِ وَبَيَانَ أَنْوَاعِهِ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَالْفَوَاكِهِ وَسَائِرِ الْمُسْتَلَذَّاتِ (ذَكَرَهُ مَعَنَا) وَأَفَادَ فِي كُلٍّ مِنَ الْحِكَمِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ وَمَا يَتَحَصَّلُ بِهِ مِنْ مَنْفَعَتِهِ وَمَضَرَّتِهِ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنَ الطِّبِّ النَّبَوِيِّ مِمَّا يَكَادُ يَعْجِزُ الْوَاحِدُ عَنْ بَيَانِ الْعِلْمِ الْمُصْطَفَوِيِّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا تَقَرَّرَ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا فِي أَحْوَالِهِ فِي مَجْلِسِهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الدُّنْيَا وَالطَّعَامِ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ فَوَائِدُ عِلْمِيَّةٌ وَأَدَبِيَّةٌ وَبِتَقْدِيرِ خُلُوِّهِ عَنْهُمَا فَفِيهِ بَيَانُ جَوَازِ تَحَدُّثِ الْكَبِيرِ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَمِثْلُ هَذَا الْبَيَانِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم (فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ) بِالرَّفْعِ عَلَى مَا هُوَ الثَّابِتُ فِي الرِّوَايَةِ، وَالرَّابِطَةُ فِي خَبَرِهِ مَحْذُوفَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَجُوزُ النَّصْبُ وَالتَّقْدِيرُ أُحَدِّثُكُمْ إِيَّاهُ (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِصِحَّةِ

مَرْوِيِّهِ وَإِظْهَارٌ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ.

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ) نِسْبَةً إِلَى قُرَيْظَةَ مُصَغَّرًا قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ يَهُودِ الْمَدِينَةِ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بِلَا يَاءٍ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْجُمْهُورُ عَلَى كِتَابَتِهِ بِالْيَاءِ، وَحَذْفُهَا لُغَةٌ كَمَا قَرَأَ بِهِ السَّبْعُ فِي (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) انْتَهَى، وَالْمُرَادُ: بَعْضُ السَّبْعِ؛ لِأَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يُثْبِتُ الْيَاءَ فِيهِ وَصْلًا وَوَقْفًا، وَهَذَا مِنْهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَاصِيَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْمُعْتَلِّ اللَّامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الْأَجْوَفُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ حَيْثُ قَالَ: وَالْأَعْيَاصُ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْلَادُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْأَكْبَرِ وَهُمُ الْعَاصُ وَأَبُو الْعَاصِ وَالْعِيصُ وَأَبُو الْعِيصِ (قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَى أَشَرِّ الْقَوْمِ) قَالَ مِيرَكُ: أَشَرُّ جَاءَ عَلَى الْأَصْلِ وَمِنْهُ «صُغْرَاهَا شُرَّاهَا» ، وَيُقَالُ: خَيْرٌ وَأَخْيَرُ وَشَرٌّ وَأَشَرُّ لَكِنَّ الَّذِي بِالْأَلِفِ أَقَلُّ اسْتِعْمَالًا انْتَهَى، وَفِي الْقَامُوسِ أَشَرُّ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ أَوْ رَدِيَّةٌ، وَهِيَ شَرَّةٌ وَشُرَّى (يَتَأَلَّفُهُمْ بِذَلِكَ) أَيْ: بِمَا ذَكَرَ مِنَ

ص: 151

الْإِقْبَالِ وَالْكَلَامِ، وَالتَّأَلُّفُ هُوَ الْمُدَارَاةُ وَالْإِينَاسُ لِيَثْبُتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبِينَةٌ وَلَيْسَ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ كَمَا تَوَهَّمَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالضَّمِيرُ فِي يَتَأَلَّفُهُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى أَشَرِّ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّهُ جُمِعَ مَعْنًى وَأَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى الْقَوْمِ؛ لِأَنَّ التَّأَلُّفَ كَانَ عَامًّا لَكِنَّهُ يَزِيدُ فِي الْأَشْرَارِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَتَأَلَّفُ الْقَوْمَ إِذْ أَرْبَابُ الْخَيْرِ مَائِلُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا تَأَلَّفَ الْأَشْرَارَ أَيْضًا تَأَلَّفَ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ، وَهَذَا أَظْهَرُ لِئَلَّا يَحْصُلَ الضَّرَرُ بِالتَّنَافُرِ الطَّبِيعِيِّ وَإِنَّمَا كَانَ يَقِلُّ التَّأَلُّفُ مَعَ الْأَبْرَارِ وَيَكْثُرُ مَعَ الْأَشْرَارِ؛ لِأَنَّ الصُّلَحَاءَ مُسْتَقِيمُونَ عَلَى الْجَادَّةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ الْآيَةَ (فَكَانَ) الْفَاءُ تَعْلِيلِيَّةً أَوْ تَفْرِيعِيَّةً أَيْ: فَكَانَ كَثِيرًا مَا (يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَيَّ حَتَّى ظَنَنْتُ) أَيْ: مِنْ كَثْرَةِ الْتِفَاتِهِ إِلَيَّ (أَنِّي خَيْرُ الْقَوْمِ) وَسَبَبُهُ أَنَّهُ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ وَمِنْ رُؤَسَاءِ قَوْمِهِ مِنَ الْأَنَامِ (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ: بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ وَتَرَدُّدِهِ فِي بَعْضِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ (أَنَا خَيْرٌ أَوْ أَبُو بَكْرٍ) وَفِي نُسْخَةٍ أَمْ

أَبُو بَكْرٍ؟ كَمَا فِي الْبَقِيَّةِ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا خَيْرٌ أَمْ عُمَرُ؟ فَقَالَ عُمَرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا خَيْرٌ أَمْ عُثْمَانُ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ فَلَمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَدَقَنِي) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ: أَجَابَ سُؤَالِي بِجَوَابِ صِدْقٍ وَقَوْلِ حَقٍّ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ وَمُدَارَاةِ خَلْقٍ، وَأَغْرَبَ شَارِحٌ حَيْثُ قَالَ الْمَعْنَى أَجَابَنِي بِسُؤَالِي وَلَمْ يَمْنَعْنِي عَنِ السُّؤَالِ، وَفِي النُّسَخِ صَدَقَنِي بِدُونِ الْفَاءِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ إِتْيَانَ الْفَاءِ فِي جَوَابِ لَمَّا غَيْرُ مَشْهُورٍ لَكِنَّهُ سَائِغٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ أَئِمَّةِ النَّحْوِ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ خِلَافَهُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا زَائِدَةٌ، أَوِ الْجَوَابُ بَعْدَهَا مُقَدَّرٌ أَيْ: لَمَّا سَأَلْتُهُ فَصَدَقَنِي نَدِمْتُ حِينَئِذٍ أَوْ حَزِنْتُ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فَلَوَدِدْتُ عَطْفًا عَلَى فَصَدَقَنِي عَلَى الْأَوَّلِ وَعَلَى الْجَوَابِ الْمُقَدَّرِ عَلَى الثَّانِي قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَصَدَّقَنِي بِالتَّشْدِيدِ قِيلَ وَوَجْهُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ انْتَهَى، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ صَدَّقَهُ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُ خَيْرُ أَصْحَابِهِ لِجَهْلِهِ بِعَادَتِهِ صلى الله عليه وسلم فَلِذَلِكَ لَمْ يُعِنْهُ فِي تَطَلُّعِهِ إِلَى أَفْضَلِيَّتِهِ حَتَّى عَلَى الشَّيْخَيْنِ، وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ فَيُحْمَلُ التَّشْدِيدُ عَلَيْهِ، تَمَّ كَلَامُهُ وَلَا يَظْهَرُ مَرَامُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي ظَنِّهِ بَلْ كَذَّبَهُ وَخَطَّأَهُ فِي ظَنِّهِ بَلْ كَذَّبَهُ وَخَطَّأَهُ فِي وَهْمِهِ ثُمَّ فِي اسْتِدْلَالِهِ عَلَى كَثْرَةِ تَوَجُّهِهِ وَإِقْبَالِهِ غَفْلَةً عَنْ أَنَّ الْمَشَايِخَ يَتَوَجَّهُونَ إِلَى الْمُرِيدِ الْغَرِيبِ الْمُبْتَدِئِ أَكْثَرَ مِنَ الْقَرِيبِ الْمُنْتَهِي ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا عَلَى نُسْخَةِ صَدَقَنِي بِلَا فَاءٍ فَيَكُونُ جُمْلَةً حَالِيَّةً بِتَقْدِيرِ «قَدْ» سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُخَفَّفُ وَالْمُشَدَّدُ انْتَهَى، وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ إِذْ يَبْقَى الْكَلَامُ بِدُونِ الْجَوَابِ، وَهُوَ خِلَافُ الصَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ صَلَاحِيَتِهِ جَوَابًا لَهُ كَيْفَ يَعْدِلُ عَنْهُ وَيَجْعَلُ حَالًا ثُمَّ يَجْعَلُ الْجَوَابَ مُقَدَّرًا أَوْ يَجُوزُ الْجَوَابُ مَعَ وُجُودِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ (فَلَوَدِدْتُ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: أَحْبَبْتُ وَتَمَنَّيْتُ (أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ) أَيْ: حَيَاءً لِظُهُورِ خَطَأِ ظَنِّهِ وَفَضِيحَةً مِنَ الشَّرِّ الْمُوجِبِ لِكَثْرَةِ إِقْبَالِهِ.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ) بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ (عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ تِسْعَ سِنِينَ، وَلَعَلَّهُ أَسَقَطَ السَّنَةَ الْمُبْتَدَأَةَ، وَكَانَ عُمْرُهُ حِينَئِذٍ عَشْرَ سِنِينَ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ (فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ فَاءٍ

ص: 152

مُشَدَّدَةٍ وَكَسْرِهَا بِلَا تَنْوِينٍ وَبِهِ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَقْرُوءٌ بِهَا فِي السَّبْعِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِيهَا عَشَرَةَ لُغَاتٍ: فَتْحُ الْفَاءِ وَضَمُّهَا وَكَسْرُهَا بِلَا تَنْوِينٍ وَبِالتَّنْوِينِ فَهَذِهِ سِتٌّ، وَبِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَأُفِّي وَأُفَّةٍ بِضَمِّ هَمْزَتِهِمَا.

وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَتَضَجَّرُ وَأَتَكَرَّهُ قَالَ مِيرَكُ: وَأَصْلُ الْأُفِّ وَسَخُ الظُّفْرِ وَالْأُذُنِ وَيُقَالُ لِكُلِّ مَا يُتَضَجَّرُ أَوْ يُسْتَثْقَلُ: أُفٍّ لَهُ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ قَالَ تَعَالَى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكِرْمَانِيُّ فِيهَا تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ لُغَةً وَزَادَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَاحِدَةً فَأَكْمَلَهَا أَرْبَعِينَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ مِيرَكُ فِي شَرْحِهِ (قَطُّ) بِفَتْحِ قَافٍ وَتَشْدِيدِ طَاءٍ مَضْمُومَةٍ كَذَا فِي الْأُصُولِ أَيْ: أَبَدًا أَوْ جَازَ فِيهِ

ضَمُّ الطَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ مَعَ فَتْحِ أَوَّلِهِ، وَضَمُّهُ وَفَتْحٌ فَسُكُونٌ أَوْ كَسْرٌ مَعَ التَّشْدِيدِ وَعَدَمِهِ، وَهِيَ لِتَوْكِيدِ نَفْيِ الْمَاضِي (وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ) أَيْ: مِمَّا لَا يَنْبَغِي صُنْعُهُ أَوْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلِيقُ فِعْلُهُ (لِمَ صَنَعْتَهُ) أَيْ: لِأَيِّ شَيْءٍ صَنَعْتَهُ (وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ لِمَ فَعَلْتَ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ كَذَا وَأَلَّا صَنَعْتَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ بِمَعْنَى هَلَّا، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ لِشَيْءٍ مِمَّ يَصْنَعُهُ الْخَادِمُ وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِمَّا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَلِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ مَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا كَذَا وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا كَذَا أَوْ هَذَا مِنْ كَمَالِ خُلُقِهِ صلى الله عليه وسلم وَتَفْوِيضِ أَمْرِهِ وَمُلَاحَظَةِ تَقْدِيرِ رَبِّهِ، وَأَمَّا تَجْوِيزُ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْحَنَفِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مِنْ كَمَالِ أَدَبِ أَنَسٍ فَبَعِيدٌ جِدًّا مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ وَعُنْوَانِ الْبَابِ، وَلِعَدَمِ تَصَوُّرِ وَلَدٍ عُمْرُهُ عَشْرُ سِنِينَ يَخْدُمُ عَشْرَ سِنِينَ لَا يَقَعُ مِنْهُ مَا يُوجِبُ تَأْفِيفَهُ وَلَا تَقْرِيعَهُ مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي مِدْحَتُهُ عليه السلام لَا مَدْحَ نَفْسِهِ فِي هَذَا الْكَلَامِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَرْكَ اعْتِرَاضِهِ عليه السلام بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنَسٍ إِنَّمَا هُوَ لِغَرَضٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ خِدْمَتِهِ لَهُ صلى الله عليه وسلم وَحُقُوقِ مُلَازَمَتِهِ بِنَاءً عَلَى حِلْمِهِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُقُوقِ الرَّبَّانِيَّةِ وَلَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِحُقُوقِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَفْرَادِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا) قِيلَ:«مِنْ» زَائِدَةٌ وَلَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ غَيْرِهِ أَحْسَنَ مِنْهُ؛ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: زَيْدٌ مِنْ أَفْضَلِ عُلَمَاءِ الْبَلَدِ لَمْ يُنَافِ ذَلِكَ كَوْنَهُ أَفْضَلَهُمْ إِذِ الْأَفْضَلُ الْمُعَدَّدُ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّ (كَانَ) لِلِاسْتِمْرَارِ وَالدَّوَامِ فَإِذَا كَانَ دَائِمًا مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا انْتَهَى، وَكَانَ مُرَادُهُمْ أَنَّ سَائِرَ الْخَلْقِ وَلَوْ حَسُنَ خُلُقُهُمْ أَحْيَانًا سَاءَ خُلُقُهُمْ زَمَانًا بِخِلَافِ حُسْنِ خُلُقِهِ عليه السلام فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى الدَّوَامِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فَبَطَلَ تَعَقُّبُ ابْنِ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ تَأَمَّلْ يَظْهَرْ لَكَ مَا فِيهِ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي ذَوْقٍ سَلِيمٍ.

قَالَ

قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْخَاءِ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ لِلْمَقَامِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ حُسْنِ مُعَاشَرَتِهِ، قُلْتُ: هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّابِقِ دُونَ نِسْبَتِهَا إِلَى اللَّاحِقِ، وَلِهَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَحْسَنِ النَّاسِ حُسْنَ الْخِلْقَةِ، وَهُوَ تَابِعٌ لِاعْتِدَالِ الْمِزَاجِ الَّذِي يَتْبَعُهُ صَفَاءُ النَّفْسِ الَّذِي هُوَ جَوْدَةُ الْقَرِيحَةِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْحِكْمَةُ، نَعَمِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِالضَّمِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: حَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ، وَكَفُّ الْأَذَى وَطَلَاقَةُ

ص: 153

الْوَجْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ مُخَالَطَةُ النَّاسِ بِالْجَمِيلِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُوَ اخْتِيَارُ الْفَضَائِلِ وَاجْتِنَابُ الرَّذَائِلِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْعُنْوَانِ مَا يَسْتَغْنِي عَنْ زِيَادَةِ الْبَيَانِ ثُمَّ هُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُهُ بِأُنْسٍ وَنَحْوِهِ (وَلَا مَسِسْتُ) بِكَسْرِ السِّينِ وَبِفَتْحٍ أَيْ مَا لَمَسْتُ (خَزًّا) بِفَتْحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ زَايٍ، قِيلَ: الْخَزُّ اسْمُ دَابَّةٍ ثُمَّ سُمِّيَ الْمُتَّخَذُ مِنْ وَبَرِهَا فَيَكُونُ فَرْوًا نَاعِمًا عَلَى مَا فِي مِنْهَاجِ اللُّغَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْخَزُّ: ثِيَابٌ يُعْمَلُ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْخَزُّ مُرَكَّبٌ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مُبَاحٌ إِنْ لَمْ يَزِدِ الْحَرِيرُ وَزْنًا، وَلَا عِبْرَةَ بِزِيَادَةِ الظُّهُورِ فَقَطْ، انْتَهَى، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ إِنْ كَانَ السَّدَى حَرِيرًا وَاللُّحْمَةُ غَيْرَهُ فَهُوَ مُبَاحٌ وَعَكْسُهُ حَرَامٌ إِلَّا فِي الْحَرْبِ (وَلَا حَرِيرًا) أَيْ: خَالِصًا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا لَفْظُ قَطُّ، وَفِي بَعْضِهَا بَعْدُ خَزًّا (وَلَا شَيْئًا) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (كَانَ) أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ أَوْ شَيْءٍ (أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا شَمَمْتُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ كَذَا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا انْتَهَى، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فَفِي الْقَامُوسِ: الشَّمُّ حُسْنُ الْأَنْفِ شَمِمْتُهُ بِالْكَسْرِ أَشَمُّهُ بِالْفَتْحِ وَشَمَمْتُهُ بِالْفَتْحِ أَشُمُّهُ بِالضَّمِّ (مِسْكًا) وَهُوَ طِيبٌ مَعْرُوفٌ (قَطُّ وَلَا عِطْرًا) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ: مُطْلَقُ الطِّيبِ فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وَالْعَرَقُ بِفَتْحَتَيْنِ مَعْرُوفٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ عَيْنٍ وَسُكُونِ رَاءٍ فَفَاءٍ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.

وَكَانَ طِيبُ عَرَقِهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا أَكْرَمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَتَّى كَانَ بَعْضُ النِّسَاءِ يَأْخُذْنَهُ وَيَتَعَطَّرْنَ بِهِ وَكَانَ مِنْ أَطْيَبِ طِيبِهِنَّ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَمَعَ كَوْنِ هَذِهِ الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ صِفَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَمَسَّ طِيبًا كَانَ يَسْتَعْمِلُ الطِّيبَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مُبَالَغَةً فِي طِيبِ رِيحِهِ لِمُلَاقَاةِ الْمَلَائِكَةِ وَأَخْذِ الْوَحْيِ الْكَرِيمِ وَمُجَالَسَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلِفَوَائِدَ أُخْرَى مِنَ الِاقْتِدَاءِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ وَرَدَ (حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَقُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) .

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَشْرٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ (وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ) فَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَعَلَّ ابْتِدَاءَ خِدْمَةِ أَنَسٍ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ فَفِي رِوَايَةِ التِّسْعِ لَمْ يَجْبُرِ الْكَسْرَ وَاعْتَبَرَ

السِّنِينَ الْكَوَامِلَ، وَفِي رِوَايَةِ الْعَشْرِ جَبَرَهَا، وَاعْتَبَرَهَا سَنَةً كَامِلَةً، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَلَا مُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ خِدْمَتِهِ لَهُ كَانَ بَعْدَ قُدُومِهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَبَعْدَ تَزْوِيجِ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ بِأَبِي طَلْحَةَ.

فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي. الْحَدِيثَ.

وَفِيهِ أَنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَيَخْدُمُكَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَأَشَارَ بِالسَّفَرِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي الْمَغَازِي مِنَ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم طَلَبَ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ مَنْ يَخْدُمُهُ فَأَحْضَرَ لَهُ أَنَسًا فَأَشْكَلَ هَذَا عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ بَيْنَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ وَبَيْنَ خُرُوجِهِ إِلَى خَيْبَرَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ مَنْ يَكُونُ أَسَنَّ مِنْ أَنَسٍ وَأَقْوَى عَلَى الْخِدْمَةِ فِي السَّفَرِ فَعَرَفَ أَبُو طَلْحَةَ مِنْ أَنَسٍ الْقُوَّةَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَزَوَّجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ بِأَبِي طَلْحَةَ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهَا بَادَرَتْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَوَالِدُ أَنَسٍ حَيٌّ فَعَرَفَ بِذَلِكَ فَلَمْ يُسْلِمْ، وَخَرَجَ فِي حَاجَتِهِ فَقَتَلَهُ عَدُوٌّ لَهُ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ قَدْ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ فَاتَّفَقَ أَنَّهُ خَطَبَهَا فَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلِمَ فَأَسْلَمَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُدَّةُ خِدْمَةِ أَنَسٍ تِسْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ فَأَلْغَى الْكَسْرَ مَرَّةً وَجَبَرَهُ أُخْرَى كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

وَأَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ فَمَا سَبَّنِي سَبَّةً قَطُّ وَلَا ضَرَبَنِي ضَرْبَةً قَطُّ وَلَا عَبَسَ فِي وَجْهِي وَلَا أَمَرَنِي بِأَمْرٍ قَطُّ فَتَوَانَيْتُ فَعَاتَبَنِي عَلَيْهِ فَإِنْ عَاتَبَنِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ قَالَ دَعُوهُ فَلَوْ قُدِّرَ شَيْءٌ كَانَ.

ص: 154

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ هُوَ الضَّبِّيُّ، وَالْمَعْنَى) أَيْ: مُؤَدَّى التَّحْدِيثَيْنِ (وَاحِدٌ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَلْمٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (الْعَلَوِيِّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (كَانَ عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ النَّبِيِّ (عليه السلام رَجُلٌ بِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ) أَيْ: مِنْ طِيبٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: غَالِبًا مِنْ عَادَتِهِ (لَا يَكَادُ يُوَاجِهُ أَحَدًا) وَهَذَا لِتَضَمُّنِهِ نَفْيَ الْقُرْبِ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ أَبْلَغُ مِنْ «لَا يُوَاجِهُ أَحَدًا» ، فَالْمَعْنَى: لَا يَقْرُبُ مِنْ أَنْ يُقَابِلَ أَحَدًا (بِشَيْءٍ) أَيْ: بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ (يَكْرَهُهُ) أَيْ: يَكْرَهُ أَحَدٌ ذَلِكَ الشَّيْءَ، وَالْمُوَاجَهَةُ: الْمُقَابَلَةُ.

وَقَيَّدْنَا بِغَالِبِ عَادَتِهِ؛ لِئَلَّا يُنَافِيَهُ مَا ثَبَتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهُمَا، وَفِي رِوَايَةٍ: قُلْتُ أَغْسِلُهُمَا قَالَ بَلِ احْرِقْهُمَا، وَلَعَلَّ الْأَمْرَ بِالْحَرْقِ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّجْرِ، وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُعَصْفَرِ (فَلَمَّا قَالَ لِلْقَوْمِ) أَيْ: لِأَصْحَابِهِ الْحَاضِرِينَ فِي الْمَجْلِسِ (لَوْ قُلْتُمْ لَهُ يَدَعُ) أَيْ: يَتْرُكُ (هَذِهِ الصُّفْرَةَ) وَلَوْ لِلتَّمَنِّي أَوْ لِلشَّرْطِ، وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ لَكَانَ أَحْسَنَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمْرِ الْمُحَرَّمِ، وَهَذَا عَلَى الشَّيْءِ الْمَكْرُوهِ إِذْ وُجُودُ أَثَرِ صُفْرَةٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ مَكْرُوهٌ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لَمْ يُؤَخِّرْ صلى الله عليه وسلم أَمْرَهُ بِتَرْكِهِ إِلَى مُفَارَقَتِهِ الْمَجْلِسَ.

وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّمَا كَرِهَ الصُّفْرَةَ

لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِلْيَهُودِ وَمَخْصُوصَةٌ بِهِمْ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ جَعْلَ الصُّفْرَةِ عَلَامَةً لَهُمْ إِنَّمَا حَدَثَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ كَمِصْرَ مُنْذُ زَمَنٍ قَرِيبٍ فَفِي الْأَوَائِلِ لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ: أَوَّلُ مَنْ أَمَرَ بِتَغَيُّرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ زِيَّهُمْ إِمَامُ الْمُتَوَكِّلِ.

وَفِي السِّكِرْدَانِ لِابْنِ أَبِي حَجْلَةَ: لَبِسَ النَّصَارَى الْعَمَائِمَ الزُّرْقَ، وَالْيَهُودُ الْعَمَائِمَ الصُّفْرَ، وَالسَّامِرَةُ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ الْعَمَائِمَ الْحُمْرَ سَنَةَ سَبْعِمِائَةٍ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَغْرِبِيًّا جَالِسًا بِبَابِ الْقَلْعَةِ عِنْدَ بِيبَرْسَ الْجَاشِنْكِيرِ فَحَضَرَ بَعْضُ كُتَّابِ النَّصَارَى بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ، فَقَامَ لَهُ الْمَغْرِبِيُّ وَتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ فَدَخَلَ لِلسُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ، وَفَاوَضَهُ فِي تَغْيِيرِ زِيِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِيَمْتَازَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ فَأَجَابَهُ لِذَلِكَ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالدَّالِ مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةِ جَدَالَةَ (وَاسْمُهُ عَبْدُ بْنُ عَبْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاحِشًا) أَيْ: ذَا فُحْشٍ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقَوْلِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْفِعْلِ وَالصِّفَةِ (وَلَا مُتَفَحِّشًا) أَيْ: وَلَا مُتَكَلِّفًا بِهِ أَيْ:

ص: 155

لَمْ يَكُنِ الْفُحْشُ لَهُ خُلُقِيًّا وَلَا كَسْبِيًّا، قَالَ الْقَاضِي: الْفَاحِشُ مَا جَاوَزَ الْحَدَّ، وَالْفَوَاحِشُ الْمَقَابِحُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الزِّنَا فَاحِشَةً، وَالْمُرَادُ: بِالْفَاحِشِ فِي الْحَدِيثِ: ذُو الْفُحْشِ فِي كَلَامِهِ وَفِعْلِهِ، وَالْمُتَفَحِّشُ الَّذِي يَتَكَلَّفُ الْفُحْشَ وَيَتَعَمَّدُهُ فَنَفَتْ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ بِهِ طَبْعًا وَتَكَلُّفًا ذَكَرَهُ مِيرَكُ (وَلَا صَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: صَيَّاحًا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ سَخَّابًا بِالسِّينِ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَعَّالٌ قَدْ يَكُونُ لِلنِّسْبَةِ كَتَمَّارٍ وَلَبَّانٍ وَبِهِ أُوِّلَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَقْصُودُ نَفْيُ الصَّخَبِ لَا نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ كَأَنَّهَا نَظَرَتْ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَادَ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فَنَفَتْهُ عَلَى صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمُرَادُ: نَفْيُهُ مُطْلَقًا، وَقَدْ يُقَالُ الْغَرَضُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي حَقِّهِ لَكَانَ كَامِلًا كَسَائِرِ أَوْصَافِهِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَمْثَالِ هَذَا الْكَلَامِ مُبَالَغَةُ النَّفْيِ لَا نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَقِيلَ فِي الْآيَةِ صَحَّ الْمُبَالَغَةُ بِاعْتِبَارِ الْمُقَابَلَةِ لِلْعَبِيدِ الْمَوْجُودِينَ بِوَصْفِ الْكَثْرَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْمُبَالَغَةِ هُنَا وَفِي الْحَدِيثِ أَصْلُ الْفِعْلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْأَسْوَاقِ أَيْ: لَيْسَ مِمَّنْ يُنَافِسُ فِي الدُّنْيَا وَجَمْعِهَا حَتَّى يَحْضُرَ الْأَسْوَاقَ، لِذَلِكَ فَذِكْرُهَا إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ ارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ لِذَلِكَ لَا لِإِثْبَاتِ الصَّخَبِ فِي غَيْرِهَا أَوْ لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى فِيهَا انْتَفَى فِي غَيْرِهَا انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ فَإِنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ فِي الْقِرَاءَةِ

حَالَةَ الصَّلَاةِ وَيُبَالِغُ فِي إِعْلَانِهِ حَالَ الْخُطْبَةِ (وَلَا يَجْزِي) بِفَتْحِ الْيَاءِ فَكَسْرِ الزَّايِ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ مِنَ الْجَزَاءِ أَيْ: لَا يُكَافِئُ وَلَا يُجَازِي (بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ) وَالْبَاءُ لِلْمُبَادَلَةِ، وَإِطْلَاقُ السَّيِّئَةِ عَلَى الْأُولَى لِلْمُشَاكَلَةِ كَعَكْسِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَلِذَا قَالَتْ (وَلَكِنْ يَعْفُو) أَيْ: بِبَاطِنِهِ (وَيَصْفَحُ) أَيْ: يُعْرِضُ بِظَاهِرِهِ لِمَا سَبَقَ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ وَالصَّفْحُ فِي الْأَصْلِ الْإِعْرَاضُ بِصَفْحَةِ الْوَجْهِ، وَالْمُرَادُ: هُنَا عَدَمُ الْمُقَابَلَةِ بِذِكْرِهِ وَظُهُورِ أَثَرِهِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّ مَا قَبْلَ لَكِنْ رُبَّمَا يُوهِمُ أَنَّهُ تَرَكَ الْجَزَاءَ عَجْزًا أَوْ مَعَ بَقَاءِ الْغَضَبِ فَاسْتَدْرَكَهُ بِذَلِكَ.

وَمِنْ عَظِيمِ عَفْوِهِ حَتَّى عَنْ أَعْدَائِهِ الْمُحَارِبِينَ لَهُ حَتَّى كَسَرُوا رُبَاعِيَّتَهُ وَشَجُّوا وَجْهَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَلَكِنْ بُعِثْتُ دَاعِيًا وَرَحْمَةً اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي أَوِ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَيِ اغْفِرْ لَهُمْ ذَنْبَ الْكَسْرَةِ وَالشَّجَّةِ لَا مُطْلَقًا وَإِلَّا لَأَسْلَمُوا كُلُّهُمْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْخَنْدَقِ (شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ اللَّهُمَّ امْلَأْ بُطُونَهُمْ نَارًا) فَلِأَنَّهُ كَانَ حَقَّ اللَّهِ فَلَمْ يَعْفُ عَنْهُ وَمَا سَبَقَ مِنْ حَقِّهِ فَسَامَحَهُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَجَلِّ أَحْبَارِ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَبْقَ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ إِلَّا اثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْبُرْهُمَا مِنْهُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: لَمْ أَمْتَحِنْهُمَا: يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ أَيْ: لَوْ تُصُوِّرَ مِنْهُ جَهْلٌ أَوْ مُرَادُهُ بِالْجَهْلِ الْغَضَبُ وَلَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا فَكُنْتُ أَتَلَطَّفُ لَهُ؛ لِأَنْ أُخَالِطَهُ فَأَعْرِفَ حِلْمَهُ وَجَهْلَهُ فَابْتَعْتُ مِنْهُ تَمْرًا إِلَى أَجَلٍ فَأَعْطَيْتُهُ الثَّمَنَ؛ فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ بِمَجَامِعِ قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيظٍ ثُمَّ قُلْتُ: أَلَا تَقْضِينِي يَا مُحَمَّدُ حَقِّي فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مُطْلٌ، فَقَالَ عُمَرُ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَسْمَعُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا مَا أُحَاذِرُ

ص: 156

قُرْبَهُ لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ فِي سُكُونٍ وَتُؤَدَةٍ وَتَبَسُّمٍ ثُمَّ قَالَ: أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ يَا عُمَرُ أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْأَدَاءِ وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التَّقَاضِي اذْهَبْ بِهِ فَاقْضِهِ وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مَكَانَ مُنَازَعَتِهِ فَقُلْتُ يَا عُمَرُ كُلُّ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ قَدْ عَرَفْتُهَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ نَظَرْتُ إِلَّا اثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْبُرْهُمَا: يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا فَقَدْ أُخْبِرْتُهُمَا؛ أُشْهِدُكَ أَنِّي رَضِيتُ بِاللَّهِ رِبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا.

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَذَبَهُ بِرِدَائِهِ حَتَّى أَثَّرَ فِي رَقَبَتِهِ الشَّرِيفَةِ لِخُشُونَتِهِ، وَهُوَ يَقُولُ احْمِلْنِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ أَيْ: حَمِّلْهُمَا لِي طَعَامًا فَإِنَّكَ لَا تُحَمِّلُنِي مِنْ مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَا أَحْمِلُكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِنْ جَذْبَتِكَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَهَا ثُمَّ دَعَا رَجُلًا فَقَالَ لَهُ احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرَيْهِ هَذَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ تَمْرًا وَعَلَى الْآخَرِ شَعِيرًا) وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا جَبَذَهُ تِلْكَ الْجَبْذَةَ الشَّدِيدَةَ الْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ، وَفِي هَذَا عَظِيمُ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ

وَصَبْرِهِ عَلَى الْأَذَى نَفْسًا وَمَالًا وَتَجَاوُزِهِ عَنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ لَهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ كَالْوَحْشِ الشَّارِدِ وَالطَّبْعِ الْمُتَنَافِرِ وَالْمُتَبَاعِدِ وَالْحُمُرِ الْمُسْتَنْفِرَةِ الَّتِي فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ فَمَعَ ذَلِكَ سَاسَهُمْ وَاحْتَمَلَ جَفَاهُمْ وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُمْ إِلَى أَنِ انْقَادُوا إِلَيْهِ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَقَاتَلُوا دُونَهُ أَهْلِيهِمْ وَآبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَاخْتَارُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ فَظَهَرَ صِدْقُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وَفِي قَوْلِهِ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ الْآيَةَ.

(حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ) بِسُكُونِ الْمِيمِ (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ شَيْئًا) أَيْ: آدَمِيًّا؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم رُبَّمَا ضَرَبَ مَرْكُوبَهُ، وَقَدْ ضَرَبَ بَعِيرَ جَابِرٍ كَمَا فِي الصَّحِيحِ (قَطُّ) أَيْ: فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْمَاضِيَةِ (إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ) وَفِي رِوَايَةٍ إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حَتَّى إِنَّهُ قَتَلَ اللَّعِينَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ بِأُحُدٍ، وَقِيلَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْجِهَادَ مَعَ الْكُفَّارِ بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الْحُدُودُ وَالتَّعَازِيرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ (وَلَا ضَرَبَ خَادِمًا وَلَا امْرَأَةً) هَذَا مُنْدَرِجٌ تَحْتَ نَفْيِ الْعَامِّ لَكِنْ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمَا أَوْ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ ضَرْبِ هَذَيْنِ فِي الْعَادَةِ، وَالِاحْتِيَاجِ إِلَى ضَرْبِهِمَا تَأْدِيبًا، فَضَرْبُهُمَا وَإِنْ جَازَ بِشَرْطِهِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ قَالُوا بِخِلَافِ الْوَلَدِ فَالْأَوْلَى تَأْدِيبُهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ ضَرْبَهُ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَيْهِ فَلَمْ يُنْدَبِ الْعَفْوُ بِخِلَافِ ضَرْبِهِمَا فَإِنَّهُ لِحَظِّ النَّفْسِ، فَنُدِبَ الْعَفْوُ عَنْهُمَا مُخَالَفَةً لِهَوَى النَّفْسِ وَكَظْمًا لِغَيْظِهَا.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ) أَيْ: مَا عَلِمْتُ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ مَا أَبْصَرْتُ (رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُنْتَصِرًا) أَيْ: مُنْتَقِمًا (مِنْ مَظْلِمَةٍ) وَهِيَ بِكَسْرِ اللَّامِ اسْمٌ لِمَا تَطْلُبُهُ عَنِ الظَّالِمِ، وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْكَ وَبِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرُ ظَلَمَهُ يَظْلِمُهُ ظُلْمًا وَمَظْلَمَةً، وَقِيلَ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ الظُّلْمُ، وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ أَيْ: مِنْ أَجْلِ مَا أُخِذَ وَنِيلَ مِنْ مَعْصُومٍ عُدْوَانًا، سَوَاءٌ

كَانَ فِي الْبَدَنِ أَمِ الْعِرْضِ أَمِ الْمَالِ أَمِ الِاخْتِصَاصِ (ظُلِمَهَا قَطُّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي ظُلِمَ رَاجِعٌ إِلَى الرَّسُولِ عليه السلام وَالظُّلْمُ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ فَلَا

ص: 157

يَظْهَرُ تَعَدِّي ظُلِمَ هَاهُنَا بِالضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: ظُلِمَ بِهَا وَيُقَالُ إِنَّهُ لِكَوْنِهِ رَاجِعًا إِلَى الْمَظْلِمَةِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ كَذَا قَالَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ مَصْدَرٌ وَبِكَسْرِ اللَّامِ أَوْ ضَمِّهَا اسْمٌ فَالْمَنْصُوبُ فِي ظُلِمَهَا عَلَى الْأَوَّلِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وَعَلَى الثَّانِي مَفْعُولٌ بِهِ وَظُلِمَ يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ قَصْرَهُ عَلَى وَاحِدٍ فَقُدِّرَ ظُلِمَ بِهَا، قُلْتُ: عِبَارَةُ الْقَامُوسِ ظَلَمَهُ حَقَّهُ وَالْمَظْلِمَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْمَصْدَرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ: أَوْ ضَمِّهَا سَهْوٌ وَوَهْمٌ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا لَمْ يَنْتَقِمْ لِمَظْلِمَةٍ يَنْتَقِمُ مَعَ أَنَّ مُرْتَكِبَهَا قَدْ بَاءَ بِإِثْمٍ عَظِيمٍ لَا سِيَّمَا لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الَّذِي سَحَرَهُ وَالْيَهُودِيَّةِ الَّتِي سَمَّتْهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي ذَكَرَتْهَا بِقَوْلِهَا (مَا لَمْ يُنْتَهَكْ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ) وَهِيَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: مَا لَمْ يُرْتَكَبْ مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ قَالَ الْحَنَفِيُّ: الْمَحَارِمُ جَمْعُ الْمَحْرَمِ، وَهُوَ الْحَرَامُ وَالْحُرْمَةُ وَحَقِيقَتُهُ مَوْضِعُ الْحُرْمَةِ انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَمَا لَا يَخْفَى (فَإِذَا انْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ غَضَبًا) وَقَدْ سَبَقَ أَنْ قَوْلَهُ مِنْ أَشَدِّهِمْ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ أَشَدَّهُمْ، لَكِنْ قِيلَ مِنْ هَاهُنَا زَائِدَةٌ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَاتٌ أُخَرُ نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّ زِيَادَةَ مِنْ فِي الْكَلَامِ الْمُوجَبِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ثُمَّ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ الَّتِي يَنْتَقِمُ لَهَا وَلَا يَعْفُو عَنْهَا حَقُّ الْآدَمِيِّ إِذَا صَمَّمَ فِي طَلَبِهِ وَلَا يُنَافِي الْحَدِيثَ أَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ كَانَ

يُؤْذِيهِ صلى الله عليه وسلم؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَنْتَهِكُونَ حُرُمَاتِ اللَّهِ أَوْ أَنَّ عَفْوَهُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَنْبٍ لَمْ يَكْفُرْ بِهِ فَاعِلُهُ قِيلَ ظُلْمُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلْزِمُ انْتِهَاكَ شَيْءٍ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّ ظُلْمَهُ إِيذَاؤُهُ وَإِيذَاؤُهُ إِيذَاءٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِيذَاءَ مُطْلَقًا لَيْسَ بِكُفْرٍ؛ لِأَنَّ إِيذَاءَهُ قَدْ يَصْدُرُ مِنْ مُؤْمِنٍ جَافٍ، وَهَذَا لَهُ نَوْعُ عُذْرٍ فَلَمْ يُكَفِّرْهُ وَعَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَجَاوُزُهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ فَلِئَلَّا يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ وَلَمْ يَتَحَدَّثُوا عَنْهُ أَنَّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ وَكَانَ يُسَامِحُ عَنْ كَافِرٍ مُعَاهِدٍ لِيَتَأَلَّفَهُ أَوْ عَنْ حَرْبِيٍّ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُلْتَزِمٍ لِلْأَحْكَامِ، وَرَوَى الْحَاكِمُ (مَا لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُسْلِمًا بِذِكْرِهِ أَيْ: بِصَرِيحِ اسْمِهِ وَمَا ضَرَبَ بِيَدِهِ قَطُّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ فَمَنَعَهُ إِلَّا أَنْ يُسْأَلَ مَأْثَمًا وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونَ لِلَّهِ يَنْتَقِمُ) (وَمَا خُيِّرَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (

ص: 158

بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ) أَيِ: الْأَيْسَرُ (مَأْثَمًا) أَيْ: إِثْمًا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ مَوْضِعَ إِثْمٍ ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: إِثْمًا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَفِيهَا أَيْضًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ (مَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ سَخَطٌ فَالْإِثْمُ الْمَعْصِيَةُ وَزَعَمَ أَنَّهُ يَشْمَلُ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ إِنَّمَا نَشَأَ عَنِ الْجَهْلِ بِكَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَبَعًا لِشَارِحِ التَّخْيِيرِ إِمَّا بِأَنْ يُخَيِّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا فِيهِ عُقُوبَتَانِ فَيَخْتَارُ الْأَخَفَّ أَوْ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ فَيَخْتَارُ أَخْذَهَا أَوْ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ فِي الْمُجَاهَدَةِ فِي الْعِبَادَةِ وَالِاقْتِصَادِ فَيَخْتَارُ الِاقْتِصَادَ، وَإِمَّا بِأَنْ يُخَيِّرَهُ الْمُنَافِقُونَ وَالْكُفَّارُ فَعَلَى الْأَخِيرِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا وَعَلَى مَا سَبَقَ مُنْقَطِعًا إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَخْيِيرُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بَيْنَ جَائِزَيْنِ قُلْتُ بَقِيَ تَخْيِيرٌ آخَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ أُمَّتِهِ بَيْنَ وُجُوبِ الشَّيْءِ وَنَدْبِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ وَإِبَاحَتِهِ وَتَخْيِيرٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ فِي أَمْرَيْنِ فَيَخْتَارُ الْأَيْسَرَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَيْهِمْ.

(حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا عِنْدَهُ) قِيلَ: اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، وَقِيلَ هُوَ مَخْرَمَةُ وَلَا يَبْعُدُ تَعَدُّدُ الْقَضِيَّةِ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ ظَاهِرًا (فَقَالَ بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ أَخُو الْعَشِيرَةِ) كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ أَوْ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَالْعَشِيرَةُ الْقَبِيلَةُ أَيْ: بِئْسَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ هَذِهِ الْقَبِيلَةِ فَإِضَافَةُ الِابْنِ أَوِ الْأَخِ إِلَيْهَا كَإِضَافَةِ الْأَخِ لِلْعَرَبِ فِي يَا أَخَا الْعَرَبِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا وَأَوْ لِلشَّكِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنْ سُفْيَانَ فَإِنَّ جَمِيعَ أَصْحَابِ الْمُنْكَدِرِ رَوَوْهُ عَنْهُ بِدُونِ الشَّكِّ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ لِمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ) مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فَقِيلَ الْمَقْصُودُ إِظْهَارُ حَالِهِ لِيَعْرِفَهُ النَّاسُ وَلَا يَغْتَرُّوا بِهِ فَلَا يَكُونُ غَيْبَةً، وَقِيلَ كَانَ مُجَاهِرًا بِسُوءٍ فَقَالَهُ وَلَا غِيبَةَ لِلْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ

ص: 159

وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ لِحَالِهِ (ثُمَّ أَذِنَ لَهُ) أَيْ: بِالدُّخُولِ (فَأَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ) أَيْ: بَعْدَ دُخُولِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ تَطَلَّقَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ (فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ) أَيْ: فِي غَيْبَتِهِ (ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ) أَيْ: عِنْدَ مُعَايَنَتِهِ (فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ» (مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ) شَكٌّ مِنْ سُفْيَانَ وَالدَّالُ

مُخَفَّفَةٌ كَمَا قُرِئَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ شَاذًّا فَلَا يُنَافِي قَوْلَ الصَّرْفِيِّينَ وَأَمَاتَ الْعَرَبُ مَاضِيَ يَدَعُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِمَاتَتِهِ نُدْرَتُهُ فَهُوَ شَاذٌّ اسْتِعْمَالًا صَحِيحٌ قِيَاسًا، وَقَوْلُهُ (اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) نُصِبَ عَلَى الْعِلَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّنِي إِنَّمَا تَرَكْتُ الِانْقِبَاضَ فِي وَجْهِهِ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مُدَارَاةِ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ) ، وَلِذَا قِيلَ (وَدَارِهِمْ مَا دُمْتَ فِي دَارِهِمْ وَأَرْضِهِمْ مَا دُمْتَ فِي أَرْضِهِمْ) .

، وَفِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ أَنَّ الرَّجُلَ هُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْأَحْمَقُ الْمُطَاعُ، كَذَا فَسَّرَهُ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَأَخْرَجَ عَبْدُ الْغَنِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَسْتَأْذِنُ فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَوْتَهُ قَالَ: (بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ) الْحَدِيثَ وَإِنَّمَا تَطَلَّقَ صلى الله عليه وسلم فِي وَجْهِهِ تَأَلُّفًا لَهُ لِيُسْلِمَ قَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَئِيسَهُمْ، وَقَدْ جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ عِلْمًا وَأَدَبًا وَلَيْسَ قَوْلُهُ عليه السلام فِي أُمَّتِهِ بِالْأُمُورِ الَّتِي يُسَمِّيهِمْ بِهَا وَيُضِيفُهَا إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَكْرُوهِ غَيْبَةً، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ بَعْضِهِمْ بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ وَيُعَرِّفَ النَّاسَ أُمُورَهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ

ص: 160

النَّصِيحَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْأُمَّةِ وَلَكِنْ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَرَمِ وَأُعْطِيَهُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ أَظْهَرَ لَهُ الْبَشَاشَةَ وَلَمْ يُجِبْهُ بِالْمَكْرُوهِ وَلِيَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّتُهُ فِي اتِّقَاءِ شَرِّ مَنْ هَذَا سَبِيلُهُ، وَفِي مُدَارَتِهِ لِيَسْلَمُوا مِنْ شَرِّهِ وَغَائِلَتِهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي جَوَازِ غَيْبَةِ الْمُعْلِنِ بِالْفِسْقِ وَالْفُحْشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَعَ جَوَازِ مُدَارَاتِهِمُ اتِّقَاءَ شَرِّهِمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى الْمُدَاهَنَةِ فِي دِينِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ تَبَعًا لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ أَنَّ الْمُدَارَاةَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ أَوْ هُمَا مَعًا، وَهِيَ مُبَاحَةٌ وَرُبَّمَا تَكُونُ مُسْتَحْسَنَةً، وَالْمُدَاهَنَةُ بَذْلُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ حُسْنَ عِشْرَتِهِ وَالرِّفْقَ فِي مُكَالَمَتِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْدَحْهُ بِقَوْلِهِ فَلَمْ يُنَاقِضْ فِيهِ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ قَوْلُ حَقٍّ وَفِعْلَهُ مَعَهُ حُسْنُ مُعَاشَرَةٍ فَيَزُولُ مَعَ هَذَا التَّقْرِيرِ الْإِشْكَالُ بِحَمْدِ اللَّهِ الْمُتَعَالِ.

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَمْ يَكُنْ عُيَيْنَةُ حِينَئِذٍ أَسْلَمَ فَلَمْ يَكُنِ الْقَوْلُ فِيهِ غَيْبَةً أَوْ كَانَ أَسْلَمَ وَلَمْ يَكُنْ إِسْلَامُهُ خَالِصًا فَأَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِظَاهِرِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ بَاطِنَهُ، وَقَدْ كَانَتْ مِنْهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَعْدَهُ أُمُورٌ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ إِيمَانِهِ فَيَكُونُ مَا وَصَفَ بِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَفِي فَتْحِ الْبَارِئِ أَنَّ عُيَيْنَةَ ارْتَدَّ فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه وَحَارَبَ، ثُمَّ رَجَعَ وَأَسْلَمَ وَحَضَرَ بَعْضَ الْفُتُوحِ فِي عَصْرِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ مِيرَكُ: وَلَهُ مَعَ عُمَرَ قِصَّةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَفِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى جَفَائِهِ انْتَهَى، وَأَخْطَأَ الْحَنَفِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَزَلَّتْ قَدَمُ قَلَمِهِ فِي بَيَانِ الْمَرَامِ حَيْثُ قَالَ: الْمَعْنَى إِنَّمَا أَلَنْتُ لَهُ الْقَوْلَ لِأَنِّي لَوْ قُلْتُ لَهُ فِي حُضُورِهِ مَا قُلْتُهُ فِي غَيْبَتِهِ لَتَرَكَنِي اتِّقَاءَ فُحْشِي فَأَكُونُ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ انْتَهَى.

وَقَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي جَوَازِ غَيْبَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ بَلْ يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ الْمُجَاهِرَ بِالْفِسْقِ

وَالشَّرِّ لَا يَكُونُ مَا يُذْكَرُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ وَرَائِهِ مِنَ الْغَيْبَةِ الْمَذْمُومَةِ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ: تُبَاحُ الْغَيْبَةُ فِي كُلِّ غَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعًا حَيْثُ يَتَعَيَّنُ طَرِيقٌ إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ بِهَا كَالتَّظَلُّمِ وَالِاسْتِعَانَةِ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَالِاسْتِفْتَاءِ وَالْمُحَاكَمَةِ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ وَيَدْخُلُ فِيهِ تَجْرِيحُ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ، وَإِعْلَامُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ بِسِيرَةِ مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ، وَجَوَابُ الِاسْتِشَارَةِ فِي نِكَاحٍ أَوْ عَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ وَكَذَا مَنْ رَأَى فَقِيهًا تَرَدَّدَ إِلَى مُبْتَدِعٍ أَوْ فَاسِقٍ فَيَخَافُ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ.

(حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ) صَوَابُهُ (عُمَيْرٌ) بِالتَّصْغِيرِ أَيْضًا (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيِّ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجَةَ) أَيْ: أَوَّلًا (يُكْنَى) بِالتَّخْفِيفِ وَجُوِّزَ التَّشْدِيدُ (أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنٍ لِأَبِي هَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما سَأَلْتُ أَبِي عَنْ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: عَنْ طَرِيقَتِهِ (فِي جُلَسَائِهِ) أَيْ: فِي حَقِّ مُجَالِسِيهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَحْبَابِهِ (فَقَالَ) أَيْ: عَلِيٌّ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَائِمَ الْبِشْرِ) بِالْكَسْرِ، وَهُوَ طَلَاقَةُ الْوَجْهِ وَالْبَشَاشَةُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ، وَفِي التَّعْبِيرِ بِكَانَ وَدَوَامِ الْبِشْرِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ حُسْنَ خُلُقِهِ كَانَ عَامًّا غَيْرَ خَاصٍّ بِجُلَسَائِهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ بِأَنَّهُ كَانَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (سَهْلَ الْخُلُقِ) بِالضَّمِّ، وَالسَّهْلُ ضِدُّ الصُّعُوبَةِ أَوِ الْخُشُونَةِ أَمَّا ضِدُّ صُعُوبَتِهِ فَمَعْنَاهَا أَنَّ خُلُقَهُ الْحَسَنُ يَنْقَادُ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَادَهُ، وَأَمَّا ضِدُّ خُشُونَتِهِ فَمَعْنَاهَا أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ مِنْ خُلُقِهِ مَا يَكُونُ سَبَبَ الْأَذَى بِغَيْرِ حَقِّهِ وَلَا يُنَافِيهِ مَا سَبَقَ مِنْ تَوَاصُلِ أَحْزَانِهِ فَإِنَّ حُزْنَهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ بِسَبَبِ أُمُورِ الْآخِرَةِ وَأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَكَيْفِيَّةِ نَجَاةِ الْأُمَّةِ لَا عَلَى فَوْتِ مَطْلُوبٍ أَوْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ، فَدَوَامُ بِشْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مُلَاحَظَةِ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْأَخْلَاقِ النَّبَوِيَّةِ الرَّاجِعَةِ إِلَى الْمُسْتَحْسَنَاتِ الدِّينِيَّةِ (لَيِّنَ الْجَانِبِ) بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: سَرِيعَ الْعَطْفِ كَثِيرَ اللُّطْفِ جَمِيلَ الصَّفْحِ، وَقِيلَ قَلِيلَ الْخِلَافِ، وَقِيلَ: كِنَايَةً عَنِ السُّكُونِ وَالْوَقَارِ وَالْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ (لَيْسَ بِفَظٍّ) بِفَتْحِ فَاءٍ وَتَشْدِيدِ ظَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَهُوَ مِنَ الرِّجَالِ سَيِّئُ الْخُلُقِ قَالَهُ الْجَزَرِيُّ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ

ص: 161

هُوَ الْغَلِيظُ وَلَكِنَّهُ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ (وَلَا غَلِيظٍ) اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى فَظَاظَةِ اللِّسَانِ وَالْآخَرُ عَلَى فَظَاظَةِ الْقَلْبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ

أَيْ لَتَفَرَّقُوا مِنْ عِنْدِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُمَا فَانْدَفَعَ مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مِنْ أَنَّ الْفَظَّ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ ذُكِرَ تَأْكِيدًا أَوْ مُبَالَغَةً فِي الْمَدْحِ وَإِلَّا فَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ سَهْلِ الْخُلُقِ إِذْ هُوَ ضِدُّهُ؛ لِأَنَّهُ السَّيِّئُ الْخُلُقِ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي غَلِيظٍ إِذْ هُوَ الْجَافِي الطَّبْعِ الْقَاسِي الْقَلْبِ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ هُنَا أَرَادَ بِالْغَلِيظِ الضَّخْمَ الْكَبِيرَ الْخَلْقِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْأَمْرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْآيَةِ، أَوِ النَّفْيُ مَحْمُولٌ عَلَى طَبْعِهِ وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُعَالَجَةِ قُلْتُ: وَفِيهِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ كَانَتْ صِفَةُ الْجَمَالِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَاللِّينِ غَالِبَةً عَلَيْهِ حَتَّى احْتَاجَ بِمُعَالَجَةِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ (وَلَا صَخَّابٍ) مَرَّ ذِكْرُهُ (وَلَا فَحَّاشٍ) سَبَقَ تَحْقِيقُهُ.

وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم لَا تَقُولُوا ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَاحُشَ (وَلَا عَيَّابٍ) الرِّوَايَةُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِنْ كَانَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْضًا مَسْلُوبًا عَنْهُ ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تُوِهِّمَ مِنْ أَنَّ (غَيَّابٍ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مُبَالَغَةُ غَائِبٍ مِنْ غَابَ بِمَعْنَى اغْتَابَ وَلَا وَجْهَ لَهُ لُغَةً وَعُرْفًا، نَعَمِ الْمُبَالَغَةُ فِي الصِّيغَةِ بِالْمُهْمَلَةِ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى النَّفْيِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَا عَيْبٍ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِذِي تَعْيِيبٍ لِشَيْءٍ لَا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَاحِبِ عَيْبٍ فَهُوَ مُبَالَغَةُ عَائِبٍ، وَإِنَّمَا يُعْدَلُ عَنْهُ فِي التَّفْسِيرِ إِلَى ذِي عَيْبٍ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ فِي صَخَّابٍ نَعَمْ إِنْ أُرِيدَ بِالْعَيْبِ مَصْدَرُ عَابَهُ الْمُتَعَدِّي وَأُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْفَاعِلِيَّ صَحَّ الْكَلَامُ وَتَمَّ النِّظَامُ لَكِنَّهُ مُوهِمٌ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ هَذَا، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُبَالِغًا فِي عَيْبِ أَحَدٍ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُبَالِغًا فِي مَدْحِ شَيْءٍ.

نَعَمْ رَوَى الشَّيْخَانِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَا عَابَ ذَوَّاقًا قَطُّ وَلَا عَابَ طَعَامًا قَطُّ إِنِ اشْتَهَى أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ بَلْ رُوِيَ أَنَّهُ مَا مَدَحَ طَعَامًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَدْحَهُ وَعَيْبَهُ يُشْعِرَانِ إِلَى حَظِّ النَّفْسِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا فِي الْمُبَاحِ، وَأَمَّا الْحَرَامُ فَكَانَ يَعِيبُهُ وَيَذُمُّهُ وَأَخَذَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا أَنَّ مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ أَنْ لَا يُعَابَ كَمَالِحٍ حَامِضٍ قَلِيلِ الْمِلْحِ غَيْرِ نَاضِجٍ وَمِنَ التَّمْثِيلِ بِذَلِكَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَيْبِهِ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ وَمِنْ جِهَةِ الصَّنْعَةِ وَلِلْفَرْقِ وَجْهٌ، وَهُوَ كَسْرُ قَلْبِ الصَّانِعِ اللَّهُمَّ إِنْ قَصَدَ تَأْدِيبَهُ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّمَا يُكْرَهُ ذَمُّهُ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الصَّنْعَةِ؛ لِأَنَّ صَنْعَةَ اللَّهِ لَا تُعَابُ وَصَنْعَةَ الْآدَمِيِّينَ تُعَابُ (وَلَا مُشَاحٍّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ مِنَ الشُّحِّ، وَهُوَ الْبُخْلُ، وَقِيلَ أَشَدُّهُ، وَقِيلَ هُوَ الْبُخْلُ مَعَ الْحِرْصِ، وَقِيلَ الْبُخْلُ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَالشُّحُّ عَامٌّ، وَقِيلَ الْبُخْلُ بِالْمَالِ وَالشُّحُّ بِالْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبُخْلَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ مَنْفِيٌّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْكَرَمِ وَالْجُودِ بِتَوْفِيقِ وَاجِبِ الْوُجُودِ، وَقَالَ مِيرَكُ: أَيْ: لَا مُجَادِلَ وَلَا مُنَاقِشَ يُقَالُ تَشَاحَّ عَلَيَّ فُلَانٌ أَيْ: تَضَيَّقَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَهْلُ الْغَرِيبِ، قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بَدَلَهُ وَلَا مَدَّاحٍ أَيْ: لَمْ يَكُنْ مُبَالِغًا فِي مَدْحِ شَيْءٍ، وَفِي أُخْرَى وَلَا مَزَّاحٍ، وَالْمُرَادُ: نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ لِوُقُوعِ أَصْلِهِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْيَانًا (يَتَغَافَلُ عَمَّا يَشْتَهِي) التَّغَافُلُ إِرَادَةُ الْغَفْلَةِ مَعَ عَدَمِ الْغَفْلَةِ أَيْ: يَتَكَلَّفُ الْغَفْلَةَ وَالْإِعْرَاضَ عَمَّا لَا يَسْتَحْسِنُهُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (وَلَا يُؤْيِسُ مِنْهُ) بِضَمِّ يَاءٍ وَسُكُونِ هَمْزٍ فَيَاءٍ مَكْسُورَةٍ أَيْ: لَا يَجْعَلُ غَيْرَهُ آيِسًا مِمَّا لَا يَشْتَهِي،

ص: 162

وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْيَاءِ فَسُكُونِ وَاوٍ فَهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ أَيْ: لَا يَجْعَلُ غَيْرَهُ يَائِسًا مِمَّا لَا يَشْتَهِيهِ فَهُوَ مِنَ الْإِيئَاسِ وَالْمَاضِي آيَسَ أَوِ أَيْأَسَ عَلَى مَا فِي التَّاجِ لِلْبَيْهَقِيِّ، وَالْيَأْسُ انْقِطَاعُ الرَّجَاءِ، يُقَالُ: يَئِسَ مِنْهُ فَهُوَ يَائِسٌ وَذَلِكَ مَيْئُوسٌ مِنْهُ وَأَيْأَسْتُهُ أَنَا إِيئَاسًا جَعَلْتُهُ يَائِسًا، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى آيَسَ وَآيَسَهُ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ فَعَلَى يُويِسُ إِنْ كَانَ مِنْ إِيَاسَتِهِ فَهُوَ مُعْتَلُّ الْفَاءِ مَهْمُوزُ الْعَيْنِ وَإِنْ كَانَ مِنْ آيَسْتُهُ فَبِالْعَكْسِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَالضَّمِيرُ مِنْهُ رَاجِعٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيْ: لَا يَجْعَلُ رَاجِيَهُ آيِسًا مِنْ كَرَمِهِ وَجَعَلَ ابْنُ حَجَرٍ الْجُمْلَةَ حَالِيَّةً حَيْثُ قَالَ: وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُؤْيِسُ مِنْهُ رَاجِيَهُ أَيْ: لَا يُصَيِّرَهُ آيِسًا مِنْ بِرِّهِ وَخَيْرِهِ انْتَهَى. وَالتَّحْقِيقُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (وَلَا يُجِيبُ فِيهِ) بِالْجِيمِ مِنَ الْإِجَابَةِ وَضَمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى مَا لَا يَشْتَهِي، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُجِيبُ أَحَدًا فِيمَا لَا يَشْتَهِي بَلْ يَسْكُتُ عَنْهُ عَفْوًا وَتَكَرُّمًا، وَفِي نُسْخَةٍ وَلَا يُخَيِّبُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: وَلَا يَجْعَلُهُ مَحْرُومًا بِالْكُلِّيَّةِ فَقِيلَ ضَمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم أَيْ: لَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ كُلَّ مَا ارْتَجَاهُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَائِدٌ أَيْضًا إِلَى مَا لَا يَشْتَهِي كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فَتَأَمَّلْ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بِمَعْنَاهُ، وَفِي أُخْرَى عَلَى وَزْنِ يَبِيعُ مِنَ الْخَيْبَةِ بِمَعْنَى الْحِرْمَانِ، وَقَدْ ضُعِّفَتْ هَذِهِ النُّسْخَةُ لِعَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْمَعْنَى إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ لَهُ فَاعِلٌ أَيْ: لَا يَخِيبُ رَاجِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَنَّهَا تَرْجِعُ لِلَّتِي قَبْلَهَا فَوَهْمٌ مِنْهُ فِي الْمَبْنَى وَسَهْوٌ فِي الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي النُّهَى، ثُمَّ رَأَيْتُ كَلَامَ مِيرَكَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ صُحِّحَ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنَ الْمُجَرَّدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَهْوٌ؛ لِأَنَّ الْخَيْبَةَ لَازِمٌ وَلَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ (قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ) أَيْ: مَنَعَهَا فَامْتَنَعَ (مِنْ ثَلَاثٍ) أَيْ: مِنَ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَرَكَ يُضَمَّنُ مَعْنَى الْمَنْعِ، وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ بِزِيَادَةِ مِنْ فِي التَّمْيِيزِ أَيْ: تَرَكَ ثَلَاثَةَ نَفْسِهِ إِلَى آخِرِ مَا تُكُلِّفَ وَتُعُسِّفَ (الْمِرَاءِ) أَيِ: الْجِدَالِ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ (مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ، وَهُوَ مُحِقٌّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ) فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيِ: الْجِدَالَ الْبَاطِلَ مُخِلٌّ بِالْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ الْعُمُومُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَدْحِ كَمَا هُوَ الْمَعْلُومُ لَا سِيَّمَا وَالْقَائِلُ مَذْهَبُهُ اعْتِبَارُ الْمَفْهُومِ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ هَذَا يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَكَأَنَّهُ نَشَأَ مِنْ عَدَمِ فَهْمِ مَعْنَى الْآيَةِ فَتَفْسِيرُهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي: جَادِلْ مُعَانِدِيهِمْ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ طُرُقِ الْمُجَادَلَةِ مِنَ الرِّفْقِ وَاللِّينِ وَإِيثَارِ الْوَجْهِ الْأَيْسَرِ وَالْمُقَدِّمَاتِ الْأَشْهَرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ فِي تَسْكِينِ لَهِيبِهِمْ وَتَلْيِينِ شَغْبِهِمْ، وَفِي تَفْسِيرِ السُّلَمِيِّ هِيَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا حُظُوظُ النَّفْسِ هَذَا مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ الْمُؤْمِنُونَ وَإِلَّا فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ الْآتِي وَلَا يَذُمُّ أَحَدًا، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَدَلَهُ «الرِّيَاءِ» قُلْتُ وَلَمْ يَذْكُرْ مِيرَكُ وَلَا رَأَيْنَاهُ

أَيْضًا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ، وَلَعَلَّهُ تَصْحِيفٌ فِي الْمَبْنَى لِعَدَمِ مُلَايَمَتِهِ فِي الْمَعْنَى (وَالْإِكْبَارِ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَمُوَحَّدَةٍ أَيْ: مِنِ اسْتِعْظَامِ نَفْسِهِ فِي الْجُلُوسِ وَالْمَشْيِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ فِي مُعَاشَرَتِهِ مَعَ النَّاسِ مِنْ أَكْبَرَهُ إِذَا اسْتَعْظَمَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْإِكْبَارِ جَعْلُ الشَّيْءِ كَبِيرًا بِالْبَاطِلِ فَلَا يُنَافِيهِ (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ) وَنَحْوُهُ انْتَهَى.

وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَذَا إِلَّا تَحْدِيثًا بِنِعْمَةِ الْمَوْلَى لَا افْتِخَارًا وَاسْتِعْظَامًا بِمُقْتَضَى الْهَوَى، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ، وَالْمُرَادُ: إِكْبَارُ نَفْسِهِ أَوْ إِكْبَارُ غَيْرِهِ أَوْ إِكْبَارُهُمَا مَعًا فَفِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي خُصُوصِ نَفْسِهِ قَالَ مِيرَكُ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ «الْإِكْثَارِ» بِالْمُثَلَّثَةِ وَكَذَا قَالَ الْحَنَفِيُّ: فَجَعَلَهُ أَصْلًا وَالْمُوَحَّدَةَ فَرْعًا كَمَا فَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ خِلَافَ طَرِيقِ الْمُحْدَثِينَ، وَالْمُرَادُ بِهِ: إِكْثَارُ الْكَلَامِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ الْمَرَامِ لَا طَلَبُ الْكَثِيرِ مِنْ مَالٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَلَا جَعَلَهُ كَثِيرًا كَمَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ (وَمَا لَا يَعْنِيهِ) أَيْ: مَا لَا يَهُمُّهُ فِي دِينِهِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي دُنْيَاهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (وَتَرَكَ النَّاسَ) أَيْ: ذِكْرَهُمْ (مِنْ ثَلَاثٍ) فَالْقَصْدُ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ رِعَايَةُ أَحْوَالِهِمْ كَمَا أَنَّ الْقَصْدَ بِالثَّلَاثِ الْأُوَلِ مُرَاعَاةُ حَالِهِ وَإِلَّا فَقَدَ يَنْدَرِجُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ: يُمْكِنُ جَعْلُ هَذِهِ الثَّلَاثِ أَيْضًا مِمَّا تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْهُ، لَكِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ

ص: 163

هَيِّنٌ (كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَدًا) أَيْ: مُوَاجَهَةً (وَلَا يَعِيبُهُ) أَيْ: فِي الْغَيْبَةِ أَوْ لَا يَذُمُّ فِي الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْمُبَاحَةِ، وَلَا يَعِيبُ فِي الْأَطْوَارِ الْخُلُقِيَّةِ الْجِبِلِّيَّةِ كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالسَّوَادِ وَأَمْثَالِهَا وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ «وَلَا يُعَيِّرُهُ» مِنَ التَّعْيِيرِ، وَهُوَ التَّوْبِيخُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ كَمَا هُوَ مُخْتَارُ أَهْلِ التَّأْيِيدِ فَهُوَ أَوْلَى مِمَّا اخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: لَا يَذُمُّ أَحَدًا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا يُلْحِقُ بِهِ عَيْبًا لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَهَذَا تَأْكِيدٌ؛ إِذِ الذَّمُّ وَالْعَيْبُ مُتَرَادِفَانِ مَعَ أَنَّ تَفْسِيرَهُ تَبَعًا لِشَارِحٍ فِي قَوْلِهِ لَا يُسْنِدُ إِلَى أَحَدٍ الْعَيْبَ يُوهِمُ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِضَمِّ الْيَاءِ فِي يُعِيبُهُ إِمَّا مِنَ الْإِفْعَالِ أَوِ التَّفْعِيلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ أَغْرَبَ وَجَعَلَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبِيلِ مُجَرَّدِ تَحَكُّمٍ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى يُسَاعِدُهُ مَعَ أَنَّ مَا قَدَّرْنَاهُ مَعَ مَا قَرَّرْنَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَقَامِ مَدْحِ مِثْلِهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ نَفْيَ الذَّمِّ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي حَقِّهِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ حَيْثُ قَالَ: الْعَيْبُ خِلَافُ الْإِصْلَاحِ، وَظَاهِرٌ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ انْتَهَى.

وَغَرَابَتُهُ لَا يَخْفَى، ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَجْمُوعَ مِنَ الْمَنْفِيَّيْنِ أَحَدُ الثَّلَاثِ وَالثَّانِي قَوْلُهُ (وَلَا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ) أَيْ: عَوْرَةَ أَحَدٍ، وَهِيَ مَا يُسْتَحَى مِنْهُ إِذَا ظَهَرَ، فَالْمَعْنَى لَا يُظْهِرُ مَا يُرِيدُ الشَّخْصُ سَتْرَهُ وَيُخْفِيهِ النَّاسُ عَنِ الْغَيْرِ، وَقَدْ أَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ فَسَّرَهُ بِعَدَمِ تَجَسُّسِ عَوْرَةِ أَحَدٍ، فَإِنَّ مَقَامَ الْمَدْحِ يَأْبَاهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ (وَلَا يَتَكَلَّمُ) وَالْعَاطِفَةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي نُسْخَةٍ، وَلَا وَجْهَ لَهَا أَيْ: وَلَا يَتَعَلَّقُ (إِلَّا فِيمَا رَجَا) أَيْ: تَوَقَّعَ (ثَوَابَهُ) أَيْ: ثَوَابَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمْ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ تُوهِمُ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالَ: آثَرَهُ عَلَى مَا يُثَابُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَلْيَقُ بِالْأَدَبِ؛ إِذْ لَا يَتَحَتَّمُ عَلَى اللَّهِ إِنَابَةُ أَحَدٍ، وَإِنْ بَلَغَ مَا بَلَغَ مِنَ الْعِظَمِ انْتَهَى، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ وَلَوْ قَالَ إِلَّا فِيمَا يُثَابُ لَمْ

يَدُلَّ عَلَى تَحَتُّمِ الثَّوَابِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ) أَيْ: أَمَالُوا رُءُوسَهُمْ وَأَقْبَلُوا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى صُدُورِهِمْ وَسَكَتُوا وَسَكَنُوا (كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ) بِالرَّفْعِ لِكَوْنِ مَا كَافَّةً عَنْ عَمَلِ مَا قَبْلَهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا لِإِجْلَالِهِمْ إِيَّاهُ لَا يَتَحَرَّكُونَ فَكَأَنَّ صِفَتَهُمْ صِفَةُ مَنْ عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ يُرِيدُ أَنْ يَصِيدَهُ فَهُوَ يَخَافُ أَنْ يَتَحَرَّكَ فَيُوجِبُ طَيَرَانَ الطَّائِرِ وَذَهَابَهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْكُنُونَ، وَلَا يَتَحَرَّكُونَ حَتَّى يَصِيرُوا بِذَلِكَ عِنْدَ الطَّائِرِ كَالْجُدْرَانِ وَالْأَبْنِيَةِ الَّتِي لَا يَخَافُ الطَّيْرُ حُلُولًا بِهَا، وَلَا وُقُوفًا عَلَيْهَا، وَفِي النِّهَايَةِ وَصَفَهُمْ بِالسُّكُونِ وَالْوَقَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ طَيْشٌ، وَلَا خِفَّةٌ؛ لِأَنَّ الطَّائِرَ لَا تَكَادُ تَقَعُ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ سَاكِنٍ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَصْلُهُ أَنَّ الْغُرَابَ إِذَا وَقَعَ عَلَى رَأْسِ الْبَعِيرِ فَيَلْتَقِطُ مِنْهُ الْحَلَمَةَ وَالْحَنَّانَةَ يَعْنِي: صِغَارَ الْقُرَادِ فَلَا يُحَرِّكُ الْبَعِيرُ رَأْسَهُ لِئَلَّا يَنْفِرَ عَنْهُ الْغُرَابُ لِمَا يَجِدُ فِيهِ الرَّاحَةَ انْتَهَى.

فَشَبَّهَ حَالَ جُلَسَائِهِ عليه السلام عِنْدَ تَكَلُّمِهِ عَلَيْهِمْ وَتَبْلِيغِهِ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْمَوَاعِظَ الْحِكَمِيَّةَ إِلَيْهِمْ بِحَالِ ذَلِكَ الْبَعِيرِ لِكَمَالِ مَيْلِهِمْ وَتَلَذُّذِهِمْ بِاسْتِمَاعِ كَلَامِهِ حَتَّى لَمْ يُحِبُّوا سُكُونَهُ

ص: 164

وَانْقِطَاعَ نُطْقِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ عليه السلام كَانَ إِذَا أَمَرَ الطَّيْرَ أَنْ تَظَلَّ عَلَى أَصْحَابِهِ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ، وَلَا يَتَكَلَّمُوا حَتَّى يَسْأَلَهُمْ مَهَابَةً مِنْهُ فَإِنَّ أَدَبَ الظَّاهِرِ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ فَقِيلَ لِلْقَوْمِ إِذَا سَكَتُوا مَهَابَةً كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَالَ جُلَسَائِهِ مَعَهُ عليه السلام اخْتِيَارُ السُّكُوتِ وَالسُّكُونِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِهِ (فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا) فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَبْتَدِئُونَ بِالْكَلَامِ، وَلَا يَتَكَلَّمُونَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْأَدَبِ (لَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ) الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى لَا يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ أَوْ لَا يَخْتَصِمُونَ عِنْدَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَلِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا) أَيْ: سَكَتُوا وَاسْتَمَعُوا (لَهُ) أَيْ: لِكَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ عِنْدَهُ (حَتَّى يَفْرَغَ) أَيِ: الْمُتَكَلِّمُ مِنْ كَلَامِهِ أَوْ مِنْ مَقْصُودِهِ وَمَرَامِهِ (حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ) أَيْ: حَدِيثُ كُلِّهِمْ أَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ (عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ) أَيْ: كَحَدِيثِ أَوَّلِهِمْ فِي عَدَمِ الْمَلَالِ مِنْهُ أَوْ فِي الْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ إِذِ الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِالْمَلَالِ وَضِيقِ الْبَالِ إِذَا كَثُرَ الْمَقَالُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ السَّلَفِ وَيُؤَيِّدُهُ نُسْخَةُ «أَوَّلِهِمْ» بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ مَعْنًى، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَفْضَلِهِمْ فِي الدِّينِ أَوْ أَوَّلِهِمْ قُدُومًا انْتَهَى، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْقُدُومَ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْعُلَمَاءِ الْمُدَرِّسِينَ وَالْمُتَّقِينَ مِنَ الْمُفْتِينَ وَيَحْتَمِلُ قُدُومًا فِي الْهِجْرَةِ أَوْ فِي الْإِسْلَامِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُدَرِّسِينَ حَيْثُ إِنَّهُ يُقَدِّمُ الْأَفْضَلَ فَالْأَفْضَلَ إِمَّا فِي ذَاتِهِ أَوْ فِي عَمَلِهِ الَّذِي يَقْرَأُ فِيهِ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ مِيرَكُ بِأَنَّ مَنْ أَوَّلَهُ بِأَنَّ أَفْضَلَهُمْ أَوَّلُهُمْ قُدُومًا فَقَدْ تَعَسَّفَ

تَعَسُّفًا شَدِيدًا بَارِدًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ أَيْ: أَفْضَلِهِمْ إِذْ كَانَ لَا يَتَقَدَّمُ غَالِبًا بِالْكَلَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَّا أَكَابِرُ أَصْحَابِهِ فَكَانَ يُصْغِي لِحَدِيثِ كُلٍّ مِنْهُمْ كَمَا يُصْغِي لِحَدِيثِ أَوَّلِهِمُ انْتَهَى.

وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الْتِئَامِهِ بَيْنَ أَوَّلِ تَقْرِيرِهِ وَآخِرِ كَلَامِهِ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: حَدِيثُ جَمِيعِهِمْ إِنَّمَا كَانَ حَدِيثَ أَفْضَلِهِمْ فَإِنَّمَا كَانُوا يَكْتَفُونَ بِكَلَامِ أَوَّلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَبْنَى وَأَفْهَمُ بِالْمَعْنَى، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلُهُمْ إِذَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ قَبِلَهُ مِنْهُ وَعَلِمَ أَنَّهُمْ مُوَافِقُوهُ عَلَيْهِ غَالِبًا لِمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَأَلُّفِ قُلُوبِهِمْ وَكَمَالِ اتِّفَاقِهِمْ، قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِمْ بِقَوْلِهِ «أَوَّلِهِمْ» أَسْبَقَهُمْ فِي الْكَلَامِ لَا أَفْضَلَهُمْ فِي الْمَقَامِ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُ الْمَرَامِ (يَضْحَكُ) أَيْ: يَبْتَسِمُ (مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ) أَيْ: بِالْمُشَارَكَةِ فِي اسْتِحْسَانِ الْأَحْوَالِ (وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ) أَيْ: مِنْهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ أَيْ: فِي اسْتِغْرَابِ الْأَفْعَالِ فَكَأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ هَذَا مَنْ قَالَ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ (وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ) أَيْ: لِمُرَاعَاةِ حَالِهِ (عَلَى الْجَفْوَةِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَقَدْ يُكْسَرُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ أَيْ: عَلَى الْجَفَاءِ وَالْغِلْظَةِ وَسُوءِ الْأَدَبِ مِمَّا كَانَ يَصْدُرُ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ، وَقَدْ وَرَدَ «مَنْ بَدَا جَفَا» (فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ) الضَّمِيرَانِ لِلْغَرِيبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ إِذَا جَفَاهُ فِي مَقَالِهِ وَسُؤَالِهِ (حَتَّى أَنْ)

ص: 165

مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ أَيْ: إِلَى أَنْ (كَانَ أَصْحَابُهُ لَيَسْتَجْلِبُونَهُمْ) أَيْ: يَتَمَنَّوْنَ مَأْتَى الْغُرَبَاءِ إِلَى مَجْلِسِهِ الْأَقْدَسِ، وَمَقَامِهِ الْأَنْفَسِ؛ لِيَسْتَفِيدُوا بِسَبَبِ أَسْئِلَتِهِمْ مَا لَا يَسْتَفِيدُونَهُ فِي غَيْبَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ يَهَابُونَ بِسُؤَالِهِ، وَالْغُرَبَاءُ لَا يَهَابُونَ فَيَسْأَلُونَهُ عَمَّا بَدَا لَهُمْ لِيُجِيبَهُمْ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى يَجِيئُونَ مَعَهُمْ بِالْغُرَبَاءِ فِي مَجْلِسِهِ مِنْ أَجْلِ احْتِمَالِهِ عَنْهُمْ وَصَبْرِهِ عَلَى مَا يَكُونُ فِي سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا مَمْنُوعِينَ عَنْ سُؤَالِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَقَى، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ نَهْيُهُمْ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ كَمَا فِي الْأَرْبَعِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا (مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) .

قَالَ مِيرَكُ: لَكِنَّ مَعْنَى الْغَايَةِ الَّتِي فُهِمَتْ مِنْ حَتَّى لَا

يُلَايِمُ هَذَا الْمَعْنَى إِلَّا بِتَكَلُّفٍ انْتَهَى.

وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْهُ فِي هَذَا الْمَبْنَى، وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّ أَصْحَابَهُ يَسْتَجْلِبُونَ خَوَاطِرَ الْغُرَبَاءِ لِمَا رَأَوْا مِنْ صَبْرِهِ لَهُمْ وَكَثْرَةِ احْتِمَالِهِ عَنْهُمْ وَزِيَادَةِ مُلَاحَظَةِ حَالِهِمْ، قِيلَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِجْلَابِ جَذْبَهُمْ عَنْ مَجْلِسِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَمَنْعَهُمْ مِنَ الْجَفَاءِ وَتَرْكِ الْأَدَبِ قُلْتُ هَذَا بَعِيدٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً.

وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: الْمُرَادُ بِالِاسْتِجْلَابِ جَلْبُ نَفْعِهِمْ أَوْ جَلْبُهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ الْمُقَدَّسِ أَوْ جَلْبُ قُلُوبِهِمْ قَالَ مِيرَكُ: وَأَمَّا مَا يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالِاسْتِجْلَابِ جَلْبُ نَفْعِهِمْ أَوْ جَلْبُهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ الْمُقَدَّسِ أَوْ جَلْبُ قُلُوبِهِمْ قَالَ مِيرَكُ: وَأَمَّا مَا يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالِاسْتِجْلَابِ جَلْبُ نَفْعِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى قُلْتُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ نَفْعُ الْغُرَبَاءِ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ لِلصَّحَابَةِ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: جَلْبُ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُعْرَفُ هَذَا مِنْ دَأْبِهِمْ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِجَلْبِهَا جَذْبُهَا بِالْإِمَالَةِ فَيَرْجِعُ إِلَى مَا قَبْلَهُ فِي الْمَعْنَى (وَيَقُولُ) أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ) أَيْ: دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ (يَطْلُبُهَا) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَأَرْفِدُوهُ) مَنِ الْإِرْفَادِ أَيْ: أَعِينُوهُ عَلَى طِلْبَتِهِ وَأَعِينُوهُ عَلَى بُغْيَتِهِ (وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ) أَيِ: الْمَدْحَ (إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ) بِالْهَمْزِ أَيْ: مُقَارِبٍ فِي مَدْحِهِ غَيْرِ مُجَاوِزٍ بِهِ عَنْ حَدِّ مِثْلِهِ، وَلَا مُقَصِّرٍ بِهِ عَمَّا رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ عُلُوِّ مَقَامِهِ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ قَالَ (لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَلَكِنْ قُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) .

فَإِذَا قِيلَ هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ أَوْ رَسُولُ اللَّهِ فَقَدْ وَصَفَهُ بِمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِهِ غَيْرُهُ فَهُوَ مَدْحٌ مُكَافِئٌ لَهُ يُقَالُ: هُوَ كُفْئُوهُ أَيْ: مِثْلُهُ، وَقَالَ مِيرَكُ: فَالْمُرَادُ: مُكَافَأَةُ الْوَاقِعِ وَمُطَابَقَتُهُ، وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ رَجُلٍ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ إِسْلَامِهِ مِنَ الْمُخْلِصِينَ الَّذِينَ طَابَقَ لِسَانُهُمْ جَنَانَهُمْ، وَلَا يَدْخُلُ عِنْدَهُ فِي جُمْلَةِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فَإِذَا كَانَ الْمُثْنَى عَلَيْهِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وَكَانَ مُكَافِئًا مَا سَلَفَ مِنْ نِعْمَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ قَبِلَ ثَنَاءَهُ وَإِلَّا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذِهِ الْإِشَارَةِ عَنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ قَالَ مِيرَكُ: فَالْمُكَافِئُ بِمَعْنَى الْمُمَاثِلِ لَهُ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى رَجُلٍ نِعْمَةً فَكَافَأَهُ قَبِلَ ثَنَاءَهُ، أَثْنَى عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ لَمْ يَقْبَلْ، فَالْمُمَاثِلُ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى الْمُجَازِي قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا بَعِيدٌ وَخُطِّئَ قَائِلُهُ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَنْفَكُّ مِنْ نِعْمَتِهِ صلى الله عليه وسلم فَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ فَرْضُ عَيْنٍ انْتَهَى.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمِنَّةِ الصُّورِيَّةِ لَا فِي النِّعْمَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، فَالْمُرَادُ: بِهِ أَنَّ الْمُثْنِيَ إِذَا قَالَ مَثَلًا أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ الْكَرَمِ وَالْجُودِ وَلَيْسَ مِثْلُهُ مَوْجُودًا فِي الْوُجُودِ فَإِنْ سَبَقَ لَهُ إِحْسَانٌ إِلَيْهِ وَإِنْعَامٌ عَلَيْهِ قَبِلَ مِنْهُ هَذَا الْمَدْحَ وَالثَّنَاءَ، وَإِلَّا فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ذَمًّا لِقَوْمٍ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا هَذَا، وَفِي النِّهَايَةِ نَسَبَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى الْقُتَبِيِّ وَتَغْلِيطَهُ إِلَى ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ (وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ) أَيْ: حَدِيثَ أَحَدٍ لَا حَدِيثَ نَفْسِهِ كَمَا تَوَهَّمَهُ الْحَنَفِيُّ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (حَتَّى يَجُوزَ) هُوَ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ أَيْ: يَتَجَاوَزُ عَنِ الْحَدِّ أَوْ يَتَعَدَّى عَنِ الْحَقِّ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ مِنَ الْجَوْرِ وَالْمَيْلِ قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَفِي نُسْخَةٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ أَيْ: يَجْمَعُ مَا أَرَادَهُ الْمُتَكَلِّمُ انْتَهَى.

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ

لِقَوْلِهِ (فَيَقْطَعَهُ) هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى مَا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ أَيْ: فَيَقْطَعُ عليه السلام حِينَئِذٍ حَدِيثَ ذَلِكَ الْأَحَدِ (بِنَهْيٍ) أَيْ: لَهُ عَنِ الْحَدِيثِ (أَوْ قِيَامٍ) أَيْ: عَنِ الْمَجْلِسِ هَذَا، وَقَالَهُ مِيرَكُ،

ص: 166

قَوْلُهُ (حَتَّى يَجُوزَ) كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ السَّمَاعِ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ وَصَحَّحَ فِي الْوَفَاءِ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَصَحَّحَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْوَفَاءِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الزَّايَ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا فَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: مَا طُلِبَ (شَيْئًا) أَيْ: مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا (قَطُّ فَقَالَ لَا) أَيْ: بَلْ إِمَّا أَعْطَاهُ أَوْ وَعَدَهُ إِيَّاهُ أَوْ فِي حَقِّهِ دَعَا اللَّهَ حَتَّى أَغْنَاهُ عَمَّا سِوَاهُ وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا، وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِالرَّدِّ بَلْ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَعْطَاهُ وَإِلَّا يَسْكُتُ كَمَا فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ لِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وَلَفْظُهُ إِذَا سُئِلَ فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ قَالَ نَعَمْ وَإِذَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَلَ سَكَتَ كَذَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِالْتِمَاسِ الْفِعْلِ وَالْأَوَّلُ مَخْصُوصٌ بِسُؤَالِ الْعَطَاءِ، ثُمَّ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ يَسْكُتُ عَنْ صَرِيحِ الرَّدِّ فَلَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنَ الدُّعَاءِ وَالْوَعْدِ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا مِثْلَ أَغْنَاكُمُ اللَّهُ رَزَقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَكَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي زَمَانِنَا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ وَيُبَيِّنُهُ حَدِيثُ السَّابِقِ (مَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ، وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ هُنَا عَلَى نَفْيِ لَا فَقَطْ بِنَاءً عَلَى الْغَلَبَةِ فِي الْعَطَاءِ وَعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِمُجَرَّدِ الدُّعَاءِ، وَقَالَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَمْ يَقُلْ لَا مَنْعًا لِلْعَطَاءِ بَلِ اعْتِذَارًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا، وَلَا أَحْمِلُكُمُ انْتَهَى.

وَلَا يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِلْأَشْعَرِيِّينَ لَمَّا طَلَبُوهُ الْحُمْلَانَ وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا وَقَعَ كَالتَّأْدِيبِ لَهُمْ بِسُؤَالِهِمْ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ مَعَ تَحَقُّقِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ» وَمِنْ ثَمَّةَ حَلَفَ قَطْعًا لِطَمَعِهِمْ فِي تَكَلُّفِهِ التَّحْصِيلَ بِنَحْوِ قَرْضٍ أَوِ اسْتِيهَابٍ مَعَ عَدَمِ الِاضْطِرَارِ، وَهَذَا مُجْمَلُ كَلَامِ الْعَسْقَلَانِيِّ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْفَرَزْدَقِ

مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ

لَوْلَا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لَاؤهُ نَعَمُ.

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُرَشِيُّ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أَيِ: الزُّهْرِيِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ

وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ هُوَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ذَكَرَهُ مِيرَكُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا لَكِنْ مَعَ تَخَالُفٍ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ وَأَحْمَدُ بِزِيَادَةٍ، وَلَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ (قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: فِي حَدِّ ذَاتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اخْتِلَافِ أَوْقَاتِهِ أَوْ حَالَاتِهِ (أَجْوَدَ النَّاسِ) أَيْ: أَسْخَاهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ (بِالْخَيْرِ) أَيْ: مَآلًا وَحَالًا فَالْخَيْرُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ حَالًا وَمَآلًا مِنْ بَذْلِ الْعِلْمِ وَالْخُلُقِ وَالْمَالِ وَالْجَاهِ إِفْضَالًا وَإِكْمَالًا فَكَانَ يَسْمَحُ بِالْمَوْجُودِ لِكَوْنِهِ مَطْبُوعًا عَلَى الْجُودِ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الْفَانِيَاتِ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ مُقْبِلًا عَلَى مَوْلَاهُ مُعْرِضًا عَمَّا سِوَاهُ فَكَانَ إِذَا وَجَدَ جَادَ وَإِذَا أَحْسَنَ أَعَادَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَعَدَ وَلَمْ يُخْلِفْ بِالْمِيعَادِ وَكَانَ يَجُودُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِمَا يَسُدُّ خُلَّتَهُ وَيَشْفِي غُلَّتَهُ فَأَجْوَدُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْجُودِ، وَهُوَ إِعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي وَلَمَّا كَانَ نَفْسُهُ الْأَنْفَسُ أَشْرَفَ النُّفُوسِ الْأَقْدَسَ فَيَكُونُ أَخْلَاقُهُ أَفْضَلَ أَخْلَاقِ الْخَلَائِقِ فَيَكُونُ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَلَعَلَّ ذِكْرَ النَّاسِ بِالْخُصُوصِ لِكَوْنِهِ فَرْدًا مِنْهُمْ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) الرَّفْعُ فِي " أَجْوَدُ " أَجْوَدُ عَلَى مَا رُوِيَ

ص: 167

فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَسْقَلَانِيُّ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَانَ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ حَذْفًا وَاجِبًا إِذْ هُوَ نَحْوُ " أَخْطَبُ مَا يَكُونُ الْأَمِيرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ وَمَعْنَاهُ أَجْوَدُ أَكْوَانِهِ، وَفِي رَمَضَانَ فِي مَحَلِّ الْحَالِ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ حَاصِلٌ فَمَعْنَاهُ أَجْوَدُ أَكْوَانِهِ حَاصِلًا فِي رَمَضَانَ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا " إِنَّ اللَّهَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ ".

وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَاسْمُهُ ضَمِيرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَيْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُدَّةَ كَوْنِهِ فِي رَمَضَانَ أَجْوَدَ مِنْ نَفْسِهِ فِي غَيْرِهِ، وَقِيلَ كَانَ فِيهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَأَجُودُ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَصْدَرِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ وَخَبَرُهُ فِي رَمَضَانَ وَالْجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّصْبَ أَظْهَرُ وَالرَّفْعَ أَشْهَرُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الرَّفْعُ أَشْهَرُ وَالنَّصْبُ جَائِزٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ مَالِكٍ عَنْهُ فَخَرَّجَ الرَّفْعَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَالنَّصْبَ مِنْ وَجْهَيْنِ وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَمَالِيهِ لِلرَّفْعِ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ فَتَوَارَدَ مَعَ ابْنِ مَالِكٍ فِي وَجْهَيْنِ وَزَادَ ثَلَاثَةً وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى النَّصْبِ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيُرَجِّحُ الرَّفْعَ وُرُودُهُ بِدُونِ كَانَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ وَفَضَائِلِ الْقُرْآنِ قُلْتُ: إِذَا كَانَ مِنْ نَوَاسِخِ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فَالتَّرْجِيحُ بِوُجُودِ الرَّفْعِ عِنْدَ عَدَمِهَا لَا يَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ، وَقِيلَ الْوَقْتُ مُقَدَّرٌ أَيْ: كَانَ أَجْوَدُ أَوْقَاتِهِ وَقْتَ كَوْنِهِ فِي رَمَضَانَ وَإِسْنَادُ الْجُودِ إِلَى أَوْقَاتِهِ كَإِسْنَادِ الصَّوْمِ إِلَى النَّهَارِ وَالْقِيَامِ إِلَى اللَّيْلِ فِي قَوْلِكَ: نَهَارُهُ صَائِمٌ وَلَيْلُهُ قَائِمٌ لِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ وَجَمْعِ الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَا يُضَافُ إِلَى الْمُفْرَدِ (حَتَّى يَنْسَلِخَ) أَيْ: يَتِمَّ رَمَضَانُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ زِيَادَةَ جُودِهِ مِنْ أَثَرِ وُجُودِهِ كَانَتْ تَسْتَمِرُّ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ رَمَضَانَ إِلَى أَنْ يَنْسَلِخَ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ إِلَى أَصْلِ الْجُودِ الزَّائِدِ عَلَى جُودِ النَّاسِ جَمِيعًا وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ الْحَنَفِيُّ بِقَوْلِهِ أَيْ: كَمَالِ جُودِهِ كَانَ فِي تَمَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّمَامِ الْجَمِيعُ وَذَلِكَ مِنَ الْبَدِيعِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَدَرَ مِنْهُ بَعْدَ تَفْسِيرِ " يَنْسَلِخَ "

بِـ " يَتِمَّ " فَتَأْوِيلُهُ لَا يَتِمُّ، وَإِنَّمَا كَانَ يَظْهَرُ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم آثَارُ الْجُودِ فِي رَمَضَانَ أَكْثَرَ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْسِمُ الْخَيْرَاتِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَفَضَّلُ عَلَى عِبَادِهِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ مَا لَا يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَكَانَ صلى الله عليه وسلم مُتَخَلِّقًا بِأَخْلَاقِ رَبِّهِ، فَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِأَجْوَدَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى أَسْرَعَ أَوْ لِكَوْنِ الْمُرْسَلَةِ يَنْشَأُ عَنْهَا جُودٌ كَثِيرٌ (فَيَأْتِيهِ جِبْرِيلُ) أَيْ: أَحْيَانًا فِي رَمَضَانَ، فَالْفَاءُ لِلتَّفْصِيلِ لَا كَمَا قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ لِلْمَقَامِ فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ زِيَادَةَ جُودِهِ إِنَّمَا كَانَتْ لِمُلَاقَاةِ جِبْرِيلَ، وَالظَّاهِرُ وُجُودُ زِيَادَةِ الْجُودِ فِي رَمَضَانَ مُطْلَقًا عَلَى سَائِرِ الزَّمَانِ، نَعَمْ يَزِيدُ عِنْدَ مُلَاقَاتِهِ وَمُدَارَسَتِهِ الْقُرْآنَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَفِي أُخْرَى لَهُ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ يَلْقَاهُ، وَإِنْ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَفِيهِ بَيَانُ سَبَبِ الْأَجْوَدِيَّةِ، وَهِيَ أَبْيَنُ مِنْ رِوَايَةِ حِينَ يَلْقَاهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَجْوَدِيَّةِ عَلَى سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ الرَّمَضَانِيَّةِ (فَيَعْرِضُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (عَلَيْهِ) أَيِ: النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى جِبْرِيلَ عليه السلام (الْقُرْآنَ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ كَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْقُرْآنَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ قِرَاءَةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ هِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ تَارَةً كَذَا وَتَارَةً كَذَا بِحَسَبِ الْمَقَامِ وَالْمَرَامِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْمُعْتَادَ قِرَاءَةُ جِبْرِيلَ وَسَمَاعُهُ صلى الله عليه وسلم وَكَذَا قِرَاءَتُهُ صلى الله عليه وسلم وَسَمَاعُ أَصْحَابِهِ وَهَكَذَا طَرِيقَةُ الْمُحَدِّثِينَ مِنَ السَّلَفِ، وَأَمَّا الْخَلَفُ فَاخْتَارُوا أَنَّ التِّلْمِيذَ يَقْرَأُ وَالشَّيْخَ يَسْمَعُهُ لِعَدَمِ الْقَابِلِيَّةِ الْكَامِلَةِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ مِيرَكُ: وَفَاعِلُ يَعْرِضُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ وَضَمِيرُ عَلَيْهِ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ وَيَحْتَمِلُ الْعَكْسَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْقُرْآنَ هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّهُ تَرْجَمَ بِلَفْظِ " كَانَ جِبْرِيلُ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: هَذَا عَكْسُ مَا وَقَعَ فِي التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفِي هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْرِضُ عَلَى جِبْرِيلَ وَكَانَ الْبُخَارِيُّ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ بِلَفْظِ " كَانَ جِبْرِيلُ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ - صلّى الله

ص: 168

عليه وسلم - الْقُرْآنَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ " فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يَعْرِضُ عَلَى الْآخَرِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا بِلَفْظِ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، وَفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ قَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ إِذِ الْمُدَارَسَةُ وَالْمُعَارَضَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَأَفَادَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَارَةً يَقْرَأُ وَيَسْمَعُ الْآخَرُ قَالَ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ أَيْ رَمَضَانُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ يَلْقَاهُ كَذَلِكَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِرَمَضَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَإِنْ كَانَ صِيَامُ شَهْرِ

رَمَضَانَ إِنَّمَا هُوَ فُرِضَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُسَمَّى رَمَضَانَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ صِيَامُهُ قُلْتُ: وَلَعَلَّ مُدَارَسَةَ الْقُرْآنِ كَانَ سَبَبًا لِوُجُوبِ صِيَامِهِ وَاسْتِحْبَابِ قِيَامِهِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ إِطْلَاقُ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضِهِ وَعَلَى مُعْظَمِهِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ رَمَضَانَ مِنْ بَعْدِ السَّنَةِ الْأُولَى لَمْ يَكُنْ يَنْزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا بَعْضُهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ نَزَلَتِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالنَّبِيُّ بِهَا بِالِاتِّفَاقِ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ لَيْلَ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ نَهَارِهِ لَا سِيَّمَا لِلْقِرَاءَةِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التِّلَاوَةِ الْحُضُورُ وَالْفَهْمُ، وَاللَّيْلُ مَظِنَّةُ ذَلِكَ لِمَا فِي النَّهَارِ مِنَ الشَّوَاغِلِ الدِّينِيَّةِ وَالْعَوَارِضِ الدُّنْيَوِيَّةِ قُلْتُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: قَوْلُهُ تَعَالَى شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أَوَمَا كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ السَّنَةِ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ مَا أُنْزِلَ فَيُحْكِمُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ قَالَ: وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِذَا قُلْنَا لَا نَافِيَةٌ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا أَقْرَأَهُ لَا يَنْسَى مَا قَرَأَهُ وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِقْرَاءِ مُدَارَسَةُ جِبْرِيلَ أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَنْفِيَّ بِقَوْلِهِ " فَلَا تَنْسَى " النِّسْيَانُ الَّذِي لَا ذِكْرَ بَعْدَهُ لَا النِّسْيَانُ الَّذِي يَعْقُبُهُ الذِّكْرُ فِي الْحَالِ، قُلْتُ لِهَذَا وَرَدَ فِي دُعَاءِ خَتْمِ الْقُرْآنِ: اللَّهُمَّ ذَكِّرْنِي مِنْهُ مَا نَسِيتُ وَعَلِّمْنِي مِنْهُ مَا جَهِلْتُ.

قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ هَلْ كَانَتْ بِجَمِيعِ الْأَحْرُفِ الْمَأْذُونِ فِي قِرَاءَتِهَا أَوْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَعَلَى الثَّانِي فَهَلْ هُوَ الْحَرْفُ الَّذِي جَمَعَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ النَّاسَ أَوْ غَيْرُهُ فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ عُمَرَ وَالسَّلْمَانِيِّ أَنَّ الَّذِي جَمَعَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ النَّاسَ يُوَافِقُ الْعَرْضَةَ الْأَخِيرَةَ وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ كَانَ جِبْرِيلُ يُعَارِضُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِالْقُرْآنِ فِي آخِرِهِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ فَيَرَوْنَ أَنَّ قِرَاءَتَنَا أَحْدَثُ الْقُرْآنِ عَهْدًا بِالْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ وَعِنْدَ الْحَاكِمِ نَحْوٌ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ هُوَ.

وَلَفْظُهُ عُرِضَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَضَاتٍ وَيَقُولُونَ إِنَّ قِرَاءَتَنَا هَذِهِ هِيَ الْعَرْضَةُ الْأَخِيرَةُ وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيَّ الْقِرَاءَتَيْنِ تَرَوْنَ آخِرَ الْقِرَاءَةِ قَالُوا: قِرَاءَةَ زَيْدٍ أَيْ: ابْنِ ثَابِتٍ قَالَ لَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى جِبْرِيلَ فَلَمَّا كَانَ فِي السَّنَةِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا عَرَضَهُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فَكَانَتْ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ آخِرَهَا، وَهَذَا يُغَايِرُ حَدِيثَ سَمُرَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ الْعَرْضَتَانِ الْأَخِيرَتَانِ وَقَعَتَا بِالْحَرْفَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ

ص: 169

فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ الْأَخِيرِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا قُلْتُ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي صِحَّةِ الْإِطْلَاقِ بَلْ إِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ الْعَرْضَةَ الْأَخِيرَةَ هِيَ مَحَلُّ الِاتِّفَاقِ (فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ) لَا سِيَّمَا عِنْدَ قِرَاءَةِ التَّنْزِيلِ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ) أَيْ: أَسْخَى بِبَذْلِ الْخَيْرِ (مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) حَيْثُ لَا الْتِفَاتَ لَهَا إِلَى أَشْيَاءَ تَمُرُّ عَلَيْهَا، وَالْمُرْسَلَةُ بِفَتْحِ السِّينِ بِمَعْنَى الْمُطْلَقَةِ فَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ

بِأَجْوَدَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى أَسْرَعَ أَوْ لِكَوْنِ الْمُرْسَلَةِ يَنْشَأُ عَنْهَا جُودٌ كَثِيرٌ قِيلَ يَعْنِي أَجْوَدَ مِنْهَا فِي عُمُومِ النَّفْعِ وَالْإِسْرَاعِ فِيهِ، وَقِيلَ هِيَ الَّتِي أُرْسِلَتْ بِالْبُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَذَلِكَ لِشُمُولِ رَوْحِهَا وَعُمُومِ نَفْعِهَا فَاللَّامُ فِي الرِّيحِ عَلَى الْأَوَّلِ لِلْجِنْسِ وَعَلَى الثَّانِي لِلْعَهْدِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ شِبْهُ نَشْرِ جُودِهِ بِالْخَيْرِ فِي الْعِبَادِ بِنَشْرِ الرِّيحِ الْقَطْرَ فِي الْبِلَادِ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْأَثَرَيْنِ فَأَحَدُهُمَا يُحْيِي الْقَلْبَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَالْآخَرُ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَمَا أَفَادَهُ الْكِرْمَانِيُّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَ تَابِعٌ لِلْأَوَّلِ مُسَخَّرٌ لَهُ فَلِذَا قَالَ أَجْوَدَ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ أَنَّهُ وَقَعَ تَخْصِيصٌ عَلَى سَبِيلِ التَّرَقِّي فِي الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ فَضَّلَ أَوَّلًا جُودَهُ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ وَثَانِيًا جُودَهُ فِي رَمَضَانَ عَلَى جُودِهِ فِي سَائِرِ الزَّمَانِ وَثَالِثًا عِنْدَ لِقَاءِ جِبْرِيلَ وَمُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ كَانَ أَجْوَدَ مِمَّا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَذْهَانِ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِإِتْيَانِ أَفْضَلِ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَنِ إِلَى أَفْضَلِ سَامِعٍ بِأَفْضَلِ كَلَامٍ مِنْ أَفْضَلِ مُتَكَلِّمٍ فِي أَفْضَلِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَفِيهِ تِبْيَانٌ إِلَى أَنَّ فَضِيلَةَ الزَّمَانِ وَمُلَاقَاةَ صُلَحَاءِ الْإِخْوَانِ لَهُمَا مَزِيَّةٌ لِلْعِبَادَةِ وَالْإِحْسَانِ وَتَحْسِينِ الْأَخْلَاقِ وَالْإِتْقَانِ وَالْإِتْيَانِ، هَذَا، وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ كَانَ أَعْقَلَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ يَعْنِي وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، وَقِيلَ اقْتِصَارُهُ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ فَإِنَّهَا أُمَّهَاتُ الْأَخْلَاقِ إِذْ لَا يَخْلُو كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ ثَلَاثِ قُوًى: الْعَقْلِيَّةِ، وَكَمَالُهَا النُّطْقُ بِالْحِكْمَةِ، وَالْغَضَبِيَّةِ وَكَمَالُهَا الشَّجَاعَةُ، وَالشَّهَوِيَّةِ وَكَمَالُهَا الْجُودُ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ لَكِنَّهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ إِلَى آخِرِهِ وَبِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْهُ أَيْضًا كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا.

وَفِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ (أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ وَأَجْوَدُهُمْ بَعْدِي رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَنَشَرَ عِلْمَهُ وَرَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

، ثُمَّ كَانَ مِنْ جُودِهِ أَنَّهُ كَانَ يَبْذُلُ الْمَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ إِعْلَاءً لِدِينِهِ وَيُؤْثِرُ الْفُقَرَاءَ وَالْمُحْتَاجِينَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ فَيُعْطِي عَطَاءً يَعْجِزُ عَنْهُ الْمُلُوكُ وَالْأَغْنِيَاءُ وَيَعِيشُ فِي نَفْسِهِ عَيْشَ الْفُقَرَاءِ فَرُبَّمَا كَانَ يَمُرُّ الشَّهْرَانِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوقَدْ فِي بَيْتِهِ نَارٌ وَرُبَّمَا رَبَطَ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ الشَّرِيفِ مِنَ الْجُوعِ وَمَعَ هَذَا كَانَ لَهُ قُوَّةٌ إِلَهِيَّةٌ فِي الْجِمَاعِ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَبَصِّرًا فِي أَمْرِهِ مَعَ كَثْرَةِ نِسَائِهِ وَكَذَا فِي الشَّجَاعَةِ حَتَّى صَرَعَ جَمْعًا، مِنْهُمُ ابْنُ الْأَسْوَدِ الْجُمَحِيِّ وَكَانَ يَقِفُ عَلَى جِلْدِ الْبَقَرِ وَيُجَاذِبُ أَطْرَافَهُ عَشَرَةٌ لِيَنْزِعُوهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ فَيَتَفَرَّى الْجِلْدُ وَلَمْ يَتَزَحْزَحْ عَنْهُ.

وَمِنْهُمْ رُكَانَةُ حَيْثُ صَرَعَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ بِشَرْطِ أَنَّهُ إِنْ صُرِعَ أَسْلَمَ، وَقَدْ أَتَاهُ سَبْيٌ فَشَكَتْ إِلَيْهِ فَاطِمَةُ رضي الله عنها مَا تَلْقَاهُ مِنَ الرَّحَى وَالْخِدْمَةِ وَطَلَبَتْ مِنْهُ خَادِمًا يَكْفِهَا الْمُؤْنَةَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَسْتَعِينَ عِنْدَ نَوْمِهَا بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ مِنْ كُلٍّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ إِلَّا فِي الْأَخِيرِ فَتَزِيدُ وَاحِدًا تَكْمِلَةً لِلْمِائَةِ، وَقَالَ لَا أُعْطِيكِ وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَطْوِي بُطُونُهُمْ مِنَ الْجُوعِ وَكَسَتْهُ امْرَأَةٌ بُرْدَةً فَلَبِسَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَسَأَلَهُ فِيهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرَحِمَ اللَّهُ صَاحِبَ الْبُرْدَةِ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ جُودِهِ بِالزُّبْدَةِ فِي قَوْلِهِ:

فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ

ص: 170

الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا

وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ.

تَحْقِيقُ مَعْنَاهُ فِي شَرْحَيِ الْعُمْدَةِ، هَذَا وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا أَعْطَاهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ.

، وَرَوَى الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ حُمِلَ إِلَيْهِ تِسْعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَوُضِعَتْ عَلَى حَصِيرٍ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَقَسَّمَهَا فَمَا رَدَّ سَائِلًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا وَجَاءَتِ امْرَأَةٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَنْشَدَتْهُ شِعْرًا تُذَكِّرُهُ بِهِ أَيَّامَ رَضَاعَتِهِ فِي هَوَازِنَ فَرَدَّ عَلَيْهَا مَا قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: وَهَذَا نِهَايَةُ الرَّدِّ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فِي الْوُجُودِ مِنْ غَايَةِ الْجُودِ.

وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أُتِيَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَأَمَرَ بِصَبِّهِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِذْ جَاءَ الْعَبَّاسُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ خُذْ فَحَثَى فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعُهُ إِلَيَّ فَقَالَ لَا فَقَالَ ارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ فَقَالَ لَا فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَقَالَ كَالْأَوَّلِ فَقَالَ لَا، ثُمَّ نَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ فَأَتْبَعَهُ صلى الله عليه وسلم بَصَرَهُ عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ فَمَا قَامَ صلى الله عليه وسلم وَمِنْهَا دِرْهَمٌ.

وَفِي خَبَرٍ مُرْسَلٍ أَنَّهُ كَانَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ حَدَّثَنَا (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ) أَيْ: لَا يَجْعَلُ شَيْئًا ذَخِيرَةً لِأَجْلِ غَدٍ لَكِنْ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ لِتَمَامِ تَوَكُّلِهِ عَلَى رَبِّهِ، وَقَدْ يَدَّخِرُ لِعِيَالِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ لِضَعْفِ تَوَكُّلِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم وَلِيَكُونَ سُنَّةً لِلْمُعِيلِينَ مِنْ أُمَّتِّهِ وَلِلْمُجَرَّدِينَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ.

فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ.

وَفِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ ابْنِ رَاهَوَيْهِ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ.

وَفِي الْبُخَارِيِّ كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ فَقِيلَ الِادِّخَارُ كَانَ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَلَى مَا نَقَلَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ فَقِيلَ عَدَمُ الِادِّخَارِ كَانَ غَالِبَ أَحْوَالِهِ أَوْ فِي أَوَائِلِ أَمْرِهِ إِذْ قَدْ ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ يَقُولُ مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ، وَلَا صَاعُ حَبٍّ وَإِنَّ عِنْدَهُ تِسْعَ نِسْوَةٍ وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْمَعَ بِأَنَّهُ كَانَ يَدَّخِرُ لَهُمْ قُوتَ سَنَتِهِمْ، ثُمَّ مِنْ جُودِهِ وَكَرَمِهِ عَلَى الْوَافِدِينَ وَالْمُحْتَاجِينَ كَانَ يَفْرَغُ زَادُهُمْ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ، ثُمَّ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ الْحَدِيثِ بَابُ أَنَّ الْكَرَمَ وَالْجُودَ وَالتَّوَكُّلَ وَالِاعْتِمَادَ عَلَى وَاجِبِ الْوُجُودِ دُونَ الْخَلْقِ مِنْ كَمَالِ الْخُلُقِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الصُّوفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الِادِّخَارَ زِيَادَةً عَلَى السَّنَةِ خَارِجٌ عَنْ طَرِيقِ التَّوَكُّلِ أَوِ السُّنَّةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ مَا قَالَ الطَّبَرِيُّ حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الِادِّخَارِ مُطْلَقًا، وَقَدْ أَبْعَدَ الْعَسْقَلَانِيُّ حَيْثُ قَالَ التَّقْيِيدُ بِالسَّنَةِ إِنَّمَا جَاءَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْوَاقِعِ فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا يُدَّخَرُ كَانَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا فِي سَنَتَيْنِ لَاقْتَضَى الْحَالُ جَوَازَ الِادِّخَارِ لِأَجْلِ ذَلِكَ قُلْتُ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّنَةِ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِتَجَدُّدِ الْأَرْزَاقِ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَشْهُرِ فِي أَثْنَائِهَا.

(حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ الْمُدِينِيُّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الدَّالِ، وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَهُ الْفَرْوِيُّ بِفَتْحِ فَاءٍ وَسُكُونِ رَاءٍ نِسْبَةً إِلَى

فَرْوٍ، وَاسْمُ جَدِّهِ كَمَا ذَكَرَهُ عَفِيفُ الدِّينِ (حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ) أَيْ: شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا عِنْدِي شَيْءٌ) أَيْ: لَيْسَ فِي مِلْكِي شَيْءٌ مَوْجُودٌ (وَلَكِنِ ابْتَعْ) أَمْرٌ مِنَ الِابْتِيَاعِ أَيِ اشْتَرِ مَا تَبْغِي بِثَمَنٍ يَكُونُ دَيْنًا (عَلَيَّ) أَدَاؤُهُ (فَإِذَا جَاءَنِي شَيْءٌ) أَيْ: مِنْ بَابِ اللَّهِ (قَضَيْتُهُ

ص: 171

فَقَالَ عُمَرُ) لَا شَكَّ أَنَّ الرَّاوِيَ هُوَ عُمَرُ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: فَقُلْتُ فَكَأَنَّهُ نَقَلَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَوْ مِنْ قَبِيلِ الِالْتِفَاتِ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْعُدُولِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَسْلَمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَعْطَيْتَهُ) أَيِ: السَّائِلَ مَا عَلَيْكَ، وَهُوَ الْمَيْسُورُ مِنَ الْقَوْلِ (فَمَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ) أَيْ: مِنْ أَمْرِهِ بِالشِّرَاءِ وَوَعْدِهِ بِالْقَضَاءِ، وَالْفَاءُ لِتَعْلِيلِ مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْعَطَاءِ، وَقِيلَ أَيْ: وَقَدْ أَعْطَيْتَهُ شَيْئًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى قَبْلَ هَذِهِ، وَلَا مِرْيَةَ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِلْمَقَامِ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَنْ قَالَ كِلَا هَذَيْنِ بَعِيدٌ وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْمَعْنَى قَدْ أَعْطَيْتَهُ سُؤَالَهُ وَجَعَلْتَ لَهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِكَ فَلَا تَفْعَلْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْكَ بِذَلِكَ انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَبْنَى وَمِنْ طَرِيقَةِ الْمَعْنَى (فَكَرِهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَوْلَ عُمَرَ) ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى كَمَالِ الْكَرَمِ وَالْجُودِ وَأَيْضًا قَوْلُهُ ابْتَعْ عَلَيَّ مِنْ جُمْلَةِ الْقَوْلِ الْمَيْسُورِ وَالْعَطَاءِ الْمَوْعُودِ، وَأَمَّا كَلَامُ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: مِنْ حَيْثُ الْتِزَامُهُ قُنُوطَ السَّائِلِ وَحِرْمَانُهُ لَا لِمُخَالَفَةِ الشَّرْعِ فَمُسَلَّمٌ مِنْ حَيْثِيَّةِ عَدَمِ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ فِي الْجُمْلَةِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْمَيْسُورِ مِنَ الْقَوْلِ أَوْ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي اقْتِضَاءِ الْكَرَمِ مِنَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثِيَّةِ الْتِزَامِهِ قُنُوطَ السَّائِلِ وَحِرْمَانِهِ فَمَمْنُوعٌ وَعَنْ حَيِّزِ التَّصَوُّرِ مَدْفُوعٌ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ مِمَّا لَمْ يَنْفَعْ فَاحْذَرْهُ انْتَهَى.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِيهَامِ مِمَّا لَا يُرْتَضَى (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) أَيْ: مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ الْإِيثَارِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفِقْ) أَيْ: بِلَالًا (وَلَا تَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا) أَيْ: شَيْئًا مِنَ الْفَقْرِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَلَّ الشَّيْءُ يَقِلُّ وَأَقَلَّهُ غَيْرُهُ وَزَادَ فِي التَّاجِ أَنَّ مَعْنَاهُ الِافْتِقَارُ وَالِاحْتِيَاجُ قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَهُوَ

قَيْدٌ لِلْمَنْفِيِّ وَالنَّفْيِ تَأَمَّلْ، وَقِيلَ مَا أَحْسَنَ مَوْضِعَ ذِي الْعَرْشِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَيْ: لَا تَخْشَ أَنْ يُضَيِّعَ مِثْلَكَ مَنْ هُوَ مُدَبِّرُ الْأَمْرِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَهُوَ كَلَامُ الطِّيبِيِّ عَلَى مَا نَقَلَهُ مِيرَكُ لَكِنَّ فِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْشَى مِنَ الْفَقْرِ بَلْ مَا سَبَقَ صَرِيحٌ فِي كَمَالِ اعْتِمَادِهِ عَلَى رَبِّهِ، فَالْمَعْنَى اثْبُتْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْخَشْيَةِ، وَلَا تُبَالِ بِمَا ذَكَرَ عُمَرُ مِنَ النَّصِيحَةِ (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ) بِالْكَسْرِ أَيْ: ظَهَرَ عَلَى وَجْهِهِ الْبَشَاشَةُ وَعُرِفَ عَلَى بَشْرَتِهِ أَثَرُ الِانْبِسَاطِ، وَفِي نُسْخَةٍ وَعُرِفَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ وَالْمُؤَدَّى وَاحِدٌ (لِقَوْلِ الْأَنْصَارِيِّ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ عُرِفَ (ثُمَّ قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ عليه السلام (بِهَذَا أُمِرْتُ)

ص: 172