المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب ما جاء في حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم - جمع الوسائل في شرح الشمائل - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعَطُّرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابٌ كَيْفَ كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَحِكِ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مُزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الشِّعْرِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّمْرِ)

- ‌(بَابٌ فِي صِفَةِ نَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى)

- ‌(بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي بُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَوَاضُعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌بَابُ مَا جَاءَ فِي خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حَيَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حِجَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي سِنِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ)

الفصل: ‌(باب ما جاء في حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم

أَيْ بِالْإِنْفَاقِ وَعَدَمِ الْخَوْفِ أَوْ بِالْعَطَاءِ فِي الْمَوْجُودِ وَبِالْقَوْلِ الْمَيْسُورِ فِي الْمَفْقُودِ لَا بِمَا قَالَهُ عُمَرُ كَمَا أَفَادَهُ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ الْمُفِيدِ لِلْقَصْرِ أَيْ: قَصْرِ الْقَلْبِ رَدًّا لِاعْتِقَادِ عُمَرَ رضي الله عنه.

(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ مَكْسُورَةٍ (بِنْتِ مُعَوِّذٍ) بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ (ابْنِ عَفْرَاءَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَمْدُودَةً (قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِقِنَاعٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: بِطَبَقٍ (مِنْ رُطَبٍ) وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لَا جَمْعٌ، فَفِي الصِّحَاحِ: الْوَاحِدَةُ رُطَبَةٌ (وَأَجْرٍ) بِفَتْحِ هَمْزَةٍ فَسُكُونِ جِيمٍ فَرَاءٍ أَيْ: قِثَّاءٍ صِغَارٍ (زُغْبٍ) بِضَمِّ زَايٍ فَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ جَمْعُ أَزْغَبَ مِنَ الزَّغَبِ بِالْفَتْحِ، صِغَارُ الرِّيشِ أَوَّلَ مَا طَلَعَ شُبِّهَ بِهِ مَا عَلَى الْقِثَّاءِ مِنَ الزَّغَبِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (فَأَعْطَانِي) أَيْ: بَدَلَ هَدِيَّتِي أَوْ لِحُضُورِي حَالَ قِسْمَتِهِ (مِلْءَ كَفِّهِ حُلِيًّا) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَهُوَ مَا يُصَاغُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيُلْبَسُ لِلزِّينَةِ (وَذَهَبًا) أَيْ: وَذَهَبًا مِنْ غَيْرِ الْحِلْيَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ تَفْسِيرٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ «أَوْ ذَهَبًا» ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ صِفَةِ الْفَاكِهَةِ وَسِيقَ هُنَا لِمَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ جُودِهِ وَكَرَمِهِ وَحُسْنِ خُلُقِهِ وَلَطَافَةِ مُعَاشَرَتِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَاسْتِحْسَانِ آدَابِهِ (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (وَغَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ: وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِي (قَالُوا: حَدَّثَنَا) وَفِي نُسْخَةِ الْأَصْلِ أَنْبَأَنَا (عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) أَيْ: يُجَازِي بِأَزْيَدَ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ بِمِثْلِهَا مِمَّا يُسَاوِيهَا، لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ

أَنَّ الْإِثَابَةَ هِيَ الْمُجَازَاةُ فِي الْخَيْرِ أَكْثَرَ مِنْهُ قَالَ مِيرَكُ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَزَّارُ لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْصُولًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ مُرْسَلٌ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ: لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ وَمُحَاضِرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَشَارَ بِهَذَا أَنَّ عِيسَى بْنَ يُونُسَ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: رِوَايَةُ وَكِيعٍ وَصَلَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ «وَيُثِيبُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا» وَرِوَايَةُ مُحَاضِرٍ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا بَعْدُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُسَنُّ التَّأَسِّي بِهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ لَكِنَّ مَحَلَّ نَدْبِ الْقَبُولِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ، وَنَدْبِ الْإِثَابَةِ حَيْثُ لَمْ يَظُنَّ الْمُهْدَى إِلَيْهِ أَنَّ الْمُهْدِي إِنَّمَا أَهْدَى إِلَيْهِ لِغَيْرِ حَيَاءٍ لَا فِي مُقَابِلِ شَيْءٍ، أَمَّا إِذَا ظَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى الْإِهْدَاءِ إِنَّمَا هُوَ الْحَيَاءُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: كَمَنْ يَقْدُمُ مِنْ سَفَرٍ وَيُفَرِّقُ هَدَايَاهُ خَوْفًا مِنَ الْعَارِ فَلَا يَجُوزُ الْقَبُولُ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فَالْكُرْهُ فِي الْبَاطِنِ، فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا إِذَا ظَنَّ أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ الْإِثَابَةُ فَلَا يَجُوزُ الْقَبُولُ إِلَّا إِنْ أَثَابَهُ بِقَدْرِ مَا فِي ظَنِّهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَرَائِنُ حَالِهِ، وَإِنَّمَا أَطَلْتُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَسْتَهْتِرُونَ فِيهِ فَيَقْبَلُونَ الْهَدِيَّةَ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتُهُ قُلْتُ الْبَحْثُ لَا يَجِبُ فَإِنَّكَ إِذَا فَتَّشْتَ عَنْ ضِيَافَاتِ الْعَامَّةِ وَهَدَايَاهُمْ وَعَطَايَاهُمْ رَأَيْتَ كُلَّهَا مُلَطَّخَةً بِالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ أَوْ نَاشِئَةً عَنِ الْحَيَاءِ نَعَمْ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ سَبَبَ الْإِهْدَاءِ لَيْسَ إِلَّا الْحَيَاءَ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ، وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ لَكِنْ يُثِيبُ بِحَيْثُ يَظُنُّ أَنَّ خَاطِرَهُ يَطِيبُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْطَى مُكْرَهًا فِي الْبَاطِنِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ رَاضِيًا فَيَنْقَلِبُ الْحَرَامُ حَلَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَمَا صَوَّرْنَاهُ تِجَارَةٌ صَادِرَةٌ عَنْ تَرَاضٍ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَلِهَذَا عَدَّ عُلَمَاؤُنَا الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْإِثَابَةِ بَيْعًا وَلَوْ كَانَ عَطَاؤُهُ حَيَاءً لَمْ يَحْصُلْ لَهُ جَزَاءٌ، ثُمَّ طَابَ خَاطِرُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى بَرَاءَةٌ وَإِحْلَالٌ لَهُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِثَابَةَ بِقَدْرِ الْهِبَةِ وَاجِبَةٌ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا، فَمَحَلُّ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقَبُولِ إِذَا لَمْ يُجَازِهِ مُطْلَقًا، ثُمَّ الْعُودُ فِي الْهِبَةِ مَكْرُوهٌ شَرْعًا وَطَبْعًا، وَيَجُوزُ عِنْدَ فُقَهَائِنَا بِشُرُوطٍ لَيْسَ هَذَا مَقَامُ ذِكْرِهَا

‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حَيَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

-)

ص: 173

الْحَيَاءُ هُنَا بِالْمَدِّ، وَأَمَّا بِالْقَصْرِ فَهُوَ بِمَعْنَى الْمَطَرِ، وَكِلَاهُمَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَيَاةِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا حَيَاةُ الْأَرْضِ، وَالْآخَرُ حَيَاةُ الْقَلْبِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ عليه السلام الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ، وَفِي الشَّرْعِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذَوِي الْحَقِّ.

ثُمَّ الْحَيَاءُ مِنْ جُمْلَةِ الْخُلُقِ الْحَسَنِ فَإِفْرَادُهُ بِبَابٍ عَلَى حِدَةٍ تَنْبِيهٌ عَلَى عِظَمِ شَأْنِهِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ مِلَاكُ الْأَمْرِ كُلِّهِ فِي حُسْنِ مُعَامَلَةِ الْحَقِّ وَمُعَاشَرَةِ الْخَلْقِ (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُتْبَةَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ

(يُحَدِّثُ) أَيْ: يَرْوِي (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ) بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ أَيْ: كَانَ حَيَاؤُهُ أَبْلَغَ مِنْ حَيَاءِ الْبِنْتِ الْبِكْرِ (فِي خِدْرِهَا) بِكَسْرِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ، وَهُوَ سِتْرٌ يُجْعَلُ لِلْبِكْرِ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، وَالْعُذْرَةُ بِالضَّمِّ الْبَكَارَةُ، وَقِيلَ إِنَّهَا جِلْدَتُهَا، وَيُقَالُ لِلْبِكْرِ: الْعَذْرَاءُ؛ لِأَنَّ جِلْدَتَهَا بَاقِيَةٌ، وَالظَّرْفُ حَالٌ مِنَ الْعَذْرَاءِ أَوْ صِفَةٌ لَهَا، وَهُوَ تَتْمِيمٌ لِلْفَائِدَةِ؛ فَإِنَّ الْعَذْرَاءَ إِذَا كَانَتْ مُتَرَبِّيَةً فِي سِتْرِهَا تَكُونُ أَشَدَّ حَيَاءً لِتَسَتُّرِهَا حَتَّى عَنِ النِّسَاءِ بِخِلَافِهَا إِذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا لِاخْتِلَاطِهَا مَعَ غَيْرِهَا أَوْ كَانَتْ دَاخِلَةً خَارِجَةً فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْحَيَاءِ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ تَبَعًا لِمِيرَكَ إِذِ الْخَلْوَةُ مَظِنَّةُ وُقُوعِ الْفِعْلِ بِهَا فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْحَالَةُ الَّتِي تَعْتَرِيهَا عِنْدَ دُخُولِ أَحَدٍ عَلَيْهَا فِيهِ لَا الَّتِي تَكُونُ عَلَيْهَا حَالَةَ انْفِرَادِهَا أَوِ اجْتِمَاعِهَا بِمِثْلِهَا فِيهِ انْتَهَى.

وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا يَخْفَى فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ هَذَا الْمَعْنَى لَقِيلَ: أَشَدُّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ وَقْتَ زِفَافِهَا (وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا) وَفِي نُسْخَةٍ الشَّيْءَ (عَرَفْنَاهُ) أَيِ: الشَّيْءَ الْمَكْرُوهَ أَوْ كَرَاهَتَهُ (فِي وَجْهِهِ) لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَكْرَهُهُ حَيَاءً بَلْ يَتَغَيَّرُ وَجْهُهُ فَيُفْهَمُ كَرَاهَتُهُ لَهُ وَكَذَا الْبِنْتُ الْمُخَدَّرَةُ غَالِبًا لَمْ تَتَكَلَّمْ فِي حُضُورِ النَّاسِ بَلْ يُرَى أَثَرُ رِضَاهَا وَكَرَاهَتُهَا فِي وَجْهِهَا وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ حَيَائِهِ لَا يُثَبِّتُ بَصَرَهُ فِي وَجْهِ أَحَدٍ، هَذَا وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسٍ وَزَادَهُ فِي آخِرِهِ " وَكَانَ يَقُولُ الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ.

(حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ) بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ نِسْبَةً إِلَى خَطْمٍ قَبِيلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ (عَنْ مَوْلًى لِعَائِشَةَ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا نَظَرْتُ) أَيْ: حَيَاءً مِنْهَا بِنَاءً عَلَى حَيَاءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحْيِيَ يُسْتَحْيَى مِنْهُ (إِلَى فَرْجِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ قَالَتْ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (مَا رَأَيْتُ) أَيْ: حَيَاءً مِنْهُ مُوجِبًا لِحَيَائِهَا مِنْهُ (فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) قَالَ الْحَنَفِيُّ: فَإِنَّ حَيَاءَهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ مَانِعًا مِنْهُ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْوَقَارِ وَالْحَيَاءِ فِي مَرْتَبَةٍ لَمْ يَكُنِ النَّظَرُ مِنْهَا إِلَى فَرْجِهِ أَوْ رُؤْيَتِهِ انْتَهَى.

وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهَا أَيْضًا (مَا رَأَيْتُ مِنْهُ، وَلَا رَأَى مِنِّي) يَعْنِي الْفَرْجَ (قَطُّ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِكِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ،

ص: 174