الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَتْرُكُ أَحَدًا إِلَّا يُصِيبُهُ الْمَوْتُ، وَعَلَى الثَّانِي أَنَّهُ حَضَرَ عَلَى أَبِيكِ مَا لَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا لَا يُصِيبُهُ ذَلِكَ، وَفِي نُسْخَةٍ الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ مِيرَكُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ مَكْسُورَةً وَيَكُونَ خَبَرٌ مُقَدَّرٌ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ يَتَعَلَّقُ بِلَيْسَ بِتَارِكٍ عَلَى إِرَادَةِ أَنَّ وُرُودَ الْمَوْتِ عَلَى الْكُلِّ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ إِتْيَانُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَوْمِ جَزَائِهِمْ. انْتَهَى، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ مَفْتُوحَةً وَحِينَئِذٍ تَكُونُ اللَّامُ الِابْتِدَائِيَّةُ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: حُكْمٌ مُقَرَّرٌ وَأَمْرٌ مُقَدَّرٌ وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِمَّا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا هُوَ الْكَرْبُ الَّذِي يَكُونُ لِلْمَوْتِ لَا الْمَوْتُ.
(حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ) بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ (زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا) أَيْ: كِلَاهُمَا (حَدَّثَنَا
عَبْدُ رَبِّهِ) بِمَعْنَى عَبْدِ اللَّهِ (ابْنُ بَارِقٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ سَمِعْتُ جَدِّي أَبَا أُمِّي سِمَاكَ بْنَ الْوَلِيدِ) بِكَسْرِ السِّينِ (يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ (مِنْ أُمَّتِي أَدْخَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمَا الْجَنَّةَ) الْفَرَطُ وَالْفَارِطُ الْمُتَقَدِّمُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ فَيُهَيِّئُ لَهُمُ الْإِرْشَاءَ وَالدِّلَاءَ وَيَمْدُرُ الْحِيَاضَ وَيَسْقِي لَهُمْ، وَهُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَتَبَعٍ بِمَعْنَى تَابِعٍ يُقَالُ: رَجُلٌ فَرَطٌ وَقَوْمٌ فَرَطٌ.
وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ.
أَيْ سَابِقُكُمْ لِأَرْتَادَ لَكُمُ الْمَاءَ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا أَيْ: أَجْرًا مُتَقَدِّمًا كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْفَرَطِ الْوَلَدُ الَّذِي مَاتَ قَبْلَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ يُهَيِّئُ لَهُمَا نُزُلًا وَمَنْزِلًا فِي الْجَنَّةِ كَمَا يَتَقَدَّمُ فَرَطُ الْقَافِلَةِ إِلَى الْمَنَازِلِ فَيُعِدُّ لَهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ سَقْيِ الْمَاءِ وَضَرْبِ الْخَيْمَةِ وَنَحْوِهِمَا.
(فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ) أَيْ: فَمَا حُكْمُهُ (قَالَ وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ) أَيْ: كَذَلِكَ (يَا مُوَفَّقَةُ) أَيْ: لِتَعَلُّمِ شَرَائِعِ الدِّينِ أَوْ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْأَسْئِلَةِ الْوَاقِعَةِ مَوْقِعَهَا (قَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ قَالَ فَأَنَا فَرَطٌ لِأُمَّتِي) أَيْ: أُمَّةُ الْإِجَابَةِ فَإِنَّهُ قَائِمٌ لَهُمْ فِي مَقَامِ الشَّفَاعَةِ (لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي) أَيْ: بِمِثْلِ مُصِيبَتِي فَإِنِّي عِنْدَهُمْ أَحَبُّ مِنْ كُلِّ وَالِدٍ وَوَلَدٍ فَمُصِيبَتِي عَلَيْهِمْ أَشَدُّ مِنْ جَمِيعِ الْمَصَائِبِ فَأَكُونُ أَنَا فَرَطُهُمْ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْبِيرُهُ بِأُمَّتِي بَلِ الْمُصِيبَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَمْ يَرَهُ أَعْظَمُ مِنْ وَجْهٍ وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ لِقَوْلِهِ فَأَنَا فَرَطٌ لِأُمَّتِي، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، قُلْتُ: لَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأُمَّةٍ خَيْرًا قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ فَأَهْلَكَهَا، وَهُوَ يَنْظُرُ فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ.
وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ عَظِيمَةٌ لِأُمَّتِهِ الْمَرْحُومَةِ.
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي مَرَضِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَةٍ فِيَّ عَنِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشُدُّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزَاءِ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ جَاءَ أَخُوهُ فَصَافَحَهُ وَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةً حَسَنَةً.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
-)
أَيْ فِي حُكْمِ مِيرَاثِهِ وَبَيَانِ وُرَّاثِهِ، وَالْمِيرَاثُ أَصْلُهُ مِوْرَاثٌ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا وَالتُّرَاثُ أَصْلُ التَّاءِ فِيهِ وَاوٌ يُقَالُ: وَرِثْتُ شَيْءَ أَبِي وَوَرِثْتُهُ مِنْ أَبِي أَرِثُهُ بِالْكَسْرِ وِرْثًا وَوِرَاثَةً بِالْكَسْرِ فِيهِمَا وَكَذَا إِرْثًا بِالْهَمْزَةِ الْمُنْقَلِبَةِ عَنِ الْوَاوِ وَرِثَةً بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْهَاءِ عِوَضًا عَنِ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ كَعِدَةٍ وَسَقَطَ الْوَاوُ أَيْضًا مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرَةٍ لَازِمَةٍ فَإِنَّهُمَا مُتَجَانِسَتَانِ وَالْوَاوُ مُضَادَّتُهُمَا فَحُذِفَتْ لِاكْتِنَافِهِمَا إِيَّاهَا، ثُمَّ جُعِلَ حُكْمُهَا مَعَ الْهَمْزَةِ وَالتَّاءِ وَالنُّونِ كَذَلِكَ لِلِاطِّرَادِ أَوْ لِأَنَّهُنَّ مُبْدَلَاتٌ مِنْهَا وَالْيَاءُ هِيَ الْأَصْلُ كَذَا ذَكَرُهُ
مِيرَكُ وَنَقَلَهُ الْحَنَفِيُّ عَنِ الْجَوْهَرِيِّ
، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمِيرَاثِهِ هُنَا مَتْرُوكَاتُهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْمِيرَاثُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَوْرُوثِ أَيِ: الْمُخَلَّفُ مِنَ الْمَالِ أَيْ: بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيَانِ أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ زَعْمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْعُنْوَانِ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ نَحْوَ مَا جَاءَ فِي نَفْيِ مِيرَاثٍ، قُلْتُ: كَلَامُهُ صَحِيحٌ، وَلَا يَنْدَفِعُ بِمُقَدَّرٍ آخَرَ مَعَ أَنَّ مَآلَ التَّقْدِيرَيْنِ وَاحِدٌ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَشَذَّ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِالْمَوْرُوثِ هُنَا الْعِلْمُ وَالْمَالُ، وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ أَنَّ الْعِلْمَ يُورَثُ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَيَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَالْمَالُ لَا يُورَثُ وَيَلْزَمُهُ فِي نَحْوِ حَدِيثِ، نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ; أَيْ: فِي الْعِلْمِ وَالْمَالِ، وَهُوَ خِلَافُ الْقُرْآنِ وَالْإِجْمَاعِ، قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يُصَحِّحُ كَلَامَ هَذَا الْقَائِلِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَا نُورَثُ فِي الْمَالِ بَلْ نُورَثُ فِي الْعِلْمِ لِمَا صَحَّ أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمُرَادُهُ أَنَّ هَذَا الْبَابَ مَوْضُوعٌ لِحُكْمِ مَوْرُوثِهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمَالِ وَالْعِلْمِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا فَإِنَّ إِرْثَ الْمَالِ مَنْفِيٌّ وَإِرْثَ الْعِلْمِ مُتَحَقِّقٌ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ) بِالتَّصْغِيرِ، وَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (لَهُ) أَيْ: لِعَمْرٍو (صُحْبَةٌ قَالَ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا سِلَاحَهُ) بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ: مِمَّا كَانَ يَخْتَصُّ بِلُبْسِهِ مِنْ نَحْوِ سَيْفٍ وَرُمْحٍ وَدِرْعٍ وَمِغْفَرٍ وَحَرْبَةٍ (وَبَغْلَتَهُ) أَيِ: الْبَيْضَاءَ الَّتِي يَخْتَصُّ بِرُكُوبِهَا (وَأَرْضًا) وَهِيَ نِصْفُ أَرْضِ فَدَكٍ وَثُلُثُ أَرْضِ وَادِي الْقُرَى وَسَهْمٌ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَحِصَّةٌ مِنْ أَرْضِ بَنِي النَّضِيرِ كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْكِرْمَانِيِّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ يُضِفْهَا إِلَيْهِ كَالْأَوَّلَيْنِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِهِ دُونَهَا إِذْ نَفْعُهَا كَانَ عَامًّا لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ عِيَالِهِ وَفُقَرَاءِ الْمَسَاكِينِ.
(جَعَلَهَا صَدَقَةً) قِيلَ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الثَّلَاثَةِ لِقَوْلِهِ عليه السلام: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ جَعَلَهَا صَدَقَةً بَيْنَ كَوْنِهَا مِنَ الصَّدَقَاتِ حَالَ حَيَاتِهِ لَا أَنَّهَا صَارَتْ صَدَقَةً بَعْدَ مَمَاتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ خَتْنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخِي الْجُوَيْرِيَةِ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئًا إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً.
قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَيْ تَصَدَّقَ بِمَنْفَعَةِ الْأَرْضِ فَصَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْوَقْفِ، وَقَوْلُهُ: وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً أَيْ: فِي الرِّقِّ.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ رَقِيقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي جَمِيعِ الْأَخْبَارِ كَانَ إِمَّا مَاتَ وَإِمَّا أَعْتَقَهُ.
قِيلَ: وَلَوْ جُعِلَ الضَّمِيرُ لِلْأَرْضِ وَحْدَهَا لَزِمَ كَوْنُ السِّلَاحِ وَالْبَغْلَةِ مِيرَاثًا وَدُفِعَ بِأَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَا خَلَّفَهُ يَصِيرُ صَدَقَةً بِنَفْسِ الْمَوْتِ، وَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ، نَعَمْ ظَاهِرُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ فِي عُنْوَانِ الْبَابِ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلْكُلِّ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْكِرْمَانِيِّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ: الْأَرْضُ هِيَ فَدَكٌ سَبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَيَاتِهِ وَجَعَلَهَا صَدَقَةً لِلْمُسْلِمِينَ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ وَابْنُ
حَجَرٍ فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ الْحَصْرُ إِضَافِيٌّ أَوِ ادِّعَائِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِثْلَ الْأَثْوَابِ وَأَمْتِعَةِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا بَيَّنْتُ فِي مَوْضِعِهَا، وَلَعَلَّ أَمْتِعَةَ الْبَيْتِ كَانَتْ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ابْتِدَاءً أَوْ بِالتَّمْلِيكِ انْتِهَاءً، وَأَمَّا تَعَدُّدُ الثِّيَابِ فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ أَصْلٌ وَالْقَلِيلُ مِنْهَا لَمْ يُذْكَرْ لِحَقَارَتِهَا أَوْ لِغَايَةِ وُضُوحِهَا إِذْ لَا يَخْلُو إِنْسَانٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا عُلِمَ حُكْمُ الْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ تَبِعَهَا غَيْرُهَا بِالْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ أَرْبَابِ السِّيَرِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم خَلَّفَ إِبِلًا كَثِيرَةً وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ عِشْرُونَ نَاقَةً يَرْعَوْنَهَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَأْتُونَ بِأَلْبَانِهَا إِلَيْهِ كُلَّ لَيْلَةٍ وَكَانَ لَهُ سَبْعُ مَعْزٍ يَشْرَبُونَ لَبَنَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِبِلَ الْكَثِيرَةَ هِيَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَنَّ النَّاقَةَ وَالْمَعْزَ كَانَتْ مَنِ الْمَنَائِحِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّرَايِحُ، وَسَيَجِيءُ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَا تَرَكَ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيرًا فَيَتَعَيَّنُ التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ،
وَالْعَجَبُ مِنِ ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ ذَكَرَ مَا نُقِلَ عَنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَسَكَتَ عَنْهُ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما) أَيْ: حِينَ بَلَغَهَا عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ (فَقَالَتْ) أَيْ: فَاطِمَةُ لِأَبِي بَكْرٍ (مَنْ يَرِثُكَ) أَيْ: بِحُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (فَقَالَ: أَهْلِي) أَيْ: زَوْجَتِي (وَوَلَدِي) أَيْ: أَوْلَادِي مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ (فَقَالَتْ: مَا لِي لَا أَرِثُ أَبِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَا نُورَثُ) أَيْ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، وَفِي الْمُغْرِبِ كَسْرُ الرَّاءِ خَطَأُ رِوَايَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ رِوَايَةً؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ دِرَايَةً إِذِ الْمَعْنَى لَا نَتْرُكُ مِيرَاثًا لِأَحَدٍ لِمَصِيرِهِ صَدَقَةً حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى فَفِي الصِّحَاحِ وَالْمُغْرِبِ، يُقَالُ: أَوْرَثَهُ مَالًا تَرَكَهُ مِيرَاثًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ مِيرَكُ: أَصْلُ الْمَجْهُولِ لَا يُورَثُ مِنَّا فَحُذِفَ مِنْ وَاسْتَتَرَ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ فِي الْفِعْلِ فَانْقَلَبَ الْفِعْلُ مِنَ الْغَائِبِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ أَيْ: تَرْتَعُ إِبِلُنَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى لَا أَبْرَحُ أَيْ: لَا يَبْرَحُ مَسِيرِي عَلَى وَجْهٍ فَلَمَّا حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ انْقَلَبَ الْفِعْلُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: وَهُوَ وَجْهٌ لَطِيفٌ انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا عَلَى مَا جَعَلَهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ مُتَعَدِّيًا إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَلَا حَذْفَ، وَلَا تَحْوِيلَ، فَفِي التَّاجِ لِلْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ وَبِمِنْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَيُقَالُ: وَرَّثَ أَبَاهُ مَالًا فَالْأَبُ وَالْمَالُ كِلَاهُمَا مَوْرُوثٌ وَقَوْلُ فَاطِمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرِثُكَ وَمَا لِيَ لَا أَرِثُ أَبِي مُوَافِقٌ لَهُ وَكَذَا قَوْلُهُ (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ) وَلِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ لَا حَاجَةَ إِلَى الْقَوْلِ بِالْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ.
وَأَمَّا مَا حُكِيَ فِي تَفْسِيرِ يَرِثُنِي وَيَرِثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ يَرِثُ مَالِي.
فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ لَا نُورَثُ خَاصٌّ بِنَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ لِقَوْلِهِ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ
لَا نُورَثُ، فَالْمُرَادُ بِالْإِرْثِ الثَّابِتِ وِرَاثَةُ النُّبُوَّةِ وَالْعِلْمِ وَبِالنَّفْيِ إِرْثُ الْمَالِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ يَرِثُنِي الْمَالُ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بِأَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ أَخْذُ الْمَالِ فِي الْحَيَاةِ كَمَا ارْتُكِبَ الْمَجَازُ فِي حَدِيثِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا يُوَرِّثُونَ الْعِلْمَ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْعِلْمِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ الْمَمَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالَاتِ، وَحَاصِلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّا لَا نُورَثُ وَأَنَّ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَامَّةٌ لَا يَخْتَصُّ بِالْوَرَثَةِ (وَلَكِنِّي أَعُولُ) أَيْ: أُنْفِقُ (عَلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُولُهُ وَأُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُنْفِقُ عَلَيْهِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ كَمَا قَالَهُ الْحَنَفِيُّ لِمَا فِي الصِّحَاحِ عَالَ الرَّجُلُ عِيَالَهُ يَعُولُهُمْ قَاتَهُمْ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَخُصَّ قَوْلَهُ أَعُولُ بِأَهْلِ دَاخِلِ بَيْتِهِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ لَفْظُ الْعِيَالِ وَيُرَادُ بِقَوْلِهِ أُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَيْتِهِ فَانْدَفَعَ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ أَرَادَ دُخُولَ فَاطِمَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ أَوْلَادِهِ صلى الله عليه وسلم وَأَحَبُّهُنَّ إِلَيْهِ انْتَهَى.، وَفِيهِ نَظَرٌ وَاضِحٌ إِذِ الْمَدَارُ هُنَا لَيْسَ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ بَلْ عَلَى أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ صلى الله عليه وسلم يُنْفِقُهُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ نَفَقَةَ فَاطِمَةَ إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى عَلِيٍّ رضي الله عنهما لَا عَلَيْهِ عليه السلام انْتَهَى، وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْإِنْفَاقِ الْوَاجِبِ بَلْ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي عَدَمِ الْإِرْثِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنْ لَا يَتَمَنَّى بَعْضُ الْوَرَثَةِ مَوْتَهُ فَيَهْلِكَ وَأَنْ لَا يُظَنَّ بِهِمْ أَنَّهُمْ رَاغِبُونَ فِي
الدُّنْيَا وَيَجْمَعُونَ الْمَالَ لِوَرَثَتِهِمْ وَأَنْ لَا يَرْغَبَ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا وَجَمْعِهَا بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا كَذَلِكَ وَلِئَلَّا يَتَوَهَّمُوا أَنَّ فَقْرَ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَكُنِ اخْتِيَارِيًّا، وَأَمَّا مَا قِيلَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا مِلْكَ لَهُمْ فَضَعِيفٌ، هُوَ بِإِشَارَاتِ الْقَوْمِ أَشْبَهُ، وَلِذَا قِيلَ الصُّوفِيُّ لَا يَمْلِكُ، وَلَا يَمْلِكُ هَذَا وَكَأَنَّ فَاطِمَةَ رضي الله عنها اعْتَقَدَتْ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ لَا نُورَثُ وَرَأَتْ أَنَّ مَنَافِعَ مَا خَلَّفَهُ مِنْ أَرْضٍ وَغَيْرِهَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يُورَثَ عَنْهُ كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ كَلَامِهَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ بَلْ أَرَادَتْ أَنَّ حُكْمَ الْأَنْبِيَاءِ كَحُكْمِ غَيْرِهِمْ فِي عُمُومِ الْإِرْثِ لِإِطْلَاقِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فَأَجَابَ الصِّدِّيقُ بِأَنَّ حُكْمَ الْأَنْبِيَاءِ خُصَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ مَقْطُوعٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصِّدِّيقِ وَكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ فَهُوَ مَشْهُورٌ يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ الْكِتَابُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَسَيَأْتِي أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَةِ، وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا مِنْ جُمْلَةِ الْآحَادِ الْمُفِيدَةِ لِلظَّنِّ وَأَيْضًا قَرَّرَ الصِّدِّيقُ رُجُوعَ الْمَنَافِعِ الْحَاصِلَةِ مِنَ الْمُخَلَّفَاتِ إِلَى وَرَثَتِهِ لَكِنْ لَا بِطَرِيقِ التَّمْلِيكِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ بَعْدَ مَمَاتِهِ عَلَى مَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَيَاتِهِ فَالِاسْتِدْرَاكُ لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ النَّاشِئِ مِنَ النَّفْيِ الْمُطْلَقِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لَا نُورَثُ أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَهَلْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُخَلَّفَاتِ أَمْ لَا، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ التَّحْقِيقِ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيُّ أَبُو غَسَّانَ) بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ مُهْمَلَةٍ مَمْنُوعًا (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بِضَمِّ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ (عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى مَا فِي بَعْضِ الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمُغْنِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ عِمْرَانَ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ ابْنُ فَيْرُوزَ عَلَى مَا فِي الْمُغْنِي، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَنْسُوبٍ إِلَى الْبَحْتَرِ، وَهُوَ حُسْنُ الْمَشْيِ وَقَعَ سَهْوًا مَعَ أَنَّ ضَبْطَهُ مُنَاقِضٌ لِآخِرِ كَلَامِهِ فَإِنَّ الْبَخْتَرَةَ وَالتَّبَخْتُرَ بِالْمُعْجَمَةِ مِشْيَةٌ حَسَنَةٌ وَالْبَخْتَرِيُّ الْمُخْتَالُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (أَنَّ الْعَبَّاسَ وَعَلِيًّا جَاءَا إِلَى عُمَرَ) أَيْ: أَيَّامَ خِلَافَتِهِ (يَخْتَصِمَانِ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْتَ كَذَا أَنْتَ كَذَا) أَيْ: أَنْتَ لَا تَسْتَحِقُّ الْوِلَايَةَ عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ أَوْ أَنَا أَوْلَى مِنْكَ بِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ وَأَخْطَأَ شَارِحٌ فِي حَمْلِ كَلَامِهِمَا عَلَى السَّبِّ وَالشَّتْمِ (فَقَالَ عُمَرُ لِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدٍ) أَيْ: مِمَّنْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ (نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ) يُقَالُ: نَشَدْتُ فُلَانًا أَنْشُدُهُ نَشْدًا إِذَا قُلْتَ لَهُ نَشَدْتُكَ اللَّهَ أَيْ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ كَأَنَّكَ ذَكَّرْتَهُ إِيَّاهُ فَنَشَدَ أَيْ: تَذَكَّرَ - كَذَا فِي الصِّحَاحِ -، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: يُقَالُ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ وَبِاللَّهِ أَيْ: سَأَلْتُكَ وَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ وَتَعْدِيَتُهُ إِلَى الْمَفْعُولَيْنِ إِمَّا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ دَعَوْتُ كَمَا يُقَالُ: دَعَوْتُ زَيْدًا وَبِزَيْدٍ أَوْ لِأَنَّهُمْ ضَمَّنُوهُ مَعْنَى ذَكَرْتُ، وَقِيلَ الْمَعْنَى سَأَلْتُكُمْ بِاللَّهِ رَافِعًا نَشِيدَتِي أَيْ: صَوْتِي (أَسَمِعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ كُلُّ مَالِ نَبِيٍّ صَدَقَةٌ) أَيْ: وَقْفٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَامَّةً (إِلَّا مَا أَطْعَمَهُ) أَيِ: اللَّهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ أَوِ النَّبِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ أَيْ: أَنَا لِكَوْنِي الْمُتَصَرِّفَ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ (إِنَّا لَا نُورَثُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّعْلِيلِ، وَقَدْ أَفَادَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا أُطْعِمُهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ عَلَى الْمُضَارِعِ الْمُتَكَلِّمِ فَعَلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ وَالصَّوَابُ أَطْعَمَهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْعَيْنِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَيُبَيِّنُهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ كُلُّ مَالِ نَبِيٍّ صَدَقَةٌ إِلَّا مَا أَطْعَمَهُ أَهْلَهُ وَكَسَاهُمْ إِنَّا لَا نُورَثُ انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَالَ كُلِّ نَبِيٍّ صَدَقَةٌ فِي حَالِ حَيَاتِهِ أَيْضًا إِلَّا مَا أَطْعَمَهُ أَهْلَهُ وَكَسَاهُمْ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّ مَعْنَاهُ إِلَّا مَا نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ كَعَامِلِهِ وَزَوْجَاتِهِ فَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَعْدَ وَفَاتِهِ (
وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ) أَيْ: طَوِيلَةٌ لَيْسَ هَذَا مَحَلُّ بَسْطِهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا جَوَابُهُمْ لِعُمَرَ بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ ذَكَرَ مِيرَكُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَجُلٍ فَأَعْجَبَنِي فَقُلْتُ لَهُ: اكْتُبْ لِي، فَأَتَى بِهِ مَكْتُوبًا مُزَبَّرًا: دَخَلَ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ عَلَى عُمَرَ وَعِنْدَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٌ وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فَقَالَ عُمَرُ لِطَلْحَةَ
وَالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٍ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: كُلُّ مَالِ نَبِيٍّ صَدَقَةٌ إِلَّا مَا أَطْعَمَهُ أَهْلَهُ وَكَسَاهُمْ إِنَّا لَا نُورَثُ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى أَهْلِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ سَنَتَيْنِ فَكَانَ يَصْنَعُ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ.
، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ أَيْضًا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: كَانَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ أَنْ قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثُ صَفَايَا بَنُو النَّضِيرِ وَخَيْبَرُ وَفَدَكٌ، فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ، وَأَمَّا فَدَكٌ فَكَانَتْ حَبْسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ جُزْأَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَجُزْءًا نَفَقَةً فَمَا فَضَلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَلَعَلَّ تَنْكِيرَ نَبِيٍّ أَشَارَ إِلَيْهِ وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: كُلُّ هُنَا إِنَّمَا يُفِيدُ الْعُمُومَ فِي أَفْرَادِ مَالِ النَّبِيِّ الْوَاحِدِ لَا فِي أَفْرَادِ الْأَنْبِيَاءِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى الصَّحِيحَةَ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ، يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ الْعُمُومُ فِي الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا نُورَثُ) أَيْ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ (مَا تَرَكْنَا) مَا مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ: كُلُّ مَا تَرَكْنَاهُ (فَهُوَ صَدَقَةٌ) فَهُوَ خَبَرُ مَا وَالْفَاءُ لِتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَا نُورَثُ فَقِيلَ مَا يُفْعَلُ بِتَرِكَتِكُمْ فَأُجِيبَ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَهُوَ صَدَقَةٌ خَبَرُ مَا، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ فَوَهْمٌ فَإِنَّ الْجُمْلَةَ هِيَ الْجَوَابُ لَا مُجَرَّدُ الْخَبَرِ فَتَدَبَّرْ يَظْهَرْ لَكَ الصَّوَابُ.
وَحَاصِلُ الْحَدِيثِ مَا مِيرَاثُنَا إِلَّا وَاقِعٌ وَمُنْحَصِرٌ فِي صَرْفِ أَحْوَالِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ النَّبِيَّ لَا يُورَثُ إِنَّمَا مِيرَاثُهُ فِي فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَسَاكِينِ كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَانْتِقَالِ ذَاتِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، قَالَ الْمَالِكِيُّ: مَا فِي تَرَكْنَا مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وَتَرَكْنَا صِلَتُهُ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ وَصَدَقَةٌ خَبَرٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَلَى رَفْعِ صَدَقَةٍ اتِّفَاقًا وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ فَبَطَلَ قَوْلُ الشِّيعَةِ أَنَّ مَا نَافِيَةٌ وَصَدَقَةً مَفْعُولُ تَرَكْنَا فَإِنَّهُ زُورٌ وَبُهْتَانٌ وَمُنَاقَضَةٌ لِصَدْرِ الْكَلَامِ عِيَانٌ، فَلَوْ صَحَّتْ رِوَايَةُ النَّصْبِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى مَعْنًى يُطَابِقُ الرِّوَايَاتِ الصَّرِيحَةَ وَيُوَافِقُ الْمَعَانِيَ الصَّحِيحَةَ بِأَنْ يُقَالَ هِيَ مَفْعُولٌ لِلْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ أَيِ: الَّذِي تَرَكْنَاهُ مَبْذُولٌ صَدَقَةً، وَنَظِيرُهُ مَا جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) بِالنَّصْبِ فِي قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا يَقْسِمُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَوْقِيَّةِ مَرْفُوعًا، وَفِي نُسْخَةٍ مَجْزُومًا
، وَفِي أُخْرَى لَا يَقْتَسِمُ مِنَ الِافْتِعَالِ بِالْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ وَمَآلُ الْكُلِّ إِلَى وَاحِدٍ وَالنَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ (وَرَثَتِي) أَيْ: مَنْ هُمُ الْوَرَثَةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ بِالْقُوَّةِ لَكِنْ مَنَعَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ (دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا) وَالتَّقْيِيدُ بِهِمَا بِنَاءً عَلَى الْأَغْلَبِ
مِنَ الْمُخَلَّفَاتِ الْكَثِيرَةِ أَوْ لِأَنَّ مَرْجِعَ الْكُلِّ فِي الْقِسْمَةِ إِلَيْهِمَا أَوِ الْمَعْنَى مَا يُسَاوِي قِيمَةَ أَحَدِهِمَا، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِمَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَا فَوْقَهُمَا بِذَلِكَ أَوْلَى فَإِنَّهُ يَبْقَى مَفْهُومُ مَا دُونَهُمَا، وَهُوَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ (مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ) وَالْمَئُونَةُ الثِّقَلُ فَعُولَةٌ مِنْ مَأَنْتُ الْقَوْمَ أَيِ احْتَمَلْتُ مَئُونَتَهُمْ، وَفِي الصِّحَاحِ الْمَئُونَةُ تُهْمَزُ، وَلَا تُهْمَزُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ مَفْعُلَةٌ مِنَ الْأَيْنِ، وَهُوَ التَّعَبُ وَالشِّدَّةُ، وَقِيلَ هِيَ مَفْعُلَةٌ مِنَ الْأَوْنِ، وَهِيَ الْخُرْجُ وَالْعِدْلُ؛ لِأَنَّهَا تَثْقُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي فَقَالَ الطِّيبِيُّ خَبَرٌ وَلَيْسَ بِنَهْيٍ وَمَعْنَاهُ لَيْسَ يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي بَعْدَ مَوْتِي دِينَارًا أَيْ: لَسْتُ أُخَلِّفُ بَعْدِي دِينَارًا أَمْلِكُهُ فَيَقْتَسِمُونَ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى النَّهْيِ فَهُوَ عَلَى مِنْوَالِ قَوْلِهِ:
عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ
أَيْ لَا دِينَارَ هُنَاكَ يُقْتَسَمُ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ النَّهْيَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا يَنْهَى عَمَّا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ وَإِرْثُهُ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ وَمَعْنَاهُ لَا يَقْتَسِمُونَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لِي وَلَيْسَ مَعْنَى نَفَقَةِ نِسَائِي إِرْثَهُنَّ مِنْهُ بَلْ لِكَوْنِهِنَّ مَحْبُوسَاتٍ عَنِ الْأَزْوَاجِ بِسَبَبِهِ فَهُنَّ فِي حُكْمِ الْمُعْتَدَّاتِ مَا دَامَ حَيَاتَهُنَّ أَوْ لِعِظَمِ حُقُوقِهِنَّ وَقِدَمِ هِجْرَتِهِنَّ وَكَوْنِهِنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِذَلِكَ اخْتَصَصْنَ بِمَسَاكِنِهِنَّ وَلَمْ يَرِثْهَا وَرَثَتُهُنَّ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَا يَقْتَسِمْ بِإِسْكَانِ الْمِيمِ عَلَى النَّهْيِ وَبِضَمِّهَا عَلَى النَّفْيِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَبِهِ يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى حَتَّى لَا يُعَارِضَ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَتْرُكْ مَالًا يُورَثُ عَنْهُ وَتَوْجِيهُ رِوَايَةِ النَّهْيِ أَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ لَا يُخَلِّفُ شَيْئًا بَلْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا فَنَهَاهُمْ عَنْ قِسْمَةِ مَا يُخَلِّفُ إِنِ اتَّفَقَ انْتَهَى، وَقِيلَ لَا عِدَّةَ عَلَى أَزْوَاجِهِ صلى الله عليه وسلم؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم حَيٌّ فِي قَبْرِهِ وَكَذَا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّاتِ إِذْ كُنَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْكَحْنَ أَبَدًا فَجَرَتْ لَهُنَّ النَّفَقَةُ وَأَرَادَ بِالْعَامِلِ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْخُذُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ مِنَ الصَّفَايَا الَّتِي كَانَتْ لَهُ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ وَفَدَكٍ وَيَصْرِفُ الْبَاقِيَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ وَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ كَذَلِكَ فَلَمَّا صَارَتْ إِلَى عُثْمَانَ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِمَالِهِ فَأَقْطَعَهَا مَرْوَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَقَارِبِهِ فَلَمْ تَزَلْ فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى رَدَّهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ عَامِلِي فَقِيلَ الْخِلَافَةُ بَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْعَامِلَ عَلَى النَّخْلِ وَالْقَيِّمَ عَلَى الْأَرْضِ وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ بَطَّالٍ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِعَامِلِهِ حَافِرُ قَبْرِهِ عليه السلام، وَقَالَ ابْنُ دِحْيَةَ فِي الْخَصَائِصِ: الْمُرَادُ بِعَامِلِهِ خَادِمُهُ الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَقِيلَ الْعَامِلُ فِيهَا كَالْأَجِيرِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أُجْرَةِ الْقَسَّامِ انْتَهَى، وَقِيلَ كُلُّ عَامِلٍ لِلْمُسْلِمِينَ إِذْ هُوَ عَامِلٌ
لَهُ وَنَائِبٌ فِي أُمَّتِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا بَلْ وَلَا يُتَصَوَّرُ فَتَدَبَّرْ.
(حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْأُولَى (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) بِفَتْحَتَيْنِ (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةُ وَسَعْدٌ وَجَاءَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَخْتَصِمَانِ فَقَالَ لَهُمْ) أَيْ: لِلثَّلَاثَةِ (عُمَرُ أَنْشُدُكُمْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: أَسْأَلُكُمْ أَوْ أُقْسِمُ عَلَيْكُمْ (
بِالَّذِي بِإِذْنِهِ) أَيْ: بِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ، وَقَدَرِهِ (تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) أَيْ: تَثْبُتُ، وَلَا تَزُولُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ: تَدُومُ (أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) بِالرَّفْعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَبِهِ قَرَأَ الْكِسَائِيُّ، وَهُوَ جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: نَعَمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ كَذَا، وَتَصْدِيرُهُ بِاللَّهُمَّ إِمَّا لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ أَوْ لِلِاحْتِيَاطِ وَالتَّحَرُّزِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْغَلَطِ وَالْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمِيمَ فِيهِ بَدَلٌ عَنْ حَرْفِ النِّدَاءِ أَوِ الْمَقْصُودُ مِنَ النِّدَاءِ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ التَّضَرُّعُ وَالتَّذَلُّلُ لَا حَقِيقَةَ النِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ حَتَّى يُنَادَى، وَلَا بِغَائِبٍ حُضُورُهُ يُرْتَجَى
بَلْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَبِيدِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ) بَسَطَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَقَدْ أَتَيْنَا بِبَعْضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي الْمِرْقَاةِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ) عَلَى زِنَةِ فَعْلَلَةَ وَعَاصِمٌ هُوَ الْإِمَامُ الْمُقْرِئُ الْمَشْهُورُ الَّذِي رَاوِيَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَحَفْصٌ (عَنْ زِرٍّ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (ابْنِ حُبَيْشٍ) تَصْغِيرُ حَبَشٍ (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلّى