المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب ما جاء في أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم - جمع الوسائل في شرح الشمائل - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعَطُّرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابٌ كَيْفَ كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَحِكِ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مُزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الشِّعْرِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّمْرِ)

- ‌(بَابٌ فِي صِفَةِ نَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى)

- ‌(بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي بُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَوَاضُعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌بَابُ مَا جَاءَ فِي خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حَيَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حِجَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي سِنِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ)

الفصل: ‌(باب ما جاء في أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم

اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الْحَجَّامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبُكَيْرِيِّ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْقَمَحْدُوَةِ فَقَالَ يَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ لِمَ احْتَجَمْتَ وَسَطَ رَأْسِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا ابْنَ حَابِسٍ إِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ وَجَعِ الرَّأْسِ وَالْأَضْرَاسِ وَالنُّعَاسِ وَالْبَرَصِ) وَأَشُكُّ فِي الْجُنُونِ، لَيْثٌ شَكَّ، وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا لَكِنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَالَ الْأَطِبَّاءُ إِنَّ الْحِجَامَةَ فِي وَسَطِ الرَّأْسِ نَافِعَةٌ جِدًّا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم فَعَلَهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم

-)

الْمُرَادُ بِالْأَسْمَاءِ هُنَا أَلْفَاظٌ تُطْلَقُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ عَلَمًا أَوْ وَصْفًا، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِهِ الْأَحْوَذِيِّ فِي شَرْحِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ لِلَّهِ أَلْفَ اسْمٍ وَلِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَلْفَ اسْمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ بِضْعًا وَسِتِّينَ وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ مِنْهَا تِسْعَةً، وَقَدْ أَفْرَدَ السُّيُوطِيُّ رِسَالَةً فِي الْأَسْمَاءِ النَّبَوِيَّةِ سَمَّاهَا بِالْبَهْجَةِ السَّنِيَّةِ، وَقَدْ قَارَبَتِ الْخَمْسَمِائَةٍ وَلَخَّصْتُ مِنْهَا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا عَلَى طِبْقِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، وَذَكَرْتُهَا فِي ذَيْلِ شَرْحِ الصَّلَوَاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْمُسَمَّى بِالصَّلَاةِ الْعُلْوِيَّةِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَسْمَاءِ تَدُلُّ عَلَى شَرَفِ الْمُسَمَّى (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ: وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا (قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: جُبَيْرٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ لِي أَسْمَاءً) هَذَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ إنَّ لِي خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ أَيْ: أَخْتَصُّ بِهَا لَمْ يُسَمَّ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي إِذْ هِيَ مُعْظَمُهَا أَوْ هِيَ مَشْهُورُهَا فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فَالْحَصْرُ الَّذِي أَفَادَهُ تَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ إِضَافِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ لِوُرُودِ الرِّوَايَاتِ بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا مَا يَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَفِي رِوَايَةٍ سِتَّةً وَزَادَ الْحَاتِمُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِي: فِي الْقُرْآنِ سَبْعَةُ أَسْمَاءٍ: مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَيس وَطه وَالْمُزَّمِّلُ وَالْمُدَّثِّرُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْعَدَدَ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الرَّاوِي بِالْمَعْنَى قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ لِتَصْرِيحِهِ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ (إِنَّ لِي خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِي هَذَا الْكَلَامِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ قُلْتُ: لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْمُصَادَرَةِ (أَنَا مُحَمَّدٌ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ التَّحْمِيدِ مُبَالَغَةً نُقِلَ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ يُسَمَّى بِهِ لِكَثْرَةِ خِصَالِهِ الْمَحْمُودَةِ أَوْ لِأَنَّهُ حُمِدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَمِدَهُ حَمْدًا كَثِيرًا بَالِغًا غَايَةَ الْكَمَالِ وَكَذَا الْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ أَوْ تَفَاؤُلًا؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ حَمْدُهُ كَمَا وَقَعَ أَوْ لِأَنَّهُ يَحْمَدُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَهُمْ تَحْتَ لِوَاءِ حَمْدِهِ فَأَلْهَمَ اللَّهُ أَهْلَهُ أَنْ يُسَمُّوهُ بِهَذَا الِاسْمِ لِمَا عَلِمَ مِنْ حَمِيدِ صِفَاتِهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ تَنْزِيلٌ مِنَ السَّمَاءِ (وَأَنَا أَحْمَدُ) أَيْ: أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ أَوْ أَحْمَدُ الْمَحْمُودِينَ فَهُوَ أَفْعَلُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ كَـ «أَعْلَمُ» أَوْ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَـ «أَشْهَرُ» ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ فِي أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ أَكْثَرُهُ

، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْسَبُ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الشِّفَاءِ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَعْنَاهُ

ص: 181

أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ لِرَبِّهِ؛ لِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: يَفْتَحُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَحَامِدَ لَمْ يَفْتَحْ بِهَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ قَبْلِهِ فَيَحْمَدُ رَبَّهُ بِهَا وَلِذَلِكَ يُعْقَدُ لَهُ لِوَاءُ الْحَمْدِ وَيُخَصُّ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ كَمَا اخْتُصَّ بِسُورَةِ الْحَمْدِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدًا حَتَّى كَانَ أَحْمَدَ حَامِدٍ رَبَّهُ فَنَبَّأَهُ وَشَرَّفَهُ وَلِذَلِكَ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِ مُوسَى اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ أَحْمَدَ وَقَوْلِ عِيسَى (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) ؛ لِأَنَّ حَمْدَهُ لِرَبِّهِ كَانَ قَبْلَ حَمْدِ النَّاسِ لَهُ فَلَمَّا بُعِثَ كَانَ مُحَمَّدًا ذُكِرَ بِالْفِعْلِ فَبِأَحْمَدَ ذُكِرَ قَبْلَ أَنْ يُذْكَرَ بِمُحَمَّدٍ وَلِذَلِكَ فِي الشَّفَاعَةِ يَحْمَدُ رَبَّهُ أَوَّلًا بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ الَّتِي لَمْ يَفْتَحْ بِهَا عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ فَيَكُونُ أَحْمَدَ الْحَامِدِينَ لِرَبِّهِ، ثُمَّ يُشَفَّعُ فَيَشْفَعُ فَيُحْمَدُ عَلَى شَفَاعَتِهِ فَيَكُونُ أَحْمَدَ الْمَحْمُودِينَ فَتَقَدَّمَ أَحْمَدُ ذِكْرًا وَوُجُودًا وَدُنْيَا وَأُخْرَى انْتَهَى.

هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْحَمَّادِ خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فَإِنَّهُ مُبَالِغُ الْحَامِدِ فَأَيْنَ هُوَ مِنَ الْأَحْمَدِ الْمُطْلَقِ مَعَ أَنَّ صِيغَةَ الْفِعَالِ قَدْ تَأْتِي لِغَيْرِ الْمُبَالَغَةِ كَمَا لَا يَخْفَى بَلْ مِنْ صِفَةِ أُمَّتِهِ الْحَمَّادُونَ عَلَى مَا وَرَدَ، وَلَعَلَّهُ قَدَّمَ مُحَمَّدًا فِي الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ أَشْهَرَ مِنْ أَحْمَدَ وَأَظْهَرَ بَلْ وَرَدَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ سُمِّيَ بِهَذَا الِاسْمِ قَبْلَ الْخَلْقِ بِأَلْفَيْ عَامٍ وَوَرَدَ عَنْ كَعْبٍ أَنَّ اسْمَ مُحَمَّدٍ مَكْتُوبٌ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ، وَفِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَفِي قُصُورِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا وَعَلَى نُحُورِ الْحُورِ الْعِينِ وَعَلَى قَصَبِ آجَامِ الْجَنَّةِ وَوَرَقِ طُوبَى وَسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَعَلَى أَطْرَافِ الْحُجُبِ وَبَيْنَ أَعْيُنِ الْمَلَائِكَةِ، وَمِنْ مَزَايَاهُ مُوَافَقَتُهُ لِمَحْمُودٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى قَالَ حَسَّانُ

(وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ

فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ)

فَفِي الْجَنَّةِ لِلِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ مَزِيَّةٌ تَامَّةٌ عَلَى سَائِرِ أَسْمَائِهِ صلى الله عليه وسلم فَيَنْبَغِي تَحَرِّي التَّسْمِيَةِ بِهَا فَفِي خَبَرِ أَبِي نُعَيْمٍ: قَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا عَذَّبْتُ أَحَدًا يُسَمَّى بِاسْمِكَ فِي النَّارِ.

وَوَرَدَ: إِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنِ اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَلَا مُحَمَّدٌ، وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ: مَا مِنْ مَائِدَةٍ وُضِعَتْ فَحَضَرَ عَلَيْهَا مَنِ اسْمُهُ أَحْمَدُ أَوْ مُحَمَّدٌ إِلَّا قَدَّسَ اللَّهُ ذَلِكَ الْمَنْزِلَ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ هَذَا.

وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَمِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ صِيَانَةً لِهَذَا الِاسْمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ يَحْيَى عليه السلام لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَرُبَ زَمَانُهُ وَبَشَّرَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِقُرْبِهِ سَمَّى قَوْمٌ أَوْلَادَهُمْ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ وَأَشْهَرُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ أَوْ سِتَّةٌ (وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ) إِمَّا مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ وَنَحْوِهَا مِمَّا وَعَدَ لَهُ أَنْ يَبْلُغَ مُلْكُ أُمَّتِهِ وَإِمَّا بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ بِالْحُجَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: تَخْصِيصُ مَحْوِ الْكُفْرِ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ وَحَمْزَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ (يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ) انْتَهَى.

وَغَرَابَتُهُ لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى الْعَهْدِ لَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِي الْوُجُودِ، وَقِيلَ إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَغْلَبِ أَوْ أَنَّهُ يُمْحَى بِهِ لَكِنْ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ يَضْمَحِلَّ فِي زَمَنِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْجِزْيَةَ، وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كُفْرَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مَوْجُودٌ حِينَئِذٍ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ وُجِدَ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا عَدَمُ الِاسْتِمْرَارِ فَأَمْرٌ آخَرُ بَلْ

فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى الْكَمَالِ تَعَقَّبَهُ الزَّوَالُ، وَلِذَا لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، وَفِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ.

قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَفِي رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ (وَأَنَا الْمَاحِي) فَإِنَّ اللَّهَ يَمْحُو بِهِ سَيِّئَاتِ مَنْ تَبِعَهُ، وَهَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي قُلْتُ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ قَالَ يَمْحُو بِهِ لَا يَمْحُو بِي إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يُقَالَ وَجْهُ التَّسْمِيَةِ قَدْ يَكُونُ مُتَعَدِّدًا، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ فَإِنْ قُلْتَ: الْمَاحِي وَنَحْوُهُ صِفَةٌ لَا اسْمٌ قُلْتُ يُطْلَقُ الِاسْمُ عَلَى الصِّفَةِ كَثِيرًا انْتَهَى.

وَكَانَ الظَّاهِرُ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَقُولَ الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ اعْتِبَارًا لِلْمَوْصُولِ إِلَّا أَنَّهُ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ لِلَفْظِ أَنَا كَقَوْلِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - (

أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ.

وَكَذَا الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ (وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي) حَيْثُ لَمْ يَقُلْ عَلَى قَدَمَيْهِ أَوْ عَلَى قَدَمِهِ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ أَوِ الْإِفْرَادِ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: بِكَسْرِ الْمِيمِ مُخَفَّفًا عَلَى الْإِفْرَادِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّثْنِيَةِ وَالْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ، ثُمَّ كُلٌّ مِنَ الْمَاحِي وَالْحَاشِرِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ مِمَّا ذُكِرَ فِي صِفَتِهِمَا فَإِطْلَاقُهُمَا عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لَهُمَا، ثُمَّ قَوْلُهُ يُحْشَرُ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم يُحْشَرُ قَبْلَ النَّاسِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ» ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ بَعْدِي أَوْ يَتْبَعُونِي، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ أَيْ: يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى إِثْرِ زَمَانِ نُبُوَّتِي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ.

فَالْمُرَادُ: بِالْقَدَمِ الزَّمَانُ أَيْ: وَقْتَ قِيَامِي بِظُهُورِ عَلَامَاتِ الْحَشْرِ وَيُرَجِّحُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ أَنَا حَاشِرٌ بُعِثْتُ مَعَ السَّاعَةِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فِي الْمَوَاهِبِ: الْحَدِيثُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَقَدْ رُوِيَ عَلَى قَدَمِي بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى الْإِفْرَادِ وَبِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّثْنِيَةِ قَالَ

ص: 182

النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مَعْنَى الرِّوَايَتَيْنِ يُحْشَرُونَ عَلَى أَثَرِي وَزَمَانِي وَرِسَالَتِي قُلْتُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ عَقِبِي بَدَلَ قَدَمِي عَلَى مَا نَقَلَهُ شَارِحٌ (وَأَنَا الْعَاقِبُ) وَهُوَ جَاءَ عَقِبَ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَفِي النِّهَايَةِ هُوَ الَّذِي يَخْلُفُ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ فِي الْخَيْرِ (وَالْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ) قِيلَ هَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُدْرَجٌ وَقَعَ لَكِنَّهُ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَيْ: فِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ) أَيِ: الْمُقْرِئُ تِلْمِيذُ الْإِمَامِ عَاصِمٍ (عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ) وَاسْمُهُ شَقِيقُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ كَمَا قَالَهُ مِيرَكُ (عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ لَقِيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ) أَيْ: سِكَكِهَا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَقْرُوءَةِ الْمُصَحَّحَةِ بِلَفْظِ طَرِيقٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ (فَقَالَ أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ أَيْ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ؛ لِأَنَّ مَا بُعِثْتُ بِهِ سَبَبُ سَعَادَتِهِمْ وَمُوجِبٌ لِصَلَاحِ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَقِيلَ كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْكُفَّارِ أَمْنُهُمْ بِهِ مِنَ الْخَسْفِ وَالْمَسْخِ وَعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، وَفِي

رِوَايَةٍ أَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ (وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ) قَالَ الْإِمَامُ: مَعَانِي الثَّلَاثَةِ مُتَقَارِبَةٌ إِذِ الْمَقْصُودُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم جَاءَ بِالتَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ وَأَمَرَ بِالتَّوْبَةِ وَبِالتَّرَاحُمِ وَنَصَّ عَلَيْهِمَا وَأَنَّ أُمَّتَهُ تَوَّابُونَ رُحَمَاءُ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ التَّائِبُونَ وَبِقَوْلِهِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ فِي أُمَّتِهِ تَكُونَانِ مَوْجُودَتَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ وَيَكْفِي هَذَا الْقَدْرُ فِي الِاخْتِصَاصِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وَصْفِ الشَّيْءِ بِشَيْءٍ نَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ حَيْثُ قَالَ أَوْ لِأَنَّهُ قَبِلَ مِنْ أُمَّتِهِ التَّوْبَةَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِغْفَارِ، زَادَ مِيرَكُ بِخِلَافِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ الْآيَةَ، وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَقَالَ عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم التَّوْبَةُ النَّصُوحُ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ حِينَ يَفْرُطُ مِنْكَ فَتَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، ثُمَّ لَا تَعُودُ إِلَيْهِ أَبَدًا، وَأَرْكَانُ التَّوْبَةِ عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ النَّدَمُ وَالْقَلْعُ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ، وَلَا أَحَدَ جَعَلَ الِاسْتِغْفَارَ اللِّسَانِيَّ شَرْطًا لِلتَّوْبَةِ نَعَمْ لِلتَّوْبَةِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَبِبَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ شُرُوطٌ لَيْسَ هَذَا مَحَلُّ بَسْطِهَا وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ بِشُرُوطِهَا الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْ جُمْلَةِ مَا خَفَّفَهُ اللَّهُ بِبَرَكَتِهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا أَيْضًا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ آدَمَ عليه السلام أَوَّلُ مَنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقِصَّةُ قَاتِلِ الْمِائَةِ وَتَوْبَتِهِ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ نَعَمْ شَدَّدَ عَلَى قَوْمِ مُوسَى حِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ فَجَعَلَ مِنْ شَرَائِطِ تَوْبَتِهِمْ قَتْلَ أَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ التَّوْبَةِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِأَقْوَالِ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ (وَأَنَا الْمُقَفِّي) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيِ: الَّذِي قَفَّى آثَارَ مَنْ سَبَقَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَتَبِعَ أَطْوَارَ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْأَصْفِيَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ وَمَكَارِمِ

ص: 183