الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَلَمْ يُخْطِأْ عَلَى صِيغَةِ الْمَعْلُومِ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى الْإِخْطَاءِ كَمَا مَرَّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، فَلَمْ يَخْطُ عَلَى صِيغَةِ الْمَعْلُومِ مِنَ الْخَطْوِ. وَالْخُطُوَاتُ: بِالضَّمِّ بُعْدُ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ فِي الْمَشْيِ، وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ، وَجَمْعُ الْخُطْوَةِ فِي الْكَثْرَةِ خُطًى، وَفِي الْقِلَّةِ خُطْوَاتٌ بِسُكُونِ الطَّاءِ، وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا، وَلَا بُدَّ هُنَا مِنَ اعْتِبَارِ التَّجَوُّزِ أَيْ: لَمْ تَتَجَاوَزْ هَذِهِ الرَّمْيَةُ مِنَ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ انْتَهَى. (وَانْقَلَبَ) أَيْ: سَقَطَ الرَّجُلُ عَلَى عَقِبِهِ (وَشَالَ بِرِجْلِهِ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: رَفَعَهَا يُقَالُ شَالَتِ النَّاقَةُ بِذَنَبِهَا، وَأَشَالَتْهُ أَيْ: رَفَعَتْهُ، وَفِي بَعْضِ نُسْخَةٍ، وَأَشَالَ فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، فَشَالَ بِالْفَاءِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَفِي بَعْضِهَا، وَأَشَادَ مِنَ الْإِشَادَةِ، وَيَقْرُبُ مَعْنَاهُ مِمَّا مَرَّ وَتَعَدَّى بِالْبَاءِ قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ لِمَا فِي الْقَامُوسِ مِنْ أَنَّ الْإِشَادَةَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالشَّيْءِ، وَتَعْرِيفُ الضَّالَّةِ، وَالْإِهْلَاكُ.
(فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) أَيْ: مِنْ قَتْلِ سَعْدٍ إِيَّاهُ، وَغَرَابَةِ إِصَابَةِ سَهْمِهِ لِعَدُوِّهِ، وَالِانْقِلَابِ النَّاشِئِ عَنْهُ مَعَ رَفْعِ الرِّجْلِ لَا مِنَ انْكِشَافِ عَوْرَتِهِ لِأَنَّ كَشْفَ عَوْرَةِ الْحَرْبِيِّ، وَالنَّظَرَ إِلَيْهِ قَصْدًا يَحْرُمُ.
(قُلْتُ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَقُلْتُ، وَالْقَائِلُ: هُوَ عَامِرٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَقَالَ مِيرَكُ: قَائِلُهُ مُحَمَّدٌ الرَّاوِي عَنْ عَامِرٍ. (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكَ) . أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (قَالَ) أَيْ: سَعْدٌ أَوْ عَامِرٌ. (مِنْ فِعْلِهِ) أَيْ: مِنْ فِعْلِ سَعْدٍ، وَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ الْتِفَاتٌ. (بِالرَّجُلِ) . قَالَ مِيرَكُ: أَيْ: ضَحِكَ مِنْ قَتْلِهِ عَدُوَّهُ لَا مِنَ الِانْكِشَافِ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ. انْتَهَى
وَفِيهِ أَنَّ مِنَ الْوَاضِحِ الْجَلِيِّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَضْحَكَ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ بَلْ إِنَّمَا ضَحِكَ فَرَحًا بِمَا فَعَلَهُ سَعْدٌ بِعَدُوِّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْقَتْلِ الْعَجِيبِ، وَالِانْقِلَابِ الْغَرِيبِ، وَسُرُورًا بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ إِطْفَاءِ نَارِ الْكُفْرِ، وَإِبْدَاءِ نُورِ الْإِيمَانِ، وَقُوَّةِ الْإِسْلَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَلِيقُ بِجَنَابِهِ عليه السلام عَلَى أَنَّ فِي نَفْسِ السُّؤَالِ، وَالْجَوَابِ إِشَارَةً عَلَى رَدِّ ذَلِكَ، فَكَأَنَّ السَّائِلَ تَرَدَّدَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ مِنْ كَشْفِ عَوْرَةِ الرَّجُلِ كَمَا يَتَبَادَرُ إِلَى فَهْمِ بَعْضِهِمْ أَوْ مِنْ فِعْلِ سَعْدٍ بِهِ، فَقَالَ: مِنْ فِعْلِهِ بِالرَّجُلِ أَيْ: قَتْلِهِ ; فَإِنَّ كَشْفَ عَوْرَتِهِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ سَعْدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مُزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
-)
بِضَمِّ الْمِيمِ، وَكَسْرِهَا، وَالْأَوَّلُ: أَظْهَرُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي النِّهَايَةِ الْمُزَاحُ: الدُّعَابَةُ، وَقَدْ مَزَحَ يَمْزَحُ، وَالِاسْمُ بِالضَّمِّ، وَأَمَّا الْمِزَاحُ بِكَسْرِ الْمِيمِ، فَهُوَ مَصْدَرُ مَازَحَهُ يُمَازِحُهُ، وَهُمَا يَتَمَازَحَانِ وَفِي الْقَامُوسِ: مَزَحَ كَمَنَعَ مُزَاحًا بِضَمٍّ انْتَهَى.
وَمَعْنَاهُ الِانْبِسَاطُ مَعَ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ
إِيذَاءٍ لَهُ، وَبِهِ فَارَقَ الْهُزْؤُ وَالسُّخْرِيَةُ، وَالضَّمُّ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا لَا الْكَسْرُ كَمَا قَالَ شَارِحٌ: لِأَنَّهُ مَصْدَرُ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ، وَهُوَ لِلْمُغَالَبَةِ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا تُمَارِ أَخَاكَ وَلَا تُمَازِحْهُ. عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، فَقَدْ رَوَاهُ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَجَازِيِّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذَا إِسْنَادٌ مُسْتَقِيمٌ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، فَقَدْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا، وَكَانَ عَالِمًا ذَا صَلَاةٍ وَصِيَامٍ قَالَ النَّوَوِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُزَاحَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي فِيهِ إِفْرَاطٌ، وَيُدَاوَمُ عَلَيْهِ ; فَإِنَّهُ يُورِثُ الضَّحِكَ، وَقَسْوَةَ الْقَلْبِ، وَيَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالْفِكْرِ فِي مُهِمَّاتِ الدِّينِ، وَيَئُولُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ عَلَى الْإِيذَاءِ، وَيُوجِبُ الْأَحْقَادَ، وَيُسْقِطُ الْمَهَابَةَ، وَالْوَقَارَ، فَأَمَّا مَا سَلِمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَهُوَ الْمُبَاحُ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ عَلَى النُّدْرَةِ لِمَصْلَحَةِ تَطْيِيبِ نَفْسِ الْمُخَاطَبِ، وَمُؤَانَسَتِهِ وَهُوَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، فَاعْلَمْ هَذَا ; فَإِنَّهُ مِمَّا يَعْظُمُ الِاحْتِيَاجُ إِلَيْهِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ) بِضَمِّ الذَّالِ، وَيُسَكَّنُ فِي النِّهَايَةِ مَعْنَاهُ الْحَضُّ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى حُسْنِ الِاسْتِمَاعِ لِمَا يُقَالُ لَهُ لِأَنَّ السَّمْعَ بِحَاسَّةِ الْأُذُنِ، وَمَنْ خَلَقَ اللَّهُ لَهُ الْأُذُنَيْنِ فَغَفَلَ وَلَمْ يُحْسِنِ الْوَعْيَ، لَمْ يُعْذَرْ وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ جُمْلَةِ مُدَاعَبَاتِهِ صلى الله عليه وسلم وَلَطِيفِ أَخْلَاقِهِ انْتَهَى. وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ أَنَسًا كَانَ صَغِيرًا عُمُرُهُ عَشْرَ سِنِينَ خَادِمًا لِحَضْرَتِهِ، وَاقِفًا فِي خِدْمَتِهِ، فَمُزَاحُهُ مَعَهُ لِكَوْنِهِ صَغِيرًا.
وَمِمَّا وَقَعَ مِنْ مُزَاحِهِ مَعَ الصِّغَارِ أَنَّهُ مَجَّ مَجَّةً فِي وَجْهِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَةِ سِنِينَ يُمَازِحُهُ، فَكَانَ فِيهِ مِنَ الْبَرَكَةِ إِنَّهُ لَمَّا كَبُرَ لَمْ يَبْقَ فِي ذِهْنِهِ مِنَ الرِّوَايَةِ غَيْرُهَا، فَعُدَّ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَرُوَاتِهِمْ، وَجُعِلَ عُمُرُهُ أَقَلَّ زَمَانِ التَّحَمُّلِ.
وَأَنَّهُ نَضَحَ الْمَاءَ فِي وَجْهِ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَلَمْ يَزَلْ رَوْنَقُ الشَّبَابِ فِي وَجْهِهَا، وَهِيَ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُونَ، وَأَوْرَدُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَقِيلَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى كَمَالِ انْقِيَادِهِ، وَحُسْنِ خِدْمَتِهِ (قَالَ مَحْمُودٌ) : أَيْ: شَيْخُ الْمُصَنِّفِ، وَقَالَ شَارِحٌ: فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَبُو عِيسَى بَدَلَ مَحْمُودٍ (قَالَ أَبُو أُسَامَةَ) أَيْ: شَيْخُ شَيْخِهِ (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ لَهُ يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ (يُمَازِحُهُ) أَيْ: مُزَاحُهُ مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ الْفِعْلِ، وَإِرَادَةِ الْمَصْدَرِ مِنْ مَجَازِ إِطْلَاقِ الْكُلِّ، وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) ، وَخُلَاصَةُ مَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ الرَّاوِيَ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الْمُدَاعَبَةِ، ثُمَّ وَجْهُ الْمُزَاحِ أَنَّهُ سَمَّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ مِمَّا قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ الرَّاوِي حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الْمُدَاعَبَةِ، ثُمَّ وَجْهُ الْمُزَاحِ أَنَّهُ سَمَّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ مِمَّا قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ
الْحَوَاسِّ إِلَّا الْأُذُنَانِ أَوْ كَمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِمَا لَا غَيْرُ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِ أُذُنَيْهِ طَوِيلَتَيْنِ أَوْ قَصِيرَتَيْنِ أَوْ مَعْيُوبَتَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا هَنَّادٌ) وَفِي نُسْخَةٍ ابْنُ السَّرِيِّ وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بِالتَّشْدِيدِ قِيلَ، وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَنْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) أَنْ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ أَيْ: أَنَّهُ كَانَ وَلِذَا دَخَلَ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ (لَيُخَالِطُنَا) وَفِي نُسْخَةٍ لَيُخَاطِبُنَا (حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ (مَا فَعَلَ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَيُحْتَمَلُ الْمَفْعُولُ (النُّغَيْرُ) بِضَمِّ نُونٍ فَفَتْحِ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، تَصْغِيرُ النُّغْرِ جَمْعُ نُغَرَةٍ كَهُمَزَةٍ وَهُوَ طَائِرٌ يُشْبِهُ الْعُصْفُورَ أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ، وَقِيلَ هُوَ فَرْخُ الْعُصْفُورِ، وَقِيلَ هُوَ الْعُصْفُورُ صَغِيرُ الْمِنْقَارِ أَحْمَرُ الرَّأْسِ، وَقِيلَ أَهْلُ
الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَهُ الْبُلْبُلَ، فِي جَامِعِ الْأُصُولِ أَبُو عُمَيْرٍ اسْمُهُ كَبْشَةُ أَخو أَنَسٍ لِأُمِّهِ وَأَبُو طَلْحَةَ بْنُ زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ. انْتَهَى وَقَدْ مَاتَ نُغَيْرُهُ الَّذِي كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، فَمَازَحَهُ صلى الله عليه وسلم مُمَازَحَةً.
فِيهِ مُمَازَحَةُ الصَّغِيرِ لِتَسْلِيَتِهِ، وَتَطْيِيبِ خَاطِرِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيفَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّعَلُّقُ بِالْفَانِي كَمَا حُكِيَ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ مَعْشُوقُهُ وَكَانَ يَبْكِي فَقَالَ لَهُ عَارِفٌ: لِمَ لَمْ تُحِبَّ الْحَيَّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَلُطْفُهُ لَا يَفُوتُ؟ .
هَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: حَتَّى غَايَةٌ لِقَوْلِهِ يُخَالِطُنَا، وَضَمِيرُ الْجَمْعِ لِأَنَسٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَيِ: انْتَهَى مُخَالَطَتُهُ بِأَهْلِنَا كُلِّهِمْ حَتَّى الصَّبِيِّ، وَحَتَّى الْمُدَاعَبَةِ مَعَهُ، وَحَتَّى السُّؤَالِ عَنْ فِعْلِ نُغَيْرِهِ وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْفِعْلُ التَّأْثِيرُ مِنْ جِهَةِ الْمُؤَثِّرِ وَالْعَمَلُ كُلُّ فِعْلٍ يَصْدُرُ مِنَ الْحَيَوَانِ بِقَصْدٍ وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْفِعْلِ لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يُنْسَبُ إِلَى الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يَقَعُ مِنْهَا فِعْلٌ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى الْجَمَادَاتِ، وَالْمَعْنَى مَا حَالُهُ، وَشَأْنُهُ (قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ) أَيِ: الْمَسَائِلُ الْفِقْهِيَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْزَحُ وَفِيهِ) أَيْ: فِي الْحَدِيثِ (أَنَّهُ كَنَّى غُلَامًا صَغِيرًا) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّخْفِيفِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مَفْعُولُهُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ بِالْبَاءِ، وَدُونَهَا، وَعَلَى الثَّانِي، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْبَاءِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْكُنْيَةُ وَاحِدَةُ الْكُنَى وَاكْتَنَى فُلَانٌ هَكَذَا وَفُلَانٌ يُكَنَّى بِأَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَكُنْيَتُهُ أَبَا زَيْدٍ وَبِأَبِي زَيْدٍ نُكَنِّيهِ (فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ) .
وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ تَكْنِيَةٍ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنْ يَكُونَ مَكْنِيًّا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ فَكَنَّاهُ بِكُنْيَةٍ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنْ يَكُونَ مَكْنِيًّا مِنْ أَوَّلُ فَكَنَّاهُ بِكُنْيَةٍ، وَعَدَلَ عَنِ اسْمِهِ إِلَى كُنْيَتِهِ مُرَاعَاةً لِلسَّجْعِ فِي الْكَلَامِ.
وَالنَّهْيُ عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا فِيهِ تَكَلُّفٌ، وَتَكْلِيفٌ لِلطَّبْعِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ السَّجْعِ فِي الْكَلَامِ: وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالسَّجْعِ حِينَ الْمُزَاحِ، وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ كَلِمَاتِهِ الْمُسَجَّعَةِ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَدَعْوَةٍ لَا تُسْمَعُ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ.
ثُمَّ خُلَاصَةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي فِقْهِ الْحَدِيثِ هُنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّكَنِّي لَا يَدْخُلُ فِي بَابِ الْكَذِبِ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ التَّكْنِيَةِ التَّعْظِيمُ، وَالتَّفَاؤُلُ لَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ مِنْ إِثْبَاتِ أُبُوَّةٍ، وَبُنُوَّةٍ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ عُمَيْرٌ مُصَغَّرُ الْعُمُرِ لِلْإِشَارَةِ عَلَى أَنَّهُ يَعِيشُ قَلِيلًا، وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْأَخْذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَكْنِيَةُ الصَّغِيرِ بِأَبِي فُلَانٍ، وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ الْإِيلَادُ وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ أَبِي الْفَضْلِ كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ عُمَيْرًا مُصَغَّرُ عُمُرٍ لَا أَنَّهُ اسْمُ
شَخْصٍ آخَرَ انْتَهَى. مُلَخَّصًا وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ أَيْنَ لَهُ الْجَزْمُ بِأَنَّ عُمَيْرًا تَصْغِيرُ عُمُرٍ، وَلَيْسَ بِعَلَمٍ مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ عَلَمٌ مُتَعَارَفٌ، وَحِينَئِذٍ صَحَّ الْأَخْذُ بِهِ، وَلَمْ يَنْدَفِعْ بِمَا ذَكَرَ، فَتَأَمَّلْهُ تَمَّ كَلَامُهُ.
وَفِيهِ عَلَى أُسْلُوبِ آدَابِ الْبَحْثِ أَنَّ صَاحِبَ الْقِيلِ مَانِعٌ لِلْعَلَمِيَّةِ جَازِمًا، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ جَازِمًا، وَسَنَدُ مَنْعِهِ وَاضِحٌ جِدًّا لِوُضُوحِ فَقْدِ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ، وَالْأَصْلُ فِي التَّكْنِيَةِ هَذَا فَعَلَى مُدَّعِي الْإِثْبَاتِ إِثْبَاتُهُ، فَلَا يَكْفِي فِي الْمَقَامِ قَوْلُهُ أَنَّهُ عَلَمٌ مُتَعَارَفٌ كَثِيرًا إِذِ الْخَصْمُ لَا يَمْنَعُ مِثْلَهُ فِي غَيْرِ الصَّغِيرِ.
فَالصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ كَانَ سُمِّيَ بِهَذَا الِاسْمِ إِذْ رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ، وَكَانَ لَهُ نُغَيْرٌ يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرَآهُ حَزِينًا، فَقَالَ: مَا شَأْنُهُ؟ قَالُوا: مَاتَ نُغَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا جَاءَهُ وَرَوَاهُ، فَقَالَ أَبَا عُمَيْرٍ: مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ هَذَا وَلَوْ سَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَابِ أَبِي الْفَضْلِ لِلتَّفَاؤُلِ فَالتَّفَاؤُلُ بِقِلَّةِ الْعَيْشِ مِنْ قِلَّةِ الْعَقْلِ.
بَقِيَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ، فَيُقَالُ لَيْسَ مِنْ دَأْبِهِ صلى الله عليه وسلم وَأَخْلَاقِهِ الْحَسَنَةِ أَنْ يَقُولَ لِوَلَدٍ صَغِيرٍ عِبَارَةً مُشْعِرَةً بِأَنَّ عُمُرَهُ قَصِيرٌ، نَعَمْ لَوْ لَمْ يَصِحَّ ثُبُوتُ عَلَمِيَّةٍ لَهُ لَكَانَ وَجْهٌ وَجِيهٌ أَنْ يُقَالَ إِنَّمَا قَالَ لَهُ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ تَصْغِيرٌ لِلْعُمُرِ بِاعْتِبَارِ عُمُرِ طَيْرِهِ أَيْ: أَيْ يَا صَاحِبَ نُغَيْرٍ عُمُرُهُ قَصِيرٌ، فَيَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَجَلَهُ فَرَغَ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي التَّسْلِيَةِ عِنْدَ التَّعْزِيَةِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(وَفِيهِ) أَيْ وَفِي الْحَدِيثِ (أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الصَّبِيَّ) وَفِي نُسْخَةٍ الصَّغِيرَ: (الطَّيْرَ) وَفِي نُسْخَةٍ الطَّائِرَ (يَلْعَبُ) أَيِ: الصَّبِيُّ. (بِهِ) أَيْ: بِالطَّيْرِ، وَمَحَلُّهُ إِذَا
عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُهُ قَالُوا: وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِمَالَةِ الصَّغِيرِ، وَإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالصَّغِيرِ يُفِيدُ أَنَّ الْكَبِيرَ مَمْنُوعٌ مِنَ اللَّعِبِ بِالطَّيْرِ لِمَا وَرَدَ مَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ فِيهِ. قِيلَ وَفِيهِ جَوَازُ صَيْدِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ لَكِنَّ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا أَنَّهُ كَانَ مِمَّا صِيدَ خَارِجَهَا، وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ ثَبْتٍ
(وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: لِلْغُلَامِ. (يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ نُغَيْرٌ فَيَلْعَبُ بِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ يَلْعَبُ بِهِ.
(فَمَاتَ فَحَزِنَ الْغُلَامُ عَلَيْهِ، فَمَازَحَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟) .
قَالُوا فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ، وَهُوَ يَعْلَمُهُ ; فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ قَدْ عَلِمَ بِمَوْتِ النُّغَيْرِ. وَفِيهِ إِبَاحَةُ تَصْغِيرِ الْأَسْمَاءِ، وَإِبَاحَةُ الدُّعَابَةِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا.
وَفِيهِ كَمَالُ خُلُقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّ رِعَايَةَ الضُّعَفَاءِ مِنْ مَكَارِمِ أَخْلَاقِ الْأَصْفِيَاءِ.
قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي بَيْتٍ فِيهِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ إِذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ قُلْتُ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ غَرِيبٌ، وَاسْتِنْبَاطٌ عَجِيبٌ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهَا مِنْ أَيْنَ لَهُ ثُبُوتُ الْخَلْوَةِ مَعَهَا مَعَ أَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ ابْنُهَا، وَهُوَ خَادِمٌ لَهُ صلى الله عليه وسلم حَاضِرٌ مَعَهُ مَعَ أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ التَّسْلِيمِ فِعْلُهُ هَذَا مَعَ نَهْيِهِ عَنْهُ مُوجِبٌ لِلْقَوْلِ بِالِاخْتِصَاصِ إِذْ حُرْمَةُ الْخَلْوَةِ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ إِجْمَاعِيَّةٌ لَا أَعْرِفُ فِيهَا خِلَافًا لَا سَلَفًا، وَلَا خَلَفًا وَلَوْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهَا بَعْضُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ، وَالْمَلَاحِدَةِ وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: لَوْ كَانَ الرَّجُلُ هُوَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، وَالْمَرْأَةُ رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةَ لَمَا حَلَّ الِاخْتِلَاءُ بَيْنَهُمَا.
وَسَبَبُهُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَرَدَتْ عَلَى إِطْلَاقِهَا لَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْغَلَبَةِ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ فِيهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ الْجَارِيَةِ، وَلَوْ كَانَتْ بِكْرًا وَنَحْوَهَا، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ أَبْحَاثًا لَطِيفَةً وَنُقُولًا شَرِيفَةً أَحْبَبْتُ أَنْ أَذْكُرَهَا، وَأُحَقِّقَ عَجْرَهَا وَبَجْرَهَا مِنْهَا قِيلَ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ صَيْدَ الْمَدِينَةِ مُبَاحٌ بِخِلَافِ مَكَّةَ، وَهُوَ غَلَطٌ وَأَيُّ دَلَالَةٍ عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنَّ ذَلِكَ الطَّيْرَ مِنْ أَيْنَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ اصْطِيدَ فِي الْحَرَمِ، وَلَيْسَ احْتِمَالُ اصْطِيَادِهِ فِيهِ أَوْلَى مِنِ احْتِمَالِ اصْطِيَادِهِ خَارِجَهُ. قُلْتُ: هَذَا خَارِجٌ عَنْ قَوَاعِدِ آدَابِ الْبَحْثِ فَإِنَّ الْقَائِلَ إِنَّمَا اسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ وُجُودِ الصَّيْدِ فِي الْمَدِينَةِ أَنَّهُ مِمَّا اصْطِيدَ فِيهَا لِأَنَّهُ مَمْنُوعُ الْأَصْلِ، وَأَمَّا احْتِمَالُ أَنَّهُ صِيدَ خَارِجَهَا فَيَصْلُحُ فِي الْجُمْلَةِ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا فَأَيُّ غَلَطٍ فِي الْقَوْلِ مَعَ أَنَّ مَذْهَبَ الْقَائِلِ هُوَ أَنَّ الصَّيْدَ إِذَا أُخِذَ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَأُدْخِلَ فِيهِ صَارَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ
حَتَّى لَوْ ذُبِحَ فِيهِ لَكَانَ مَيْتَةً هَذَا، وَالْقَوْلُ نُسِبَ إِلَى مُحْيِي السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا: أَنَّ صَيْدَ الْمَدِينَةِ مُبَاحٌ بِخِلَافِ صَيْدِ مَكَّةَ، فَهُوَ إِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى كَمَالِ إِنْصَافِهِ رضي الله عنه أَوْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ عِنْدَهُ فَإِنَّ النَّوَوِيَّ لَيْسَ لَهُ قَوْلٌ مَرْدُودٌ كَذَا سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ الْكَبْرِيِّ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ وَهِيَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا فِيهِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ إِذَا أَمِنَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ انْتَهَى.
فَهُوَ نَقْلٌ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَعَ مَا يُرَادُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُقْتَضَى الْعُقُولِ، وَالنُّقُولِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَفِيهِ جَوَازُ دُخُولِ بَيْتٍ بِهِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ إِذَا كَانَ هُنَالِكَ مَانِعُ خَلْوَةٍ مِنْ نَحْوِ امْرَأَةٍ أُخْرَى مَعَهَا، وَهُمَا اثْنَتَانِ يَحْتَشِمُهُمَا أَوْ إِحْدَاهُمَا، وَإِلَّا حَرُمَتْ خَلْوَةُ الرَّجُلِ بِهِمَا أَوْ مَحْرَمٌ وَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا عَلَى بَحْثٍ مِنْهُ انْتَهَى. وَفِيهِ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَا نَفْيًا، وَلَا إِثْبَاتًا نَعَمِ الظَّاهِرُ أَنَّ أُمَّ أَنَسٍ تَكُونُ فِي الْبَيْتِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ دُخُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَهَا مِنْ غَيْرِ حُضُورِ أَحَدٍ مَعَهُ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَحَارِمِهَا مَعَ أَنَّهُ صَرِيحٌ أَنَّ أَنَسًا مَعَهَا وَهُو إِمَّا بَالِغٌ أَوْ مُرَاهِقٌ.
وَمَا أَبْعَدَ قَوْلَ فَقِيهٍ جَوَّزَ حُضُورَ امْرَأَةٍ أُخْرَى يَحْتَشِمُهَا وَتَوَقَّفَ فِي جَوَازِ مُرَاهِقٍ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: وَفِي أَخْذِ هَذَا مِنَ الْحَدِيثِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النِّسَاءِ كَالْمَحْرَمِ ; فَكَانَ يَجُوزُ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهِنَّ قُلْتُ هَذَا النَّقْشُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ الْعَرْشِ، وَمَعَ هَذَا يَرُدُّهُ تَأْوِيلُ الْعُلَمَاءِ خَلْوَتَهُ مَعَ بَعْضِهِنَّ كَأُمِّ سُلَيْمٍ بِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةُ رَضَاعٍ.
ثُمَّ قَالَ بَلْ قَالَ أَئِمَّتُنَا: أَنَّ سُفْيَانَ، وَغَيْرَهُ كَانُوا يَزُورُونَ رَابِعَةَ، وَيَجْلِسُونَ إِلَيْهَا.
قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَهَلْ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ كَانَ يَخْتَلِي مَعَهَا بَلِ الْمَشْهُورُ أَنَّهَا كَانَتْ تَتَجَنَّبُ إِلَّا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ قَائِلَةً بِأَنَّهُ تَارِكُ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْخَلْوَةُ فَحَاشَا الْأَوْلِيَاءِ مَعَ كَمَالِ وَرَعِهِمْ، وَاحْتِيَاطِهِمْ فِي الدِّينِ أَنْ يَقَعَ مِنْ أَحَدِهِمْ هَذَا الْأَمْرُ الْمَكْرُوهُ الْمُنْكَرُ شَرْعًا، وَعُرْفًا مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، وَلَا بَاعِثًا لِلْحَالِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ أَغْرَبَ فِي الْكَلَامِ حَيْثُ بَنَى عَلَى النِّظَامِ الْغَيْرِ التَّامِّ فَقَالَ: قَالُوا أَيْ: بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، فَلَوْ وَجَدْنَا رَجُلًا مِثْلَ سُفْيَانَ، وَامْرَأَةً مِثْلَ رَابِعَةَ أَبَحْنَا لَهُ الْخَلْوَةَ بِهَا لِلْأَمْنِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ، وَالْفِتْنَةِ حِينَئِذٍ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ بُطْلَانِهِ.
ثُمَّ زَادَ فِي الْغَرَابَةِ بِقَوْلِهِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُ الْأَمْنِ بَلْ يَكْفِي مَظِنَّتُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ جَوَّزُوا خَلْوَةَ رَجُلٍ بِامْرَأَتَيْنِ دُونَ عَكْسِهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِي بِهِمَا، وَيَقَعُ مِنْهُ الْفَاحِشَةُ فِيهِمَا أَوْ فِي إِحْدَاهُمَا لَكِنَّهُ بَعِيدٌ إِذِ الْمَرْأَةُ تَسْتَحِي مِنْ مِثْلِهَا وَبَعِيدٌ وُقُوعُ الْفَاحِشَةِ مِنْهَا بِحَضْرَتِهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ انْتَهَى.
وَفِيهِ أَنَّهُ أَيْضًا قَدْ يَخْتَلِيَانِ بِهَا، وَيَقَعُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا الْفَاحِشَةُ فِيهَا بِحُضُورِهِ، فَالْبُعْدُ مُشْتَرَكٌ فِي الصُّورَتَيْنِ فِي الِاحْتِمَالِ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ مَعَ وُجُودِ الْمَظِنَّةِ، بَلْ وَلَا يَصِحُّ مَعَ تَحْقِيقِ الْأَمْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الشُّرَّاحِ مِمَّا فِيهِ غَايَةُ الرَّكَاكَةِ اللَّفْظِيَّةِ، وَالْغَرَابَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ مِمَّا أَوْجَبَ إِعْرَاضَنَا عَنْهَا وَتَخْلِيَةَ شَرْحِ الشَّمَائِلِ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ: وَمَا قِيلَ الْأَظْهَرُ مِنْ أَنَّ الْمُزَاحَ مُبَاحٌ فِيهَا إِلَّا لِدَلِيلٍ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا دَلِيلَ هُنَا يَمْنَعُ مِنْهُ، فَتَعَيَّنَ النَّدْبُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْفُقَهَاءِ، وَالْأُصُولِيِّينَ.
قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَانِعَ عَنِ السُّنِّيَّةِ نَهْيُهُ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ عَنِ الْمُزَاحِ، وَالْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا نَهَى صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ فَعَلَهُ يَكُونُ فِعْلًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَإِنَّ نَهْيَهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ كَمَا فِي الشُّرْبِ قَائِمًا، وَمِنْ فَمِ السِّقَاءِ، وَكَالْبَوْلِ قَائِمًا، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، بَلْ وَلَوْلَا أَنَّهُ ثَبَتَ الْمُزَاحُ مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَهُ صلى الله عليه وسلم فَقَرَّرَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ عَنْهُ لَحُمِلَ مُزَاحُهُ عَلَى اخْتِصَاصِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ هَذَا.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْنَا مَا نَقَلَهُ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ أَلْقَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ الْمَهَابَةَ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مُزَاحُهُ وَلَا مُدَاعَبَتُهُ.
فَقَدْ قَامَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَأَخَذَتْهُ رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ، وَمَهَابَةٌ فَقَالَ: هَوِّنْ عَلَيْكَ ; فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، وَلَا جَبَّارٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ بِمَكَّةَ، فَنَطَقَ الرَّجُلُ بِحَاجَتِهِ، فَقَامَ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا أَلَا فَتَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم وَمَا مَلَأْتُ عَيْنِي قَطُّ حَيَاءً مِنْهُ، وَتَعْظِيمًا لَهُ، وَلَوْ قِيلَ لِي صِفْهُ لَمَا قَدِرْتُ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُ، وَهُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ أَصْحَابِهِ فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّةَ لَوْلَا مَزِيدُ تَأَلُّفِهِ وَمُبَاسَطَتِهِ لَهُمْ لَمَا قَدَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَجْتَمِعَ بِهِ هَيْبَةً وَفَرَقًا مِنْهُ لَا سِيَّمَا عَقِبَ مَا كَانَ يَتَجَلَّى عَلَيْهِ مِنْ مَوَاهِبِ الْقُرْبِ، وَعَوَائِدِ الْفَضْلِ، لَكِنَّهُ كَانَ لَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِلَّا بَعْدَ الْكَلَامِ مَعَ عَائِشَةَ أَوْ الِاضْطِجَاعِ بِالْأَرْضِ إِذْ لَوْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي تَجَلَّى بِهَا مِنَ الْقُرْبِ فِي مُنَاجَاتِهِ، وَسَمَاعِ كَلَامِ رَبِّهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكِلُّ
الْإِنْسَانُ عَنْ وَصْفِ بَعْضِهِ لَمَا اسْتَطَاعَ بَشَرٌ أَنْ يَلْقَاهُ، فَكَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَهَا أَوْ يَضْطَجِعُ بِالْأَرْضِ لِيَسْتَأْنِسَ بِجِنْسِهِمْ أَوْ بِجِنْسِ أَصْلِ خَلْقِهِمْ، وَهِيَ الْأَرْضُ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ بِحَالَةٍ يَقْدِرُونَ عَلَى مُشَاهَدَتِهَا رِفْقًا بِهِمْ، وَرَحْمَةً لَهُمْ.
(حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ) بِضَمِّ الدَّالِ (أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ) وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ: «الْحُسَيْنِ» بِالتَّصْغِيرِ قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ غَلَطٌ (أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ بِفَتْحِ الْمِيمِ فَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَيُفْتَحُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: تُمَازِحُنَا، وَالْمَعْنَى: إِنَّكَ نَهَيْتَنَا عَنِ الْمُزَاحِ كَمَا سَبَقَ، وَنَحْنُ أَتْبَاعُكَ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِكَ فِي الْأَفْعَالِ، وَالْأَخْلَاقِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ (قَالَ: إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا) جَوَابٌ لِلسُّؤَالِ عَلَى وَجْهٍ مُتَضَمِّنٍ لِلْعِلَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى نَهْيِهِمْ، وَالْمَعْنَى: إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا حَتَّى فِي مُزَاحِي، فَكُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ يُبَاحُ لَهُ، بِخِلَافِ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَقَعَ حَالَ مَزْحِهِ فِي الْبَاطِلِ مِنَ السُّخْرِيَةِ، وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى، وَالْكَذِبِ وَالضَّحِكِ الْمُفْرِطِ الْمُوجِبِ لِقَسَاوَةِ الْقَلْبِ.
وَإِنَّمَا أُطْلِقَ النَّهْيُ نَظَرًا إِلَى أَحْوَالِ الْأَغْلَبِ كَمَا هُوَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ فِي بِنَاءِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ فَقَدْ ثَبَتَ مُزَاحُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَعَهُ أَيْضًا، وَقَرَّرَهُ صلى الله عليه وسلم كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثٍ أَذْكُرُهُ بَعْدَ حَدِيثِ زَاهِرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ تُدَاعِبُنَا يَعْنِي تُمَازِحُنَا انْتَهَى. فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ مَشَايِخِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ تَصْدِيرَ الْجُمْلَةِ بِأَنَّ الْمُؤَكِّدَةِ يَدُلُّ عَلَى إِنْكَارِ أَمْرٍ سَابِقٍ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ فِي صَدْرِ الرِّسَالَةِ، وَمَكَانَتِكَ مِنَ اللَّهِ الْمُدَاعَبَةُ، فَأَجَابَهُمْ بِالْقَوْلِ الْمُوجِبِ أَيْ: نَعَمْ أُدَاعِبُ، وَلَكِنْ لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا لِلَّهِ دَرُّ مُزَاحٍ هُوَ حَقٌّ، فَكَيْفَ بِجِدِّهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ إِلَى آخِرِهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ، فَتَأَمَّلْ وَلَا تُمْلِلْ، وَانْصِفْ لِيَظْهَرَ
لَكَ وَجْهُ الْخَلَلِ فِيمَا جَرَى بِهِ قَدَمُ الزَّلَلِ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حُمَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا) قِيلَ كَانَ بِهِ نَوْعٌ مِنَ الْبَلَاهَةِ (اسْتَحْمَلَ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى دَابَّةٍ، وَالْمُرَادُ أَنْ يُعْطِيَهُ حَمُولَةً يَرْكَبُهَا (فَقَالَ: إِنِّي حَامِلُكَ) أَيْ: مُرِيدٌ لِحَمْلِكَ (عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ) أَرَادَ بِهِ الْمُبَاسَطَةَ لَهُ، وَالْمُلَاطَفَةَ مَعَهُ بِمَا عَسَاهُ أَنْ يَكُونَ شِفَاءً لِبَلَهِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ إِظْهَارًا لِتَحَقُّقِهِ فِيهِ ; فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ عَلَى مَا وَرَدَ، وَالْمُرَادُ بِهِمُ
الْبُلْهُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا مَعَ كَوْنِهِمْ فَطِنِينَ فِي أَحْوَالِ الْعُقْبَى، فَهُمْ مِنَ الْأَبْرَارِ عَكْسُ صِفَةِ الْكُفَّارِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: سُمُّوا بُلْهًا حَيْثُ رَضُوا بِالْجَنَّةِ، وَلَمْ يَطْلُبُوا الزِّيَادَةَ قَالَ تَعَالَى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَالزِّيَادَةُ هِيَ اللِّقَاءُ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ) تَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِوَلَدِهَا هُوَ الصَّغِيرُ مِنْ أَوْلَادِهَا عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلُ) أَيْ: صَغُرَتْ أَوْ كَبُرَتْ، وَالْمَعْنَى مَا تَلِدُ جَمِيعًا (إِلَّا النُّوقَ) بِضَمِّ النُّونِ جَمْعُ النَّاقَةِ، وَهِيَ أُنْثَى الْإِبِلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ جَمِيعَ الْإِبِلِ وَلَدُ النَّاقَةِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: لَوْ تَدَبَّرْتَ فِي الْكَلَامِ لَعَرَفْتَ الْمَرَامَ، فَفِيهِ مَعَ الْمُبَاسَطَةِ لَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى إِرْشَادِهِ، وَإِرْشَادِ غَيْرِهِ ; بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَ قَوْلًا أَنْ يَتَأَمَّلَهُ، وَلَا يُبَادِرَ إِلَى رَدِّهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُدْرِكَ غَوْرَهُ.
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرًا) هُوَ ابْنُ حَرَامٍ ضِدُّ حَلَالٍ الْأَشْجَعِيُّ شَهِدَ بَدْرًا (وَكَانَ يُهْدِي) عَلَى صِيغَةِ الْمَعْلُومِ مِنَ الْإِهْدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِالْهَدِيَّةِ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم (إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَدِيَّةً مِنَ الْبَادِيَةِ) أَيْ: حَاصِلُهُ مِنْهَا مِمَّا يُوجَدُ فِيهَا مِنَ الْأَزْهَارِ، وَالْأَثْمَارِ وَالنَّبَاتِ، وَغَيْرِهَا (فَيُجَهِّزُهُ) بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِتَخْفِيفِهَا أَيْ: يُعِدُّ وَيُهَيِّئُ لَهُ (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْبَادِيَةِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبُلْدَانِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَغَيْرِهَا (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) أَيْ: زَاهِرٌ إِلَى وَطَنِهِ جَزَاءً وِفَاقًا (فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا) أَيْ: نَسْتَفِيدُ مِنْهُ مَا يَسْتَفِيدُ الرَّجُلُ مِنْ بَادِيَتِهِ مِنْ أَنْوَاعِ النَّبَاتَاتِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ بَادِيَتُهُ، وَقِيلَ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ: سَاكِنُ بَادِيَتِنَا كَمَا حُقِّقَ (فِي وَسَائِلِ الْقُرْبَةِ) ، وَقِيلَ تَاؤُهُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِأَيْدِينَا، وَالْبَادِي: هُوَ الْمُقِيمُ بِالْبَادِيَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ (وَنَحْنُ) أَيْ: أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ أَوِ الْجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ زَاهِرَ بْنَ حَرَامٍ (حَاضِرُوهُ) أَيْ: حَاضِرُوا الْمَدِينَةِ لَهُ، وَفِيهِ كَمَالُ الِاعْتِنَاءِ بِهِ، وَالِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ، وَالْمَعْنَى: وَنَحْنُ نُعِدُّ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي بَادِيَتِهِ مِنَ الْبَلَدِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ ذِكْرِ الْمُنْعِمِ بِإِنْعَامِهِ لِكَوْنِهِ مُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ الدَّالَّةِ عَلَى حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ فِي مُتَابَعَةِ هَذِهِ الْمُجَامَلَةِ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّهُ) أَيْ: حُبًّا شَدِيدًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ مَعَ مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «تَهَادُوا تَحَابُّوا» ، وَالْجُمْلَةُ تَمْهِيدٌ، وَتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ (وَكَانَ رَجُلًا) أَيْ: مِنْ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الْآيَةَ (دَمِيمًا) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: قَبِيحَ الصُّورَةِ مَعَ كَوْنِهِ مَلِيحَ السِّيرَةِ.
فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى حُسْنِ الْبَاطِنِ، وَلِذَا وَرَدَ.
«إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ» ، (فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا) فَنِعْمَ الطَّالِبُ الَّذِي جَاءَ مَطْلُوبُهُ (وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِمَتَاعِهِ الظَّاهِرِيِّ وَذَاهِلٌ عَنِ النِّعْمَةِ
الْغَيْرِ الْمُتَرَقَّبَةِ مِنْ مَجِيءِ مَطْلُوبِهِ الْمُشْتَرِي (وَاحْتَضَنَهُ) عَطْفٌ عَلَى أَتَاهُ، وَفِي الْمِشْكَاةِ بِالْفَاءِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا أَيْضًا، وَهُوَ الْأَنْسَبُ أَيْ: أَدْخَلَهُ فِي حِضْنِهِ (مِنْ خَلْفِهِ) وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ وَرَائِهِ، وَأَدْخَلَ يَدَيْهِ تَحْتَ إِبِطَيْ زَاهِرٍ فَاعْتَنَقَهُ، وَأَخَذَ عَيْنَيْهِ بِيَدَيْهِ كَيْلَا يَعْرِفَهُ، فَقَوْلُهُ (وَلَا يُبْصِرُ) أَيْ: لَا يُبْصِرُهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، حَالٌ مِنْ فَاعِلِ احْتَضَنَهُ، وَفِي الْمِشْكَاةِ، وَهُوَ لَا يُبْصِرُهُ جَمْعًا بَيْنَ النُّسْخَتَيْنِ مَعَ زِيَادَةِ هُوَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ يُقَالُ احْتَضَنَ الشَّيْءَ جَعَلَهُ فِي حِضْنِهِ، وَالْحِضْنُ: مَا دُونُ الْإِبِطِ إِلَى الْكَشْحِ، وَهُوَ مَا دُونَ الْخَاصِرَةِ إِلَى الضِّلْعِ، وَحِضْنَا الشَّيْءِ جَانِبَاهُ (فَقَالَ: مَنْ هَذَا) أَيْ: الْمُحْتَضِنُ (أَرْسِلْنِي) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَرْسِلْنِي مَنْ هَذَا؟ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمِشْكَاةِ، وَالظَّاهِرُ وُقُوعُهُ مُكَرَّرًا (فَالْتَفَتَ) أَيْ: بِبَعْضِ بَصَرِهِ، وَرَأَى بِطَرْفِهِ طَرَفَ مَحْبُوبِهِ، وَطَرَفًا مِنْ طَرَفِ مَطْلُوبِهِ (فَعَرَفَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: عَرَفَهُ بِنَعْتِ الْجَمَالِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ (فَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ (لَا يَأْلُوا) أَيْ: بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، وَيُبَدَّلُ وَبِضَمِّ اللَّامِ أَيْ: لَا يُقَصِّرُ (مَا أَلْصَقَ) أَيْ: أَلْزَقَ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْمِشْكَاةِ (ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) مَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى فَطَفِقَ لَا يُقَصِّرُ فِي لَزْقِ ظَهْرِهِ بِصَدْرِ مَصْدَرِ الْفَيُوضِ الصَّادِرَةِ فِي
الْكَائِنَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ مِمَّنْ هُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ تَبَرُّكًا، وَتَلَذُّذًا بِهِ، وَتَدَلُّلًا عَلَى مَحْبُوبِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ مَمْسُوكًا بِيَدِهِ صلى الله عليه وسلم وَإِلَّا كَانَ مُقْتَضَى الْأَدَبِ أَنْ يَقَعَ عَلَى رِجْلَيْهِ، وَيُقَبِّلَهُمَا بِمُقْلَتَيْهِ، وَيَتَبَرَّكَ بِغُبَارِ قَدَمَيْهِ، وَيَجْعَلَهُ كُحْلَ عَيْنَيْهِ (حِينَ عَرَفَهُ) كَأَنَّهُ ذَكَرَهُ ثَانِيًا اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ، وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْشَأَ هَذَا الْإِلْصَاقِ لَيْسَ إِلَّا لِمَعْرِفَتِهِ (فَجَعَلَ) وَفِي الْمِشْكَاةِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ هُنَا: وَجَعَلَ (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ) أَيْ: هَذَا الْعَبْدَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ عَبْدًا، وَاضِحٌ؛ فَإِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَوَجْهُ الِاسْتِفْهَامِ عَنِ الشِّرَاءِ الَّذِي يُطْلَقُ لُغَةً عَلَى مُقَابَلَةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وَعَلَى الِاسْتِبْدَالِ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ يُقَابِلُ هَذَا الْعَبْدَ بِالْإِكْرَامِ أَوْ مَنْ يَسْتَبْدِلُهُ مِنِّي بِأَنْ يَأْتِيَنِي بِمِثْلِهِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَكِنَّ جَوَابَهُ الْآتِيَ لَا يُلَائِمُ الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ التَّعْرِيضَ لَهُ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ بِبَذْلِهَا فِي جَمِيعِ مَطَالِبِهِ، وَمَا يُرْضِيهِ.
فَالْوَجْهُ الْوَجِيهُ أَنَّ الِاشْتِرَاءَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ فِيهِ تَوْرِيَةٌ أَوْ تَشْبِيهٌ أَوْ قَبْلَهُ مُضَافٌ مُقَدَّرٌ أَيْ: مَنْ يَشْتَرِي مِثْلَ هَذَا الْعَبْدِ مِنِّي، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ لَا سِيَّمَا وَالْمَقَامُ مَقَامُ الْمُزَاحِ إِرَادَةُ تَحَقُّقِ بَيْعِهِ لِيُشْكِلَ عَلَى الْفَقِيهِ بِأَنَّ بَيْعَ الْحُرِّ غَيْرُ جَائِزٍ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا) بِالتَّنْوِينِ جَوَابٌ، وَجَزَاءٌ بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: إِنْ بِعْتَنِي، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ إِنْ عَرَضْتَنِي عَلَى الْبَيْعِ إِذًا (وَاللَّهِ تَجِدُنِي بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ (كَاسِدًا) أَيْ: مَتَاعًا رَخِيصًا أَوْ غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيهِ، وَهُوَ أَبْلَغُ، وَفِي نُسْخَةٍ إِذًا تَجِدُنِي وَاللَّهِ كَاسِدًا بِتَأْخِيرِ كَلِمَةِ الْقَسَمِ عَنِ الْفِعْلِ قَالَ مِيرَكُ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَجِدُونِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَيَحْتَاجُ عَلَى تَكَلُّفٍ قُلْتُ، وَجْهُهُ أَنَّ الْجَمْعَ لِتَعْظِيمِهِ صلى الله عليه وسلم أَوِ الضَّمِيرُ لَهُ، وَلِأَصْحَابِهِ الْمَعْرُوضِينَ عَلَيْهِمْ رضي الله عنهم ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ ; فَيَكُونُ مَرْفُوعًا أَوْ بِتَخْفِيفِهِ ; فَيَصِيرُ مُحْتَمَلًا، وَوَجْهُ النَّصْبِ ظَاهِرٌ، وَوَجْهُ الرَّفْعِ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْحَالُ لَا الِاسْتِقْبَالُ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَبَعًا لِشَارِحٍ، وَفِي رِوَايَةٍ إِذًا هَذَا وَاللَّهِ بِزِيَادَةِ:«هَذَا» ، قُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ زِيَادَةُ ضَرَرٍ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّ لَهَا صِحَّةً فِي الرِّوَايَةِ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا فِي الدَّارِيَةِ إِذْ لَا خَفَاءَ فِي رَكَاكَةِ:«إِذًا هَذَا وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا» ، وَلَعَلَّهُ تَحْرِيفٌ هُنَا أَيْ: فِي هَذَا الْمَكَانِ مِنَ السُّوقِ أَوْ مَقَامِ الْعَرْضِ فَلَهُ وَجْهٌ هَاهُنَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَكِنْ) وَفِي نُسْخَةٍ وَلَكِنْ (عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ) الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٍ بِكَاسِدٍ قُدِّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى عَامِلِهِ لِلِاهْتِمَامِ، وَالِاخْتِصَاصِ بِهِ (أَوْ قَالَ:) شَكٌ مِنَ الرَّاوِي (أَنْتَ) وَفِي نُسْخَةٍ لَكِنْ (عِنْدَ اللَّهِ غَالٍ) وَهَذَا أَبْلَغُ مِنَ الْأَوَّلِ ; فَتَأَمَّلْ ;
فَإِنَّ الْمَنْطُوقَ أَقْوَى مِنَ الْمَفْهُومِ هَذَا.
وَرَوَى أَبُو يَعْلَى أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُهْدِي إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم الْعُكَّةَ مِنَ السَّمْنِ أَوِ الْعَسَلِ فَإِذَا طُولِبَ بِالثَّمَنِ جَاءَ بِصَاحِبِهِ فَيَقُولُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَعْطِهِ مَتَاعَهُ أَيْ: ثَمَنَهُ، فَمَا يَزِيدُ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنْ يَبْتَسِمَ، وَيَأْمُرَ بِهِ ; فَيُعْطَى. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ طُرْفَةٌ إِلَّا اشْتَرَاهَا ثُمَّ جَاءَ ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ هَدِيَّةٌ لَكَ ; فَإِذَا طَالَبَهُ صَاحِبُهَا بِثَمَنِهَا جَاءَ بِهِ ; فَقَالَ: أَعْطِ هَذَا الثَّمَنَ، فَيَقُولُ أَلَمْ تُهْدِهِ لِي، فَيَقُولُ لَيْسَ عِنْدِي، فَضَحِكَ، وَيَأْمُرُ لِصَاحِبِهِ بِثَمَنِهِ، قُلْتُ، فَكَانَ رضي الله عنه مِنْ كَمَالِ مَحَبَّتِهِ
لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كُلَّمَا رَأَى طُرْفَةً أَعْجَبَتْهَا نَفْسَهُ اشْتَرَاهَا، وَآثَرَهُ صلى الله عليه وسلم بِهَا وَأَهْدَاهَا إِلَيْهِ عَلَى نِيَّةِ أَدَاءِ ثَمَنِهَا إِذَا حَصَلَ لَدَيْهِ فَلَمَّا عَجِزَ، وَصَارَ كَالْمُكَاتَبِ رَجَعَ إِلَى مَوْلَاهُ، وَأَبْدَى إِلَيْهِ صَنِيعَ مَا وَلَّاهُ، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ ; فَرَجَعَ بِالْمُطَالَبَةِ إِلَى سَيِّدِهِ فَفِعْلُهُ هَذَا جِدُّ حَقٍّ مَمْزُوجٌ بِمُزَاحِ صِدْقٍ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى، وَمُصْعَبٌ اسْمُ مَفْعُولٍ مَنِ الْإِصْعَابِ، وَهُوَ الْأَصْلُ الصَّوَابُ، وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ بَدَلَهُ:«مَنْصُورٌ» قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ خَطَأٌ.
(حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ (عَنِ الْحَسَنِ) أَيِ: الْبَصْرِيِّ ; فَإِنَّهُ الْمُرَادُ عَنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ، فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ (قَالَ أَتَتْ عَجُوزٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيْ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ وَلَا تَقُلْ عَجُوزَةً إِذْ هِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ قِيلَ إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُمُّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَعَمَّةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِشَارِحٍ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: كَذَا سَمِعْنَا مِنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ لِمَا سَيَأْتِي (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ) أَيْ: لِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ (أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلَانٍ) كَانَ الرَّاوِي نَسِيَ الِاسْمَ الَّذِي جَرَى عَلَى لِسَانِهِ صلى الله عليه وسلم فَأَقَامَ لَفْظَ فُلَانٍ مَقَامَهُ (إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ
قَالَ) أَيِ: الْحَسَنُ نَاقِلًا (فَوَلَّتْ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: أَدْبَرَتْ، وَذَهَبَتْ (تَبْكِي) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ وَلَّتْ أَيْ: ذَهَبَتْ حَالَ كَوْنِهَا بَاكِيَةً (فَقَالَ: أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا) سَدَّ مَسَدَّ ثَانِي وَثَالِثِ مَفَاعِيلِ
أَخْبِرُوهَا (وَهِيَ عَجُوزٌ) حَالٌ أَيْ: أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَالَ كَوْنِهَا عَجُوزًا بَلْ تَدْخُلُهَا شَابَّةً بِجَعْلِهِ تَعَالَى إِيَّاهَا كَذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ضَمِيرَ «أَخْبِرُوهَا» رَاجِعٌ إِلَيْهَا قَطْعًا، وَأَمَّا ضَمِيرُ «أَنَّهَا» يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهَا وَغَيْرِهَا، يُعْلَمُ بِالْمُقَايَسَةِ لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ مُبَشَّرَةً بِالْجَنَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى جِنْسِ الْعَجُوزِ الدَّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:«إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ» وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَإِنْ قَالَ بِبُعْدِهِ ابْنُ حَجَرٍ فَتَدَبَّرْ، عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ «إِنَّهَا» قَابِلَةٌ بِأَنْ تُجْعَلَ لِلْقِصَّةِ وَضَمِيرَ الْفَاعِلِ فِي «لَا تَدْخُلُهَا» لِجِنْسِ الْعَجُوزِ وَلَا يَأْبَاهُ قَوْلُهُ وَهِيَ عَجُوزٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا تَدْخُلُهَا بَاقِيَةً عَلَى وَصْفِ الْعُجُوزِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِبَعْضِ الشُّرَّاحِ هُنَا كَلَامٌ يَمُجُّهُ السَّمْعُ ; فَامْتَنَعَ مِنْ ذِكْرِهِ الطَّبْعُ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى) اسْتِئْنَافٌ مُتَضَمِّنٌ لِلْعِلَّةِ (يَقُولُ) أَيْ: فِي كِتَابِهِ (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً) الضَّمِيرُ لَمَّا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ السَّابِقِ فِي الْآيَةِ، وَهُوَ فُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ، وَالْمُرَادُ النِّسَاءُ أَيْ: أَعَدْنَا إِنْشَاءَهُنَّ إِنْشَاءً خَاصًّا، وَخَلَقْنَاهُنَّ خَلْقًا غَيْرَ خَلْقِهِنَّ (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا) أَيْ: عَذَارَى كُلَّمَا أَتَاهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَجَدُوهُنَّ أَبْكَارًا، وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ:«عُرُبًا أَتْرَابًا» ، وَالْعُرُبُ بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي: جَمْعُ عَرُوبٍ كَرُسُلٍ وَرَسُولٍ أَيْ: عَوَاشِقَ، وَمُحَبَّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، وَقِيلَ الْعَرُوبُ الْمَلَقَةُ، وَالْمَلَقُ: الزِّيَادَةُ فِي التَّوَدُّدِ، وَقِيلَ الْغُنْجَةُ، وَالْغُنْجُ فِي الْجَارِيَةِ تَكَسُّرٌ وَتَذَلُّلٌ، وَقِيلَ الْحَسَنَةُ الْكَلَامُ، وَأَمَّا الْأَتْرَابُ فَمُسْتَوِيَاتُ السِّنِّ بَنَاتُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَزْوَاجُهُنَّ كَذَلِكَ كَذَا فِي الْمَدَارِكِ وَقِيلَ بَنَاتُ ثَلَاثِينَ سَنَةً إِذْ هَذَا أَكْمَلُ أَسْنَانِ نِسَاءِ الدُّنْيَا. وَفِي الْحَدِيثِ. هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ ; فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى مُتَعَشِّقَاتٍ عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ أَفْضَلَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ، وَمَنْ يَكُونُ لَهَا أَزْوَاجٌ ; فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، الْحَدِيثُ فِي الطَّبَرَانِيِّ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مُطَوَّلًا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِسَنَدِهِ إِلَى مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا عَجُوزٌ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقَالَتْ هِيَ عَجُوزٌ مِنْ أَخْوَالِي فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِنَّ الْعُجُزَ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَجُوزٍ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ ; فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَرْأَةِ ; فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: لَهُ عَائِشَةُ لَقَدْ لَقِيَتْ مِنْ كَلِمَتِكَ مَشَقَّةً وَشِدَّةً فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عز وجل -