المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب ما جاء في ضحك رسول صلى الله عليه وسلم - جمع الوسائل في شرح الشمائل - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعَطُّرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابٌ كَيْفَ كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَحِكِ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مُزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الشِّعْرِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّمْرِ)

- ‌(بَابٌ فِي صِفَةِ نَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى)

- ‌(بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي بُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَوَاضُعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌بَابُ مَا جَاءَ فِي خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حَيَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حِجَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي سِنِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ)

الفصل: ‌(باب ما جاء في ضحك رسول صلى الله عليه وسلم

حَبُّ الْغَمَامِ اللؤلؤ لأنه يحصل من ماء المطر النازل من الغمام، وَهُوَ أَنْسَبُ فِي بَابِ التَّشْبِيهِ لِمَا فِي الْأَوَّلِ مِنَ الْبُرُودَةِ، وَلِمَا فِي الثَّانِي مِنْ زِيَادَةِ تَشْبِيهِ الْفَمِ بِالصَّدَفِ، وَالرِّيقِ بِمَاءِ الرَّحْمَةِ فِي بَحْرِ النِّعْمَةِ.

‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَحِكِ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم

-)

وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابُ ضَحِكٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بَابُ ضَحِكٍ قَالَ الْعِصَامُ: وَفِي نُسْخَةٍ بَابٌ مُنَوَّنًا، وَضَحِكَ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي، انْتَهَى.

وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى ثُمَّ الضَّحِكُ مَضْبُوطٌ فِي الْأُصُولِ بِكَسْرٍ، فَسُكُونٍ، وَفِي الْقَامُوسِ ضَحِكَ ضَحِكًا بِالْفَتْحِ، وَبِالْكَسْرِ، وَبِكَسْرَتَيْنِ، وَكَكَتِفٍ.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ (أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَتَشْدِيدِ ثَانِيهِ (وَهُوَ ابْنُ أَرْطَأَةَ) غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلتَّأْنِيثِ، وَالْعَلَمِيَّةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْأَرْطَى: شَجَرٌ نُورُهُ كَنُورِ الْخِلَافِ، وَثَمَرُهُ كَالْعُنَّابِ لَكِنَّهُ مُرٌّ تَأْكُلُهُ الْإِبِلُ، الْوَاحِدَةُ: أَرْطَاةٌ وَأَلِفَهُ لِلْإِلْحَاقِ ; فَيُنَوَّنُ نَكِرَةً لَا مَعْرِفَةً أَوْ أَلِفُهُ أَصْلِيَّةٌ ; فَيُنَوَّنُ دَائِمًا، وَوَزْنُهُ أَفْعَلُ، وَمَوْضِعُهُ الْمُعْتَلُّ، وَبِهِ سُمِّيَ، وَكُنِّيَ (عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ) بِكَسْرِ السِّينِ (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ فِي سَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ لِلتَّعْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ كَمَا فِي الْمِشْكَاةِ بِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ (حُمُوشَةٌ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمِيمِ أَيْ: دِقَّةُ، وَدِقَّتُهَا مِمَّا يُمْتَدَحُ بِهِ، وَقَدْ أَكْثَرَ أَهْلُ الْقِيَافَةِ مِنْ ذِكْرِ مَحَاسِنِ ذَلِكَ، وَفَوَائِدِهِ.

وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْعِصَامِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ الْمُعْجَمِ ; فَمُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ، وَمُعَارِضٌ لِلُّغَةِ عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ الْقَامُوسُ، وَالنِّهَايَةُ، وَمُغَيِّرٌ لِلْمَعْنَى فَإِنَّ الْخَمْشَ بِالْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ خَدْشُ الْوَجْهِ، وَلَطْمُهُ، وَقَطْعُ عُضْوٍ مِنْهُ (وَكَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا) جَعَلَ التَّبَسُّمَ مِنَ الضَّحِكِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ

فَإِنَّ التَّبَسُّمَ مِنَ الضَّحِكِ بِمَنْزِلَةِ السِّنَةِ مِنَ النَّوْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا) أَيْ: شَارِعًا فِي الضَّحِكِ، وَهَذَا الْحَصْرُ يُحْمَلُ عَلَى غَالِبِ أَحْوَالِهِ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ جُلَّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، وَلِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَقِيلَ مَا كَانَ يَضْحَكُ إِلَّا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا فِي أَمْرِ الدُّنْيَا ; فَلَمْ يَزِدْ عَلَى التَّبَسُّمِ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وَتَعْلِيلٌ مُسْتَحْسَنٌ، وَوَرَدَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم.

كَانَ إِذَا ضَحِكَ يَتَلَأْلَأُ فِي الْجُدُرِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: يُشْرِقُ نُورُهُ عَلَيْهِ إِشْرَاقًا كَإِشْرَاقِ الشَّمْسِ عَلَيْهَا (فَكُنْتُ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبِ فِي الْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ، وَفِي الْمِشْكَاةِ نَقْلًا عَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَكُنْتُ بِالْوَاوِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ (إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ) أَيْ بَادِيَ الرَّأْيِ (قُلْتُ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ (هُوَ) (وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ بِأَكْحَلَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ يُقَالُ رَجُلٌ أَكْحَلُ بَيِّنُ الْكَحَلِ بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي يَعْلُو جُفُونَ عَيْنَيْهِ سَوَادٌ مِثْلُ الْكُحْلِ مِنْ غَيْرِ اكْتِحَالٍ ; فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ، وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ عَلَى الْمُكْتَحِلِ تَأَمَّلْ ذَكَرَهُ مِيرَكُ وَفِي الْقَامُوسِ الْكَحَلُ مُحَرَّكَةٌ أَنْ يَعْلُوَ مَنَابِتَ الْأَشْفَارِ سَوَادُ خِلْقَةٍ أَوْ أَنْ يَسْوَدَّ مَوَاضِعُ الْكُحْلِ، كَحِلَ كَفَرِحَ، فَهُوَ أَكْحَلُ، انْتَهَى.

فَلَا يَخْفَى أَنَّ أَكْحَلَ لَهُ مَعْنَيَانِ، فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي عَلَى الثَّانِي ; فَتَأَمَّلْ.

ص: 15

أَوْ يُقَالُ مَعْنَاهُ أَنَّ عَيْنَهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي نَظَرِ الْخَلَائِقِ مَكْحُولٌ لَا حَالَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَكْحُولٍ ; فَيُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ أَكْحَلَ بِحَسَبِ الْخِلْقَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ لَيْسَ لِنَفْيِ الْحَالِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَكْثَرِ، فَهُنَا لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ، وَقِيلَ لِمُطْلَقِ النَّفْيِ ; فَلَا إِشْكَالَ.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ) بِفَتْحِ جِيمٍ فَسُكُونِ زَايٍ فَهَمْزٍ (قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: تَبَسُّمَهُ أَكْثَرَ مِنْ ضَحِكِهِ بِخِلَافِ سَائِرِ النَّاسِ ; فَإِنَّ ضَحِكَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ تَبَسُّمِهِمْ ; فَلَا يُنَافِي مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ مُتَوَاصِلُ الْأَحْزَانِ كَذَا حَقَّقَهُ الْفَاضِلُ مَوْلَانَا عَبْدُ الْغَفُورِ، وَتَبِعَهُ الشُّرَّاحُ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَنَفِيُّ بِقَوْلِهِ، وَفِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ كَلِمَةَ (مِنْ) صِلَةُ (أَكْثَرَ تَبَسُّمًا) ، وَمَعْنَاهُ بِمُقْتَضَى الْعُرْفِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرُ تَبَسُّمًا مِنْ غَيْرِهِ قُلْتُ لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ صَحِيحٍ فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّهُ كَانَ قَلِيلَ التَّبَسُّمِ أَحْيَانًا عَلَى مَا وَرَدَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلٍ، فَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ مُتَعَيِّنٌ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. غَايَتُهُ أَنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلَى أَنَّ ضَحِكَ سَائِرِ النَّاسِ مِنْ تَبَسُّمِهِمْ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ الْمُشَاهَدُ فِي عَامَّتِهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَفِي جَمِيعِهِمْ

فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمْ ; فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْمُعْتَرِضِ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ سَائِرَ النَّاسِ ضَحِكُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ تَبَسُّمِهِمْ لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ هُوَ دَعْوَى بَيَانٍ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَتَبَيَّنُ انْدِفَاعُ التَّدَافُعِ بِهِ، انْتَهَى.

قَالَ شَارِحٌ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ مُتَوَاصِلُ الْأَحْزَانِ بَاطِنًا بِسَبَبِ أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَكَانَ أَكْثَرَ تَبَسُّمًا ظَاهِرًا مَعَ النَّاسِ تَآلُفًا بِهِمْ وَحَاصِلُهُ أَنَّ تَوَاصُلَ الْأَحْزَانِ لَا يُنَافِي كَثْرَةَ تَبَسُّمِهِ لِأَنَّ الْحُزْنَ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدِ الْخَلَّالُ) بِفَتْحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ، فَتَشْدِيدِ لَامٍ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَائِعَ الْخَلِّ أَوْ صَانِعَهُ (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقِ السَّيْلَحَانِيُّ) بِفَتْحِ سِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ، وَفَتْحِ لَامٍ، فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ نِسْبَةً لِسَيْلَحُونَ قَرْيَةٍ بِفَتْحٍ أَوْ كَسْرٍ، أَوَّلُهُ الْمُهْمَلَةُ فَتَحْتِيَّةٌ فَلَامٌ مَفْتُوحَةٌ فَمُهْمَلَةٌ انْتَهَى. وَفِي صِحَّةِ النَّسَبِ بَحَثَ نُعْمٌ فِي الْقَامُوسِ (سَيْلَحُونَ) قَرْيَةٌ وَلَا تَقُلْ سَالِحُونَ هَذَا وَفِي نُسْخَةٍ السُّيَلْحَانِيُّ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ وَفِي نُسْخَةٍ السَّيْلَخِينِيُّ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ) أَيِ: ابْنِ جَزْءٍ (قَالَ: مَا كَانَ ضَحِكُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: فِي غَالِبِ أَوْقَاتِهِ (إِلَّا تَبَسُّمًا قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ) قِيلَ غَرَابَتُهُ نَاشِئَةٌ مِنْ تَفَرُّدِ اللَّيْثِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى إِمَامَتِهِ، وَجَلَالَتِهِ ; فَهِيَ غَرَابَةٌ فِي السَّنَدِ لَا تُنَافِي صِحَّتَهُ.

(حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ) بِفَتْحٍ، فَتَشْدِيدٍ (الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) بِالتَّصْغِيرِ (حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ،

ص: 16

فَضَمٍّ (بْنِ سُوَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنِّي لَأَعْلَمُ) أَيْ: بِالْوَحْيِ أَوْ بِالْإِلْهَامِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا، وَالْمَعْنَى أَعْرِفُ (أَوَّلَ رَجُلٍ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ صَوَابُهُ آخِرَ رَجُلٍ (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَآخِرَ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ) أَيْ: مِنْ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَدُّدِ بِنَاءً عَلَى نُسْخَةِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا عَلَى نُسْخَةِ الْآخِرِ، فَيَتَعَيَّنُ الِاتِّحَادُ، فَتَأَمَّلْ لِيَتَبَيَّنَ لَكَ الْمُرَادُ، وَالْأَوَّلُ أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِالْمُذْنِبِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْوَاقِفِينَ فِي الْحِسَابِ قَالَ شَارِحٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَآخِرَ رَجُلٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوَّلَ رَجُلٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَحَاصِلُهُ أَوَّلَ رَجُلٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِمَّنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِنَّمَا هُوَ النَّبِيُّ عليه السلام (يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِلرَّجُلِ الْأَوَّلِ ; فَيَجِبُ أَنْ يُخَصَّ بِالْأَوَّلِ مِنَ الْمُذْنِبِينَ ; لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِنَّمَا هُوَ

النَّبِيُّ عليه السلام، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِلرَّجُلِ الثَّانِي، وَهُوَ آخِرُ رَجُلٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَوْ آخِرُ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ آخِرَ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ هُوَ الَّذِي ذُكِرَ حَالُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْآتِي بَعْدَ هَذَا ; فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هُوَ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِحَالِ رَجُلٍ ثَالِثٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ، وَالْآخِرُ عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ هُنَا وَهْمًا، وَالصَّوَابُ إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ رَجُلٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَخْ ; فَإِنَّهُ هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَيُؤْتَى إِلَخْ. عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا بَيَانٌ لِحَالِ رَجُلٍ ثَالِثٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ بَيَانٌ لِآخِرِ رَجُلٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ تَأَمَّلْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَيُقَالُ) أَيْ: فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ (اعْرِضُوا) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، وَكَسْرِ رَاءٍ أَمْرٌ مِنَ الْعَرْضِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الرَّجُلِ (صِغَارَ ذُنُوبِهِ) بِكَسْرِ الصَّادِ صَغَائِرَ ذُنُوبِهِ (وَيُخَبَّأُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْخَبْءِ بِالْهَمْزَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي إِعْرَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَطَفَ جُمْلَتَهُ عَلَى جُمْلَةِ اعْرِضُوا ; فَلَا يُقَالُ لِلْمَلَائِكَةِ اعْرِضُوا، وَاخْبِئُوا عَنْهُ ذَلِكَ انْتَهَى. فَتَأَمَّلْ يَظْهَرْ لَكَ الْخَلَلُ، وَالْمَعْنَى يَخْفَى (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الرَّجُلِ (كِبَارُهَا) أَيْ: كَبَائِرُ ذُنُوبِهِ أَيْ لِلْحِكْمَةِ الْآتِيَةِ (فَيُقَالُ لَهُ عَمِلْتَ) أَيْ: مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (يَوْمَ كَذَا) أَيْ: فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ مِنَ السَّنَةِ، وَالشَّهْرِ وَالْأُسْبُوعِ وَالْيَوْمِ، وَالسَّاعَةِ (كَذَا) أَيْ: مِنَ الذَّنْبِ (وَكَذَا) أَيْ: مِنَ الذَّنْبِ الْآخَرِ (وَهُوَ مُقِرٌّ لَا يُنْكِرُ) أَيْ: فَيَتَذَكَّرُ ذَلِكَ، وَيُصَدِّقُهُ هُنَالِكَ (وَهُوَ مُشْفِقٌ) مِنَ الْإِشْفَاقِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ خَائِفٌ (مِنْ كِبَارِهَا) أَيْ: مِنْ إِظْهَارِهَا، وَاعْتِبَارِهَا ; فَإِنَّ مَنْ يُؤْخَذُ بِالصَّغِيرَةِ ; فَبِالْأَوْلَى أَنْ يُعَاقَبَ بِالْكَبِيرَةِ (فَيُقَالُ أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمِلَهَا حَسَنَةً) إِمَّا لِتَوْبَةٍ أَوْ لِكَثْرَةِ طَاعَتِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ مَظْلُومًا فِي حَيَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ (فَيَقُولُ) أَيْ: طَمَعًا لِلْحَسَنَاتِ (إِنَّ لِي ذُنُوبًا مَا أَرَاهَا هَاهُنَا) أَيْ: فِي مَوْضُوعِ الْعَرْضِ أَوْ فِي صَحِيفَةِ الْأَعْمَالِ (قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ ثُمَّ بَدَتْ) أَيْ: ظَهَرَتْ (نَوَاجِذُهُ) فِي النِّهَايَةِ النَّوَاجِذُ مِنَ الْأَسْنَانِ الضَّوَاحِكُ وهي

ص: 17

الَّتِي تَبْدُو عِنْدَ الضِّحْكِ والأَكْثَر الأَشْهَر أَنَّهَا أَقْصَى الأَسْنَان والُمرَادُ الأَوَّلُ لأَِنَّهُ مَا كَانَ يَبْلُغُ بِهِ الضِّحْك حَتَّى يَبْدُو آخِرُ أَضْرَاسِهِ كَيْفَ، وَقَدْ جَاءَ فِي صِفَةِ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَوَاخِرُ، فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يُرَادَ مُبَالَغَةً مِنْهُ فِي ضَحِكِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَادَ ظُهُورُ نَوَاجِذٍ مِنَ الضَّحِكِ، وَهُوَ أَقْيَسُ الْقَوْلَيْنِ لِاشْتِهَارِ النَّوَاجِذِ بِأَوَاخِرِ الْأَسْنَانِ، وَفِي الْقَامُوسِ، النَّوَاجِذُ: هِيَ أَقْصَى الْأَسْنَانِ أَوِ الَّتِي تَلِي الْأَنْيَابَ أَوِ الْأَضْرَاسَ انْتَهَى.

وَقِيلَ هِيَ مِنَ الْأَنْيَابِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا أَرْبَعٌ مِنْ آخِرِ الْأَسْنَانِ كُلٌّ مِنْهَا يُسَمَّى ضِرْسُ الْعَقْلِ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْبُتُ إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ

وَقَدْ لَا يُوجَدُ هَذِهِ الْأَسْنَانُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ الْأَسْنَانِ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا زَائِدٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: الْبَجَلِيِّ (قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا مَنَعَنِي مِنْ مُجَالَسَتِهِ الْخَاصَّةِ أَوْ مِنْ بَيْتِهِ حَيْثُ يُمْكِنُ الدُّخُولُ عَلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ إِنِّي لَمْ أَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ الْبَتَّةَ مَطْلُوبَاتِي مِنْهُ (مُنْذُ أَسْلَمْتُ) أَسْلَمَ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ جَرِيرٌ: أَسَلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَنَزَلَ الْكُوفَةَ، وَسَكَنَهَا زَمَانًا ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى قِرْقِيسْيَا وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ (وَلَا رَآنِي) أَيْ: مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِذِ الْحَذْفُ مِنَ الثَّانِي لِدِلَالَةِ الْأَوَّلِ كَثِيرٌ (إِلَّا ضَحِكَ) أَيْ: إِلَّا تَبَسَّمَ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُطَابِقِ لِمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ الْمُوَافَقَةِ لِمَا فِي الْمِشْكَاةِ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا زَائِدٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ) أَيِ: ابْنِ أَبِي حَازِمٍ (عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا رَآنِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنَ الْفِعْلَيْنِ (إِلَّا تَبَسَّمَ) مُرْتَبِطٌ بِالْفِعْلِ الثَّانِي وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُنْذُ أَسْلَمْتُ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا

رَآنِي كَمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ.

وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّبَسُّمِ لَهُ كُلَّ مَرَّةٍ فِي رُؤْيَتِهِ أَنَّهُ رَآهُ مُظْهِرَ الْجَمَالِ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ صُورَةٌ حَسَنَةٌ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: رضي الله عنه فِي حَقِّهِ أَنَّهُ يُوسُفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ.

(حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ) بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ فَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ أَيِ: ابْنِ عُمَرَ (

ص: 18

السَّلْمَانِيُّ) بِفَتْحِ السِّينِ، وَسُكُونِ اللَّامِ، وَيُفْتَحُ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي سَلْمَانَ قَبِيلَةٌ مِنْ مُرَادٍ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ) أَيْ: عَنْ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ (خُرُوجًا) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ (رَجُلٌ) قِيلَ اسْمُهُ جُهَيْنَةُ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ أَوْ هَنَّادٌ الْجُهَنِيُّ (يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ بِغَيْرِ لَفْظِهِ أَوْ حَالٌ أَيْ: زَاحِفًا، وَالزَّحْفُ: الْمَشْيُ عَلَى الِاسْتِ مَعَ إِشْرَافِ الصَّدْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ حَبْوًا بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ الْمَشْيُ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ أَوِ الرُّكْبَتَيْنِ أَوِ الْمَقْعَدِ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يُرَادُ بِهِ الْآخَرُ أَوْ أَنَّهُ يَزْحَفُ تَارَةً، وَيَحْبُوا أُخْرَى (فَيُقَالُ لَهُ انْطَلِقْ) أَيْ: اذْهَبْ (فَادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ: فَيَذْهَبُ لِيَدْخُلَ) أَيِ: الْجَنَّةَ لِكَيْ يَدْخُلَهَا أَيْ: فَيُسْرِعُ لِيَدْخُلَهَا (فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ) فَيُقَالُ لَهُ أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ أَيْ: فِي الدُّنْيَا، وَالْمَعْنَى أَتَقِيسُ زَمَنَكَ هَذَا الَّذِي أَنْتَ فِيهِ الْآنَ بِزَمَنِكَ الَّذِي كُنْتَ فِي الدُّنْيَا إِنَّ الْأَمْكِنَةَ إِذَا امْتَلَأَتْ بِالسَّاكِنِينَ لَمْ يَكُنْ لِلَّاحِقِ مَسْكَنٌ فِيهَا (فَيَقُولُ نَعَمْ ; فَيُقَالُ لَهُ تَمَنَّ) أَيْ: مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، وَنَوْعٍ تَشْتَهِي مِنْ وُسْعِ الدَّارِ، وَكَثْرَةِ الْأَشْجَارِ، وَالثِّمَارِ ; فَإِنَّ لَكَ مَعَ امْتِلَائِهَا مَسَاكِنَ كَثِيرَةً، وَأَمَاكِنَ كَبِيرَةً، وَجَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلُّهَا عَلَى طَرِيقِ خَرْقِ الْعَادَةِ بِقُدْرَةِ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ (قَالَ: فَيَتَّمَنَّ) أَيْ: فَيَسْأَلُ مَا يُعَدُّ مُحَالًا (فَيُقَالُ لَهُ ; فَإِنَّ لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةَ أَضْعَافِ الدُّنْيَا) أَيْ: وَلَا تَقِسْ حَالَ الْأُخْرَى عَلَى الْأُولَى فَإِنَّ تِلْكَ دَارُ ضِيقٍ، وَمِحْنَةٍ وَهَذِهِ دَارُ سِعَةٍ، وَمِنْحَةٍ (قَالَ) أَيْ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (فَيَقُولُ) أَيْ: مِنْ غَايَةِ الْفَرَحِ، وَالِاسْتِبْشَارِ، وَنِهَايَةِ الِانْبِسَاطِ وَطَيِّ بِسَاطِ الْأَدَبِ مَعَ الْجَبَّارِ (أَتَسْخَرُ) أَيْ: تَسْتَهْزِئُ (بِي) وَفِي نُسْخَةٍ بِالنُّونِ بَدَلَ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ لَكِنَّ الْأُصُولَ الْمُعْتَمَدَةَ، وَالنُّسَخَ الْمُصَحَّحَةَ عَلَى الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ

وَعَكَسَ ابْنُ حَجَرٍ الْقَضِيَّةَ تَبَعًا لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ، وَجَعَلَ النُّونَ أَصْلًا ثُمَّ قَالَ: وَفِي رِوَايَةٍ أَتَسْخَرُ بِي، وَالْأُولَى أَفْصَحُ، وَأَشْهَرُ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ.

قِيلَ وَعِنْدِي تَسْخَرُ بِالْبَاءِ لِتَضَمُّنِهُ مَعْنَى تَهْزَأُ قُلْتُ أَمَّا لُغَةً فَفِي الْقَامُوسِ سَخِرَ مِنْهُ وَبِهِ كَفَرِحَ هَزِئَ ; فَهَاتَانِ لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَفْصَحَ هُوَ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَقَدْ جَاءَ بِالْأَوْلَى مِنْهُمَا حَيْثُ قَالَ تَعَالَى فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَقَالَ عز وجل وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ وَلَا نَعْرِفُ فِي الْقُرْآنِ تَعْدِيَتَهُ بِالْبَاءِ، وَلَا بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا، وَلَا فِي اللُّغَةِ هَذَا الْمَعْنَى نَعَمْ جَاءَ سَخَرَهُ كَمَنَعَهُ سِخْرِيًّا بِالْكَسْرِ وَيُضَمُّ، كَلَّفَهُ مَا لَا يُرِيدُ وَقَهَرُهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَلَا مِرْيَةٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَالْقَوْلُ بِكَوْنِهِ أَفْصَحَ، وَأَشْهَرَ خَطَأٌ رِوَايَةً، وَدِرَايَةً وَالْقَوْلُ بِالتَّضَمُّنِ مُسْتَدْرَكٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِتَحَقُّقِهِ لُغَةً، فَرِوَايَةُ النُّونِ تُحْمَلُ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَالْمَعْنَى أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي (وَأَنْتَ الْمَلِكُ) أَيْ: وَالْحَالُ إِنَّكَ الْمَلِكُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ عَظِيمُ الْبُرْهَانِ وَأَنَا الْعَبْدُ الذَّلِيلُ

ص: 19

الْمُسْتَهَانُ وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الدَّهَشِ، وَالتَّحَيُّرِ وَالْغُرُورِ لِمَا نَالَهُ مِنَ السُّرُورِ بِكَثْرَةِ الْحُورِ، وَالْقُصُورِ مِمَّا كَانَ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ، وَلَمْ يَتَصَوَّرْ فِي آمَالِهِ مِنْ حُسْنِ مَا لَهُ ; فَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ ضَابِطًا لِأَقْوَالِهِ، وَلَا عَالِمًا بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ جَرَيَانِ حَالِهِ بَلْ جَرَى لِسَانُهُ بِمُقْتَضَى عَادَتِهِ فِي مُخَاطَبَةِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمُحَاوَرَةِ أَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ. نَظِيرُهُ مَا رُوِيَ عَمَّنْ قَالَ مِمَّنْ لَمْ يَضْبِطْ نَفْسَهُ حَالَةَ غَايَةِ الْفَرَحِ فِي الدُّعَاءِ حَيْثُ صَدَرَ مِنْهُ سَبَقَاللِّسَانُ بِقَوْلِهِ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ مَكَانَ أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الشُّرَّاحُ، وَخَطَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ بِهَذَا الْمَقَالِ وَاحِدٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ ; فَيُقَالُ (قَالَ) أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) جَمْعُ النَّاجِذِ، وَهُوَ آخِرُ الْأَسْنَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ هِيَ الْأَضْرَاسُ كُلُّهَا، وَقِيلَ بَلْ هِيَ الَّتِي تَلِي الْأَنْيَابَ، وَاسْتَدَلَّ هَذَا الْقَائِلُ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ كَانَ جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمَ فَلَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِإِبْدَاءِ أَقْصَى الْأَسْنَانِ فَالْوَجْهُ فِي وَصْفِهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرَادَ الْمُبَالَغَةُ فِي الضَّحِكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوصَفَ بِإِبْدَاءِ نَوَاجِذِهِ حَقِيقَةً، وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّوَاجِذَ بِمَعْنَى أَقْصَى السِّنَانِ لُغَةً لَكِنَّهُ رَفَضَ هَذَا الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ هُنَا، وَعَدَلَ إِلَى إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ ضَحِكَ فُلَانٌ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَقَصْدُهُمْ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الضَّحِكِ إِذْ لَيْسَ فِي إِبْدَاءِ مَا وَرَاءَ النَّابِ مُبَالَغَةٌ ; فَإِنَّهُ يَظْهَرُ بِأَوَّلِ مَرَاتِبِ الضَّحِكِ.

وَأَغْرَبَ مِيرَكُ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا غَايَةٌ مِنَ التَّحْقِيقِ، وَنِهَايَةٌ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ عُلُومِ الْمَعَانِي، وَالْبَيَانِ، وَالْبَدِيعِ الَّتِي هِيَ زُبْدَةُ الْعُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ عُمْدَةُ كَلَامِ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ، وَالْحَدِيثِ فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالرِّوَايَاتِ النُّورَانِيَّةِ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا كَمَالُ الْإِعْجَازِ، وَظُهُورُ الْإِطْنَابِ، وَالْإِيجَازِ، وَبَيَانُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَبُلُوغُ مَبْلَغِ الْبَلَاغَةِ، وَحُصُولُ مُفْصِحِ الْفَصَاحَةِ الْمُنْبِئَةِ عَنْ ظُهُورِ النُّبُوَّةِ، وَالرِّسَالَةِ.

وَأَغْرَبَ مِيرَكُ حَيْثُ قَالَ: وَكَمْ تَرَى مِمَّنْ ضَاقَ عَطَنُهُ، وَجَفَا عَنِ الْعِلْمِ بِجَوْهَرِ الْكَلَامِ، وَاسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَنْتَحِيهَا الْعَرَبُ لَا تُسَاعِدُ اللُّغَةَ ; فَيَهْدِمُ مَا بُنِيَتْ عَلَيْهِ الْأَوْضَاعُ، وَيَخْتَرِعُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ

وَضْعًا مُسْتَحْدَثًا لَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ الْمَوْثُوقُ بِعَرَبِيَّتِهِمْ، وَلَا الْعُلَمَاءُ الْأَثْبَاتُ الَّذِينَ تَلَقَّوْهَا عَنْهُمْ، وَاحْتَاطُوا، وَتَأَنَّقُوا فِي تَلَقِّيهَا، وَتَدَاوِينِهَا ; فَيَضِلُّ، وَيُضِلُّ وَاللَّهُ حَسِيبُهُ ; فَإِنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مَا يَجْرِي مِنْهُ الْقُرْآنُ الْحَكِيمُ.

قُلْتُ لَوْ حُمِلَ مَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى مَا تَدَاوَلَتْهُ الْعَرَبُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْيَدِ، وَالْعَيْنِ، وَالِاسْتِوَاءِ، وَغَيْرِهَا لِوُقُوعِ جَمِيعِ النَّاسِ فِي فَسَادِ الِاعْتِقَادِ مِنَ التَّجْسِيمِ، وَالتَّشْبِيهِ، وَإِثْبَاتِ الْجِهَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ رَبُّ الْعِبَادِ.

فَالْمَخْلَصُ مِنْ مِثْلِ هَذَا فِي الْآيَةِ، وَالْحَدِيثِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا التَّفْوِيضُ، وَالتَّسْلِيمُ كَمَا هُوَ طَرِيقُ أَكْثَرِ السَّلَفِ، أَوِ التَّأْوِيلُ اللَّائِقُ بِالْمَقَامِ دَفْعًا لِتَوَهُّمٍ فَوَهْمُ الْعَوَامِّ كَمَا سَبِيلُ غَالِبِ الْخَلَفِ، وَالثَّانِي أَضْبَطُ وَأَحْكَمُ، وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ وَأَسْلَمُ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا) أَيْ: حَضَرْتُهُ رضي الله عنه حَالَ كَوْنِهِ (أَتَى) أَيْ: جِيءَ (بِدَابَّةٍ) وَهِيَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ مَا يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ثُمَّ خَصَّهَا الْعُرْفُ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ (لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ) أَيْ: أَرَادَ وَضْعَهَا (فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ) قِيلَ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ نُوحٍ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ السَّفِينَةَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ لِأَنَّ عَلِيًّا نَقَلَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَيَّنَ أَنَّهُ تَأَسَّى بِهِ فِي ذَلِكَ ; فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يُقَالُ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ إِلَخْ.

قُلْتُ: وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ فِعْلَهُ صلى الله عليه وسلم الْمَبْنِيَّ عَلَيْهِ فِعْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ وَلَا بِدْعَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ كَمَا أَنَّ بَقِيَّةَ الْأَذْكَارِ الْآتِيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ

ص: 20

مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ الْآيَةَ (فَلَمَّا اسْتَوَى) أَيْ: اسْتَقَرَّ (عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ: عَلَى نِعْمَةِ الرُّكُوبِ عَلَى الْمَنْهَجِ الْمَرْغُوبِ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ: تَعَجُّبًا مِنْ تَسْخِيرِ الدَّابَّةِ الْقَوِيَّةِ مِنَ الْخَيْلِ، وَالنَّاقَةِ لِلْإِنْسَانِ الضَّعِيفِ الْبِنْيَةِ (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ) أَيْ: ذَلَّلَ (لَنَا) أَيْ: لِأَجْلِنَا (هَذَا) أَيِ: الْمَرْكُوبَ (وَمَا كُنَّا لَهُ) أَيْ: لِتَسْخِيرِهِ (مُقْرِنِينَ) أَيْ: مُطِيقِينَ لَوْلَا تَسْخِيرُهُ لَنَا (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا) أَيْ: حُكْمِهِ، وَأَمْرِهِ أَوْ قَضَائِهِ، وَقَدَرِهِ أَوْ جَزَائِهِ، وَأَجْرِهِ (لَمُنْقَلِبُونَ) أَيْ: رَاجِعُونَ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَنَاسَبَ ذِكْرُهُ لِأَنَّ الدَّابَّةَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ.

وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ بَعْدَ وُقُوعِ الْمُصِيبَةِ لَا قَبْلَهُ لَا سِيَّمَا وَمَا قَبْلَهُ مِنَ الْمِنَّةِ الَّتِي يَجِبُ الْحَمْدُ عَلَيْهَا (ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ: شُكْرًا لِلتَّسْخِيرِ (ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي التَّكْرِيرِ إِشْعَارٌ بِتَعْظِيمِ النِّعْمَةِ أَوِ الْأَوَّلُ: لِحُصُولِ النِّعْمَةِ، وَالثَّانِي: لِدَفْعِ النِّقْمَةِ، وَالثَّالِثُ: لِعُمُومِ الْمِنْحَةِ (وَاللَّهُ أَكْبَرُ) أَيْ: تَعَجُّبًا لِلتَّسْخِيرِ (ثَلَاثًا) إِمَّا تَعْظِيمًا لِهَذِهِ الصَّنْعَةِ، أَوِ الْأَوَّلُ: إِيمَاءٌ عَلَى الْكِبْرِيَاءِ، وَالْعَظَمَةِ فِي ذَاتِهِ، وَالثَّانِي: لِلتَّكْبِيرِ وَالتَّعْظِيمِ فِي صِفَاتِهِ، وَالثَّالِثُ: إِشْعَارٌ إِلَى أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الِاسْتِوَاءِ الْمَكَانِيِّ، وَالِاسْتِعْلَاءِ

الزَّمَانِيِّ (سُبْحَانَكَ) أَيْ: أُسَبِّحُكَ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا وَتَسْبِيحًا مُحَقَّقًا إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي أَيْ: بِعَدَمِ الْقِيَامِ لِوَظِيفَةِ شُكْرِ الْإِنْعَامِ، وَلَوْ بِغَفْلَةٍ أَوْ خَطْرَةٍ أَوْ نَظْرَةٍ (فَاغْفِرْ لِي ; فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) فَفِيهِ إِشْعَارٌ لِلِاعْتِرَافِ بِتَقْصِيرِهِ مَعَ إِنْعَامِ اللَّهِ، وَتَكْثِيرِهِ (ثُمَّ ضَحِكَ) أَيْ: عَلِيٌّ (فَقُلْتُ) أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ) وَفِي نُسْخَةٍ تَضْحَكُ، وَفِي أُخْرَى فَقَالَ أَيِ ابْنُ رَبِيعَةَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ، وَوُجِّهَ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الِالْتِفَاتِ لِلِانْتِقَالِ مِنَ التَّكَلُّمِ عَلَى الْغَيْبَةِ أَوْ مِنْ بَابِ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى لِلرَّاوِي عَنْهُ، ثُمَّ خِطَابُهُ بِقَوْلِهِ (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَضِيَّةَ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ (قَالَ) أَيْ: عَلِيٌّ مُجِيبًا لَهُ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ) أَيْ: قَوْلًا، وَفِعْلًا (ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ) أَيْ: لَيَرْضَى (مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ رَبِّي اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي يَعْلَمُ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ قَالَ: وَأَغْرَبَ مِيرَكُ فِي قَوْلِهِ بِتَقْدِيرِ قَدْ ; لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْحَالِيَّةَ إِذَا كَانَتْ فِعْلِيَّةً مُضَارِعِيَّةً مُثْبَتَةً تَتَلَبَّسُ بِالضَّمِيرِ وَحْدَهُ لِمُشَابَهَتِهِ لَفْظًا، وَمَعْنًى لِاسْمِ الْفَاعِلِ الْمُسْتَغْنِي عَنِ الْوَاوِ نَحْوُ جَاءَنِي زَيْدٌ يُسْرِعُ.

قِيلَ وَقَدْ سُمِعَ بِالْوَاوِ، نَعَمْ لَا بُدَّ فِي الْمَاضِي الْمُثْبَتِ مِنْ (قَدْ) ظَاهِرَةً أَوْ مُقَدَّرَةً خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ بَلْ تَقْدِيرُ قَدْ مَضَرَّةٌ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَالْمَعْنَى قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي غَيْرُ غَافِلٍ أَوْ جَاهِلٍ بَلْ حَالَ كَوْنِهِ عَالِمًا (أَنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أَحَدٌ غَيْرِي) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّهُ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا كَلَامُهُ تَعَالَى كَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنْ يَجْعَلَ (يَعْلَمُ) بَدَلًا مِنْ (يَعْجَبُ) أَوْ حَالًا لَازِمَةً مِنْ ضَمِيرِهِ الرَّاجِعِ عَلَى الرَّبِّ هَذَا.

وَقَدْ قَالَ شَارِحٌ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِعْظَامِ الشَّيْءِ، وَمَنْ ضَحِكَ مِنْ أَمْرٍ إِنَّمَا يَضْحَكُ مِنْهُ إِذَا اسْتَعْظَمَهُ فَكَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَافَقَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ صلى الله عليه وسلم وَافَقَ الرَّبَّ تَعَالَى، انْتَهَى.

وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ عِلْمَ الْعَبْدِ بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا رَبُّهُ لَيْسَ مِمَّا يُسْتَعْظَمُ. فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ التَّعَجُّبُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الْمُحَالِ أُرِيدَ بِهِ غَايَتُهُ، وَهُوَ الرِّضَا، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِجَزِيلِ الثَّوَابِ لِلْعَبْدِ الْعَاصِي، وَهُوَ مُقْتَضٍ لِفَرَحِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْمُوجِبِ لِضَحِكِهِ، وَلَمَّا تَذَكَّرَ ذَلِكَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ اقْتَضَى مَزِيدَ فَرَحِهِ ; فَضَحِكَ لَا أَنَّ ضَحِكَهُ مُجَرَّدُ تَقْلِيدٍ ; فَإِنَّهُ غَيْرُ اخْتِيَارِيٍّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَتَكَلَّفُ لَهُ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي حَمْلُ ضَحِكِ النَّبِيِّ - صلّى الله عليه

ص: 21

وسلم - وَالْوَلِيِّ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسْوَدُ) بِتَكْرَارِ مُحَمَّدٍ عَلَى الصَّوَابِ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) أَيِ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيِّ الْقُرَشِيِّ سَمِعَ أَبَاهُ، وَعُثْمَانَ وَغَيْرَهُ، وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ

وَغَيْرُهُ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فِي التَّابِعِينَ (قَالَ: قَالَ سَعْدٌ) هُوَ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقَالَ: كُنْتُ ثَالِثَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ تَرْجَمَةٍ لَهُ رضي الله عنه (لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ) كَجَعْفَرٍ حَفِيرٌ حَوْلَ أَسْوَارِ الْمَدِينَةِ مُعَرَّبُ كِنْدَةَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ) أَيْ: عَامِرٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيُّ، وَالْعِصَامُ، وَابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: فَاعِلُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ، وَأَنْسَبَ (قُلْتُ) لِسَعْدٍ أَوْ لِعَامِرٍ (كَيْفَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَيْفَ كَانَ أَيْ: عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ ضَحِكُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (قَالَ) أَيْ: سَعْدٌ أَوْ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ.

وَقَالَ مِيرَكُ: وَكَأَنَّهُ نَقَلَ كَلَامَ أَبِيهِ بِالْمَعْنَى، وَبُعْدَهُ لَا يَخْفَى كَمَا سَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ (كَانَ رَجُلٌ مَعَهُ تُرْسٌ) الْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ (وَكَانَ سَعْدٌ رَامِيًا) إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَالَ الثَّانِي لِعَامِرٍ ; فَلَا إِشْكَالَ غَيْرَ أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَبِي، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي أَسَانِيدِ الصَّحَابَةِ، وَإِنْ كَانَ لِسَعْدٍ ; فَهُوَ مِنَ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى أَوْ مِنْ قَبِيلِ الِالْتِفَاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ (وَكَانَ) قِيلَ هَذَا مِنْ كَلَامِ سَعْدٍ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ أَيْ: وَكَانَ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ (يَقُولُ) أَيْ: يَفْعَلُ (كَذَا وَكَذَا بِالتُّرْسِ) أَيْ: يُشِيرُ يَمِينًا، وَشِمَالًا (يُغَطِّي جَبْهَتَهُ) أَيْ: حَذَرًا عَنِ السَّهْمِ، وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانًا لِلْإِشَارَةِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَقُولُ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ الْقَوْلَ عِبَارَةً عَنْ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَتُطْلِقُهُ عَلَى غَيْرِ الْكَلَامِ وَاللِّسَانِ، فَتَقُولُ: قَالَ بِيَدِهِ أَيْ: أَخَذَهُ، وَقَالَ: بِرِجْلِهِ أَيْ: مَشَى وَقَالَتْ بِهِ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً أَيْ: أَوْمَأَتْ بِهِ وَقَالَ بِالْمَاءِ عَلَى يَدِهِ أَيْ: قَلَبَهُ، وَقَالَ: بِثَوْبِهِ أَيْ: رَفَعَهُ وَقَالَ: بِالتُّرْسِ أَيْ: أَشَارَ وَقَلَبَ، وَقِسْ عَلَى هَذِهِ الْمُذْكُورَاتِ غَيْرَهَا انْتَهَى.

وَقَدْ غَفَلَ الْحَنَفِيُّ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَقَالَ: فِي قَوْلِهِ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا أَيْ: مَا لَا يُنَاسِبُ لِجَنَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا لِأَصْحَابِهِ، وَبِالتُّرْسِ مُتَعَلِّقٌ بِيُغَطِّي (فَنَزَعَ لَهُ سَعْدٌ) سَبَقَ بَحْثُهُ (بِسَهْمٍ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ: أَخْرَجَ، وَمَدَّ لَهُ سَعْدٌ سَهْمًا مُنْتَظِرًا كَشْفَ جَبْهَتِهِ.

(فَلَمَّا رَفَعَ) .

أَيِ: الرَّجُلُ (رَأْسَهُ) أَيْ: مِنْ تَحْتِ التُّرْسِ ; فَظَهَرَتْ جَبْهَتُهُ؛ (رَمَاهُ فَلَمْ يُخْطِئْ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، فَهَمْزٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ طَائِهِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَقَالَ الْعِصَامُ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ مِنَ الْخَطَاءِ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الْإِخْطَاءِ أَيْ: لَمْ يَتَجَاوَزْ، وَلَمْ يَتَعَدَّ (هَذِهِ) أَيْ: جَبْهَتَهُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنَ السَّهْمِ بَلْ أَصَابَهَا، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ قَلْبٍ نَحْوُ عَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ.

وَقَوْلُهُ (يَعْنِي جَبْهَتَهُ) كَلَامُ عَامِرٍ أَوْ مَنْ قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدًا يَعْنِي أَيْ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ هَذِهِ الْجَبْهَةَ هَذَا خُلَاصَةُ الْمَرَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَقَدْ أَطْنَبَ الْحَنَفِيُّ، وَجَمَعَ بَيْنَ السَّمِينِ، وَالْهُزَالِ مِنَ الْكَلَامِ، فَتَأَمَّلْ لِئَلَّا تَقَعَ فِي الظَّلَامِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي النِّهَايَةِ أَخْطَأَ يُخْطِئُ إِذَا سَلَكَ سَبِيلَ الْخَطَاءِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَيُقَالُ خَطَأَ يَعْنِي أَخْطَأَ أَيْضًا، وَقِيلَ خَطَأَ إِذَا تَعَمَّدَ، وَأَخْطَأَ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ وَيُقَالُ لِمَنْ أَرَادَ شَيْئًا، فَفَعَلَ غَيْرَهُ أَوْ فَعَلَ غَيْرَ الصَّوَابِ أَخْطَأَ انْتَهَى. كَلَامُهُ إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ ; فَلَمْ يُخْطِئْ عَلَى صِيغَةِ

الْمَعْلُومِ مِنَ الْإِخْطَاءِ أَيْ: لَمْ تُخْطِئْ هَذِهِ الرَّمْيَةُ مِنْهُ أَيْ: مِنَ الرَّجُلِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ يَعْنِي جَبْهَتَهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَلَمْ يُخْطَئْ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَطَاءِ وَالْإِخْطَاءِ،

ص: 22