الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْكَلَامَ بَعْدَ الْعِشَاءِ كَذَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ (قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا) أَيِ: الَّذِي لَمْ يُجَامِعِ امْرَأَتَهُ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَا الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ ذَنْبًا، وَلَوْ مُقَيَّدًا بِاللَّيْلَةِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكَبِيرَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ مِعْنَاهُ لَمْ يُجَامِعْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَقَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَبَجَّحَ أَبُو طَلْحَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، قَالَ مِيرَكُ وَيُقَوِّيِهِ أَنَّ رِوَايَةَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ لَا يَدْخُلُ الْقَبْرَ أَحَدٌ قَارَفَ أَهْلَهُ الْبَارِحَةَ فَتَنَحَّى عُثْمَانُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْأَوْسَطِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ (قَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ:(انْزِلْ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا) وَأَبُو طَلْحَةَ هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ، وَقَتَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ، وَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ لِوَلِىِّ امْرَأَةٍ مَاتَتْ أَنْ يَأْمُرَ أَجْنَبِيًّا بِأَنْ يَنْزِلَ فِي قَبْرِهَا، وَفِيهِ إِدْخَالُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ قَبْرَهَا لِكَوْنِهِمْ أَقْوَى عَلَى ذَلِكَ مِنَ النِّسَاءِ، وَالتَّوَسُّلِ بِالصَّالِحِينَ فِي أَمْثَالِهِ.
فَإِنْ قِيلَ مَا الْحِكْمَةُ فِيهِ إِذَا فَسَّرَ الْمُقَارَفَةَ بِالْمُجَامَعَةِ قُلْتُ لَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ، وَأَنْ يَكُونَ النَّازِلُ فِيهِ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِمُخَالَطَةِ النِّسَاءِ لِتَكُونَ نَفْسُهُ مُطَمْئِنَةً سَاكِنَةً كَالنَّاسِيَةِ لِلشَّهْوَةِ وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَاشَرَ جَارِيَةً، فَعَلِمَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُعْجِبْهُ حَيْثُ شُغِلَ عَنِ الْمَرِيضَةِ الْمُحْتَضِرَةِ بِهَا، فَأَرَادَ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ فِي قَبْرِهَا مُعَاتَبَةً عَلَيْهِ، فَكَنَّى بِهِ أَوْ حِكْمَةٌ أُخْرَى اللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا، وَقَالَ صَاحِبُ الِاسْتِيعَابِ: فِي تَرْجَمَةِ أُمِّ كُلْثُومٍ اسْتَأْذَنَ أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنْزِلَ فِي قَبْرِهَا، فَأَذِنَ لَهُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّهَا بِنْتٌ لَهُ صَغِيرَةٌ غَيْرُ رُقَيَّةَ، وَأُمِّ كُلْثُومٍ فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ مِنْ نُزُولِ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ وَالزَّوْجِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ صلى الله عليه وسلم ابْنَةٌ طِفْلَةٌ كَذَلِكَ عَلَى مَا سَبَقَ وَقِيلَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ لِيُقْبِرَهَا بَلْ لِيُعِينَ غَيْرَهُ، وَفِيهِ أَنَّ الَّذِينَ أَعَانَهُمْ لَيْسُوا مِنْ مَحَارِمِهَا، فَالْإِشْكَالُ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ ; لِأَنَّ رِوَايَةَ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَفِي
رِوَايَةٍ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ قَبْرَهَا عَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ وَأُسَامَةُ ; فَإِنْ صَحَّتْ، فَلَا مَانِعَ مِنْ نُزُولِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَخْرَجَ الدُّولَابِيُّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا عُزِّيَ بِرُقَيَّةَ بِنْتِهِ امْرَأَةِ عُثْمَانَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ دَفْنُ الْبَنَاتِ مِنَ الْمَكْرُمَاتِ ثُمَّ زَوَّجَ صلى الله عليه وسلم عُثْمَانَ أُمَّ كُلْثُومٍ، وَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مِائَةَ بِنْتٍ يَمُتْنَ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ زَوَّجْتُكَ أُخْرَى هَذَا جِبْرِيلُ أَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُنِي أَنْ أُزَوِّجَكَهَا رَوَاهُ الْفَضَائِلِيُّ، وَبَقِيَ مِنْ بَنَاتِهِ صلى الله عليه وسلم زَيْنَبُ، وَهِيَ أَكْبَرُهُنَّ بِلَا خِلَافٍ مَاتَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ تَحْتَ ابْنِ خَالَتِهَا أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فَاطِمَةُ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ أَفْضَلُ بَنَاتِهِ صلى الله عليه وسلم لَكِنْ كَانَتْ فَاطِمَةُ أَحَبَّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَقِبٌ إِلَّا مِنْهَا مِنْ جِهَةِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ رضي الله عنهم، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَقِبَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ انْتَشَرَ مِنْ عَلِيٍّ، وَأُخْتِهِ أُمِّ كُلْثُومٍ ابْنَيْ زَيْنَبَ بِنْتِ الزَّهْرَاءِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ لَهُمْ شَرَفًا لَكِنَّهُ دُونَ شَرَفِ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَأَمَّا أَوْلَادُهُ صلى الله عليه وسلم الذُّكُورُ فَفِي عِدَّتِهِمْ خِلَافٌ طَوِيلٌ، وَالْمُتَحَصَّلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَقْوَالِ ثَمَانِيَةُ ذُكُورٍ اثْنَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا الْقَاسِمُ، وَإِبْرَاهِيمُ وَسِتَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ مَنَافٍ وَالطَّيِّبُ وَالْمُطَيَّبُ وَالطَّاهِرُ وَالْمُطَهَّرُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الذُّكُورَ ثَلَاثَةٌ، وَكُلُّهُمْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا مِنْ خَدِيجَةَ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ فَمِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ الْقِبْطِيُّ صَاحِبُ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَوَلَدَتْ لَهُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمَاتَ، وَلَهُ سَبْعُونَ يَوْمًا عَلَى خِلَافٍ فِيهِ وَوَرَدَ مِنْ طَرِيقِ ثَلَاثَةٍ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَوْ عَاشَ إِبْرَاهِيمُ لَكَانَ نَبِيًّا، وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ، وَلَا يُظَنُّ بِالصَّحَابَةِ الْهُجُومُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الظَّنِّ، وَأَمَّا إِنْكَارُ النَّوَوِيُّ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لِذَلِكَ، فَلِعَدَمِ ظُهُورِ التَّأْوِيلِ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ
(بَابُ مَا جَاءَ فِي فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
-)
الْفِرَاشُ بِكَسْرِ الْفَاءِ مَا يَبْسُطُ الرَّجُلُ تَحْتَهُ، وَيُجْمَعُ عَلَى فُرُشٍ بِضَمَّتَيْنِ، فَهُوَ فَعَّالٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولُ كَاللِّبَاسِ وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ شَائِعٌ (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بِضَمِّ مِيمٍ، وَكَسْرِ هَاءٍ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَائِشَةَ) وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْهَا الشَّيْخَانِ (قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ) أَيْ: فِي بَيْتِهَا أَوْ مُطْلَقًا، وَلَمَّا كَانَ الْفِرَاشُ لِلْجُلُوسِ أَيْضًا قَيَّدَتْ بِمَا يَنَامُ عَلَيْهِ، وَلِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ لَهُمَا وَقَوْلُهُ (مِنْ أَدَمٍ) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ أَدِيمٍ، وَهُوَ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ أَوِ الْأَحْمَرُ أَوْ مُطْلَقُ الْجِلْدِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَدَمًا بِالنَّصْبِ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَدَمٌ بِالرَّفْعِ قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَوَجْهُهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَوَجَّهَهُ الْعِصَامُ بِأَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هُوَ أَدَمٌ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْفِرَاشِ، وَكَانَ تَامَّةٌ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي كَانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَجُمْلَةُ فِرَاشُهُ أَدَمٌ بَيَانٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَدَمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ وَقَوْلُهُ (حَشْوُهُ) أَيْ: مَحْشُوُّهُ وَالضَّمِيرُ لِلْفِرَاشِ
(لِيفٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ: مِنْ لِيفِ النَّخْلِ ; لِأَنَّهُ الْكَثِيرُ بَلِ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الضَّمِيرُ لِلْأَدَمِ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ جَمْعًا، فَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْأَدَمِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، وَجَعَلَهَا حَالِيَّةً مِنْ فِرَاشٍ انْتَهَى.
وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ لِهَذَا الْمَعْنَى ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ أَرَادَ ذِكْرَ خُشُونَةِ فِرَاشِهِ لِيُقْتَدَى بِهِ، وَهَاهُنَا دَقِيقَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ هَذَا الْفِرَاشَ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا نَامَ فِيهِ رِعَايَةً لِزَوْجَتِهِ، وَإِلَّا فَالْغَالِبُ أَنْ يَنَامَ عَلَى التُّرَابِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى عَلِيًّا نَامَ عَلَى التُّرَابِ مَدَحَهُ بِأَنْ كَنَّاهُ بِأَبِي تُرَابٍ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَا يُفْهَمُ مِنَ الْتِصَاقِ التُّرَابِ بِبَدَنِهِ، فَإِنَّ الْأُبُوَّةَ تَقْتَضِي التَّرْبِيَةَ، فَسَمَّاهُ بِعَمَلِهِ، وَنَادَاهُ بِأَبِي التُّرَابِ يَعْنِي أَنَّ الْأَرْضَ فِي حِيطَةِ تَرْبِيَةِ وُجُودِكَ إِيَّاهُ بِرِيَاضَةٍ اخْتَرْتَهَا، وَقَبُولٍ حَصَلَ لَكَ مِنْ رَبِّكَ انْتَهَى. بِلَفْظَةِ وَأَنْتَ فِي هَذَا الْكَلَامِ الْمُعَقَّدِ الْمَبْنِيِّ عَلَى مُجَرَّدِ الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ الْحَقِيقِ بِأَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ نُخَالَةٌ لَا دَقِيقَ مِنْ وَرَاءِ التَّأَمُّلِ كَيْفَ، وَقَوْلُهُ: الْغَالِبُ أَنْ يَنَامَ عَلَى التُّرَابِ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا وَارِدَ يُعَضِّدُهُ بَلِ الْمَعْلُومُ مِنْ حَالِهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَأَذْكُرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَنَمْ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ حَصِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ، وَيَشْهَدُ إِلَخْ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ إِذْ لَا شَاهِدَ فِي تَكْنِيَتِهِ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ بِأَبِي تُرَابٍ عَلَى زَعْمِهِ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنَامُ عَلَى التُّرَابِ، وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ إِلَخْ مَمْنُوعٌ بَلْ هَذَا هُوَ الْحَامِلُ عَلَى التَّكْنِيَةِ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَارَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ، وَيَقُولُ لَهُ قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ فَمَا كَنَّاهُ بِذَلِكَ إِلَّا حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا نَامَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَاطِمَةَ شَيْءٌ فَذَهَبَ غَضْبَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَنَامَ عَلَى تُرَابِهِ فَجَاءَ صلى الله عليه وسلم لِفَاطِمَةَ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَأَخْبَرَتْهُ فَجَاءَ إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا، وَقَدْ أَعْلَاهُ الْغُبَارُ فَصَارَ، يَنْفُضُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ، وَيَكْفِي مُسَوِّغًا لِكُنْيَتِهِ هَذِهِ الْحَالَةُ الَّتِي رَآهُ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ فَسَمَّاهُ بِعَمَلِهِ إِلَخْ كَلَامٌ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ لَا يَرْضَى بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ إِلَّا عَدِيمُ التَّمْيِيزِ فَكَيْفَ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ بَلَغَ رُتْبَةً عَلِيَّةً مِنَ الْعِلْمِ لَمْ يَبْلُغْهَا غَيْرُهُ نَعَمْ بَلَغَهَا فِي الْفَلْسَفَةِ وَعُلُومِ الْأَوَائِلِ الَّتِي لَا تُزِيدُ إِلَّا ضَلَالًا وَبَوَارًا. انْتَهَى كَلَامُهُ وَظَهَرَ مَرَامُهُ.
وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ صَاحِبَ الْقِيلِ، وَهُوَ الْعِصَامُ الْجَلِيلُ بِمَا صَدَرَ عَنْهُ، وَمَا ظَهَرَ مِنْهُ لَا يَسْتَحِقُّ ضَلَالَةً، وَلَا يَسْتَوْجِبُ جَهَالَةً مَعَ أَنَّ مَرْتَبَتَهُ فِي الْعُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى أَرْبَابِ الْكَمَالَاتِ الْأَدَبِيَّةِ، وَكَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّقَائِقِ التَّفْسِيرِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحَقَائِقِ الْعِلْمِيَّةِ مِمَّا كَانَ يُعْجِزُ عَنْ فَهْمِ كَلَامِهِ الْمُعْتَرِضِ فِي بَيَانِ مَرَامِهِ، وَالَّذِي لَاحَ لِي فِي مَعْنَاهُ عَلَى مَا قَصَدَهُ فِي مَبْنَاهُ أَنَّ مُرَادَ الْعِصَامِ لَيْسَ إِثْبَاتُ أَنَّهُ عليه السلام كَانَ يَنَامُ عَلَى التُّرَابِ بَلْ غَرَضُهُ أَنَّهُ مَا كَانَ يَخْتَارُ الْفِرَاشَ رِعَايَةً لِحَظِّ نَفْسِهِ بَلْ مُرَاعَاةً لِلْغَيْرِ مِنَ الزَّوْجَةِ، وَدَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنِ الْأُمَّةِ، وَإِلَّا فَغَالِبُ الظَّنِّ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَارُ النَّومَ عَلَى الثَّرَى مُخَالَفَةً لِلْهَوَى، وَزُهْدًا فِي الدُّنْيَا، وَتَوَاضُعًا لِلْمَوْلَى، وَتَذَكُّرًا لِمَقَامِ الْبِلَى، وَلِذَا أَعْجَبَهُ صُنْعَ الْمُرْتَضِي، وَكَنَّاهُ بِهِ مَدْحًا لِحَالِهِ، وَحُسْنِ فَعَالِهِ، وَلِذَا كَانَ يُعْجِبُ عَلِيًّا هَذِهِ التَّكْنِيَةُ أَحْسَنَ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ ثُمَّ قَوْلُ الْعِصَامِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ إِلَخْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ سَبَبُ التَّكْنِيَةِ مُجَرَّدَ إِلْصَاقِ التُّرَابِ بِبَدَنِهِ الْمُبَارَكِ بَلِ
الْمُوجِبُ لَهَا إِذْلَالُ النَّفْسِ عَنْ إِعْجَابِهَا، وَغُرُورِهَا وَحِجَابِهَا وَرَدِّهَا إِلَى أَصْلِهَا
حَيَاةً وَفَضْلِهَا مَمَاتًا، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، فَلِذَا رَفَعَهُ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَأَخَذَهُ بِيَدِهِ وَنَفَّضَ عَنْهُ التُّرَابَ، وَلَقَّبَهُ وَكَنَّاهُ بِهِ تَذْكِرَةً لِلْحَالَةِ الْحَسَنَةِ وَالْخَصْلَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَايَةٍ مِنَ التَّحْقِيقِ، وَنِهَايَةٍ مِنَ التَّدْقِيقِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ دُونَ الْمُتَعَسِّفِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَقَامَ، وَيَزِيدُ الْوُضُوحَ فِي الْمَرَامِ بَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ الْأَعْلَامُ.
مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ كَانَ ضِجَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَدَمًا حَشْوُهُ لِيفٌ، وَالضِّجَاعُ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا جِيمٌ مَا يُرْقَدُ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا مَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَدَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ مُرَقَّعَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ.
وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ فَرَأَتْ فِرَاشَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبَاءَةً مَثْنِيَّةً فَبَعَثَتْ إِلَيَّ بِفِرَاشٍ حَشْوُهُ صُوفٌ فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآهُ فَقَالَ: رُدِّيهِ يَا عَائِشَةُ وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَجْرَى اللَّهُ مَعِي جِبَالَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي أَخْلَاقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَرَأَتْ فِرَاشَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَبَاءَةً مَثْنِيَّةً فَانْطَلَقَتْ، وَبَعَثَتْ إِلَيَّ بِفِرَاشٍ فِيهِ صُوفٌ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا هَذَا قُلْتُ أَنَّ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ دَخَلَتْ عَلَيَّ فَرَأَتْ فِرَاشَكَ فَبَعَثَتْ إِلَيَّ بِهَذَا، فَقَالَ: رُدِّيهِ فَأَبَيْتُ فَلَمْ أَرُدَّهُ وَأَعْجَبَنِي أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِي قَالَتْ: حَتَّى قَالَ لِي ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ: رُدِّيهِ يَا عَائِشَةُ، فَوَاللَّهِ لَوْ شِئْتُ لَأَجْرَى اللَّهُ لِي جِبَالَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، قَالَتْ: فَرَدَدْتُهُ.
وَمِنْهَا مَا وَرَدَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ اضْطَجَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَقِيلَ لَهُ أَلَا نَأْتِيَكَ بِشَيْءٍ يَقِيكَ مِنْهُ فَقَالَ: مَا لِي وَالدُّنْيَا إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا.
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ لَفْظَهُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تُؤْذِنُنَا نَبْسُطُ تَحْتَكَ أَلْيَنَ مِنْهُ فَقَالَ مَا لِي وَلِلدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَقَالَ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا
وَمِنْهَا مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَشْرُبَةٍ أَيْ: غُرْفَةٍ وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا أَيْ مَا يُدْبَغُ وَعِنْدَ رَأْسِهِ أُهُبٌ مُعَلَّقَةٌ أَيْ: جُلُودٌ فَبَكَيْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْبَغَوِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ الْأَخِيرَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ أَيْضًا أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أُولَئِكَ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ، وَهِيَ وَسِيلَةُ الِانْقِطَاعِ، وَإِنَّا قَوْمٌ أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي آخِرَتِنَا، وَفِي رِوَايَةٍ بِزِيَادَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِزَارٌ، وَأَنَّهُ كَانَ مُضَطِّجِعًا عَلَى خَصَفَةٍ، وَأَنَّ بَعْضَهُ لَعَلَى التُّرَابِ وَلَمْ يَكُنْ بِهَا غَيْرُ
خَصَفَةٍ، وَوِسَادَةٍ مِنْ لِيفٍ، وَنَحْوَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ.
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فِي غُرْفَةٍ كَأَنَّهَا بَيْتُ حَمَامٍ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى حَصِيرٍ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ يَنَامُونَ عَلَى الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ، وَأَنْتَ نَائِمٌ عَلَى هَذَا الْحَصِيرِ قَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِكَ، فَقَالَ: لَا تَبْكِ، فَإِنَّ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ.
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما دَخَلَا عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ مُزَمَّلٍ بِالْبَرْدِيِّ، وَهُوَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ عَلَيْهِ كِسَاءٌ أَسْوَدُ حَشْوُهُ بِالْبَرْدِيِّ فَلَمَّا رَآهُمَا اسْتَوَى جَالِسًا فَنَظَرَاهُ فَإِذَا أَثَرُ السَّرِيرِ فِي جَنْبِهِ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُؤْذِيكَ خُشُونَةُ مَا نَرَى فِي فِرَاشِكَ وَسَرِيرِكَ، وَهَذَا كِسْرَى وَقَيْصَرُ عَلَى فِرَاشِ الْحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لَا تَقُولَا هَذَا، فَإِنَّ فِرَاشَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِي النَّارِ، وَإِنَّ فِرَاشِيَ، وَسَرِيرِيَ هَذَا عَاقِبَتُهُ إِلَى الْجَنَّةِ ثُمَّ رَأَيْتُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعُرْيَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَيَنَامُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ، الْحَدِيثَ، فَهَذَا أَصْلٌ أَصِيلٌ لِلْعِصَامِ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ
(حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونَ قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ: الصَّادِقُ ابْنُ الْبَاقِرِ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) قَالَ مِيرَكُ: فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ انْقِطَاعٌ لِأَنَّ الْبَاقِرَ لَمْ يَلْقَ عَائِشَةَ، وَلَا حَفْصَةَ فَإِنَّ وِلَادَتَهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَمَاتَتْ عَائِشَةُ
فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَمَاتَتْ حَفْصَةُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ انْتَهَى.
وَقَدْ حَقَّقَ ابْنُ الْهُمَامِ أَنَّ الِانْقِطَاعَ مِنْ طَرِيقِ الثَّبَاتِ لَا يَضُرُّ فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَأَلَ سَائِلٌ عَائِشَةَ (مَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِكِ) وَلَعَلَّ وَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّ بَيْتَهَا كَانَ أَعَزَّ الْبُيُوتِ عِنْدَهُ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ بَعْدَهَا حَفْصَةُ لِمَكَانِ أَبَوَيْهِمَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ بَقِيَّةِ كِمَالَاتِهِمَا (قَالَتْ: مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ) وَفِي نُسْخَةٍ أَدَمٌ بِالرَّفْعِ بِدُونِ كَلِمَةِ مِنْ ثُمَّ قِيلَ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ لَا لِأَدَمٍ ; لِأَنَّهُ جَمْعٌ ; وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صِفَةٌ لِأَدَمٍ لَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْفِرَاشُ مَصْنُوعًا مِنْ أَدَمٍ حَشْوُ ذَلِكَ الْأَدَمِ لِيفٌ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَدَمِ قَبْلَ الصُّنْعِ حَشْوٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَمَا صُنِعَ فِرَاشًا انْتَهَى.
وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنُ الْمَبْنَى، وَمُسْتَحْسَنُ الْمَعْنَى، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ: فِيهِ تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ جَمْعٌ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ لَاقْتَضَى إِلَى آخِرِهِ فِي هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ الَّتِي زَعَمَهَا نَظَرٌ بَلْ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْفِرَاشَ اسْمٌ لِمَا يُفْرَشُ، وَهُوَ يَكُونُ تَارَةً أَدَمًا، وَتَارَةً غَيْرَهُ، وَإِذَا كَانَ أَدَمًا فَتَارَةً يَكُونُ مَحْشُوًّا، وَتَارَةً يَكُونُ بِلَا حَشْوٍ فَبَيَّنَتْ بِقَوْلِهَا حَشْوُهُ لِيفٌ أَنَّهُ أَدَمٌ مَحْشُوٌّ لَا خَالٍ عَنِ الْحَشْوِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُهُ، وَظَاهِرُ إِلَى آخِرِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ عَلَى كَوْنِهِ صِفَةً لِأَدَمٍ مَحْذُورٌ أَصْلًا انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُلَازَمَةَ عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ بَلْ بَدِيهِيَّةٌ، فَإِنْكَارُهُ حَشْوٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُصَادَرَةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُكَابَرَةِ، وَالْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ سَابِقًا إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الْأَدَمُ اسْمَ جَمْعٍ، وَحَيْثُ أَنَّهُ جَمْعٌ فَلَا مُطَابَقَةَ بَيْنَ الضَّمِيرِ
وَالْمَرْجِعِ لَا لَفْظًا، وَلَا مَعْنَى (وَسُئِلَتْ حَفْصَةُ) يَعْنِي أَيْضًا (مَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِكَ قَالَتْ: مِسْحًا) أَيْ: كَانَ مِسْحًا، وَهُوَ بِكَسْرِ مِيمٍ فَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ أَيْ: فِرَاشًا خَشِنًا مِنْ صُوفٍ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْبِلَاسِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِسْحٌ بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ هُوَ هُوَ أَوْ فِرَاشُهُ مِسْحٌ (ثَنَيْتُهُ) رُوِيَ مِنَ الثَّنْيِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ يُقَالُ ثَنَاهُ عَطَفَهُ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَقَوْلُهُ (ثِنْيَتَيْنِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: طَاقَتَيْنِ، وَالْمَعْنَى نَعْطِفُهُ عَطْفَ ثِنْيَيْنِ أَيْ عَطْفًا يَحْصُلُ مِنْهُ طَاقَانِ فَالتَّاءُ لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ وَيُؤَيْدِهِ مَا فِي نُسْخَةِ ثِنْتَيْنِ بِدُونِ تَاءِ الْوَحْدَةِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ قَائِمٌ مُقَامَ الْمُضَافِ الَّذِي هُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ كَذَا حَقَّقَهُ الْعِصَامُ.
وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَرُوِيَ مِنَ التَّثْنِيَةِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى لِقَوْلِهِ ثِنْتَيْنِ، وَلِأَنَّ التَّثْنِيَةَ عَلَى مَا فِي التَّاجِ جَعْلُ الشَّيْءِ ثَانِيًا، وَهُوَ لَا يُلَائِمُ هَذَا الْمَقَامَ انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِجَعْلِ الشَّيْءِ ثَانِيًا أَنْ يَقَعَ الْقَطْعُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ثِنْتَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ صِفَةَ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (فَيَنَامُ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ ذَاتُ لَيْلَةٍ) بِالرَّفْعِ أَيْ: تَحَقُّقُ لَيْلَةٍ فَكَلِمَةُ كَانَ تَامَّةٌ، وَقَدْ يُرْوَى بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ ضَمِيرُ كَانَ رَاجِعٌ إِلَى الْوَقْتِ، وَالزَّمَانِ، وَذَاتُ مُقْحَمَةٍ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَوِ الْمُرَادُ بِهَا سَاعَاتُ لَيْلَةٍ (قُلْتُ) أَيْ: فِي نَفْسِي أَوْ لِبَعْضِ خَدَمِي (لَوْ ثَنَيْتُهُ) أَيْ: عَطَفْتُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَهُوَ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْوَاحِدِ مِنَ الثَّنْيِ عَلَى حَدِّ ضَرْبِ (أَرْبَعُ ثِنْيَاتٍ) بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: طَاقَاتٌ لَا طَفَقَاتٍ، وَإِنِ اقْتَضَاهُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، وَفِي رِوَايَةٍ بِأَرْبَعِ ثِنْيَاتٍ، وَلَعَلَّ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ: أَوْ ثَنَيْتُهُ ثَنْيًا مُلَابِسًا بِأَرْبَعِ ثِنْيَاتٍ مِنْ قَبِيلِ مُلَابَسَةِ الْعَامِّ لِلْخَاصِّ بِأَنْ يَتَحَقَّقَ فِي ضِمْنِهِ (كَانَ) أَيْ: لَكَانَ فِرَاشُهُ حِينَئِذٍ (أَوْطَأَ لَهُ) أَيْ: أَلْيَنَ مِنْ وَطِئَ يُوطِئُ إِذَا لَانَ مِنْ بَابِ حَسِنَ يُحْسِنُ، وَيُقَالُ وَطَّأَ الْمَوْضِعَ يُوطَأُ وَطْأَةً أَيْ: