المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب ما جاء في حجامة رسول الله صلى الله عليه وسلم - جمع الوسائل في شرح الشمائل - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعَطُّرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابٌ كَيْفَ كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَحِكِ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مُزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الشِّعْرِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّمْرِ)

- ‌(بَابٌ فِي صِفَةِ نَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى)

- ‌(بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي بُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَوَاضُعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌بَابُ مَا جَاءَ فِي خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حَيَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حِجَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي سِنِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ)

الفصل: ‌(باب ما جاء في حجامة رسول الله صلى الله عليه وسلم

فَالْمَشْكُوكُ فِيهِ لَفْظُ وَنَظَرْتُ وَرَأَيْتُ فَقَطْ

لَا لَفْظُ قَطُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ عَنْهَا مَا نَظَرْتُ إِلَى فَرْجِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَطُّ، أَوْ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ عَوْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَطُّ، أَوْ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَطُّ.

ثُمَّ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلْبَابِ ظَاهِرَةٌ غَايَةَ الظُّهُورِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ خِلَافَهُ وَوَقَعَ فِي بِئْرِ الْغُرُورِ.

هَذَا وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ أَحَبَّ وَأَبْسَطَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَنَفْيُ رُؤْيَتِهَا مُفِيدٌ لِنَفْيِ رُؤْيَةِ غَيْرِهَا بِالْأَوْلَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَغْتَسِلُ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ وَمَا رَأَى أَحَدٌ عَوْرَتَهُ قَطُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ إِلَّا مُقَنَّعًا يُرْخِي الثَّوْبَ عَلَى رَأْسِهِ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا رَأَى مِنِّي، أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ نَقْلًا عَنِ الْخُطَبِ.

‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي حِجَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

-)

الْحِجَامَةُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنَ الْحَجْمِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْحَجْمُ الْمَصُّ، يَحْجِمُ وَيَحْجُمُ، وَالْمِحْجَمُ وَالْمِحْجَمَةُ بِكَسْرِهِمَا مَا يُحْجَمُ بِهِ وَحِرْفَتُهُ الْحِجَامَةُ كَكِتَابَةٍ انْتَهَى.

وَلَعَلَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَالْمُنَاسِبُ لِلْمَقَامِ هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ فَتَأَمَّلْ، وَقَدِ احْتَجَمَ صلى الله عليه وسلم كَثِيرًا وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُفْطِرُ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ.

لِخَبَرِ (أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ تَعَرَّضَا لِلْإِفْطَارِ بِالْمَصِّ لِلْحَاجِمِ وَالضَّعْفِ لِلْمَحْجُومِ أَوْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلًا، ثُمَّ نُسِخَ كَمَا وَرَدَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ) أَيْ: طَيِّبٌ أَمْ خَبِيثٌ؟ (فَقَالَ أَنَسٌ) أَيْ: كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ أَيْضًا لَكِنَّ فِيهِ بَعْضَ مُخَالَفَةٍ يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا (احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: كَثِيرًا أَوْ مَرَّةً (حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ) بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ فَمُوَحَّدَةٍ وَاسْمُهُ نَافِعٌ عَلَى الصَّحِيحِ.

فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ السَّكَنِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ غُلَامٌ حَجَّامٌ يُقَالُ لَهُ نَافِعٌ أَبُو طَيْبَةَ فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ -

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُهُ عَنْ خَرَاجِهِ) الْحَدِيثَ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي اسْمِ أَبِي طَيْبَةَ أَنَّهُ دِينَارٌ وَوَهَّمُوهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دِينَارًا الْحَجَّامَ تَابِعِيٌّ رَوَى عَنْ أَبِي طَيْبَةَ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَكَذَلِكَ جَزَمَ أَبُو أَحْمَدَ وَالْحَاكِمُ فِي الْكُنَى أَنَّ دِينَارًا الْحَجَّامَ يَرْوِي عَنْ أَبِي طَيْبَةَ لَا أَنَّهُ أَبُو طَيْبَةَ نَفْسُهُ وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي الصَّحَابَةِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَنَّ اسْمَ أَبِي طَيْبَةَ مَيْسَرَةُ قَالَ مِيرَكُ: وَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بَاسْمِ أَبِي جَمِيلَةَ الرَّاوِي حَدِيثَ الْحِجَامَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَمَّا الْعَسْكَرِيُّ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ وَذَكَرَ ابْنُ الْحَدَّادِ فِي رِجَالِ الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ أَيْضًا بَلْ هُوَ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ مَوْلَاهُ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِكَوْنِهِ قِنًّا لِبَنِي بَيَاضَةَ، صَرَّحَ

ص: 175

النَّوَوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَاعْتَرَضَ (فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ) مُثَنَّى صَاعٍ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الْحِجَازِ، وَثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّاعَ اتِّفَاقًا مِكْيَالٌ يَسَعُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ، وَلَكِنَّ الْمُدَّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَقِيلَ: رِطْلٌ وَثُلُثٌ، وَقِيلَ رِطْلَانِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مِعْيَارُهُ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفِّ الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ بِعَظِيمِ الْكَفَّيْنِ وَلَا صَغِيرِهِمَا، إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَكَانٍ يُوجَدُ فِيهِ صَاعُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: وَجَرَّبْتُ ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فَأَعْطَاهُ، وَلَا مُنَافَاةَ إِذِ الْآمِرُ بِالْإِعْطَاءِ يُسَمَّى مُعْطِيًا، قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى فَأَمَرَ بِإِعْطَائِهِ، قَالَ مِيرَكُ: وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ: أَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ أَوْ مُدَّيْنِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الشَّكُّ مِنْ شُعْبَةَ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ: فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَمْ يَشُكَّ، وَأَفَادَ تَعْيِينَ مَا فِي الصَّاعِ، قُلْتُ: فَقَوْلُهُ (مِنْ طَعَامٍ) يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ بِتَمْرٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَسْبُ الْحَجَّامِ حَرَامًا لَمَا أَمَرَ لَهُ بِالْإِعْطَاءِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ (وَكَلَّمَ) أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (أَهْلَهُ) أَيْ: مَوَالِيَهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ:«مَوَالِيهِ» بَنُو حَارِثَةَ عَلَى الصَّحِيحِ وَمَوْلَاهُ مِنْهُمْ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْمَوَالِيَ مَجَازًا كَمَا يُقَالُ: بَنُو فُلَانٍ قَتَلُوا رَجُلًا وَيَكُونُ الْقَاتِلُ مِنْهُمْ وَاحِدًا، قُلْتُ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ، وَالْمُرَادُ: مَوْلَاهُ وَأَتْبَاعُهُ، قَالَ: وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ مَوْلَى بَنِي بَيَاضَةَ فَهُوَ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: أَبُو هِنْدٍ (فَوَضَعُوا) أَيْ: مَوَالِيهِ عَنْهُ (مِنْ خَرَاجِهِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ مَا يُوَظَّفُ عَلَى الْمَمْلُوكِ كُلَّ يَوْمٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مِقْدَارِهِ (وَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ أَوْ إِنَّ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ) أَيْ: مِنْ أَفْضَلِ مَا تَتَدَاوَوْنَ بِهِ (الْحِجَامَةُ) وَفِي الْعِبَارَةِ الْأُولَى مُبَالَغَةٌ لَيْسَتْ فِي الثَّانِيَةِ، قَالَ مِيرَكُ: شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَأَظُنُّهُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ جَعْفَرٍ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ (إِنَّ مِنْ أَمْثَلِ مَا

تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ: عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ (خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ) .

وَمِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ: عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ أَفْضَلَ أَيْ: مِنْ غَيْرِ شَكٍّ قَالَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ: الْخِطَابُ بِذَلِكَ لِأَهْلِ الْحِجَازِ وَمَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَهْلِ سَائِرِ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ؛ لِأَنَّ دِمَاءَهُمْ رَقِيقَةٌ وَتَمِيلُ إِلَى ظَاهِرِ الْأَبْدَانِ بِجَذْبِ الْحَرَارَةِ الْخَارِجَةِ مِنْهَا إِلَى سَطْحِ الْبَدَنِ.

وَفَصَّلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هُنَا تَفْصِيلًا حَسَنًا فَقَالَ: إِنَّمَا وَاظَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الِاحْتِجَامِ وَأَمَرَ بِهِ وَبَيَّنَ فَضْلَهُ، وَلَمْ يَفْتَصِدْ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ، مَعَ أَنَّ الْفَصْدَ رُكْنٌ عَظِيمٌ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ الْمَوْجُودَةِ وَرَدِّ الصِّحَّةِ الْمَفْقُودَةِ؛ لِأَنَّ مِزَاجَ بَلَدِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْبِلَادَ الْحَارَّةَ تُغَيِّرُ الْأَمْزِجَةَ تَغَيُّرًا عَجِيبًا كَبِلَادِ الزِّنْجِ وَالْحَبَشَةِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْبِلَادَ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ فَلِهَذَا تُسَخِّنُ الْمِزَاجَ وَتُجَفِّفُهُ وَتَحْرِقُ ظَاهِرَ الْبَدَنِ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ تَجْعَلُ أَلْوَانَ أَهْلِهَا سُودًا وَشُعُورَهُمْ إِلَى الْجُعُودَةِ، وَتُدَقِّقُ أَسَافِلَ أَبْدَانِهِمْ وَتُطِيلُ وُجُوهَهُمْ وَتُكَبِّرُ آنَافَهُمْ وَتُجْحِظُ أَعْيُنَهُمْ، جُحُوظُ الْعَيْنِ: خُرُوجُ الْمُقْلَةِ أَوْ عِظَمُهَا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَتَخْرُجُ مِنْهُ مِزَاجُ أَدْمِغَتِهِمْ عَنِ الِاعْتِدَالِ فَيَظْهَرُ أَفْعَالُ النَّفْسِ النَّاطِفَةِ فِيهِمْ مِنَ الْفَرَحِ وَالطَّرَبِ وَصَفَاءِ الْأَصْوَاتِ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الْبَلَادَةُ لِفَسَادِ أَدْمِغَتِهِمْ، وَفِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الْبِلَادِ فِي الْمِزَاجِ بِلَادُ التُّرْكِ فَإِنَّهَا بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ تُبَرِّدُ الْمِزَاجَ وَتُرَطِّبُهُ وَتَجْعَلُ ظَاهِرَ الْبَدَنِ حَارًّا شَدِيدَ الِالْتِهَابِ؛ لِأَنَّ الْحَرَارَةَ تَمِيلُ مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ إِلَى الْبَاطِنِ هَرَبًا مِنْ ضِدِّهَا الَّتِي هِيَ بُرُودَةُ الْهَوَاءِ كَالْحَالِ فِي زَمَانِ الشِّتَاءِ، فَإِنَّ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ تَمِيلُ إِلَى بَاطِنِ الْبَدَنِ لِبُرُودَةِ الْهَوَاءِ فَيَجُودُ بِذَلِكَ الْهَضْمُ وَيَقِلُّ الْأَمْرَاضُ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ قَالَ بُقْرَاطُ: إِنَّ الْأَجْوَافَ فِي الشِّتَاءِ أَسْخَنُ مَا يَكُونُ بِالطَّبْعِ، وَالنَّوْمُ أَطْوَلُ مَا يَكُونُ، وَقَالَ أَيْضًا أَسْهَلُ مَا يَكُونُ إِحْمَالُ الطَّعَامِ عَلَى الْأَبْدَانِ فِي الشِّتَاءِ فَلِهَذَا السَّبَبِ صَارَ الطَّعَامُ الْغَلِيظُ يَسْهُلُ انْهِضَامُهُ كَالْهَرَايِسِ

ص: 176

وَاللُّحُومِ الْغِلَاظِ وَالْخُبْزِ الْفَطِيرِ، وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا فِي الصَّيْفِ عَلَى عَكْسِ مَا ذُكِرَتْ فِي الشِّتَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَارَّ الْغَرِيزِيَّ الْمُصَحِّحَ لِلْغِذَاءِ مَائِلٌ إِلَى ظَاهِرِ الْبَدَنِ بِالْمُجَانَسَةِ إِلَى الْجِنْسِ، فَلِذَلِكَ يَفْسُدُ الْهَضْمُ وَيَكْثُرُ الْأَمْرَاضُ وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْإِطْنَابِ أَنَّ بِلَادَ الْحِجَازِ لَمَّا كَانَتْ حَارَّةً يَابِسَةً، فَالْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ بِالضَّرُورَةِ تَمِيلُ إِلَى ظَاهِرِ الْبَدَنِ بِالْمُنَاسَبَةِ الَّتِي بَيْنَ مِزَاجِهَا وَمِزَاجِ الْهَوَاءِ الْمُحِيطِ بِالْأَبْدَانِ فَيَبْرُدُ بَوَاطِنُ الْأَبْدَانِ وَبِهَذَا السَّبَبِ يُدْمِنُونَ أَكْلَ الْعَسَلِ وَالتَّمْرِ وَاللُّحُومِ فِي حَرَارَةِ الْقَيْظِ، وَلَا يَضُرُّهُمْ لِبَرْدِ أَجْوَافِهِمْ وَكَثْرَةِ التَّحَلُّلِ، وَإِذَا كَانَتِ الْحَرَارَةُ مَائِلَةً مِنْ بَاطِنِ الْبَدَنِ إِلَى ظَاهِرِهِ لَمْ يَحْتَمِلِ الْبَدَنُ الْفَصْدَ؛ لِأَنَّ الْفَصْدَ إِنَّمَا يَجْذِبُ الدَّمَ مِنْ أَعْمَاقِ الْعُرُوقِ وَبَوَاطِنِ الْأَعْضَاءِ، وَإِنَّمَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَى الِاحْتِجَامِ؛ لِأَنَّ الْحِجَامَةَ تَجْتَذِبُ الدَّمَ مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ فَحَسْبُ، فَافْهَمْ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ الَّتِي أَشْرَفَ عَلَيْهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ صلى الله عليه وسلم بِنُورِ النُّبُوَّةِ، وَقَالَ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ: الْحِجَامَةُ تُنَقِّي سَطْحَ الْبَدَنِ أَكْثَرَ مِنَ الْفَصْدِ، وَالْفَصْدُ لِأَعْمَاقِ الْبَدَنِ، وَالْحِجَامَةُ لِلصِّبْيَانِ وَالْبِلَادِ الْحَارَّةِ أَوْلَى مِنَ الْفَصْدِ وَآمَنُ غَائِلَةً، وَقَدْ تُغْنِي عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَدْوِيَةِ، وَلِهَذَا وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِذِكْرِهَا دُونَ الْفَصْدِ، وَلِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبًا مَا كَانَتْ تَعْرِفُ إِلَّا الْحِجَامَةَ، وَقَالَ

صَاحِبُ الْهُدَى: التَّحْقِيقُ فِي أَمْرِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْمِزَاجِ، وَالْحِجَامَةُ فِي الْأَزْمَانِ الْحَارَّةِ وَالْأَمَاكِنِ الْحَارَّةِ وَالْأَبْدَانِ الْحَارَّةِ الَّتِي دَمُ أَصْحَابِهَا فِي غَايَةِ النُّضْجِ أَنْفَعُ وَالْفَصْدُ بِالْعَكْسِ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْحِجَامَةُ أَنْفَعَ لِلصِّبْيَانِ وَلِمَنْ لَا يَقْوَى عَلَى الْفَصْدِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَيْضًا أَنَّ الْخِطَابَ لِغَيْرِ الشُّيُوخِ لِقِلَّةِ الْحَرَارَةِ فِي أَبْدَانِهِمْ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَحْتَجِمْ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ فِي انْتِقَاصٍ مِنْ عُمُرِهِ وَانْحِلَالٍ مِنْ قُوَى جَسَدِهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَهُ وَهْنًا بِإِخْرَاجِ الدَّمِ، قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْتَقِرْ حَاجَتُهُ إِلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ سِينَا فِي أُرْجُوزَتِهِ:(وَمَنْ تَكُنْ عَادَتُهُ الْفَصَادَهْ فَلَا يُمْكِنُ قَطْعُ هَذِهِ الْعَادَهْ)

ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يُقَلِّلُ ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ يَنْقَطِعَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ) بِالْجِيمِ وَاسْمُهُ مَيْسَرَةُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَنَّهُ رَوَى عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَلَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ اتِّفَاقًا (عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَأَمَرَنِي) أَيْ: بِإِعْطَاءِ أُجْرَتِهِ (فَأَعْطَيْتُ الْحَجَّامَ أَجْرَهُ) وَهُوَ الصَّاعَانِ السَّابِقَانِ فَأَفَادَ الْحَدِيثُ تَعْيِينَ مَنْ بَاشَرَ وَجَمَعَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَيْنَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ وَبَيْنَ إِعْطَاءِ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ بِأَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ مَا إِذَا كَانَ الْأُجْرَةُ عَلَى مَعْلُومٍ وَمَحَلُّ الزَّجْرِ إِذَا كَانَتْ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَكَرِهَ لِلْحُرِّ الِاحْتِرَافَ بِهَا وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا وَجَوَّزَ لَهُ الْإِنْفَاقَ عَلَى الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ، وَأَبَاحَ لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا، وَعُمْدَتُهُ حَدِيثُ مُحَيِّصَةَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ كَسْبِ الْحِجَامَةِ فَنَهَاهُ، وَذَكَرَ لَهُ الْحَاجَةَ فَقَالَ: اعْلِفْ نَوَاضِحَكَ، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ أَجْرَ الْحَجَّامِ إِنَّمَا كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ إِعَانَتُهُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ فَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا.

(حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ) بِسُكُونِ الْمِيمِ (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ مَنْسُوبٌ إِلَى شَعْبٍ بَطْنٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: أَدْرَكْتُ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ أَكْثَرَ يَقُولُونَ: عَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ مَرَّ بِهِ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما، وَهُوَ يُحَدِّثُ بِالْمَغَازِي فَقَالَ شَهِدْتُ الْقَوْمَ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا مِنِّي، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لِأَبِي بَكْرٍ الْهَمْدَانِيِّ: الْزَمِ الشَّعْبِيَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُسْتَفْتَى وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ بِالْكُوفَةِ وَالْحَسَنُ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الْعُلَمَاءُ أَرْبَعَةٌ: ابْنُ الْمُسَيَّبِ بِالْمَدِينَةِ، وَالشَّعْبِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَالْحَسَنُ بِالْبَصْرَةِ، وَمَكْحُولٌ بِالشَّامِ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ فِي الْأَخْدَعَيْنِ) وَهُمَا عِرْقَانِ فِي جَانِبَيِ الْعُنُقِ (وَبَيْنَ الْكَتِفَيْنِ) وَسَيَجِيءُ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ فِي الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَاءِ مَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، وَقَالَ مِيرَكُ: هُوَ

ص: 177

مُقَدَّمُ الظَّهْرِ مِمَّا يَلِي الْعُنُقَ، وَهُوَ الْكَتَدُ، وَالْحَدِيثُ عَلَى مَا فِي الْمَتْنِ حَسَّنَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ -

وَسَلَّمَ - لَمَّا سُمَّ بِخَيْبَرَ احْتَجَمَ ثَلَاثَةً عَلَى كَاهِلِهِ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الِاسْتِفْرَاغَ يَنْفَعُ السُّمَّ وَأَنْفَعُهُ الْحِجَامَةُ لَا سِيَّمَا فِي بَلَدٍ أَوْ زَمَنٍ حَارٍّ فَإِنَّ السُّمَّ يَسْرِي فِي الدَّمِ فَتَتْبَعُهُ فِي الْعُرُوقِ وَالْمَجَارِي حَتَّى تَصِلَ إِلَى الْقَلْبِ، وَبِخُرُوجِهِ يَخْرُجُ مَا خَالَطَهُ مِنَ السُّمِّ، ثُمَّ إِنْ كَانَ اسْتِفْرَاغًا عَامًّا أَبْطَلَهُ وَإِلَّا أَضْعَفَهُ فَتَقْوَى الطَّبِيعَةُ عَلَيْهِ وَتَقْهَرُهُ، وَإِنَّمَا احْتَجَمَ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْكَاهِلِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْقَلْبِ لَكِنْ لَمْ تَخْرُجِ الْمَادَّةُ كُلُّهَا بِهِ لِمَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ تَكْمِيلِ مَرَاتِبِ الْفَضْلِ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي وَدَّهَا صلى الله عليه وسلم.

وَرُوِيَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَحْتَجِمُ بَيْنَ الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِحِجَامَةِ الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ فِي وَرِكِهِ مِنْ وَنًى كَانَ بِهِ.

وَرُوِيَ فِي الْحِجَامَةِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي إِذَا اسْتَلْقَى الْإِنْسَانُ أَصَابَتْهُ الْأَرْضُ مِنْ رَأْسِهِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّهَا شِفَاءٌ مِنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ دَاءً.

قَالَ ابْنُ سِينَا: إِنَّ الْحِجَامَةَ فِيهَا تُورِثُ النِّسْيَانَ حَقًّا، وَنَقَلَهُ حَدِيثًا وَلَفْظُهُ مُؤَخَّرُ الدِّمَاغِ مَوْضِعُ الْحِفْظِ وَيُضْعِفُهُ الْحِجَامَةُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ فَهِيَ إِنَّمَا تُضْعِفُهُ إِذَا كَانَتْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لَهَا كَغَلَبَةِ الدَّمِ فَإِنَّهَا نَافِعَةٌ طِبًّا وَشَرْعًا فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ احْتَجَمَ فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ مِنْ قَفَاهُ وَغَيْرِهِ بِحَسَبِ مَا دَعَتْ ضَرُورَتُهُ إِلَيْهِ.

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَحْتَجِمُ ثَلَاثًا: وَاحِدَةً عَلَى كَاهِلِهِ وَاثْنَتَيْنِ عَلَى الْأَخْدَعَيْنِ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَحْتَجِمُ ثِنْتَيْنِ فِي الْأَخْدَعَيْنِ وَوَاحِدَةً فِي الْكَاهِلِ وَكَانَ يَأْمُرُ بِالْوَتْرِ.

قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ فَصْدُ الْبَاسَلِيقِ يَنْفَعُ حَرَارَةَ الْكَبِدِ وَالطُّحَالِ وَالرِّئَةِ وَمِنَ الشَّوْصَةِ وَذَاتِ الْجَنْبِ وَسَائِرِ الْأَمْرَاضِ الدَّمَوِيَّةِ الْعَارِضَةِ مِنْ أَسْفَلِ الرُّكْبَةِ إِلَى الْوَرِكِ، وَفَصْدُ الْأَكْحَلِ يَنْفَعُ الِامْتِلَاءَ الْعَارِضَ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ إِذَا كَانَ دَمَوِيًّا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فَسَدَ، وَفَصْدُ الْقِيقَانِ يَنْفَعُ مِنْ عِلَلِ الرَّأْسِ وَالرَّقَبَةِ إِذَا كَثُرَ الدَّمُ أَوْ فَسَدَ وَفَصْدُ الْوَدَجَيْنِ لِلطُّحَالِ وَالرَّبْوِ وَوَجِعِ الْجَنْبَيْنِ، وَالْحِجَامَةُ عَلَى الْكَاهِلِ يَنْفَعُ مِنْ وَجِعِ الْمَنْكِبِ وَالْحَلْقِ وَيَنُوبُ عَنْ فَصْدِ الْبَاسَلِيقِ وَالْحِجَامَةُ تَحْتَ الذَّقَنِ تَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الْأَسْنَانِ وَالْوَجْهِ وَالْحُلْقُومِ وَتَنْفِي الرَّأْسَ، وَالْحِجَامَةُ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ تَنُوبُ عَنْ فَصْدِ الصَّافِنِ، وَهُوَ عِرْقٌ عِنْدَ الْكَعْبِ وَتَنْفَعُ عَنْ قُرُوحِ الْفَخِذَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَانْقِطَاعِ الطَّمْثِ وَالْحُكَّةِ الْعَارِضَةِ لِلْأُنْثَيَيْنِ، وَالْحِجَامَةُ عَلَى أَسْفَلِ الصَّدْرِ نَافِعَةٌ مِنْ دَمَامِيلِ الْفَخِذِ وَبُثُورِهِ مِنَ النِّقْرِسِ وَالْبَوَاسِيرِ وَدَاءِ الْفِيلِ وَحَكَّةِ الظَّهْرِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ إِذَا كَانَ عَنْ دَمٍ هَائِجٍ وَصَادَفَ وَقْتَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ وَالْحِجَامَةُ عَلَى الْمِقْعَدِ يَنْفَعُ الْأَمْعَاءَ وَفَسَادَ الْحَيْضِ (وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَلَوْ كَانَ) أَيْ: أَجْرُهُ (حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ) وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ حَلَالٌ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ، وَقَالُوا: هُوَ كَسْبٌ فِيهِ دَنَاءَةٌ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ فَحَمَلُوا الزَّجْرَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَتَقَدَّمَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَمِنْهُمْ

مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ وَأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا، ثُمَّ أُبِيحَ وَجَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ مِيرَكُ: وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ قُلْتُ هَذَا مَعْلُومٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الِاسْتِدْلَالِ فَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ دَلَالَةٌ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَمَا مَالُوا إِلَى هَذَا الْمَقَالِ.

(حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَعَا حَجَّامًا) وَهُوَ أَبُو طَيْبَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (فَحَجَمَهُ وَسَأَلَهُ) وَفِي نُسْخَةٍ فَسَأَلَهُ (كَمْ خَرَاجُكَ قَالَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَضَمِّ صَادٍ جَمْعُ صَاعٍ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ لَيْسَ فِي الْقَامُوسِ، وَلَا فِي الصِّحَاحِ، وَإِنَّمَا

ص: 178

الَّذِي فِيهِ أَصْوُعٌ بِالْوَاوِ وَأَصْؤُعٌ بِالْهَمْزِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ «آصُعًا» مَقْلُوبُ أَصْوُعٍ فَصَارَ أَءْصُعًا بِهَمْزَتَيْنِ، ثُمَّ قُلِبَتِ الثَّانِيَةُ أَلِفًا فَوَزْنُهُ أَعْفُلٌ وَنَظِيرُهُ آبَارٌ، وَآبَارٌ جَمْعُ بِئْرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ صَاعَانِ (فَوَضَعَ عَنْهُ صَاعًا وَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ) قَالَ مِيرَكُ: وَكَانَ هَذَا هُوَ السَّبَبَ فِي الشَّكِّ الْمَاضِي وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَجْمَعُ الْخِلَافَ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي شَيْبَانَ أَنَّ خَرَاجَهُ كَانَ ثَلَاثَةَ آصُعٍ وَكَذَا لِأَبِي يَعْلَى عَنْ جَابِرٍ فَإِنْ صَحَّ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ صَاعَيْنِ وَزِيَادَةً فَمَنْ قَالَ صَاعَيْنِ أَلْغَى الْكَسْرَ وَمَنْ قَالَ ثَلَاثَةً جَبَرَهُ.

(حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارُ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدِ مِيمٍ (وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَا) أَيْ: كِلَاهُمَا (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَحْتَجِمُ فِي الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ) بِسُكُونِ الشِّينِ وَكَسْرِهَا لُغَةً، وَهِيَ أَصْلُ السَّيِّدِ (وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ) أَيْ: تَارَةً وَتَارَةً قَالَ مِيرَكُ: وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ وَسَعِيدٌ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُونَ وَلَيَّنَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ وَشَاهِدٌ آخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَرَوَى الْمُصَنِّفُ أَيْضًا أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ:(خَيْرُ مَا تَحْتَجِمُونَ فِيهِ يَوْمَ سَابِعَ عَشَرَ وَتَاسِعَ عَشَرَ أَوْ وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ لَا يَتَبَيَّغْ بِأَحَدِكُمُ الدَّمُ فَيَقْتُلَهُ) وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَّتِهِ (مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ) أَيْ: كُلِّ دَاءَ سَبَبُهُ غَلَبَةُ الدَّمِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي تَعْيِينِ الْأَيَّامِ لِلْحِجَامَةِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ رَفَعَهُ (الْحِجَامَةُ تَزِيدُ الْحَافِظَ حِفْظًا وَالْعَاقِلَ عَقْلًا فَاحْتَجِمُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَاحْتَجِمُوا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَةَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَالْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ وَالْأَحَدِ) أَخْرَجَهُ مِنْ ضَعِيفَيْنِ وَلَهُ طَرِيقٌ ثَالِثَةٌ ضَعِيفَةٌ أَيْضًا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْإِفْرَادِ وَأَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَنَقَلَ الْخَلَّالُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَرِهَ الْحِجَامَةَ فِي الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا.

وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ

فَأَصَابَهُ مَرَضٌ لِكَوْنِهِ تَهَاوَنَ بِالْحَدِيثِ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْحِجَامَةَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ يَوْمُ الدَّمِ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ فِيهَا الدَّمُ.

أَقُولُ: وَلَعَلَّ الْكَرَاهَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالِ الِاخْتِيَارِ وَنَفْيَهَا عَلَى وَقْتِ الِاضْطِرَارِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ الْخَلَّالُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ فِي أَيِّ وَقْتٍ هَاجَ بِهِ الدَّمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ الشَّهْرِ، ثُمَّ فِي الرُّبْعِ الثَّالِثِ مِنْ أَرْبَاعِهِ أَنْفَعُ مِنَ الْحِجَامَةِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ.

قَالَ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْلَاطَ أَوَّلَ الشَّهْرِ تَهِيجُ، وَفِي آخِرِهِ تَسْكُنُ فَأَوْلَى مَا يَكُونُ الِاسْتِفْرَاغُ فِي أَثْنَائِهِ وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ أَيْضًا: أَنَّ أَنْفَعَ الْحِجَامَةِ مَا يَقَعُ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ مِنَ النَّهَارِ وَأَنْ لَا يَقَعَ عَقِيبَ اسْتِفْرَاغٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ جِمَاعٍ، وَلَا عَقِيبَ شِبَعٍ، وَلَا جُوعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَرُوِيَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْحِجَامَةُ عَلَى الرِّيقِ دَوَاءٌ وَعَلَى الشِّبَعِ دَاءٌ، وَفِي سَبْعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ شِفَاءٌ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ صِحَّةٌ لِلْبَدَنِ وَلَقَدْ أَوْصَانِي خَلِيلِي جِبْرِيلُ بِالْحِجَامَةِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا.

وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَا مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِمَلَأٍ إِلَّا قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ يَا مُحَمَّدُ.

وَالْأَمْرُ فِيهَا لِلنَّدْبِ وَالِاحْتِيَاطِ وَالتَّحَرُّزِ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ لِقَوْلِهِ عليه السلام لَا يَتَبَيَّغْ بِكُمُ الدَّمُ فَيَقْتُلَكُمْ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ نِعْمَ الْعَبْدُ الْحَجَّامُ يُذْهِبُ الدَّمَ وَيُحَفِّفُ الصُّلْبَ وَيَجْلُو الْبَصَرَ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي سَمَّتْهَا الْيَهُودِيَّةُ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ أُخْتُ الْمِرْحَبِ الْيَهُودِيِّ بِخَيْبَرَ احْتَجَمَ عَلَى كَاهِلِهِ مِنْ أَجْلِهِ.

ص: 179

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ: إِذَا أَرَادَ الْمُحْرِمُ الْحِجَامَةَ بِغَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنْ تَضَمَّنَتْ قَطْعَ شَعْرٍ فَهِيَ حَرَامٌ لِقَطْعِ الشَّعْرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ بِأَنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا شَعْرَ فِيهِ أَوْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ شَعْرٌ وَلَمْ يُقْطَعْ جَازَتْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَا فِدْيَةَ، وَكَرِهَهَا مَالِكٌ وَعَنِ الْحَسَنِ فِيهَا الْفِدْيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ شَعْرًا، وَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ جَازَ قَطْعُ الشَّعْرِ وَيَجِبُ الْفِدْيَةُ وَخَصَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ الْفِدْيَةَ بِشَعْرِ الرَّأْسِ انْتَهَى.

وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الْفَصْدِ وَرَبْطِ الْجُرْحِ وَالدُّمَّلِ وَقَطْعِ الْعِرْقِ وَقَلْعِ الضِّرْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّدَاوِي إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ارْتِكَابُ مَا نُهِيَ الْمُحْرِمُ عَنْهُ مِنْ تَنَاوُلِ الطِّيبِ وَقَطْعِ الشَّعْرِ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَوْلُهُ (بِمَلَلٍ) ظَرْفٌ لِاحْتَجَمَ وَالْجُمْلَةُ مَا بَيْنَهُمَا حَالِيَّةٌ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ الْأُولَى مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى سَبْعَةَ عَشَرَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ (عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ) قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: كَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ حَكَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ فَأَرْسَلَهُ وَسَعِيدٌ أَحْفَظُ مِنْ مَعْمَرٍ وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ قَالَ مِيرَكُ: وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ

بُحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ، وَلَفْظُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَفِي أُخْرَى عَنْهُ أَيْضًا احْتَجَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي رَأْسِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ وَجَعٍ بِهِ بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ (لَحْيُ جَمَلٍ) وَلَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ بِلَحْيِ جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ، فَظَاهِرُهُ التَّعَارُضُ فِي مَكَانِ الِاحْتِجَامِ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا مِنَ الْبَدَنِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّدِ وَجَزَمَ الْحَازِمِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْحِجَامَةَ وَقَعَتْ فِي وَسَطِ الرَّأْسِ كَانَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الَّتِي فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ وَقَعَتْ فِيهَا أَيْضًا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي إِحْدَى عُمْرَاتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ مِيرَكُ: وَقَوْلُهُ (لَحْيُ جَمَلٍ) وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْإِفْرَادِ وَاللَّامُ مَفْتُوحَةٌ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَالْمُهْمَلَةُ سَاكِنَةٌ، وَجَمَلٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ فِي اسْمِ الْعَقِيقِ، وَقَالَ هِيَ بِئْرُ جَمَلٍ الَّتِي وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي جَهْمٍ فِي التَّيَمُّمِ، وَقَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ وَغَيْرُهُ هِيَ بُقْعَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَهِيَ عَقِبَ الْجُحْفَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ السُّقْيَا وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِلَحْيِ الْجَمَلِ الْآلَةُ الَّتِي احْتَجَمَ بِهَا أَيِ احْتَجَمَ بِعَظْمِ جَمَلٍ، وَهُوَ وَهْمٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ لِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ حَيْثُ قَالَ بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ لَحْيُ جَمَلٍ، وَقَوْلُهُ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَيَجُوزُ تَسْكِينُهَا أَيْ: مُتَوَسَّطُهُ، وَهُوَ مَا فَوْقَ الْيَافُوخِ فِيمَا بَيْنَ أَعْلَى الْقَرْنَيْنِ، قَالَ اللَّيْثُ: كَانَتْ هَذِهِ الْحِجَامَةُ فِي فَأْسِ الرَّأْسِ، وَأَمَّا الَّتِي فِي أَعْلَاهُ فَلَا؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا أَعْمَتْ، وَقَوْلُهُ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ، قَالَ الشَّيْخُ الْعَسْقَلَانِيُّ: بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَقَافَيْنِ عَلَى وَزْنِ عَظِيمَةٍ وَجَعٌ بِأَحَدِ جَانِبَيِ الرَّأْسِ وَفِي مُقَدَّمِهِ، وَذَكَرَ أَهْلُ الطِّبِّ أَنَّ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ أَبْخِرَةً مُرْتَفِعَةً أَوْ أَخْلَاطًا حَارَّةً أَوْ بَارِدَةً تَرْتَفِعُ إِلَى الدِّمَاغِ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَنْفَذًا أَحْدَثَتِ الصُّدَاعَ فَإِنْ مَالَتْ إِلَى أَحَدِ شِقَّيِ الرَّأْسِ أَحْدَثَتِ الشَّقِيقَةَ، وَإِنْ مَالَتْ إِلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ أَحْدَثَتْ دَاءَ الْبَيْضَةِ قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ رُبَّمَا أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ فَمَكَثَتْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ لَا يَخْرُجُ قَالَ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ أَكْلَةٍ أَكَلَهَا مِنْ شَاةٍ سَمَّتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ فَلَمْ يَزَلْ شَاكِيًا.

وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْمَكَانِ النَّاتِئِ مِنَ الرَّأْسِ فَوْقَ الْيَافُوخِ فَقَالَ هَذَا مَوْضِعُ مِحْجَمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ عُقَيْلٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُسَمِّيهَا الْمُغِيثَةَ أَمَرَنِي جِبْرِيلُ حِينَ أَكَلْتُ طَعَامَ الْيَهُودِيَّةِ، وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ مُرْسَلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَأْسِهِ حِينَ طُبَّ يَعْنِي سُحِرَ قَالَ وَوَرَدَ فِي فَضْلِ الْحِجَامَةِ عَلَى الرَّأْسِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ (الْحِجَامَةُ فِي الرَّأْسِ تَنْفَعُ مِنْ سَبْعٍ: مِنَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالنُّعَاسِ وَالصُّدَاعِ

وَوَجَعِ الضِّرْسِ وَالْعَيْنِ) وَعَمْرٌو مَتْرُوكٌ رَمَاهُ الْفَلَّاسُ وَغَيْرُهُ بِالْكَذِبِ قَالَ مِيرَكُ: وَلَكِنْ لِلْحَدِيثِ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ

ص: 180